saleh

صالح البلوشي

قبل أن أبدأ هذا المقال، أودُّ أن أقدِّم اعتذارا؛ أولا: للأب والقائد جلالة السلطان قابوس المعظم -حفظه الله- لجرأتي على الكتابة في هذا الموضوع، الذي أعتقد أنه لا يخفى على معظم العُمانيين؛ فجلالة السلطان -حفظه الله- كان ولا يزال يعيش بين أبناء شعبه كواحد منهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويعيش همومهم وآلامهم اليومية، وقد عُرف عنه حبه الشديد للتجوُّل بين أبناء شعبه، يلتقي بهم، ويزورهم، ويلتقون به، ويشكون إليه القضايا التي تهمهم، حتى في أبسط القضايا في حياتهم اليومية، دون أي حواجز نفسية أو أمنية. ولا عجب في ذلك؛ فجلالة السلطان المفدى -حفظه الله وأمد في عمره- قدَّم كلَّ حياته ووقته الثمين لشعبه الأبي الذي بادله الحب والحنان، وعندما يتبادل الشعب مع القائد الحب -فلا شك- أنَّ النتيجة ستكون ما نراه اليوم بأُم أعيننا، وما يراه العالم ويسمعه ويقرأ عنه، من ملحمة الحب والوفاء بين القائد والشعب.

كما أعتذر للقرَّاء الكرام ثانيا؛ لأن ما أكتبه هنا ليس جديدًا بالنسبة لهم، فإني مهما كتبت عن جلالة السلطان المعظم -حفظه الله ورعاه- فلن أستطيع أن أوفي ولو جزء قليل من حقِّ هذا القائد العظيم الذي حَكَم فعدل، ووَعَد فأنجز، وقاد السفينة العُمانية بنجاح أسطوري أذهل العالم. فماذا عساني أن أكتب في رجل شهد العالم أجمع بحكمته وحنكته السياسية، واستطاع أن ينقل عُمان من ظلمات القرون الوسطى إلى عصر النور والتنوير. وبعد خمسة وأربعين عاما من النهضة، لا نملك إلا أن نعمل بإخلاص في خدمة هذا الوطن الغالي، والحفاظ على المنجزات التي تحققت على أرضه، وأن ندعو الله أن يحفظ قائدنا وحبيبنا وقدوتنا وقائد مسيرتنا جلالة السلطان قابوس المعظم، ويمد في عمره، ويجعلنا جنودا مخلصين تحت قيادته الحكيمة. 

القراءة:

عُرف عن صاحب الجلالة المعظم -حفظه الله ورعاه- حُبه للقراءة والاطلاع على كل جديد في عالم الفكر والسياسة؛ فقد كان في أيام دراسته في بريطانيا يُحب الاطلاع على الثقافة الغربية، والغوص في عالم الروايات القديمة والكتب التأريخية ودراسة الآثار المعمارية، وكأنه كان يريد أن يعرف كل صغيرة في سر تطور الدول الغربية ووصولها إلى هذا المستوى في الفكر والثقافة والتعليم والتصنيع وغيرها. ولِمَ لا؟! أليس هو الحاكم المنتظر لعُمان؟ كان جلالته يُريد أن يبني في عُمان دولة عصرية؛ لذا كان يريد أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون، وليس من حيث بدأوا؛ حيث إنه عرف بنظره الثاقب واطلاعه الواسع على التأريخ العُماني، أنَّ عُمان تمتلك جميع المقومات التاريخية والطبيعية والجغرافية والسياسية التي تؤهلها لأن تكون ضمن الدول المتقدمة في العالم؛ لذلك حرص جلالته أيضا على قراءة أمَّات الكتب في الفلسفة الأوربية؛ من أجل أن ينهل من معارفها في طرائق النظرة إلى الكون وإدارة الحكم والتعامل مع الواقع.

وفي حديث إلى مجلة “ميدل إيست بوليسي” -صدر في أبريل 1995- تحدَّث صاحب الجلالة المعظم عن قراءاته في الفكر الفلسفي الأوروبي؛ حيث قال حفظه الله: “كانت ميزتي على غيري أني واظبت طوال عدة سنين على قراءة المصنفات السياسية والفلسفية للكثير من أبرز المفكرين في العالم، في بعض الحالات لم أكن -بالطبع- موافقا على الأفكار التي طرحوها، إلا أنَّ عدم الموافقة هذه كانت بحد ذاتها أمرا قيما لتطوير آرائي الناجزة، وللاعتراف بضرورة مراعاة جميع جوانب القضية”.

وعندما رجع صاحب الجلالة المعظم إلى السلطنة، بعد أن أنهى دراسته العسكرية في بريطانيا، كان قد اطلع على أبز النتاجات الفلسفية والآداب الغربية والتاريخ الأوروبي؛ فعزم على دراسة الفقه الإسلامي وتفسير القرآن الكريم، إضافة إلى تاريخ عُمان على يد أبرز علماء الدين في السلطنة؛ فالاستفادة من تجارب الأمم الأخرى في الفكر والسياسة ومسائل الحكم لا يعني التفريط أو نسيان التراث الأصيل للأمة المتمثل في الفقه الإسلامي والعلوم الإسلامية؛ فجلالة السلطان كان يسعى لبناء دولة عصرية تأخذ بأسباب الحضارة المدنية، وفي الوقت نفسه تحافظ على هويتها العربية والإسلامية.

لذلك لم ينتهِ صاحبُ الجلالة المعظم من دراسته في بريطانيا إلا وهو يمتلك رصيدا معرفيا هائلا من الاطلاع على مبادئ الحضارة الأوروبية وتاريخ أوروبا؛ فقد عرف جلالته أن تطوُّر الأمم والشعوب لا يأتي من الشعارات التي ترفعها؛ وإنما بالعمل الجاد من أجل النهوض والرقي الحضاري؛ وهذا ما جعل جلالته لا يثق في الأفكار الناصرية والقومية التي كانت تحقق انتشارا كبيرا في الوطن العربي آنذاك؛ نتيجة الدعايات الواسعة التي كانت تبثها الإذاعات المصرية والعراقية…وغيرهما؛ وأبرزها: إذاعة “صوت العرب” في القاهرة؛ لأنه كان يؤمن بالنتائج وليس الشعارات. وهذا ما آمن به أثناء الظروف العصيبة التي مرَّت بهذا الوطن إبان التمرد اليساري الذي كان يشتعل في جنوب البلاد؛ حيث لم يكتفِ جلالته بمواجهة التمرد بالسلاح فقط؛ وإنما بالبناء أيضا. وفي مقابل كل رصاصة كانت توجَّه إلى المتمردين، كان هناك مشروع يُبنى في إحدى قرى محافظة ظفار، وعندما تحقق الانتصار النهائي الحاسم في 11/12/1975، كانت المشروعات التنموية الحديثة وصلت إلى كل بقعة من محافظة ظفار؛ مثل: المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية والشوارع الحديثة…وغيرها.

ولا بد أن أشير هنا أيضا إلى نقطة بالغة الأهمية في فكر صاحب الجلالة المعظم -حفظه الله- فنتيجة لإلمامه الواسع بمبادئ الدين الإسلامي بصورتها النقية قبل أن تتأثر بالمذاهب والأيديولوجيات -ابتداءً من القرن الثاني الهجري- واطلاعه الواسع على الإنتاج الفلسفي الأوروبي، خاصة في مرحلة عصر التنوير، آمن إيمانا عميقا بأهمية الفكر في تطور مسيرة الإنسان إلى المستقبل؛ لذلك قال كلمة في غاية الأهمية أثناء زيارته التاريخية لجامعة السلطان قابوس في مايو عام 2000 أمام الكادر التدريسي والإداري والطلاب، عندما قال: إنَّ “المعرفة ليست مطلقة، وإنما متجددة”، وطالب أيضا بضرورة مراجعة التاريخ الإسلامي عندما قال: “أجد أن التاريخ الذي كُتب منذ قرون مضت -أحيانا- فيه الكثير من التهويل، والكثير من التحريف، والكثير مما هو كتب بأهواء، أكانت سياسية أو غيرها”، وطالب جلالته الطلاب بضرورة نقد التاريخ، وعدم أخذ الروايات على علاتها.. وقال: إنه “لا يجب علينا أن نردِّد كل ما كتب كالببغاء”، وعندما يطالب زعيم دولة كالسلطان قابوس الطلاب بممارسة النقد، فلا شك أن ذلك يتطلب وجود حرية فكرية تسمح لهم بممارسة النقد، وهذا ما تنبه إليه جلالة السلطان بنظرته الثاقبة، فأطلق كلمته التاريخية التي يسجلها التاريخ بأحرف من نور: “إنَّ مصادرة الفكر والتدبر والاجتهاد من أكبر الكبائر، ونحن لن نسمح لأحد بمصادرة الفكر أبدا، من أي فئة كانت”.

الموسيقى:

ومن أحبِّ الهوايات إلى جلالة السلطان المعظم -حفظه الله- الاستماع إلى الموسيقى، خاصة الكلاسيكية. ولجلالته إلمام واسع جدًّا بأشهر الموسيقيين العالميين والأعمال الموسيقية العالمية، وقد ذكر سيرجي بليخانوف في كتابه “مصلح على العرش”: أنَّ جلالة السلطان مُعجب جدًّا بالموسيقار العالمي تشايكوفسكي، وريمسي كورساكوف، ورحمانينوف”، وقال أيضا: إنه “من المعجبين بالعديد من الملحنين الأوروبيين؛ مثل: سبيليوس، والفنلندي، وكذلك برامز، وباخ، وإيلجار، وأولسون، وبالدرجة الأولى الموسيقى الكلاسيكية”، ولا يقتصر إعجاب السلطان قابوس على الموسيقى الكلاسيكية فقط -كما يتصوَّر البعض- وإنما هو -حفظه الله- معجب أيضا “بالموسيقى الشعبية من مختلف الأقطار والقارات -الأنغام الراقصة البولندية والرومانية والعربية”، وصاحب الجلالة ليس مستمعا فقط، وإنما له آراء نقدية في الموسيقى العربية التي يرى “أن مستوى الأداء في الموسيقى العربية الراقصة انخفض كثيرا، وأصاب الخلل مسار التوارث؛ فلم يبق بين العازفين عدا عدد قليل من القادرين على صَوْن موسيقانا الكلاسيكية كحدقة العين”، ولا يخفي أيضا السلطان -أمدَّ الله عمره- إعجابه بـ”الموشحات الأندلسية، والألحان التركية، والمقامات الإيرانية”، كما يبدي السلطان إعجابه أيضا في الموسيقى الهندية والإفريقية.

ويرى صاحب الجلالة المعظم أنَّ الثقافة الموسيقية العُمانية “تطورت بتأثيرات من ثقافات كثيرة: الهند وبلوشستان وإفريقيا، ومن حُسن الحظ أنَّ عُمان حافظت تماما على تقاليد الأداء الموسيقي، وأنا أسعى إلى تطويرها بكل السبل، لكننا لسنا انطوائيين؛ فلدينا جوقات وأوركسترات لجميع الأنواع الأساسية: الموسيقى السيمفونية والعسكرية والجاز…وغيرها، وآمل أنَّ كل هذه الجهود لتطوير الموسيقى تؤدي إلى بلوغ هدفي في النهوض بالمستوى الثقافي للشعب عموما، وبمستوى التعليم الموسيقي خصوصا”. كما أنَّ علاقة السلطان -حفظه الله- بالموسيقى يتجاوز مسألة الاستماع والنقد إلى الممارسة أيضا في أوقات الاستراحة النادرة؛ لذلك يلتقط السلطان العود في لحظات الاستجمام ويعزف عليه ارتجالا، وفي بعض الأحيان القليلة يعزف على الأرغن.

وعندما سُئل السلطان في حديث صحفي عن القطعة الموسيقية التي لن يأسف إذا أخذها معه إلى جزيرة خالية غير مأهولة، قال حفظه الله: “إنها الأنشودة الرعوية السادسة لبيتهوفن”، ويصف بليخانوف عشق السلطان للموسيقى بأن هذا الاعتراف الموسيقي وأقوال السلطان الأخرى في شأن ذوقه الموسيقي، تجعلنا نستنتج أننا أمام رجل متسق مع نفسه، ويعيش في وئام مع ذاته.

ونتيجة لاهتمامه بالموسيقى بأنواعها المختلفة، أسدى صاحب الجلالة المعظم في سبتمبر عام 1985، توجيهاته السامية بتأسيس الأوركسترا السيمفونية السلطانية العُمانية، تحت إشراف مباشر من جلالته. وفي العام 2001، أمر جلالة السلطان المعظم ببناء دار الأوبرا السلطانية العُمانية لتكون أول دار للأوبرا، والوحيدة حتى الآن في منطقة الخليج العربي، وقد تمَّ البدء في الأعمال الإنشائية للمبنى في العام 2007م، وقد افتتح جلالة السلطان المعظم دار الأوبرا رسميا في 12 أكتوبر 2011م، في حفل كبير مع رائعة جياكومو بوتشيني الأوبرالية (توراندو)، التي قُدِّمت بإخراج جديد وضعه المخرج الإيطالي الكبير فرانكو زيفيريلي خصيصا لأوبرا مسقط، وقد شارك في الافتتاح ضيوف من كبار الشخصيات من داخل السلطنة وخارجها.

ومن الهوايات المحببة إلى جلالة السلطان المعظم ركوب الخيل؛ ففي حديث صحفي مع صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد -نُشر في جريدة عُمان- ملحق قابوس الإنسان، الذي صدر بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني الخامس والعشرين 1995 (اليوبيل الفضي) -ذكر جلالته: “منذ طفولتي، كانت لديَّ هواية ركوب الخيل؛ فقد وُضِعتُ على ظهر حصان وأنا في الرابعة من عمري، ومنذ ذلك الحين وأنا أحب ركوب الخيل؛ ولكن في الآونة الأخيرة ولكثرة الأعمال أصبحت الممارسة قليلة جدًّا، إلا أنَّ هذه الهواية لا تزال قريبة إلى نفسي”. وذكر جلالته أيضا: أن من الهوايات المحببة إليه الرماية؛ باعتبار خلفيته وتدريبه العسكري، ووصف جلالته هذه الهواية بأنها: “جزء مهم لكل من يهتم بالنشاط العسكري، وعاش في مجتمع كالمجتمع العُماني، الذي بكونه يستطيع حمل السلاح عند الضرورة، وكذلك عندي حب التجربة لكل ما هو جديد من أسلحة في القوات المسلحة؛ سواء بندقية أو مدفع رشاش أو مدفع دبابة، إلا أنَّ الرماية بالمسدس والبندقية تبقى هي الأفضل، وكذلك كنوع من الترفية أستخدم القوس والنشاب”.

وبالإضافة إلى الفروسية والرماية، فقد ذكر جلالته أنه له هوايات أخرى؛ مثل: المشي؛ فقد كان يُحب هذه الهواية منذ الصغر، خاصة عند البحر، ووصف جلالته هذه الهواية بأنها: “رياضة للجسم وفرصة للتفكير”، كما يُحب صاحب الجلالة التصوير، وكانت لديه هواية الرسم للمناظر الطبيعية في وقت من الأوقات، إلا أنَّ الظروف والوقت أصبحا لا يسمحان بممارسة هذه الهوايات.

ويصف صاحب الجلالة القراءة بأنها بالإضافة كونها هواية “جزء من العمل، وأصبح من الصعب مطالعة الكتب حسب الهواية، إلا ما هو في مجال العمل والحياة اليومية”.

ومن الهوايات المحببة إلى السلطان “علم الفلك ومراقبة الكواكب؛ حيث ذكر أنه يمتلك مرصدا صغيرا” يقول جلالته: بأنه “يأمل تحسينه مستقبلا”، ويقول جلالته: “عندما تكون الفرصة سانحة في الليالي المناسبة حسب النشرات الفلكية، فإنني أقضي بعض الوقت في مراقبة هذه الكواكب السمائية”، كما يحب صاحب الجلالة ممارسة لعبة التنس، ويحب متابعتها أيضا على شاشة التلفاز، وكذلك يحب متابعة ألعاب القوى.

وفي ختام المقال، أودُّ توضيح نقطة مهمة جدًّا؛ وهي: أن جلالة السلطان بحكم مسؤولياته في خدمة الوطن والسهر على راحة شعبه الوفي؛ كان لا يجد وقتا لممارسة هواياته المفضلة إلا فيما ندُر؛ فقد كان -حفظه الله- يعتبر رسالته في الحياة هي خدمة الوطن والشعب فقط، وما عدا ذلك فأمور ثانوية وربما أقل، وقد نقل الباحث الروسي سيرجي بليخانوف في كتابه “مصلح على العرش” (ص:405) عن وزير ديوان البلاد السلطاني -آنذاك- أنَّ وقت الراحة عند صاحب الجلالة ضيق للغاية؛ إذ ليس في وسعه أن ينأى بنفسه عن الوفاء بما نذر له نفسه من عمل، وقد جرت العادة أن نعلن في الصيف أنه في إجازة، ولكن في الحقيقة أن عنده أيضا لقاءات وأعمالاً متواصلة…”؛ فصاحب الجلالة المعظم يعتبر نفسه في المقام الأول والأخير صاحب رسالة تاريخية؛ تتمثَّل في النهوض الحضاري لعُمان، لتأخذ مكانتها اللائقة بها بين الدول والأمم الأخرى بعد سنوات طويلة من العزلة والحرمان. حفظ الله جلالته من كل سوء، وأمده بالصحة والعافية من أجل الاستمرار في قيادة السفينة العُمانية إلى برِّ السلام والأمان والاستقرار والنمو الحضاري.

———————-

المصادر:

1- كتاب “مصلح على العرش”، للكاتب الروسي سيرجي بليخانوف، ترجمة: خيري الضامن، القاهرة، 2004، دار الكتب والوثائق القومية.

2- كتاب “كلمات وخطب حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم 1970-2010″، وزارة الإعلام، 2010.

3- كتاب “صحفيون في بلاط صاحب الجلالة”، للكاتب ناصر أبو عون، دار كنوز المعرفة، الأردن.

5,573 total views, 14 views today