علي مُحمَّد سلطان الزعابي

كُلَّما ‬أخذتُ‭ ‬على‭ ‬نَفْسِي‭ ‬أنْ‭ ‬أكتبَ‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬المطرحية‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬وكُلَّما‭ ‬هممتُ‭ ‬بأن‭ ‬أبدأ‭ ‬بالكتابة‭ ‬عنها،‭ ‬فإنَّ‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يَمْنَعني،‭ ‬وكنتُ‭ ‬أجدُ‭ ‬نفسي‭ ‬أمامَ‭ ‬الكمِّ‭ ‬الهائلِ‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬المبعثرة،‭ ‬بجانب‭ ‬الوثائق‭ ‬والنقول‭ ‬التي‭ ‬استفاضتْ‭ ‬وتواترت؛‭ ‬لدرجة‭ ‬أنَّني‭ ‬قد‭ ‬وَصَلت‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬تامة‭ ‬بأنَّ‭ ‬الوقتَ‭ ‬قد‭ ‬حَان‭ ‬لأن‭ ‬أتناولَ‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬بالقدر‭ ‬الجيد‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬المنقولة،‭ ‬بجانب‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬أجدها‭ ‬مُهمَّة‭ ‬للغاية‭ ‬من‭ ‬أنْ‭ ‬تحقِّق‭ ‬لي‭ ‬بعضَ‭ ‬ما‭ ‬أصبو‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬تناولي‭ ‬لهذه‭ ‬الشخصية‭ ‬الاستثنائية‭ ‬في‭ ‬الظرف‭ ‬الاستثنائي‭ ‬الصَّعب‭.‬

وَحتَّى‭ ‬نَفِي‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬بعضَ‭ ‬حقِّها،‭ ‬فإنني‭ ‬ارتأيتُ‭ ‬أنْ‭ ‬أسردَ‭ ‬أبعادها‭ ‬في‭ ‬أربعة‭ ‬محاور‭:‬

الأول‭: ‬علاقة‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬بالسلطة‭.‬

الثاني‭: ‬علاقته‭ ‬باللواتية؛‭ ‬كَوْنه‭ ‬شيخاً‭.‬

الثالث‭: ‬علاقته‭ ‬بالبريطانيين‭.‬

الرابع‭: ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬تاجراً‭.‬

ولعلَّ‭ ‬الإحاطةَ‭ ‬التامَّة‭ ‬بهذه‭ ‬المحاور‭ ‬الأربعة‭ ‬لن‭ ‬تَفِي‭ ‬بالغرض‭ ‬الكلي،‭ ‬وبأسلوب‭ ‬مُنفصل‭ ‬لكلِّ‭ ‬محور؛‭ ‬نظراً‭ ‬لتداخل‭ ‬المحاور‭ ‬بعضها‭ ‬البعض،‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭: ‬فإنَّ‭ ‬مواضيع‭ ‬أخرى‭ ‬ستجد‭ ‬لها‭ ‬منفذا‭ ‬طيَّات‭ ‬السرد،‭ ‬وستحشر‭ ‬نفسها‭ ‬دخيلة‭ ‬على‭ ‬محور‭ ‬هنا‭ ‬وآخر‭ ‬هناك؛‭ ‬لطبيعة‭ ‬الشخصية‭ ‬المتعددة‭ ‬محل‭ ‬السرد،‭ ‬وتجلياتها‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صعيد،‭ ‬وفي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬محور‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬ما‭ ‬ذكرناه‭ ‬من‭ ‬المحاور‭ ‬الأربعة‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭. ‬كَمَا‭ ‬أنَّنَي‭ ‬سَوْف‭ ‬أكتفي‭ ‬هنا‭ ‬بذكر‭ ‬كلمة‭ “‬الوثيقة‭” ‬عند‭ ‬ذِكر‭ ‬الحالة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالوثيقة،‭ ‬ولن‭ ‬أنشرها،‭ ‬مُكتفيا‭ ‬بالإشارة‭ ‬إليها،‭ ‬وبفحواها،‭ ‬والتي‭ ‬آمل‭ ‬أن‭ ‬أنشرها‭ ‬جميعاً‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬المزمع‭ ‬نَشْرُه‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭.‬

المحور‭ ‬الأول‭ – ‬علاقة‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬بالسلطة

تُعتبر‭ ‬شخصية‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الشخصيات‭ ‬المطرحية‭ ‬قُربا‭ ‬ولصُوقا‭ ‬بالسلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ -‬رحمه‭ ‬الله‭.. ‬فَمَا‭ ‬من‭ ‬شخصية‭ ‬جالستها‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬عايشت‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬عن‭ ‬قُرب،‭ ‬إلا‭ ‬وتحدَّثت‭ ‬عن‭ ‬عُمق‭ ‬العلاقات‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬السلطان‭ ‬تيمور‭ ‬والشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يناديه‭ ‬بالعم‭.‬

ولا‭ ‬تُوْجَد‭ ‬شخصية‭ ‬مطرحية‭ ‬حَظِيت‭ ‬بالاهتمام‭ ‬من‭ ‬لدن‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬حَظِي‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬من‭ ‬المكانة‭ ‬والتقدير‭. ‬كما‭ -‬وفي‭ ‬المقابل‭- ‬فإنَّ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬قد‭ ‬تفانى‭ ‬في‭ ‬تعظيمه‭ ‬لشخصية‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد،‭ ‬وقد‭ ‬ترجم‭ ‬هذا‭ ‬التقدير‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬عملية‭ ‬ووطنية‭ ‬متنوعة‭.‬

كُنت‭ ‬قَبل‭ ‬أيَّام‭ ‬أزُور‭ ‬سماحة‭ ‬السيد‭ ‬شرف‭ ‬علي‭ ‬علوي‭ ‬الموسوي،‭  ‬في‭ ‬داره،‭ ‬أنا‭ ‬وأخي‭ ‬د‭.‬حسين‭ ‬محسن،‭ ‬وقد‭ ‬ذكر‭ ‬لنا‭ ‬السيد‭ ‬شرف‭ ‬أنَّ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬قد‭ ‬دعا‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد،‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬العود،‭ ‬إلى‭ ‬مأدبة‭ ‬عشاء؛‭ ‬تشريفاً‭ ‬بمقامه،‭ ‬وقد‭ ‬فرش‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬السجاد‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬وادي‭ ‬خلفان‭ ‬حتى‭ ‬دار‭ ‬أخيه‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ -‬المسمى‭ ‬ببيت‭ ‬العود‭- ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬السيارة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُقل‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬لم‭ ‬تطأ‭ ‬الأرض‭ ‬حتى‭ ‬عتبات‭ ‬بيته‭.‬

وذات‭ ‬الكلام،‭ ‬ذكره‭ ‬لي‭ ‬الحاج‭ ‬حسن‭ ‬علي‭ ‬عبداللطيف‭ -‬رحمه‭ ‬الله‭- ‬في‭ ‬آخر‭ ‬لقاءاتي‭ ‬به‭ ‬قبل‭ ‬وفاته‭. ‬ومما‭ ‬ذَكَر‭ ‬لي‭ ‬الحاج‭ ‬حسن،‭ ‬وما‭ ‬سمعته‭ ‬عن‭ ‬عمي‭ ‬حسين‭ ‬وآخرين،‭ ‬أنَّ‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ -‬وعند‭ ‬رجوعه‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬معاركه‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬البريمي‭- ‬فإن‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬قد‭ ‬زيَّن‭ ‬سماء‭ ‬مطرح‭ ‬بالأعلام‭ ‬والمانشيتات‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬بوابة‭ ‬المعشوري‭ (‬القف‭) -‬والقريب‭ ‬من‭ ‬مستشفى‭ ‬النهضة‭ ‬اليوم‭- ‬حتى‭ ‬قصر‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬مغب،‭ ‬وبعض‭ ‬المواقع‭ ‬قد‭ ‬فرشها‭ ‬بالسجاد‭ ‬من‭ ‬قصر‭ ‬بوابة‭ “‬العرين‭” ‬حتى‭ ‬عقبة‭ ‬الريام؛‭ ‬وذلك‭ ‬تيمُّنا‭ ‬بالنصر،‭ ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬أفراد‭ ‬قبيلته‭ ‬من‭ ‬طلاب‭ ‬المدارس‭ ‬الأهلية،‭ ‬واصطفهم‭ ‬للاستقبال‭ ‬البهي،‭ ‬ويومها‭ ‬خرجت‭ ‬مطرح‭ ‬عن‭ ‬بَكْرَة‭ ‬أبيها‭ ‬تستقبل‭ ‬السلطان،‭ ‬وهو‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬بأكبر‭ ‬انتصاراته‭.‬

ويذكر‭ ‬سعادة‭ ‬حسين‭ ‬علي‭ ‬عبداللطيف‭ -‬ابن‭ ‬أخيه‭- ‬بأنه‭ ‬قد‭ ‬أشيع‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬أهالي‭ ‬مطرح‭ ‬أنَّ‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬غير‭ ‬راض‭ ‬على‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬ويتفاجأ‭ ‬الجميع‭ ‬بأن‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬والشيخ‭ ‬باقر‭ ‬ينزلان‭ ‬قبالة‭ ‬الساحل‭ ‬المطل‭ ‬على‭ ‬سور‭ ‬اللواتية،‭ ‬من‭ ‬السفينة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقلهما‭ ‬من‭ ‬مسقط،‭ ‬وكان‭ ‬وصول‭ ‬السلطان‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬البوابة‭ ‬قَطْعا‭ ‬لدابر‭ ‬الشائعة‭ ‬التي‭ ‬لعبت‭ ‬برؤوس‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭.‬

لقد‭ ‬تجسَّدتْ‭ ‬عَلاقة‭ ‬السلطان‭ ‬والشيخ‭ ‬باقر‭ ‬عمليًّا‭ ‬بالمواقف‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬شَهِد‭ ‬لها‭ ‬القريب‭ ‬والبعيد،‭ ‬وقد‭ ‬قابَل‭ ‬السلطان‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬بأجمل‭ ‬منها،‭ ‬ووضعها‭ ‬مَوْضِع‭ ‬التقدير‭ ‬والحفاوة‭ ‬والاحترام،‭ ‬والتي‭ ‬قل‭ ‬لها‭ ‬نظير‭.‬

يقول‭ ‬السيِّد‭ ‬تقي‭ ‬حسين‭ ‬الموسوي‭ -‬في‭ ‬كتابه‭ “‬أفراد‭ ‬آل‭ ‬عبداللطيف‭”- ‬‭”‬وحدثني‭ ‬أحد‭ ‬الإخوان‭ ‬الموثوقين‭ ‬أنه،‭ ‬وفي‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وفي‭ ‬خلال‭ ‬أزمة‭ ‬منطقة‭ ‬البريمي،‭ ‬بادر‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭ ‬ممن‭ ‬بادروا‭ ‬إلى‭ ‬الاستجابة‭ ‬لنداء‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬سلطان‭ ‬مسقط‭ ‬وعُمان‭ (‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬حالياً‭)‬،‭ ‬ولبَّى‭ ‬ممن‭ ‬لبوا‭ ‬نداء‭ ‬الوطن‭ ‬العزيز،‭ ‬ووضع‭ ‬جميع‭ ‬مخازنه‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الوطن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬النصر‭ ‬لعُمان‭. ‬كُنا‭ ‬نموِّل‭ ‬الجيش‭ ‬بالمؤن‭ ‬ولم‭ ‬نطلب‭ ‬شيئا‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك،‭ ‬وكان‭ ‬واجبا‭ ‬وطنياً‭ ‬كُنَّا‭ ‬نقدمه،‭ ‬وأن‭ ‬تجاراً‭ ‬آخرين‭ ‬هبوا‭ ‬لتلبية‭ ‬نداء‭ ‬الوطن‭”‬‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الأخ‭ ‬لطيف‭ ‬محسن‭ ‬باقر‭ -‬حفيد‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭- ‬قال‭ ‬الكثير‭ ‬فيما‭ ‬قدمه‭ ‬جده‭ ‬لا‭ ‬بشخصه،‭ ‬بل‭ ‬باسم‭ ‬أهله‭ ‬وإخوانه‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬قبيلته،‭ ‬وقد‭ ‬أشاد‭ ‬بأدوار‭ ‬جده‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن‭ ‬المعطاء،‭ ‬التي‭ ‬يراها‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬والعسكري‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬وما‭ ‬يعرف‭ ‬الآن‭ ‬بـ‭”‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للشركات‭”.‬

ولعلَّ‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬قابله‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬تجاه‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬أدواره‭ ‬المتقدمة،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬فسح‭ ‬المجال‭ ‬لشركة‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭ ‬في‭ ‬جلب‭ ‬الوكالات‭ ‬التجارية‭ ‬للسفن‭ ‬الأوروبية،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬النقلة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬عُمان،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬العقد‭: ‬من‭ ‬حق‭ ‬الحكومة‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬نسبة‭ ‬من‭ ‬الأجور‭. ‬هذه‭ ‬النقلة‭ ‬الكبرى‭ ‬أدت‭ ‬أدواراً‭ ‬اقتصادية‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬لها،‭ ‬وكان‭ ‬مردودها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬كبيرا‭ ‬جدًّا؛‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬قد‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬كتيبه‭ “‬كلمة‭ ‬السلطان‭” ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬1968،‭ ‬عندما‭ ‬حصر‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬إيرادات‭ ‬الجمارك‭ ‬تلامس‭ ‬نسبة‭ ‬100‭%‬،‭ ‬وقد‭ ‬زادت‭ ‬المداخيل‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬الكونية‭ ‬الثانية‭ (‬1939-1945‭) ‬من‭ ‬الجمارك،‭ ‬كما‭ ‬ذكرها‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭. ‬هذه‭ ‬النقلة‭ ‬سوف‭ ‬نذكرها‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التفصيل‭ ‬في‭ ‬محور‭ ‬التجارات‭.‬

لقد‭ ‬ذَكَر‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬مديونية‭ ‬الدولة‭ ‬تجاه‭ ‬التجار،‭ ‬وفي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان،‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬تناوله‭ ‬في‭ ‬كلمته،‭ ‬وسوف‭ ‬نقف‭ ‬على‭ ‬مضامين‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬من‭ ‬لدن‭ ‬المقام‭ ‬السلطاني‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬80‭ ‬عاماً،‭ ‬وقد‭ ‬استرعتني‭ ‬كثيراً،‭ ‬ووقفت‭ ‬مشدوها‭ ‬أمام‭ ‬عباراتها‭ ‬وعلو‭ ‬مضامينها،‭ ‬وهي‭ ‬تختصر‭ ‬الصور‭ ‬الناصعة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬مطرح‭ ‬من‭ ‬التجار؛‭ ‬وقد‭ ‬وصفه‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بقوله‭: ‬‭”‬من‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬نتمنى‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬شعبنا‭ ‬أن‭ ‬يحذو‭ ‬حذوهم‭ ‬ويسلك‭ ‬مناهجهم‭”‬‭.‬

هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬سوف‭ ‬أُوْرِدها‭ ‬بنصِّها‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬وسأقفُ‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬مضامينها‭ ‬وفق‭ ‬الرؤية‭ ‬التي‭ ‬أتبناها‭. ‬ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬تكفي‭ ‬لأن‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أية‭ ‬إضافة،‭ ‬عدا‭ ‬أنني‭ ‬أود‭ ‬التعليق‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الفهوم‭ ‬العالقة‭ ‬في‭ ‬الذهنية‭ ‬الفردية‭ ‬لبعض‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يُحجِّم‭ ‬من‭ ‬أدوار‭ ‬شخصية‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬ويحصرها‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬الفردي‭ ‬الخاص‭ ‬به،‭ ‬وببعض‭ ‬محيطيه‭.‬

الوثيقة‭ ‬

الكلمة‭ ‬التي‭ ‬ألقاها‭ ‬سكرتير‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬علي‭ ‬الجمالي‭ ‬بأمر‭ ‬منه‭:‬

‭”‬باسمه‭ ‬تعالى‭…‬،

الحمد‭ ‬لله‭ ‬رب‭ ‬العالمين،‭ ‬والصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬على‭ ‬نبيه‭ ‬أشرف‭ ‬الأنبياء‭ ‬والمرسلين،‭ ‬وعلى‭ ‬آله‭ ‬وصحبه‭ ‬الطاهرين‭ ‬المطهرين‭.‬

أما‭ ‬بعد،‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬بواعث‭ ‬سرورنا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬وإنا‭ ‬لنشكر‭ ‬للحاج‭ ‬باقر‭ ‬وإخوانه‭ ‬دعوتهم‭ ‬إيانا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سببا‭ ‬للاجتماع‭ ‬بكم،‭ ‬ونقدر‭ ‬فيهم‭ ‬المحبة‭ ‬والإخلاص‭ ‬والولاء‭ ‬الذي‭ ‬دفعهم‭ ‬لإقامة‭ ‬هذا‭ ‬الحفل‭ ‬الكبير‭ ‬الرائع‭ ‬حق‭ ‬التقدير‭.‬

إنَّ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬وإخوانه،‭ ‬ولا‭ ‬نرى‭ ‬حرجا‭ ‬أو‭ ‬مانع‭ ‬من‭ ‬التنويه‭ ‬بهم،‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬العاملين‭ ‬الذين‭ ‬نتمنى‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬شعبنا‭ ‬أن‭ ‬يحذوا‭ ‬حذوهم،‭ ‬ويسلك‭ ‬مناهجهم‭ ‬في‭ ‬مهنتهم،‭ ‬تلك‭ ‬المهنة‭ ‬الشريفة‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬أحدهم‭ ‬إنَّ‭ ‬راية‭ ‬الأمة‭ ‬تسير‭ ‬خلف‭ ‬تجارتها‭.‬

الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬وإخوانه؛‭ ‬إذ‭ ‬يؤدون‭ ‬للبلاد‭ ‬خدمة‭ ‬جليلة‭ ‬بما‭ ‬يبذلون‭ ‬من‭ ‬مجهود‭ ‬ومثابرة‭ ‬وجلد‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬صادراتها،‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬تجارتها،‭ ‬فنحن‭ ‬نُكرم‭ ‬فيهم‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬العالية‭ ‬ونعتز‭ ‬بها‭. ‬ونحن‭ ‬إذ‭ ‬حضرنا‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬فإننا‭ ‬جئنا‭ ‬لنحيِّي‭ ‬في‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬وإخوانه‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬والهمم‭.‬

نسأل‭ ‬الله‭ ‬القدير‭ ‬أن‭ ‬يسدِّد‭ ‬خطانا‭ ‬جميعاً،‭ ‬وأن‭ ‬يُعيننا‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬الخير‭ ‬والصلاح‭.‬

22‭ ‬جمادي‭ ‬الأخرى‭ ‬1357‭”.‬

وقد‭ ‬ألقى‭ ‬سكرتيره‭ ‬المرحوم‭ ‬علي‭ ‬الجمالي‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬في‭ ‬الحفل‭ ‬المقام‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الإصلاح‭ ‬بمطرح‭ (‬النادي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬يتخذه‭ ‬مكاناً‭ ‬لضيافاته‭ ‬المهمة‭).‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬الوثيقة،‭ ‬لنا‭ ‬وقفة‭ ‬تأمل‭:‬

إنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬تحمل‭ ‬كلمة‭ ‬الشكر‭ ‬من‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬للحاج‭ ‬باقر‭ ‬وإخوانه،‭ ‬فالتعبير‭ ‬يشمل‭ ‬شخص‭ ‬الحاج‭ ‬وإخوانه،‭ ‬وكلمة‭ ‬الإخوان‭ ‬شاملة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬قبيلته،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬منفردا‭ ‬أو‭ ‬مرادفا‭ ‬لاثنين‭ ‬من‭ ‬إخوانه؛‭ ‬وهما‭: ‬الحاج‭ ‬موسى‭ ‬ثاني‭ ‬الإخوة‭ ‬الثلاثة،‭ ‬والحاج‭ ‬علي‭ ‬وهو‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬الإخوان‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التدرج‭. ‬الحفل‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬معاقل‭ ‬التجمع‭ ‬الأشهر‭ ‬في‭ ‬مطرح‭ ‬حينها،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يُعرف‭ ‬بنادي‭ ‬الإصلاح،‭ ‬فهذا‭ ‬النادي،‭ ‬ومجموعة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬النوادي‭ ‬كنادي‭ ‬التبادل‭ ‬الثقافي،‭ ‬ومجلس‭ ‬الحاج‭ ‬رمضان،‭ ‬ومجلس‭ ‬الجد‭ ‬هاشم،‭ ‬ومجلس‭ ‬الياسميني،‭ ‬ومجلس‭ ‬تاول،‭ ‬ومجلس‭ ‬فيتوه‭ (‬Peetoh‭)‬،‭ ‬ومجلس‭ ‬الحاج‭ ‬محمد‭ ‬تقي،‭ ‬ومجلس‭ ‬عبدالصمد‭ ‬حبيب،‭ ‬ومجلس‭ ‬جعفر‭ ‬باقر،‭ ‬كانت‭ ‬جد‭ ‬معروفة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬ردهات‭ ‬وأروقة‭ ‬ودهاليز‭ ‬سوق‭ ‬مطرح‭ ‬وجوانبه،‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬الكثرة‭ ‬بمكان،‭ ‬تعتبر‭ ‬أماكن‭ ‬التجمعات‭ ‬واللقاءات‭ ‬والتبادلات‭ ‬الثقافية،‭ ‬واللقاءات‭ ‬مع‭ ‬التجار،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬مسقط‭ ‬للتجارة‭.‬

ودعوة‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬وإخوانه‭ ‬للسلطان‭ ‬كانت‭ ‬عامة،‭ ‬وليست‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬شخصي‭ ‬فردي‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬كلمة‭ ‬الإخوان‭ ‬المعطوفة‭ ‬على‭ ‬كلمة‭ ‬الحاج‭ ‬تحمل‭ ‬صفة‭ ‬الدعوة‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانفتاح‭.‬

السلطان‭ ‬سعيد‭ -‬وفي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬عباراته‭- ‬يذكر‭ ‬كلمتين‭ “‬لا‭ ‬نرى‭ ‬حرجاً‭” ‬أو‭ ‬مانعا‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬الجملة،‭ ‬وهذا‭ ‬التعبير‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬من‭ ‬الأهمية،‭ ‬وإشارة‭ ‬واضحة‭ ‬تتضمَّن‭ ‬التنبيه‭ ‬أن‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬وإخوانه‭ ‬يؤدون‭ ‬أدوارا‭ ‬وطنية‭ ‬لا‭ ‬يرقى‭ ‬إليها‭ ‬الشك‭.‬

ثم‭ ‬إنَّ‭ ‬السلطان‭ ‬يدعو‭ ‬للاقتداء‭ ‬بالحاج‭ ‬وإخوانه‭ ‬بالحذو‭ ‬بهم،‭ ‬وسلوك‭ ‬مناهجهم‭ ‬في‭ ‬مهنهم‭ ‬الشريفة،‭ ‬ولا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬فيبالغ‭ ‬في‭ ‬الثناء‭ ‬عندما‭ ‬يتمثل‭ ‬بقول‭ ‬القائل‭ ‬بجملة‭: ‬‭”‬إن‭ ‬راية‭ ‬الأمة‭ ‬تسير‭ ‬خلف‭ ‬تجارتها‭”‬‭. ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬الإشادة؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بما‭ ‬قال،‭ ‬بل‭ ‬أضاف‭ ‬إلى‭ ‬كلامه‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬دور‭ ‬الحاج‭ ‬وإخوانه‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬مضاف‭ ‬للسياق‭ ‬الذي‭ ‬وجهه،‭ ‬ولعل‭ ‬كلمة‭ ‬الأمة‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬مسرح‭ ‬عملهم‭ ‬الجليل‭ ‬الذي‭ ‬نعته‭ ‬إياه‭ ‬وإخوانه،‭ ‬والأمة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬الوسع‭ ‬لدرجة‭ ‬لا‭ ‬تستثني‭ ‬رقعة‭ ‬جغرافية‭ ‬ولا‭ ‬ديموغرافية‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬موقع‭ ‬رفرف‭ ‬عليه‭ ‬العلم‭ ‬الوطني‭. ‬

وأخيراً‭.. ‬فإنَّ‭ ‬السلطان‭ ‬يحيِّي‭ ‬الروح‭ ‬العالية‭ ‬للحاج‭ ‬وإخوانه،‭ ‬ويعتز‭ ‬بها،‭ ‬مُركِّزاً‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬التجار،‭ ‬وتوسيع‭ ‬رقعة‭ ‬التجارة،‭ ‬وقد‭ ‬نرى‭ ‬تجليات‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬بالوثبة‭ ‬التاريخية‭ ‬للحاج‭ ‬باقر‭ ‬وفريقه،‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الصُّعد‭ ‬والسوح؛‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬محور‭ ‬التجارات،‭ ‬والكلام‭ ‬فيه‭ ‬سيكون‭ ‬مفصَّلاً‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭.‬

بَقِي‭ ‬أنْ‭ ‬نذكر‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬تضاعفت‭ ‬وتطوَّرت‭ ‬حتى‭ ‬غَدا‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬محطَّ‭ ‬عناية‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد،‭ ‬لدرجة‭ -‬وكما‭ ‬ذكر‭ ‬لي‭ ‬العم‭ ‬حسين‭- ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬الأربعة‭ ‬ذات‭ ‬الريع‭ ‬المدر‭ ‬للدولة‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬السمك‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬وآخر‭ ‬في‭ ‬السيب،‭ ‬بجانب‭ ‬العرصة‭ ‬للفواكه‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أطراف‭ ‬عُمان‭ ‬ومع‭ ‬معقل‭ ‬الحطب،‭ ‬كلها‭ ‬وضعت‭ ‬تحت‭ ‬رعاية‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يضمن‭ ‬من‭ ‬يدير‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق،‭ ‬ومع‭ ‬ضمانه‭ ‬كانت‭ ‬الحكومة‭ ‬ترسي‭ ‬على‭ ‬الدلال،‭ ‬وتجدد‭ ‬له‭ ‬وفق‭ ‬الرؤية‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬قد‭ ‬خصَّص‭ ‬له‭ ‬يوماً‭ ‬يلتقيه‭ ‬كل‭ ‬شهر‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬العلم،‭ ‬يستمع‭ ‬منه،‭ ‬ويوجهه،‭ ‬بجانب‭ ‬بعض‭ ‬لقاءاته‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يستدعيه‭ ‬فيها‭ ‬عند‭ ‬زيارات‭ ‬الشخصيات‭ ‬البريطانية‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬روبرت‭ ‬هاي‭ ‬المقيم‭ ‬السياسي‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬الخليج‭. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬أن‭ ‬السلطان‭ ‬كان‭ ‬يدعوه‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬المساء‭ ‬10‭.‬45‭ ‬مساءً‭ (‬توقيت‭ ‬عربي‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬أذان‭ ‬المغرب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتجدد‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬مساءً‭ ‬صيفاً‭ ‬وشتاء،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الساعات‭ ‬تعدد‭ ‬عقاربها‭ ‬تقديماً‭ ‬وتأخيراً،‭ ‬والتوقيت‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬معتمداً‭ ‬يوم‭ ‬ذاك‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬السرد‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭.‬

المحور‭ ‬الثاني‭ – ‬علاقته‭ ‬باللواتية‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المشيخة‭ ‬

المحور‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬نبتدئ‭ ‬به‭ ‬السرد‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬يحملُ‭ ‬في‭ ‬طيَّاته‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬التي‭ ‬تمحورت‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬الريادي‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الواقع،‭ ‬والتسالم‭ ‬على‭ ‬قيادته‭ ‬لدفة‭ ‬المسؤوليات‭ ‬المنيطة‭ ‬به،‭ ‬ومدى‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬على‭ ‬كلِّ‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ولعله‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بعدما‭ ‬مضى‭ ‬إلى‭ ‬ربه‭. ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬بيت‭ ‬الحاج‭ ‬عبداللطيف‭ -‬جد‭ ‬الأسرة‭- ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مسقطياً‭. ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬الحاج‭ ‬عبداللطيف‭ ‬إلى‭ ‬مطرح‭ ‬وعمره‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭ (‬مواليد‭ ‬1851‭)‬،‭ ‬جاءت‭ ‬به‭ ‬خالته‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬الخيمة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬شناص،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مطرح؛‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬مقتل‭ ‬والده‭ ‬فاضل‭ ‬محمد‭ ‬فقير،‭ ‬إثر‭ ‬نزاع‭ ‬نشب‭ ‬هناك‭.‬جاءت‭ ‬به‭ ‬خالته‭ ‬إلى‭ ‬سور‭ ‬اللواتية،‭ ‬فترعرع‭ ‬الصبي‭ ‬هناك،‭ ‬وشب‭ ‬وعاش‭ ‬منذ‭ ‬نعومة‭ ‬أظفاره‭ ‬مع‭ ‬اللواتية‭ ‬لدى‭ ‬أسرة‭ ‬خلفان‭ ‬الكاكلاني‭ -‬جد‭ ‬سلمان‭ ‬حسن‭ ‬المعروف‭ ‬بـ‭”‬سلمان‭ ‬أسد‭”- ‬وعائلته‭ ‬كبيرة‭ ‬وممتدة،‭ ‬فعمل‭ ‬مع‭ ‬عميد‭ ‬العائلة‭ ‬سليمان‭ ‬خلفان،‭ ‬الذي‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬زوَّجه‭ ‬ابنته‭ “‬رُقية‭”‬،‭ ‬فأنجبت‭ ‬له‭ ‬ستة‭ ‬أبناء‭: ‬ثلاث‭ ‬بنات‭ ‬وثلاثة‭ ‬ذكور؛‭ ‬منهم‭ ‬وأكبرهم‭ ‬من‭ ‬الذكور‭: ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬محل‭ ‬السرد‭.‬

أسَّس‭ ‬الحاج‭ ‬عبداللطيف‭ ‬شركة‭ ‬ملاحية‭ ‬تجارية‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬عام‭ ‬1895،‭ ‬وتاجر‭ ‬في‭ ‬الخطوط‭ ‬الملاحية،‭ ‬والأحجار‭ ‬الكريمة،‭ ‬والمعادن‭ ‬الثمينة،‭ ‬بجانب‭ ‬تجارته‭ ‬في‭ ‬استيراد‭ ‬وتصدير‭ ‬الأسلحة،‭ ‬وتصدير‭ ‬الأسماك‭ ‬المجففة‭ ‬لمختلف‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭.‬

وفي‭ ‬العام‭ ‬1931،‭ ‬وافاه‭ ‬الأجل،‭ ‬وهو‭ ‬يهم‭ ‬إلى‭ ‬حوض‭ ‬الماء‭ ‬لإسباغ‭ ‬الوضوء‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الحاج‭ ‬رمضان‭ (‬رمو‭).‬

ونحن‭ ‬مع‭ ‬العام‭ ‬1931،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬قطع‭ ‬شطراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬العمر؛‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬عام‭ ‬1872،‭ ‬وقد‭ ‬عاش‭ ‬ضمن‭ ‬الطيف‭ ‬الذي‭ ‬قطن‭ ‬سور‭ ‬اللواتية،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعج‭ ‬بالبيوتات‭ ‬المختلفة؛‭ ‬حيث‭ ‬المزيج‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والأرومات‭ ‬المختلفة‭. (‬ملاحظة‭: ‬هناك‭ ‬تعليق‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التفصيل‭ ‬في‭ ‬المحور‭ ‬الرابع‭).‬

وقد‭ ‬ذَكَر‭ ‬لي‭ ‬أكثرُ‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬مُطَّلع‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬النسيج‭ -‬وفيما‭ ‬أذكر‭ ‬الأستاذ‭ ‬الكبير‭ ‬الحاج‭ ‬مال‭ ‬الله‭ ‬حبيب‭ ‬مواليد‭ (‬1926‭)‬،‭ ‬أيا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأرومات‭ ‬كانت‭ ‬الأقدم‭ ‬سكنا‭ ‬ضمن‭ ‬ذلك‭ ‬الطيف،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأستاذ‭ ‬مصطفى‭ ‬مختار‭ ‬اللواتية،‭ ‬الذي‭ ‬حدَّثني‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬سور‭ ‬اللواتية‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬المظلة‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬استظل‭ ‬بها‭ ‬المستظلون‭- ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬لهذا‭ ‬الطيف‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬ويبقى‭ ‬لولا‭ ‬العناية‭ ‬الربانية‭ ‬والريادة‭ ‬لدور‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭.‬

وفي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬المستخرجة‭ ‬من‭ ‬ملفات‭ ‬الأرشيف‭ ‬البريطاني،‭ ‬وتتعلق‭ ‬بالبرقية‭ ‬التي‭ ‬وجَّهها‭ ‬أعيان‭ ‬اللواتية‭ ‬إلى‭ ‬القنصلية‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬مسقط،‭ ‬في‭ ‬موت‭ ‬جورج‭ ‬الخامس‭ ‬ملك‭ ‬بريطانيا‭ ‬العظمى،‭ ‬عام‭ ‬1936،‭ ‬فإننا‭ ‬نجد‭ ‬أنَّ‭ ‬الشخصيات‭ ‬الخمسة‭ ‬التي‭ ‬أبرقت،‭ ‬كان‭ ‬الحاج‭ ‬حبيب‭ ‬مراد‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الخمسة،‭ ‬ويليه‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬ومن‭ ‬ثمَّ‭ ‬ثلاث‭ ‬شخصيات‭ ‬أخرى‭ ‬بعدهما‭. ‬ونُدرك‭ ‬هنا‭ ‬أنَّ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تبوَّأ‭ ‬الموقع‭ ‬ضمن‭ ‬الخمسة‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يُشكلون‭ ‬اللجنة‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة؛‭ ‬بحيث‭ ‬كان‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬حبيب‭ ‬مراد‭ ‬مباشرة‭.‬

ومع‭ ‬موت‭ ‬الحاج‭ ‬حبيب‭ ‬مراد‭ ‬عام‭ ‬1940،‭ ‬وبصورة‭ ‬تلقائية،‭ ‬جاء‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬اللجنة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ -‬وكما‭ ‬ينقل‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭-‬‭ ‬الدور‭ ‬الفعلي‭ ‬للجنة‭ ‬كان‭ ‬مناطا‭ ‬بالشيخ‭ ‬باقر‭ ‬الذي‭ ‬نهض‭ ‬بالمسؤوليات‭ ‬منذ‭ ‬العشرينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وكان‭ ‬يدير‭ ‬شأن‭ ‬القبيلة‭ ‬مع‭ ‬بواكير‭ ‬عمره‭ ‬بكل‭ ‬حنكة‭ ‬واقتدار‭.‬

لقد‭ ‬اعتمدَ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬على‭ ‬التشاور‭ ‬والرأي،‭ ‬وأناط‭ ‬الدور‭ ‬بكبار‭ ‬القوم‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬يصفهم‭ ‬بالتيجان‭ ‬على‭ ‬الرؤوس،‭ ‬ويقدمهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لقاء‭ ‬جامع‭ ‬مع‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور،‭ ‬ويضع‭ ‬لهم‭ ‬الأرائك‭ ‬في‭ ‬موازاة‭ ‬صفه،‭ ‬وفي‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية؛‭ ‬تقديراً‭ ‬ووفاء‭.. ‬ومن‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭: ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬جمعه‭ ‬بالسلطان،‭ ‬وكانت‭ ‬قصيدة‭ ‬الأستاذ‭ ‬جواد‭ ‬جعفر‭ ‬الخابوري‭ ‬قد‭ ‬ترنم‭ ‬بها‭ ‬طلاب‭ ‬المدارس‭ ‬الأهلية‭ ‬ومقدمتها‭:‬

‭ ‬ ‭”‬بسم‭ ‬الدهر‭ ‬وبالإقبال‭ ‬بان ‭ ‬ وتبدى‭ ‬الكون‭ ‬في‭ ‬أعظم‭ ‬شأن‭”‬

لعلَّ‭ ‬السبب‭ ‬الأقوى‭ ‬في‭ ‬تسنُّم‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬موقع‭ ‬الصدارة‭ ‬والمشيخة،‭ ‬هو‭ ‬أنَّ‭ ‬أفراد‭ ‬مجتمع‭ ‬اللواتية‭ ‬قد‭ ‬أنضجتهم‭ ‬التجربة‭ ‬والحياة،‭ ‬وقد‭ ‬ذابوا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الوحدة‭ ‬والانسجام‭ ‬والتلاحم،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬لديهم‭ ‬مانعا‭ ‬أن‭ ‬يتولى‭ ‬زمام‭ ‬الأمور‭ ‬رجل‭ ‬مقتدر‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الفخذ‭ ‬والأرومة‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭. ‬

ولنعد‭ ‬إلى‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬لقد‭ ‬أسس‭ ‬ثاني‭ ‬مدرسة‭ ‬أهلية‭ ‬بعد‭ ‬مدرسة‭ ‬سلمان‭ ‬حسن‭ ‬عيسى؛‭ ‬فقد‭ ‬أوعز‭ ‬لابنه‭ ‬جعفر‭ ‬أن‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬وكلائه‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬أن‭ ‬يبعث‭ ‬لهم‭ ‬بمعلم‭ ‬يدرِّس‭ ‬أبناء‭ ‬مطرح؛‭ ‬فكانت‭ ‬مدرسة‭ ‬ماستر‭ ‬بنجي‭ ‬Bungee‭ ‬هي‭ ‬المدرسة‭ ‬الأولى‭ ‬ضمن‭ ‬المدارس‭ ‬الأهلية‭ ‬التي‭ ‬درست‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬بالأسلوب‭ ‬المتقدم،‭ ‬ومن‭ ‬أستاذ‭ ‬متخصص،‭ ‬ضليع،‭ ‬له‭ ‬خبرة‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬التدريس؛‭ ‬حيث‭ ‬بقي‭ ‬زمناً‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬وتخرج‭ ‬على‭ ‬يديه‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬المتعلمين،‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الرعيل‭ ‬الذين‭ ‬اعتمد‭ ‬عليهم‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬مكاتبه‭ ‬خارج‭ ‬عُمان‭. ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬العلماء‭ ‬والتربيين،‭ ‬ذكر‭ ‬لنا‭ ‬السيد‭ ‬شرف‭ ‬الموسوي‭ ‬أنَّ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬أقدم‭ ‬إلى‭ ‬مطرح‭ ‬من‭ ‬خيرة‭ ‬من‭ ‬صعدوا‭ ‬الأعواد‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬وأيام‭ ‬شهري‭ ‬محرم‭ ‬وصفر‭.‬

حيث‭ ‬الشيخ‭ ‬صالح‭ ‬الدجيلي‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬دار‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬النجف،‭ ‬والسيد‭ ‬علي‭ ‬النقوي‭ ‬من‭ ‬الهند،‭ ‬وملا‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬رمل‭ ‬من‭ ‬الإحساء،‭ ‬والسيد‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬عدنان‭ ‬من‭ ‬البصرة،‭ ‬وقد‭ ‬جاؤوا‭ ‬إلى‭ ‬مطرح‭ ‬فوسع‭ ‬لهم‭ ‬المقام،‭ ‬وأحسن‭ ‬لهم‭ ‬الوفادة،‭ ‬وأكرم‭ ‬لهم‭ ‬العطاء‭. ‬فقد‭ ‬كانوا‭ ‬يقيمون‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الإصلاح‭ ‬بمطرح،‭ ‬فيغدق‭ ‬عليهم،‭ ‬ويطلب‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬يفتحوا‭ ‬المجالس‭ ‬للنشء‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭ ‬القراءة،‭ ‬واستمر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‭ ‬حتى‭ ‬يوم‭ ‬موته‭. ‬وبعد‭ ‬موته،‭ ‬سار‭ ‬على‭ ‬خطاه‭ ‬ابنه‭.‬

ومن‭ ‬ضمن‭ ‬كبار‭ ‬العلماء‭ ‬المشهورين‭ ‬الذين‭ ‬أدوا‭ ‬الخدمات‭ ‬المنبرية‭ ‬الذين‭ ‬جاء‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬عُمان‭ ‬وفي‭ ‬ثلاثة‭ ‬مواسم‭ ‬رمضانية‭ ‬مباركه‭: ‬العلامة‭ ‬رشيد‭ ‬علي‭ ‬ترابي،‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬جهابذة‭ ‬المنبر؛‭ ‬حيث‭ ‬قدم‭ ‬إلى‭ ‬مطرح‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1956،‭ ‬1957،‭ ‬1958،‭ ‬وكان‭ ‬يلقي‭ ‬المحاضرات‭ ‬والدروس‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الكبير‭ ‬التابع‭ ‬للقبيلة،‭ ‬وهو‭ ‬مسجد‭ ‬الرسول‭ ‬الأعظم‭ (‬ص‭)‬،‭ ‬ويذكر‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬ممن‭ ‬حضروا‭ ‬مجلس‭ ‬العلامة‭ ‬أنه‭ ‬أوجد‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الشباب‭ ‬لم‭ ‬يضاهيه‭ ‬عالم،‭ ‬وقد‭ ‬ترك‭ ‬أثراً‭ ‬كبيراً،‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬محلَّ‭ ‬ذكر‭.‬

يذكر‭ ‬السيد‭ ‬شرف‭ ‬علي‭ ‬علوي‭ ‬الموسوي‭ ‬أنَّ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يلتحق‭ ‬بحوزة‭ ‬النجف‭ ‬ليتعلم‭ ‬الخطابة‭ ‬والدراسة‭ ‬الدينية،‭ ‬وقد‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬الحاج‭ ‬جعفر‭ ‬سليمان‭ ‬الديناني‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬اللازم‭ ‬على‭ ‬حسابه‭ ‬وفي‭ ‬أقرب‭ ‬فرصة‭. ‬وأردف‭ ‬السيد‭ ‬بأنه،‭ ‬ومع‭ ‬الفتوة‭ ‬وشرخ‭ ‬الشباب،‭ ‬فقد‭ ‬تغاضيت‭ ‬وأحجمت‭ ‬عن‭ ‬السير‭ ‬إلى‭ ‬النجف‭ ‬الأشرف،‭ ‬وأضعت‭ ‬الفرصة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬أتأسف‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬زُوي‭ ‬عني‭ ‬كتأسفي‭ ‬على‭ ‬ضياع‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة،‭ ‬ولم‭ ‬تمر‭ ‬أيام‭ ‬حتى‭ ‬كان‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬في‭ ‬ذمة‭ ‬ربه‭.‬

ومن‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬أكبر‭ ‬الأثر‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬التجار‭ ‬تلك‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬قدَّمها‭ ‬للتجار‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬قبيلته،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬للجيل‭ ‬الصاعد؛‭ ‬حيث‭ ‬عمد‭ ‬إلى‭ ‬وكلائه‭ ‬خارج‭ ‬عُمان‭ ‬بأن‭ ‬يعملوا‭ ‬اللازم‭ ‬من‭ ‬توفير‭ ‬المقار‭ ‬والمنامات‭ ‬للتجار‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬يذهبون‭ ‬إليها‭ ‬لتجاراتهم؛‭ ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬اتفق‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬ديوجي‭ ‬جمال‭ ‬مسافر‭ ‬خانة‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬للتاجر‭ ‬اللواتي‭ ‬نفس‭ ‬ما‭ ‬يعطي‭ ‬لخوجات‭ ‬الهند‭ ‬وباكستان،‭ ‬وذات‭ ‬الشيء‭ ‬فعله‭ ‬مع‭ ‬جيتا‭ ‬كوكل‭ ‬صاحب‭ ‬مسافر‭ ‬خانة‭ ‬البصرة،‭ ‬ومع‭ ‬صاحب‭ ‬مسافر‭ ‬خانة‭ ‬خراسان‭ ‬في‭ ‬كراتشي‭.‬

كما‭ ‬قدم‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬الدعم‭ ‬لتجار‭ ‬اللواتية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مكاتبه،‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬احتاج‭ ‬التاجر‭ ‬إلى‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬المساعدة،‭ ‬ومع‭ ‬فترة‭ ‬مشيخته‭ ‬زاد‭ ‬عدد‭ ‬التجار‭ ‬اللواتية‭ ‬ممن‭ ‬تعاملوا‭ ‬مع‭ ‬الخارج‭ ‬لأضعاف،‭ ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬تاجر‭ ‬إلا‭ ‬انتفع‭ ‬منه‭ ‬بأسلوب‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬وقد‭ ‬سمح‭ ‬لمن‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬تجاراته‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬لذاته‭ ‬وكذلك؛‭ ‬تشجيعا‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬التجار‭ ‬ولخلق‭ ‬أجواء‭ ‬التعاون‭ ‬والتعاضد‭ ‬بين‭ ‬أبنائه‭.‬

بقيت‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬العالية‭ ‬للحاج‭ ‬باقر‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للقبيلة،‭ ‬فيما‭ ‬شاركه‭ ‬أبناؤه‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬مشيخته‭ ‬هذه‭ ‬الروح،‭ ‬ووقفوا‭ ‬معه‭ ‬مساندين‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تطلعاته،‭ ‬ونرى‭ ‬جليا‭ ‬هذه‭ ‬اللحمة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬في‭ ‬الرسالة‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد،‭ ‬عندما‭ ‬أرسلها‭ ‬إلى‭ ‬أخيه‭ ‬الحاج‭ ‬علي؛‭ ‬حيث‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭: (‬نورد‭ ‬بعض‭ ‬نصوصها‭ ‬لصلتها‭ ‬بالموضوع‭) ‬

‭”‬من‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور،‭ ‬إلى‭ ‬المحب‭ ‬المكرم‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ – ‬دام‭ ‬بعافية‭…” ‬حتى‭ ‬يقول‭ ‬محل‭ ‬الشاهد‭ ‬من‭ ‬كلامه‭ ‬‭”‬ولاشك‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬فقيد‭ ‬في‭ ‬جماعة‭….”‬‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬كلامه‭. ‬ثم‭ ‬يردف،‭ ‬فيقول‭:‬‭ “‬إننا‭ ‬أسفنا‭ ‬على‭ ‬موته‭ ‬والبقاء‭ ‬لله‭ ‬وحده؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬محتم‭ ‬على‭ ‬البشر‭. ‬فلكم‭ ‬ولعائلته‭ ‬جميعاً‭ ‬حسن‭ ‬العزاء‭ ‬وجميل‭ ‬الصبر‭.‬

وقد‭ ‬سرَّنا‭ ‬أنكم‭ ‬اتحدتم‭ ‬سويا‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬أعمالكم‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الأمل‭ ‬بأن‭ ‬تكونوا‭ ‬يدا‭ ‬واحدة،‭ ‬وأن‭ ‬تحافظوا‭ ‬على‭ ‬سمعتكم‭ ‬ومكانتكم‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬الفقيد‭….”.‬

المحور‭ ‬الثالث‭ – ‬علاقات‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬بحكومة‭ ‬يريطانيا‭ ‬العظمى‭ ‬

قبل‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬العنوان،‭ ‬أتوقَّف‭ ‬عند‭ ‬نص‭ ‬وردني‭ ‬من‭ ‬المكرم‭ ‬محمود‭ ‬علي‭ ‬عبداللطيف،‭ ‬على‭ ‬صفحتي‭ ‬بالفيسبوك،‭ ‬وله‭ ‬صلة‭ ‬مباشرة‭ ‬بما‭ ‬كتبناه‭ ‬في‭ ‬المحور‭ ‬الثاني،‭ ‬وما‭ ‬يلي‭ ‬النص،‭ ‬وستكون‭ ‬لنا‭ ‬وقفة‭ ‬على‭ ‬فحواه‭: ‬‭”‬للعلم‭ ‬أنَّ‭ ‬جدي‭ ‬عبداللطيف‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬شابا،‭ ‬طرق‭ ‬باب‭ ‬السلطان‭ ‬فيصل‭ ‬طالباً‭ ‬منه‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الجنسية‭ ‬العُمانية؛‭ ‬فكرمه‭ ‬السلطان‭ ‬بالجنسية،‭ ‬عندما‭ ‬علم‭ ‬القنصل‭ ‬البريطاني‭ ‬بتخلي‭ ‬جدي‭ ‬عن‭ ‬الجنسية‭ ‬البريطانية‭ ‬حبسه،‭ ‬علم‭ ‬بذلك‭ ‬السلطان‭ ‬فيصل‭ ‬فأرسل‭ ‬للبالويز،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الاسم‭ ‬المعرف‭ ‬بالقنصل‭ ‬البريطاني،‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬تسجن‭ ‬شخصاً‭ ‬يحمل‭ ‬جنسيتي‭”‬‭.‬

ولنا‭ ‬وقفة‭ ‬تأمل‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬المكرم‭ ‬الآنف‭:‬

أولاً‭:‬‭ ‬لم‭ ‬يذكر‭ ‬لنا‭ ‬المكرم‭ ‬محمود‭: ‬هل‭ ‬الجنسية‭ ‬البريطانية‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬جده‭ ‬أبًّا‭ ‬عن‭ ‬جد؟‭!‬

ثانياً‭: ‬هل‭ ‬الجنسية‭ ‬البريطانية‭ ‬قد‭ ‬مُنِحت‭ ‬له؛‭ ‬كونه‭ ‬من‭ ‬رعايا‭ ‬البريطانيين؟‭!‬

ووفق‭ ‬قراءاتي‭ ‬المتواضعة‭ ‬في‭ ‬تعامل‭ ‬بريطانيا‭ ‬مع‭ ‬رعاياها،‭ ‬فإنَّ‭ ‬أسباب‭ ‬منح‭ ‬بريطانيا‭ ‬الجنسية‭ ‬لهم‭ -‬كما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الخليج‭- ‬أن‭ ‬بريطانيا‭ ‬عندما‭ ‬استولت‭ ‬على‭ ‬الهند‭ ‬كمستعمرة‭ ‬تشريعيا‭ -‬وذلك‭ ‬مع‭ ‬العام‭ ‬1800‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬موت‭ ‬تيبو‭ ‬سلطان‭ ‬عام‭ ‬1799‭- ‬فإنها‭ ‬كانت‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬رعايا‭ ‬أقاليم‭ ‬الهند‭ ‬خارج‭ ‬الهند‭ ‬بالتبعية‭ ‬بالحسنى‭ ‬تارة،‭ ‬وقسرا‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬أخرى‭.‬

ويذكر‭ ‬الدكتور‭ ‬رضا‭ ‬باقر‭ ‬حبيب‭ ‬مراد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬جذور‭ ‬الهيمنة‭ ‬البريطانية‭”‬،‭ ‬أنَّ‭ ‬ثويني‭ ‬بن‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ -‬والذي‭ ‬حكم‭ ‬منذ‭ ‬1855‭ ‬وحتى‭ ‬1866‭- ‬وفي‭ ‬أوائل‭ ‬1858،‭ ‬استطاع‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬بريطاني‭ ‬بعدم‭ ‬اعتبار‭ ‬اللواتية‭ ‬والخوجا‭ ‬المستقرين‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬قبل‭ ‬استيلاء‭ ‬بريطانيا‭ ‬على‭ ‬السند‭ ‬عام‭ ‬1840‭ ‬رعايا‭ ‬بريطانيين‭.‬

ونعلم‭ ‬تمام‭ ‬العلم‭ ‬أنَّ‭ ‬بريطانيا‭ ‬لم‭ ‬تلتزم‭ ‬بهذا‭ ‬الضمان،‭ ‬واستمرت‭ ‬في‭ ‬أساليبها‭ ‬القهرية‭ ‬بفرض‭ ‬الحالة‭ ‬الرعوية‭ ‬على‭ ‬أناس‭ ‬تركوا‭ ‬بلاد‭ ‬الهند‭ ‬والسند‭ ‬منذ‭ ‬أمد‭ ‬بعيد‭.‬

كما‭ ‬يرد‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه؛‭ ‬وهو‭: ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬جده‭ ‬جيء‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬سور‭ ‬اللواتية‭ ‬بعد‭ ‬مقتل‭ ‬والده،‭ ‬ولم‭ ‬تذهب‭ ‬به‭ ‬خالته‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬السور‭ ‬الذي‭ ‬احتضنه‭ ‬وآواه؟‭!‬

من‭ ‬جهة‭ ‬نظري،‭ ‬أنَّ‭ ‬مجيء‭ ‬جده‭ ‬إلى‭ ‬حواضن‭ ‬السور‭ ‬كان‭ ‬خط‭ ‬رجعة‭ ‬من‭ ‬العائلة،‭ ‬وأن‭ ‬التبعية‭ ‬البريطانية‭ ‬الأولى‭ ‬كانت‭ ‬ضمن‭ ‬المتعارف‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬سارت‭ ‬عليه‭ ‬بريطانيا‭ ‬بعد‭ ‬ضم‭ ‬أقاليم‭ ‬الهند‭ ‬والسند‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭.‬

نَبْقَى‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬التأمل‭ ‬والتحليل،‭ ‬والتساؤل‭ ‬المطروح‭ ‬يبقى‭ ‬قائما‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬من‭ ‬النقاش،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أستنتج،‭ ‬فإنَّ‭ ‬مطرح‭ -‬وإن‭ ‬أمست‭ ‬الحاضنة‭- ‬فإنَّ‭ ‬الانشداد‭ ‬إليها‭ ‬هو‭ ‬الانشداد‭ ‬إلى‭ ‬أصل‭ ‬الحالة؛‭ ‬لأنها‭ ‬الأم‭ ‬الرؤوم،‭ ‬وقد‭ ‬احتضنت‭ ‬الحاج‭ ‬عبداللطيف‭ ‬لاعتباره‭ ‬ابنا‭ ‬لوالد‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬ترك‭ ‬أحضان‭ ‬السور؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬حالات‭ ‬الهجرة‭ ‬كانت‭ ‬طبيعية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الظروف‭.‬

ونرجع‭ ‬إلى‭ ‬صلب‭ ‬المحور‭ ‬الثالث؛‭ ‬فقد‭ ‬كُنت‭ ‬حريصاً‭ ‬على‭ ‬أنْ‭ ‬لا‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المحور‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬أمامي،‭ ‬ولعل‭ ‬ما‭ ‬يأخذنا‭ ‬الوضع‭ ‬إلى‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬ورغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتمتع‭ ‬بالجنسية‭ ‬البريطانية،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬رعايا‭ ‬السلطان‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬السلطان‭ ‬فيصل‭ ‬الذي‭ ‬حكم‭ ‬عُمان‭ ‬منذ‭ ‬1888‭ ‬وحتى‭ ‬1913‭ ‬حين‭ ‬تولى‭ ‬السلطان‭ ‬تيمور‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬وعُمان‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬التسمية،‭ ‬فإننا‭ ‬نلحظ‭ ‬جليا‭ ‬قربه‭ ‬من‭ ‬البريطانيين؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬مدى‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالمحافظة‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬المتينة‭ ‬ليس‭ ‬مُخْتَصِرا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬حاله‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬أفراد‭ ‬قبيلته‭. ‬لقد‭ ‬ذكرت‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬موت‭ ‬جورج‭ ‬الخامس‭ ‬عام‭ ‬1936‭ ‬فإنه‭ -‬ومع‭ ‬أربعة‭ ‬آخرين‭ ‬من‭ ‬إخوانه‭ ‬وأقرانه‭- ‬يبرقون‭ ‬إلى‭ ‬القنصل‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬بنص‭ ‬يقطر‭ ‬ألما‭ ‬وأسى‭ (‬الوثيقة‭ ‬ننشرها‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭).‬

إنَّني‭ ‬أتصور‭ ‬أنَّ‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬بريطانيا‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬من‭ ‬الود‭ ‬بين‭ ‬اللواتية‭ ‬والبريطانيين،‭ ‬ولأسباب‭ ‬تاريخية‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬مطرح؛‭ ‬حيث‭ ‬تعرضت‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬الحملات‭ ‬من‭ ‬الجيوش‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬مطرح‭ ‬ومسقط؛‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الوهابيين‭ ‬مع‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬قبلهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الإمام‭ ‬عزان‭ ‬بن‭ ‬قيس‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1867،‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬حملات‭ ‬الإمام‭ ‬الخروصي‭ ‬عام‭ ‬1913؛‭ ‬حيث‭ ‬تشبث‭ ‬اللواتية‭ ‬بأرضهم،‭ ‬محتمين‭ ‬بسورهم‭ ‬بحصونه‭ ‬الأربعة،‭ ‬رافعين‭ ‬الرايات‭ ‬البريطانية‭ ‬على‭ ‬السور‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتعرضوا‭ ‬للقتل‭ ‬أو‭ ‬النهب،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬أسواقهم‭ ‬تعرَّضت‭ ‬للحرق،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬السور‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬قد‭ ‬تعرض‭ ‬للحرق؛‭ ‬حيث‭ ‬يذكر‭ ‬أنه‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ “‬الفتح‭ ‬المبين‭” ‬ونهب‭ ‬أصحاب‭ ‬مطلق‭ ‬المطرح‭ ‬وأربعة،‭ ‬وأحرقوا‭ ‬سور‭ ‬اللواتيا،‭ ‬وقتلوا‭ ‬جُملة‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬مطرح‭…‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬كلامه‭ (‬الجزء‭ ‬الثاني،ص‭:‬169‭) ‬الطبعة‭ ‬السادسة‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬وزارة‭ ‬التراث‭ ‬والثقافة‭.‬

هذه‭ ‬الرايات‭ ‬البريطانية‭ ‬كانت‭ ‬تحمي‭ ‬رعاياها‭ ‬الذين‭ ‬آواهم‭ ‬السور‭ ‬الحصين،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أنَّ‭ ‬اللواتية‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬جميعهم‭ ‬من‭ ‬رعايا‭ ‬بريطانيا،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬الجزم‭ ‬بأن‭ ‬غالبيتهم‭ ‬كانوا‭ ‬كذلك،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬ينسوا‭ ‬هذه‭ ‬اليد‭ ‬التي‭ ‬حمتهم‭ ‬ولو‭ ‬برفع‭ ‬الأعلام،‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬الردع‭ ‬للمهاجم‭ ‬وأبعده‭ ‬عن‭ ‬الأسوار‭ ‬مسافات‭. ‬وفي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬المستخرجة‭ ‬من‭ ‬الأرشيف‭ ‬البريطاني‭ ‬وتاريخها‭ ‬مايو‭ ‬1937،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬القنصلية‭ ‬البريطانية‭ ‬توجه‭ ‬دعوة‭ ‬لكبار‭ ‬الشخصيات‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬ومطرح‭ ‬لحضور‭ ‬الاحتفال‭ ‬الخاص‭ ‬بتتويج‭ ‬الملك‭ ‬جورج‭ ‬السادس،‭ ‬وزينت‭ ‬القنصلية‭ ‬بالمصابيح‭ ‬الكهربائية‭ ‬التي‭ ‬أضيئت‭ ‬ليلاً،‭ ‬وبدأ‭ ‬الاحتفال‭ ‬بوصول‭ ‬السفينة‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية‭ ‬دتفورد،‭ ‬وذات‭ ‬الليلة‭ ‬احتُفل‭ ‬باستقبال‭ ‬رسمي‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬القنصلية‭ ‬حضره‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬تيمور‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬رجال‭ ‬الدولة‭.‬

قائمة‭ ‬الشخصيات‭ ‬35،‭ ‬لا‭ ‬تتضمن‭ ‬اسم‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر؛‭ ‬باعتبار‭ ‬المدعوين‭ ‬غير‭ ‬الرسمين‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬الرعايا‭ ‬البريطانيين‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬القائمة‭ ‬يتضح‭ ‬جليا‭ ‬أن‭ ‬الحالة‭ ‬الرعوية‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة‭ ‬حتى‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ؛‭ ‬وأن‭ ‬العلاقات‭ ‬ببريطانيا‭ ‬العظمى‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬الأهمية‭.‬

والذي‭ ‬يزيد‭ ‬الاستغراب‭ ‬أنه‭ ‬وبرغم‭ ‬عدم‭ ‬تبعية‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬لبريطانيا،‭ ‬لكننا‭ ‬نجد‭ -‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬سنعرضها‭- ‬أن‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬كانت‭ ‬علاقته‭ ‬ببريطانيا‭ ‬لا‭ ‬تضاهيها‭ ‬علاقة‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬ونحن‭ ‬أمام‭ ‬عشرات‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬التبعيية‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬الاستعمار‭ ‬البريطاني‭ ‬للهند‭ ‬واستقلالها‭ ‬عام‭ ‬1947‭. ‬ولعل‭ ‬الأسباب‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬بريطانيا‭ ‬كانت‭ ‬تدرك‭ ‬مدى‭ ‬علاقة‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بالشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬وتقديره‭ ‬إياه،‭ ‬إضافة‭ ‬لتواجد‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬بجانب‭ ‬السلطان‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬اجتماعاته‭ ‬ولقاءاته،‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬روبرت‭ ‬هاي‭ ‬المقيم‭ ‬السياسي‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬الخليج‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ -‬نظرا‭ ‬لحجم‭ ‬تجاراته‭ ‬مع‭ ‬كلٍّ‭ ‬من‭ ‬الهند‭ ‬وباكستان،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬جزءا‭ ‬منها‭ ‬قبل‭ ‬الاستقلال‭- ‬وهذا‭ ‬الحجم‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬أستبعد‭ ‬أن‭ ‬للكاريزما‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المكانة،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الحاج‭ ‬بأسلوب‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬وقد‭ ‬سمعتُ‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬الهيبة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يتمتع‭ ‬بها‭ ‬الحاج‭. ‬ثم‭ ‬إنَّ‭ ‬الحاج‭ ‬كان‭ ‬كريما،‭ ‬مفتوح‭ ‬اليدين،‭ ‬سخيا،‭ ‬معطاء،‭ ‬ونواله‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬الأقربين‭ ‬والأبعدين،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سيكون‭ ‬لنا‭ ‬حديث‭ ‬فيه‭ ‬ضمن‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬سنعرضها‭ (‬في‭ ‬الكتاب‭). ‬فمن‭ ‬عاداته‭ ‬التي‭ ‬دأب‭ ‬عليها‭: ‬كثرة‭ ‬الدعوات‭ ‬للشخصيات‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬العامة؛‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬العود‭ ‬مكانا‭ ‬لهكذا‭ ‬دعوات،‭ ‬كذلك‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬بيت‭ ‬ابن‭ ‬أخيه‭ ‬موسى‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف‭ ‬كان‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬رواقه‭ ‬مكانا‭ ‬للقاءات‭ ‬مع‭ ‬كبار‭ ‬الشخصيات‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬أن‭ ‬جمع‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ -‬وكما‭ ‬توزعت‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭- ‬وهو‭ ‬واقف‭ ‬ومعه‭ ‬مالو‭ (‬مال‭ ‬الله‭ ‬صاحب‭ ‬الجمارك‭)‬،‭ ‬وتشونسي‭ ‬القنصل‭ ‬البريطاني،‭ ‬وجعفر‭ ‬باقر،‭ ‬وجمع‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الشخصيات‭ ‬النافذة‭. ‬ومن‭ ‬الوثائق‭: ‬تلك‭ ‬الموجهة‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الميجرتي‭.‬هكنبوثام‭ ‬قنصل‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬عُمان،‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬1940،‭ ‬وفيها‭ ‬كلام‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬عُمق‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشخصين،‭ ‬ويذكر‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬سوء‭ ‬حظه‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬الإتيان‭ ‬إليه؛‭ ‬لأنه‭ ‬وجد‭ ‬البحر‭ ‬صاعدا،‭ ‬ولم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬يسوق‭ ‬بسيارته‭ ‬فوق‭ ‬الشاطئ‭ ‬الرملي‭. ‬ووثيقة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬قنصل‭ ‬آخر‭ -‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬عليها‭ ‬تاريخ‭- ‬وتحمل‭ ‬ختم‭ ‬القنصلية‭ ‬البريطانية،‭ ‬وفيها‭ ‬يوجه‭ ‬له‭ ‬الدعوة‭ ‬للقائه؛‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬رسالة‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬له،‭ ‬ويتمنى‭ ‬له‭ ‬الصحة،‭ ‬وهي‭ ‬بخط‭ ‬اليد،‭ ‬وفي‭ ‬العادة‭ ‬فإن‭ ‬الرسائل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬العادة‭ ‬تحمل‭ ‬لها‭ ‬قيمة‭ ‬كبيرة‭ ‬لعمق‭ ‬العلاقة‭.‬

وأهم‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬الوثائق‭: ‬الوثيقة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬آرإلدور‭ ‬إليسون،‭ ‬وفيها‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ (‬الملكة‭) -‬ويومها‭ ‬أميرة‭ ‬إليزابيث‭- ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬سكرتيرها‭ ‬الخاص‭ ‬تبعث‭ ‬للحاج‭ ‬باقر‭ ‬رسالة،‭ ‬وهذه‭ ‬الرسالة‭ ‬هو‭ ‬مأمور‭ ‬بتوصيلها‭ (‬الوثيقة‭ ‬سنعرضها‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1948‭).‬

وقد‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬الأخ‭ ‬عبداللطيف‭ ‬محسن‭ ‬باقر‭ -‬حفيد‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭- ‬إطلاعي‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة،‭ ‬فقال‭ ‬لي‭ ‬مضمونها‭ ‬إنها‭ ‬تأكيد‭ ‬من‭ ‬الملكة‭ ‬إليزابيث‭ ‬إلى‭ ‬جدي‭ -‬رحمه‭ ‬الله‭- ‬تبلغه‭ ‬وضمن‭ ‬أمور‭ ‬أخرى‭ ‬متعلقة‭ ‬بالهدية‭ ‬وأهميتها،‭ ‬مع‭ ‬خالص‭ ‬شكرها‭ ‬للحاج‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭ ‬وأفراد‭ ‬قبيلته‭ ‬اللواتية‭ ‬في‭ ‬مسقط‭ ‬كما‭ ‬شكرت‭ ‬أفراد‭ ‬القبيلة‭ ‬على‭ ‬نواياهم‭ ‬الحسنة‭ ‬تجاهها‭ ‬بمناسبة‭ ‬زواجها‭. ‬وقصة‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬والشكر‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬قد‭ ‬أهدى‭ ‬للملكة‭ ‬إليزابيث‭ ‬قلادة‭ ‬غالية‭ ‬الثمن‭ ‬10000‭ ‬روبية‭ ‬هندية‭ ‬عام‭ ‬1948؛‭ ‬وذلك‭ ‬بمناسبة‭ ‬زواجها،‭ ‬ويومها‭ ‬كان‭ ‬المبلغ‭ ‬كبيراً‭ ‬جدًّا،‭ ‬وقد‭ ‬أهداها‭ ‬هذه‭ ‬الهدية‭ ‬باسم‭ ‬اللواتية‭.‬

وقبل‭ ‬أن‭ ‬نختم‭ ‬هذا‭ ‬المحور،‭ ‬وهو‭ ‬الخاص‭ ‬بعلاقة‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬ببريطانيا‭ ‬العظمى،‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬الجدير‭ ‬أن‭ ‬نذكر‭ ‬أن‭ ‬الطفرة‭ ‬في‭ ‬تجارات‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ -‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬من‭ ‬المستوى‭ ‬ما‭ ‬بلغته‭- ‬أحد‭ ‬أسبابه‭ ‬هو‭ ‬العلاقة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬جمعته‭ ‬ببريطانيا‭ ‬العظمى،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مفاصل‭ ‬المنطقة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬إفريقيا‭.. ‬ولولا‭ ‬الحكمة‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬وفن‭ ‬إدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬لربما‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬مختلفا‭ ‬تماما‭.‬

المحور‭ ‬الرابع‭ – ‬التجارات‭ ‬

من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المحور،‭ ‬أقف‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الشواهد‭ ‬على‭ ‬تجارات‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬وعن‭ ‬أسلوب‭ ‬إدارته‭ ‬لتجاراته‭ ‬الواسعة؛‭ ‬فالشيخ‭ ‬باقر‭ ‬قد‭ ‬أثبت‭ ‬براعته‭ ‬في‭ ‬الإدارة؛‭ ‬حيث‭ ‬قسم‭ ‬العمل‭ ‬ووظف‭ ‬الكفاءات،‭ ‬وركز‭ ‬على‭ ‬عنصر‭ ‬المغامرة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬منافسا‭ ‬لأكبر‭ ‬الشركات‭ ‬الإنجليزية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ (‬كري‭ ‬منكزي‭) ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحتكر‭ ‬كل‭ ‬التجارات‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭. ‬وبالمقابل،‭ ‬فإنه‭ ‬دخل‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬العُمانية‭ ‬من‭ ‬أوسع‭ ‬أبوابها،‭ ‬فما‭ ‬ترك‭ ‬تجارة‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المستويات‭ ‬إلا‭ ‬وقد‭ ‬تصدى‭ ‬لها‭. ‬حيث‭ ‬أسند‭ ‬إلى‭ ‬أخيه‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬عبداللطيف‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأسواق‭ ‬العُمانية‭ ‬برمتها،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬فعلا‭ ‬دينمو‭ (‬المحرك‭) ‬للشركة؛‭ ‬حيث‭ ‬استمدت‭ ‬الشركة‭ ‬قوتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المنتج‭ ‬العُماني‭ ‬الذي‭ ‬أوصله‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬إلى‭ ‬أقاصي‭ ‬الدنيا‭ ‬شرقاً‭ ‬وغرباً،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬يجوب‭ ‬كل‭ ‬عُمان‭ ‬ويشتري‭ ‬القاشع‭ ‬من‭ ‬معظم‭ ‬صيادي‭ ‬عُمان،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجف‭ ‬من‭ ‬الأسماك‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬ساحل‭ ‬القرم‭ ‬حتى‭ ‬السيب،‭ ‬إضافة‭ ‬لسواحل‭ ‬الباطنة،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬معظم‭ ‬هذا‭ ‬الإنتاج‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬شركة‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭. ‬وكذلك‭ ‬التمور‭ ‬والبسور‭ ‬والليمون‭ ‬الجاف؛‭ ‬حيث‭ ‬الأطنان‭ ‬من‭ ‬الكميات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يجمعها‭ ‬من‭ ‬المنتجين‭ ‬العُمانيين،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يتم‭ ‬تصديرها‭ ‬للخارج‭.‬

ومع‭ ‬العام‭ ‬1933،‭ ‬أرسل‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭ ‬أخاه‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬إلى‭ ‬البصرة،‭ ‬في‭ ‬أولى‭ ‬محاولاته‭ ‬لكسر‭ ‬حاجز‭ ‬الاحتكار‭ ‬للوكالات‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬السفن‭.‬

ومع‭ ‬بذل‭ ‬المساعي‭ ‬الحثيثة‭ ‬بعد‭ ‬وصول‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬إلى‭ ‬البصرة؛‭ ‬حيث‭ ‬مكاتب‭ ‬شركة‭ ‬هانزا‭ ‬الألمانية،‭ ‬وبعد‭ ‬المفاوضات‭ ‬المضنية‭ ‬استطاع‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬إقناع‭ ‬وكيل‭ ‬هانزا‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬أولى‭ ‬وكالات‭ ‬السفن‭ ‬الأوروبية،‭ ‬ومعها‭ ‬فقد‭ ‬دخلت‭ ‬الشركة‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬الساحات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬منافِسَة‭ ‬للشركة‭ ‬الإنجليزية‭ (‬كري‭ ‬منكزي‭). ‬وقد‭ ‬بدأ‭ ‬يدخل‭ ‬القاشع‭ ‬العُماني‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬أوروبا‭ ‬وفلسطين‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬يومها‭ ‬تحت‭ ‬الانتداب‭ ‬البريطاني‭. ‬وفيما‭ ‬بعد،‭ ‬أوعز‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬إلى‭ ‬أخيه‭ ‬موسى‭ ‬بالتصدي‭ ‬للعمل‭ ‬الدؤوب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬باقي‭ ‬وكالات‭ ‬السفن‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وهنا‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬العهد‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬التي‭ ‬درت‭ ‬الكثير‭ ‬على‭ ‬الشركة،‭ ‬فكانت‭ ‬الوكالات‭ ‬مارسك‭ ‬ونتلويتز‭ ‬وأوال‭ ‬وكي‭ ‬لاين،‭ ‬إضافة‭ ‬للسفن‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتعامل‭ ‬معها‭ ‬الشركة،‭ ‬وهي‭ ‬السفن‭ ‬البريطانية‭-‬الهندية‭ ‬The British India Navigation CO‭ ‬من‭ ‬قبيل‭: ‬دارا،‭ ‬ودواركا،‭ ‬ودمرا،‭ ‬وسردانا،‭ ‬وسانتيا،‭ ‬ومغل،‭ ‬وبرجولا،‭ ‬وبامورا،‭ ‬وواسنا،‭ ‬ودريسا،‭ ‬والسفينة‭ ‬العملاقة‭ ‬Winga Poor؛‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬إفريقيا‭.‬

وقد‭ ‬أرسل‭ ‬أخاه‭ ‬موسى‭ ‬إلى‭ ‬تشيك؛‭ ‬حيث‭ ‬جلب‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬أول‭ ‬مصنع‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬طحن‭ ‬سمك‭ ‬القاشع،‭ ‬وأقامه‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬خلفان‭ ‬في‭ ‬حلة‭ ‬الدكة‭ ‬في‭ ‬مطرح،‭ ‬وكانت‭ ‬الشركة‭ ‬ترسل‭ ‬السمك‭ ‬المطحون‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم؛‭ ‬حيث‭ ‬ومع‭ ‬الوكالات‭ ‬الأوروبية‭ ‬للسفن،‭ ‬فإنه‭ ‬قد‭ ‬فتحت‭ ‬أمام‭ ‬الشركة‭ ‬فرصٌ‭ ‬تاريخية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قد‭ ‬عهدتها‭ ‬الشركة‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬قبل‭.‬

وفي‭ ‬حادثة‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬منها‭ ‬حياة‭ ‬المغامرين،‭ ‬وحيث‭ ‬كان‭ ‬الحاج‭ ‬موسى‭ ‬عبداللطيف‭ ‬يهم‭ ‬بالسفر‭ ‬راجعا‭ ‬إلى‭ ‬بلاده‭ ‬ومن‭ ‬محطته‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬وقعت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬عام‭ ‬1939،‭ ‬فتقطَّعت‭ ‬به‭ ‬السبل،‭ ‬وبقي‭ ‬محتارا‭ ‬لا‭ ‬حِيلة‭ ‬له،‭ ‬ومع‭ ‬المحاولات‭ ‬استطاعت‭ ‬شركة‭ ‬باقر‭ ‬أن‭ ‬تدبِّر‭ ‬له‭ ‬الأمر‭ ‬وتخرجه‭ ‬من‭ ‬لندن‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬سفينة‭ ‬هانزا‭ ‬إلى‭ ‬الهند،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬عُمان‭. ‬

الحاج‭ ‬موسى‭ ‬لم‭ ‬يعش‭ ‬طويلاً،‭ ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬وافاه‭ ‬الأجل‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الأربعينات‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬عام‭ ‬1941‭. ‬وبفقده‭ ‬فقدت‭ ‬الشركة‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬رجالاتها‭ ‬الإداريين‭ ‬الموكولة‭ ‬إليه‭ ‬مهام‭ ‬أوروبا،‭ ‬والذي‭ ‬سعى‭ ‬لحصول‭ ‬الشركة‭ ‬على‭ ‬معظم‭ ‬الوكالات‭ ‬الأوروبية‭ ‬للسفن‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬بارعا‭ ‬في‭ ‬اللغات‭ ‬ويجيد‭ ‬الألمانية‭ -‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬لي‭ ‬حفيده‭ ‬فياض‭ ‬موسى‭ ‬عبداللطيف‭- ‬ومع‭ ‬هذه‭ ‬اللغة،‭ ‬أكسب‭ ‬الشركة‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬ضم‭ ‬أهم‭ ‬وكالات‭ ‬السفن‭ ‬يومها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أوروبا‭.‬

كما‭ ‬أنَّ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬قد‭ ‬أسند‭ ‬أعماله‭ ‬الإدارية‭ ‬والكتابية‭ ‬والاتصالات‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬مشاريعه‭ ‬ووكالات‭ ‬الشركة،‭ ‬إلى‭ ‬ابنه‭ ‬البكر‭ ‬الحاج‭ ‬جعفر‭ ‬باقر،‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬خير‭ ‬وجه،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬الكويت؛‭ ‬حيث‭ ‬فتحت‭ ‬الشركة‭ ‬فرعا‭ ‬لها‭ ‬هناك،‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬مخزن‭ ‬مسقط،‭ ‬وكان‭ ‬الفرع‭ ‬يدار‭ ‬باسم‭ ‬ابنه‭ ‬جعفر،‭ ‬وكان‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬بن‭ ‬بحر‭ ‬التاجر‭ ‬الكويتي‭ ‬الكبير‭ ‬وكيلا‭ ‬لهذه‭ ‬الشركة،‭ ‬فيما‭ ‬جعفر‭ ‬قد‭ ‬أسند‭ ‬مهام‭ ‬المكتب‭ ‬لأحد‭ ‬أبناء‭ ‬عمه‭ ‬الحاج‭ ‬علي،‭ ‬وهو‭ ‬أحمد‭ ‬المعروف‭ ‬بـ‭”‬ميرزا‭”‬،‭ ‬وكان‭ ‬سعيد‭ ‬محمد‭ (‬أبو‭ ‬رضا‭) ‬مديرا‭ ‬للمكتب‭.‬

ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المكتب،‭ ‬تعامل‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬مع‭ ‬البصرة،‭ ‬التي‭ ‬عين‭ ‬أيضا‭ ‬وكيلا‭ ‬فيها،‭ ‬وكان‭ ‬السمن‭ ‬العُماني‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬ظفار‭ ‬ويصل‭ ‬إلى‭ ‬الكويت‭ ‬عبر‭ ‬البواخر،‭ ‬وكان‭ ‬لشركة‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭ ‬مكتبا‭ ‬في‭ ‬ظفار،‭ ‬والحاج‭ ‬عبدالباقي‭ ‬فيض‭ ‬الله‭ ‬علي‭ ‬خلفان‭ ‬اللواتي‭ ‬كان‭ ‬مسؤولا‭ ‬عن‭ ‬المكتب،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يأخذ‭ ‬حيزا‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬قصر‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬ظفار‭.‬

ويذكر‭ ‬عمي‭ ‬حسين‭ ‬داود‭ -‬نقلا‭ ‬عن‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬الساجواني‭- ‬أنه‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬أرسل‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬موظفا‭ ‬من‭ ‬موظفيه‭ ‬إلى‭ ‬وكيله‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬بن‭ ‬بحر‭ ‬يحمل‭ ‬له‭ ‬منه‭ ‬رسالة،‭ ‬وعندما‭ ‬فتح‭ ‬ابن‭ ‬بحر‭ ‬رسالة‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬تفاجأ‭ ‬بأن‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬يُخبره‭ ‬بأن‭ ‬سفينة‭ ‬محملة‭ ‬بـ3000‭ ‬صفيحة‭ ‬من‭ ‬السمن‭ ‬الظفاري‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الكويت؛‭ ‬فقد‭ ‬تساءل‭ ‬ابن‭ ‬بحر‭ ‬أنه‭ ‬بالأمس‭ ‬وصلت‭ ‬سفينة‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬4000‭ ‬صفيحة،‭ ‬وغدا‭ ‬سفينة‭ ‬أخرى‭ ‬محملة‭ ‬بالصفائح‭ ‬3000‭: ‬من‭ ‬أين‭ ‬للحاج‭ ‬باقر‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السيولة؟

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬كانت‭ ‬قائمة،‭ ‬والناس‭ ‬بحاجة‭ ‬للمؤن‭ ‬الغذائية‭ ‬لتصل‭ ‬إليها‭ ‬عبر‭ ‬عُمان،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬بحارها‭ ‬آمنة‭ ‬هادئة،‭ ‬وقد‭ ‬ذكر‭ ‬السلطان‭ ‬سعيد‭ -‬في‭ ‬كتيبه‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ “‬كلمة‭ ‬السلطان‭”- ‬أن‭ ‬مداخيل‭ ‬الجمارك‭ ‬زادت‭ ‬مع‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬غلت‭ ‬فيها‭ ‬المؤن‭. ‬هذه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬تجاراته،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكاتبه‭ ‬في‭ ‬أعالي‭ ‬البحار‭ ‬لشيء‭ ‬أكبر‭ ‬مما‭ ‬تم‭ ‬ذكره،‭ ‬حيث‭ ‬إنه‭ ‬قد‭ ‬انتشرت‭ ‬مكاتبه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬كراجي‭ ‬وبيشاور‭ ‬وبنسي‭ ‬وكويتا‭ ‬وكاليكوت‭ ‬وجوادر‭ ‬وبنجكوور‭ ‬وشهبار‭ ‬وكرمان‭ ‬وبندر‭ ‬عباس،‭ ‬وقد‭ ‬أخذ‭ ‬إلى‭ ‬مكاتبه‭ ‬أكفأ‭ ‬العناصر‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬من‭ ‬عُمان؛‭ ‬حيث‭ ‬عين‭ ‬جعفر‭ ‬رحمة‭ ‬الله،‭ ‬وسليمان‭ ‬داود‭ ‬شالواني،‭ ‬ومحمد‭ ‬سليمان‭ ‬موساني،‭ ‬وخميس‭ ‬نجف‭ ‬علي،‭ ‬وموسى‭ ‬عبدالرضا،‭ ‬ومحمد‭ ‬تقي‭ (‬همد‭ ‬تقي‭)‬،‭ ‬وحسن‭ ‬علي‭ ‬إبراهيم‭ ‬‭(‬شهباري‭)‬،‭ ‬وموسى‭ ‬محمد‭ ‬موسى‭ ‬المعروف‭ ‬بـ‭”‬لولد‭”‬،‭ ‬وآخرين؛‭ ‬إذ‭ ‬عملوا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكاتبه‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬البحر‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬الهند،‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬المكاتب‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬تجاراته،‭ ‬وتستقبل‭ ‬البضائع‭ ‬والمؤن‭ ‬والمنتجات‭ ‬العُمانية‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬البلدان،‭ ‬وتصدر‭ ‬البضائع‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬عُمان‭ ‬كمحطة‭ ‬ترانزبت،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يذهب‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا؛‭ ‬حيث‭ ‬شهاب‭ ‬حبيب‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬خط‭ ‬إفريقيا،‭ ‬محملا‭ ‬السفن‭ ‬بأجود‭ ‬الأخشاب‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬كاليكوت؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬الخطين‭ ‬الهندي‭ ‬والإفريقي،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أندر‭ ‬الكفاءات‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الخشب‭ ‬وجودته‭, ‬كما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أسواق‭ ‬الهارشا‭ ‬الهندية؛‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يجلبها‭ ‬من‭ ‬الهند،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا‭ ‬على‭ ‬عُمان‭. ‬ونأتي‭ ‬على‭ ‬الطاقم‭ ‬الوظيفي‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬مكتبة،‭ ‬فنجد‭ ‬الأكفاء‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬تعمل‭ ‬عنده،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬العلم‭ ‬والخبرة‭ ‬والأمانة؛‭ ‬فهناك‭ ‬ناصر‭ ‬الخصيبي‭ ‬سكرتيره،‭ ‬وهناك‭ ‬حمود‭ ‬منصور‭ ‬الخصيبي‭ ‬الموظف‭ ‬المتابع،‭ ‬وعلي‭ ‬بخش‭ ‬وعلي‭ ‬شعبان‭ ‬قاسم‭ (‬اليخني‭)‬،‭ ‬وآغا‭ ‬جعفر‭ ‬محمد‭ ‬عبدالكريم،‭ ‬وفاضل‭ ‬عبدالرضا‭ ‬وداود‭ ‬موسى،‭ ‬والسائق‭ ‬عيسى‭ ‬إبراهيم‭ ‬البلوشي،‭ ‬وطباعه‭ ‬الخاص‭ ‬تشاندرا‭ ‬كانت،‭ ‬ورمنك‭ ‬لال‭ ‬كوتاري‭ ‬كاتبه‭ ‬الخاص،‭ ‬وتشمبك‭ ‬لال‭ ‬موتاري‭.‬

وقد‭ ‬ذكر‭ ‬لي‭ ‬العم‭ ‬حسين‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬الأخوين‭ ‬رامنك‭ ‬لال‭ ‬وأخاه‭ ‬قد‭ ‬أصبحا‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬التجار‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬اكتساب‭ ‬الخبرة‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف،‭ ‬رجل‭ ‬المهام‭ ‬الصعبة‭ ‬الحاج‭ ‬محسن‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف؛‭ ‬فقد‭ ‬ذكر‭ ‬لي‭ ‬الأخ‭ ‬لطيف‭ ‬باقر‭ ‬أنَّ‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬كان‭ ‬يوكل‭ ‬إلى‭ ‬ابنه‭ ‬أصعب‭ ‬المهام‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتطلب‭ ‬فيها‭ ‬المهارات‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬من‭ ‬إنزال‭ ‬البضائع‭ ‬وتناولها‭ ‬وتخزينها‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬طاقم‭ ‬العمال،‭ ‬ومتابعة‭ ‬الحمولات،‭ ‬وأحيانا‭ ‬تزداد‭ ‬حالة‭ ‬المشقة‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬الصعبة‭.‬

العمل‭ ‬أشبه‭ ‬شيء‭ ‬باللوجيستيك‭ ‬في‭ ‬مصطلح‭ ‬اليوم‭.. ‬وكان‭ ‬الحاج‭ ‬محسن‭ ‬مؤتما‭ ‬لوالده‭ ‬في‭ ‬استلام‭ ‬الأثمن‭ ‬من‭ ‬البضائع‭ ‬التي‭ ‬يتطلب‭ ‬استلامها‭ ‬يدا‭ ‬بيد‭.‬

العمل‭ ‬الميداني‭ ‬كان‭ ‬يتطلب‭ ‬أحيانا‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬سلامة‭ ‬البضاعة‭ ‬وعدم‭ ‬تعرضها‭ ‬للتلف‭ ‬أو‭ ‬الفقدان؛‭ ‬فكان‭ ‬دوره‭ ‬اللصيق‭ ‬للعمال‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مهامه‭ ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬الأوقات‭ ‬التي‭ ‬يتطلب‭ ‬فيها‭ ‬الجهد‭ ‬والعمل‭ ‬الميداني؛‭ ‬إذ‭ ‬السفن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬إبقاء‭ ‬البضاعة‭ ‬على‭ ‬ظهورها‭ ‬أكثر‭ ‬ممَّا‭ ‬يتحدد‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الوقت،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬فرضة‭ ‬مطرح‭. ‬ومما‭ ‬أوكله‭ ‬إليه‭ ‬والده‭ ‬هو‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الكويت‭ ‬لحل‭ ‬مشكلة‭ ‬التوكيل‭ ‬بمكتب‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬الكويت؛‭ ‬حيث‭ ‬حصل‭ ‬سوء‭ ‬فهم‭ ‬بين‭ ‬الشركة‭ ‬وبين‭ ‬ابن‭ ‬بحر‭ ‬التاجر‭ ‬الكويتي‭ ‬الكبير‭ ‬المعروف،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬وكيلا‭ ‬للشركة،‭ ‬وقد‭ ‬أخذ‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬منحى‭ ‬تصعيديا،‭ ‬أوصله‭ ‬الحاج‭ ‬محسن‭ ‬إلى‭ ‬مقام‭ ‬الأمير‭ ‬عبدالله‭ ‬ابن‭ ‬سالم‭ ‬الصباح،‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬لقاءات‭ ‬مع‭ ‬المسؤولين،‭ ‬وقد‭ ‬جاءت‭ ‬الجهود‭ ‬بالنتيجة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬محفورة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬من‭ ‬المطرحيين؛‭ ‬حيث‭ ‬إنَّ‭ ‬الأمير‭ ‬قد‭ ‬أصدر‭ ‬أوامره‭ ‬يمنح‭ ‬بموجبها‭ ‬ترخيصا‭ ‬للشركة‭ ‬بالعمل‭ ‬بالكويت‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬كفيل‭ ‬ودون‭ ‬قيود‭.‬

والشيء‭ ‬بالشيء‭ ‬يُذكر،‭ ‬فإن‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬كانت‭ ‬تربطه‭ ‬بأمير‭ ‬الكويت‭ ‬الشيخ‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬سالم‭ ‬الصباح‭ ‬علاقات‭ ‬صداقة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬أميرا‭ ‬للكويت،‭ ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬استقبله‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬العود،‭ ‬وكان‭ ‬الشيخ‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬سالم‭ ‬الصباح‭ ‬قادماً‭ ‬من‭ ‬الهند؛‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يتخذها‭ ‬مكاناً‭ ‬للاستجمام‭. ‬وما‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬استقبل‭ ‬فيها‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬الشيخ‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬سالم‭ ‬الصباح،‭ ‬إلا‭ ‬وأهداه‭ ‬مائتي‭ ‬صندوق‭ ‬من‭ ‬الحلوى‭ ‬العُمانية‭ ‬ذات‭ ‬الجودة‭ ‬العالية،‭ ‬توصله‭ ‬السفينة‭ ‬الشراعية‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬ترسو‭ ‬سفينته‭ ‬في‭ ‬فرضة‭ ‬مسقط‭.‬

أحمد‭ ‬الساجواني‭ ‬ومكتب‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬دبي‭ ‬

يعتبر‭ ‬مكتب‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬دبي‭ ‬من‭ ‬أنشط‭ ‬المكاتب،‭ ‬ولعل‭ ‬أهمها‭ ‬في‭ ‬الخارج‭. ‬فهذا‭ ‬المكتب‭ ‬كان‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬نظراً‭ ‬لموقع‭ ‬دبي‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭. ‬وقد‭ ‬ركز‭ ‬المكتب‭ ‬على‭ ‬أهم‭ ‬المنتجات‭ ‬في‭ ‬حينه،‭ ‬وهو‭ ‬تصدير‭ ‬السمك‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يصدر‭ ‬إلى‭ ‬سريلانكا‭ ‬والموانئ‭ ‬القريبة‭ ‬منها‭.‬

والساجواني‭ ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬الشركة‭ ‬من‭ ‬أوسع‭ ‬أبوابها،‭ ‬وصدر‭ ‬بضاعتها‭ ‬إلى‭ ‬أقاصي‭ ‬الدنيا،‭ ‬ومما‭ ‬ذكر‭ ‬لي‭ ‬العم‭ ‬حسين‭ ‬أن‭ ‬الساجواني‭ ‬كان‭ ‬يحث‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬العقار‭ ‬في‭ ‬دبي،‭ ‬ويومها‭ ‬كانت‭ ‬دبي‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬وتعج‭ ‬بالشركات‭ ‬وحركة‭ ‬الهجرة؛‭ ‬نظرا‭ ‬لتوسع‭ ‬تجاراتها‭ ‬عبر‭ ‬البحار‭ ‬وما‭ ‬وراءها‭.‬

الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬رفض‭ ‬الاستجابة‭ ‬لرغبة‭ ‬وكيله‭ ‬في‭ ‬دبي،‭ ‬حول‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنحنى،‭ ‬وعندما‭ ‬رأى‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬إلحاح‭ ‬وكيله‭ ‬الساجواني‭ ‬قال‭ ‬كلمته‭: ‬‭”‬لا‭ ‬أستثمر‭ ‬خارج‭ ‬عُمان،‭ ‬تقديراً‭ ‬واحتراماً‭ ‬لسلطانها‭”‬‭.‬

وفاة‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬

في‭ ‬يوم‭ ‬27‭/‬11‭/‬1953،‭ ‬ومع‭ ‬مساء‭ ‬الجمعة،‭ ‬وعندما‭ ‬أرخى‭ ‬الليل‭ ‬سدوله،‭ ‬والجميع‭ ‬في‭ ‬مطرح‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬نائم‭ ‬وغارق‭ ‬في‭ ‬سُبات‭ ‬الكرى،‭ ‬ومع‭ ‬صوت‭ ‬البارود‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يخترق‭ ‬الأسماع‭ ‬معلناً‭ ‬الثالثة‭ ‬ليلاً‭ ‬بالتوقيت‭ ‬العربي،‭ ‬تفاجأ‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬السور‭ ‬على‭ ‬صيحات‭ ‬النوادب‭ ‬والناديات‭ ‬ونحيب‭ ‬من‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبداللطيف‭ ‬ينعى‭ ‬أخاه‭ ‬باقر‭. ‬وقد‭ ‬انتشر‭ ‬الخبر‭ ‬كانتشار‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الهشيم؛‭ ‬فغدت‭ ‬الناس‭ ‬تزدحم‭ ‬على‭ ‬بيته،‭ ‬وجثمان‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬مُسجى،‭ ‬فيما‭ ‬قد‭ ‬علت‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬الصيحات‭ ‬والبكاء‭ ‬العالي‭ ‬مع‭ ‬ساعات‭ ‬الصباح‭ ‬وارته‭ ‬مطرح؛‭ ‬حيث‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬تشييعه‭ ‬جمع‭ ‬غفير‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أبناء‭ ‬مطرح‭ ‬ومسقط‭. ‬وقد‭ ‬نعته‭ ‬الإذاعة‭ ‬البريطانية‭.‬

ذكر‭ ‬لي‭ ‬السيد‭ ‬شرف‭ ‬علي‭ ‬علوي‭ ‬الموسوي،‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬لقاء‭ ‬جمعني‭ ‬معه‭ ‬أنا‭ ‬ودكتور‭ ‬حسين‭ ‬محمد،‭ ‬وقبل‭ ‬أيام،‭ ‬أنَّ‭ ‬اليوم‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬وفاته‭ ‬عجت‭ ‬مقبرة‭ ‬اللواتية‭ ‬بالمعزين،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬الأسرة‭ ‬المالكة،‭ ‬وكان‭ ‬العزاء‭ ‬مقاماً‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬المقبرة‭ ‬القديم،‭ ‬وقد‭ ‬نعاه‭ ‬الخطيب‭ ‬المنبري‭ ‬محمد‭ ‬ابن‭ ‬عبدالله‭ ‬العود،‭ ‬وكان‭ ‬متفوها‭ ‬أديبا‭ ‬بارعاً‭ ‬في‭ ‬الخطابة،‭ ‬وهو‭ ‬ابن‭ ‬خالة‭ ‬الحاج‭ ‬جعفر‭ ‬باقر،‭ ‬وكانت‭ ‬فاتحة‭ ‬إلقائه‭:‬

‭”‬لا‭ ‬صوت‭ ‬النعي‭ ‬لخطبك‭ ‬إنه ‭ ‬ يوم‭ ‬على‭ ‬آل‭ ‬الرسول‭ ‬عظيم‭”‬

‭”‬إن‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬غيبت‭ ‬في‭ ‬جدث‭ ‬الثرى‭ ‬ فالعدل‭ ‬والتوحيد‭ ‬فيك‭ ‬مقيم‭”‬‭.‬

ومع‭ ‬وفاة‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬فقدت‭ ‬مطرح‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬رجالاتها‭ ‬المخلصين،‭ ‬والحق‭ ‬أن‭ ‬عُمان‭ ‬قد‭ ‬فقدت‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬رجالاتها‭ ‬المتميزين‭.‬

المسافر‭ ‬خانة‭ ‬

بعد‭ ‬وفاة‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬قام‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبداللطيف‭ ‬فاضل،‭ ‬والحاج‭ ‬جعفر‭ ‬باقر‭ ‬عبد‭ ‬اللطيف،‭ ‬عام‭ ‬1956،‭ ‬بإقامة‭ ‬الوقف‭ ‬باسم‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ “‬مسافر‭ ‬خانة‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬المقدسة‭”‬،‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬جيلنا‭ ‬يتذكر‭ ‬اللوحة‭ ‬المكتوب‭ ‬عليها‭ “‬بوابة‭ ‬المسافر‭ ‬خانة‭”. ‬هذا‭.. ‬ما‭ ‬أوقفه‭ ‬الحاج‭ ‬علي‭ ‬عبداللطيف‭ ‬وجعفر‭ ‬باقر‭ ‬تخليداً‭ ‬لذكرى‭ ‬فقيدهم‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭ ‬لجماعتهم‭ ‬الخوجة‭ ‬الاثنى‭ ‬عشرية‭ – ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬مسقط‭.‬

وكان‭ ‬الحاج‭ ‬محسن‭ ‬باقر‭ ‬عبداللطيف‭ ‬يتعهَّد‭ ‬بصيانة‭ “‬المسافر‭ ‬خانة‭” ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر؛‭ ‬خدمةً‭ ‬لزوار‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭.‬

نرجو‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬التوفيق‭ ‬والثواب‭ ‬على‭ ‬رُوح‭ ‬الشيخ‭ ‬باقر،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يبعد‭ ‬الموقوف‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬بمساحة‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬قبره‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬الأشرف؛‭ ‬حيث‭ ‬وُوْرِي‭ ‬جثمانه‭ ‬بجوار‭ ‬والده‭ ‬الحاج‭ ‬عبداللطيف‭ ‬فاضل،‭ ‬وأمه‭ ‬رقية‭ ‬سليمان‭ ‬خلفان،‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬بيت‭ ‬آل‭ ‬عبداللطيف‭ – ‬رحمهم‭ ‬الله‭ ‬وأسكنهم‭ ‬الجنة‭.‬

1,172 total views, 336 views today