د‭. ‬حسن‭ ‬أحمد‭ ‬جواد‭ ‬اللواتي

طبيب‭ ‬أخصائي‭ ‬صحة‭ ‬الطفل،‭ ‬قارئ‭ ‬بالعلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬والفلسفة‭ ‬الإلهية،‭ ‬مترجم‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬والإنجليزية

في‭ ‬زمن‭ ‬ما‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تساؤلات‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬الطبيعة‭ ‬والظواهر‭ ‬الطبيعية‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الإجابات‭ ‬وحيث‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬أدوات‭ ‬وتقنيات‭ ‬كافية‭ ‬لسبر‭ ‬أغوار‭ ‬الطبيعة‭ ‬كان‭ ‬أفضل‭ ‬سبيل‭ ‬للإنسان‭ ‬في‭ ‬سعيه‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬الإجابات‭ ‬لما‭ ‬حيره‭ ‬من‭ ‬ألغاز‭ ‬الطبيعة‭ ‬هو‭ ‬حواسه‭ ‬المجردة‭ ‬مصحوبة‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬التخمين‭ ‬والخيال،‭ ‬لذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الرؤية‭ ‬العلمية‭ ‬للكون‭ ‬محدودة‭ ‬جدا‭ ‬وتفتقر‭ ‬للدقة‭ ‬كثيرا‭. ‬ومع‭ ‬بدارات‭ ‬النهضة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬نجد‭ ‬نموا‭ ‬مضطردا‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬والأدوات‭ ‬العلمية‭ ‬للرصد‭ ‬والمشاهدة‭ ‬والتجربة‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬حقول‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الرياضيات‭ ‬لخدمة‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬استمتع‭ ‬الإنسان‭ ‬بقفزات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الاكتشافات‭ ‬العلمية‭ ‬وتطورت‭ ‬رؤيته‭ ‬الكونية‭ ‬العلمية‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬ثورة‭ ‬البركان،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬البركان‭ ‬العلمي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬نهايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وبدايات‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬بالتعثر‭ ‬بعقبات‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تهدد‭ ‬مستقبل‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والعقلية‭ ‬العلمية‭ ‬ككل،‭ ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬مبالغة‭ ‬في‭ ‬التعبير؟‭ ‬لا‭ ‬أعتقد،‭ ‬كما‭ ‬سيتضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السطور‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة‭.‬

هناك‭ ‬اتفاق‭ ‬عام‭ ‬أن‭ ‬الفيزياء‭ ‬هي‭ ‬أم‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية،‭ ‬فنفس‭ ‬كلمة‭ ‬الفيزياء‭ ‬مشتقة‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬إغريقية‭ ‬تعني‭ ‬الطبيعة،‭ ‬ومن‭ ‬الفيزياء‭ ‬تنبع‭ ‬الكيمياء‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الأحياء‭ ‬وبقية‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬تعثرت‭ ‬الفيزياء‭ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬بحثها‭ ‬العلمي‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬سينعكس‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬الأخرى‭.‬

الفيزياء‭ ‬لها‭ ‬أقسام‭ ‬كثيرة‭ ‬ولكن‭ ‬القسمان‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬وعلاقة‭ ‬بتشكيل‭ ‬رؤيتنا‭ ‬الكونية‭ ‬العلمية‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬إجابات‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬للإنسان‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ “‬من‭ ‬أين‭ ‬وإلى‭ ‬أين؟‭” ‬هما‭ ‬الفيزياء‭ ‬الكمية‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الأساسية‭ ‬للعالم‭ ‬الطبيعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬أصغر‭ ‬أجزاء‭ ‬الطبيعة‭ ‬والفيزياء‭ ‬الكونية‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بالبنية‭ ‬الفوقية‭ ‬للعالم‭ ‬الطبيعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬الأجرام‭ ‬الأكبر‭ ‬حجما‭ ‬في‭ ‬الكون،‭ ‬وقد‭ ‬شهد‭ ‬الثلثان‭ ‬الأوليان‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬نجاحات‭ ‬باهرة‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬نظريات‭ ‬علمية‭ ‬كبيرة‭ ‬وناجحة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬هذين‭ ‬القسمين‭ ‬من‭ ‬الفيزياء‭. ‬ولكن‭ ‬نفس‭ ‬تلك‭ ‬النظريات‭ ‬ولّدت‭ ‬لدينا‭ ‬أسئلة‭ ‬واستفسارات‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬أزالت‭ ‬من‭ ‬غموض‭ ‬عن‭ ‬الطبيعة‭ ‬وظواهرها‭ ‬وألغازها،‭ ‬فنظرية‭ ‬النسبية‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬اجتازت‭ ‬عددا‭ ‬لا‭ ‬يحصى‭ ‬من‭ ‬الاختبارات‭ ‬بنجاح‭ ‬منقطع‭ ‬النظير‭ ‬وساهمت‭ ‬بتطوير‭ ‬رؤيتنا‭ ‬العلمية‭ ‬الكونية‭ ‬أدت‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬نظرية‭ ‬أخرى‭ ‬لفهم‭ ‬بدايات‭ ‬الكون‭ ‬وهي‭ ‬نظرية‭ ‬الانفجار‭ ‬العظيم‭ ‬والتي‭ ‬بدورها‭ ‬أثبتت‭ ‬انسجاما‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬المشاهدات‭ ‬الفلكية‭ ‬الدقيقة‭ ‬ولاقت‭ ‬قبولا‭ ‬ساحقا‭ ‬لدى‭ ‬العلماء‭ ‬كأفضل‭ ‬مرشح‭ ‬لفهم‭ ‬بدايات‭ ‬الكون،‭ ‬ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬تولدت‭ ‬لدينا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬أسئلة‭ ‬أخرى‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬إجابة‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬توزع‭ ‬المادة‭ ‬والحرارة‭ ‬بشكل‭ ‬متساوٍ‭ ‬جدا‭ ‬بالكون‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬عمر‭ ‬الكون‭ ‬المرئي‭ ‬أصغر‭ ‬مما‭ ‬يسمح‭ ‬بانتقال‭ ‬الطاقة‭ ‬بشكل‭ ‬متجانس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أرجاء‭ ‬الكون،‭ ‬وللإجابة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬المحير‭ ‬جدا‭ ‬اقترح‭ ‬آلان‭ ‬غث‭ ‬نظرية‭ ‬التضخم‭ ‬الكون‭ ‬التي‭ ‬تنص‭ ‬أن‭ ‬الكون‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬زمني‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ترليون‭ ‬ترليون‭ ‬ترليون‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الثانية‭ ‬تعرض‭ ‬لطاقة‭ ‬غريبة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تضخمه‭ ‬بشكل‭ ‬هائل‭ ‬جدا‭ ‬وبسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬الضوء‭ ‬نفسه‭ ‬واستمر‭ ‬هذا‭ ‬التضخم‭ ‬لفترة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الثانية،‭ ‬وهذا‭ ‬التضخم‭ ‬تدعمه‭ ‬المشاهدات‭ ‬الحالية‭ ‬لتوزيع‭ ‬بقايا‭ ‬حرارة‭ ‬الانفجار‭ ‬العظيم‭ (‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بإشعاع‭ ‬الخلفية‭ ‬الكونية‭ ‬المايكروي‭ ‬CMBR‭) ‬كما‭ ‬رصدها‭ ‬القمر‭ ‬الصناعي‭ ‬بلانك‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬ولا‭ ‬زلنا‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬ولكن‭… ‬

قبل‭ ‬أن‭ ‬نستطرد‭ ‬في‭ ‬الاستدراك،‭ ‬دعنا‭ ‬نطرح‭ ‬مقدمة‭ ‬قصيرة‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬علاقة‭ ‬بالموضوع‭.‬

من‭ ‬الأمور‭ ‬المحيرة‭ ‬جدا‭ ‬مما‭ ‬اكتشفه‭ ‬واتفق‭ ‬عليه‭ ‬الفيزيائيون‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بمسألة‭ ‬الضبط‭ ‬الدقيق‭ ‬للثوابت‭ ‬الأساسية‭ ‬لفيزياء‭ ‬الطبيعية،‭ ‬والمقصود‭ ‬بذلك‭ ‬أن‭ ‬بحثنا‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬أدى‭ ‬بنا‭ ‬إلى‭ ‬اكتشاف‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الكون‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬مبنيا‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف‭ ‬عما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬بشكل‭ ‬ضئيل‭ ‬جدا‭ ‬لكان‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬تكون‭ ‬النجوم‭ ‬والمجرات‭ ‬والكواكب‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬نشوء‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬نشوء‭ ‬الحياة‭ ‬الذكية‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يتفق‭ ‬عليه‭ ‬الجميع‭ ‬وليس‭ ‬محلا‭ ‬للاختلاف‭ ‬والتنازع‭ ‬بين‭ ‬العلماء‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬الضبط‭ ‬الدقيق‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬يتطلب‭ ‬تفسيرا‭ ‬مقنعا،‭ ‬فكيف‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نفسر‭ ‬مسألة‭ ‬أن‭ ‬الكون‭ ‬مبني‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق‭ ‬جدا؟‭ ‬وأنه‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬العدد‭ ‬الهائل‭ ‬والضخم‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬الاختيارات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عليها‭ ‬الكون‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتنتج‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬حياة‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬الذكية‭ ‬لماذا‭ ‬بني‭ ‬الكون‭ ‬على‭ ‬الاختيار‭ ‬الذي‭ ‬نلحظه‭ ‬والذي‭ ‬سمح‭ ‬للنجوم‭ ‬والمجرات‭ ‬والكواكب‭ ‬أن‭ ‬تنشأ‭ ‬وسمح‭ ‬للحياة‭ ‬أن‭ ‬تنشأ‭ ‬في‭ ‬كوكب‭ ‬مثل‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭ ‬على‭ ‬الأقل؟

أعتقد‭ ‬أنك‭ ‬تستطيع‭ ‬التخمين‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يتجه‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬فالإجابة‭ ‬التي‭ ‬ستتبادر‭ ‬إلى‭ ‬ذهن‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬منا،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬من‭ ‬يحترمون‭ ‬قيمة‭ ‬العقل‭ ‬والمنطق‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الإجابات‭ ‬ستكون‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جهة‭ ‬ما‭ “‬صممت‭” ‬أو‭ “‬نظمت‭” ‬الكون‭ ‬ليكون‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬بغرض‭ ‬إنتاج‭ ‬الحياة‭ ‬فيه‭ ‬وربما‭ ‬بالخصوص‭ ‬الحياة‭ ‬الذكية،‭ ‬ولكن‭ ‬كما‭ ‬ترى‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الإجابة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬صنف‭ ‬الميتافيزيقيا‭ ‬وتخرج‭ ‬من‭ ‬نطاق‭ ‬البحث‭ ‬الطبيعي‭ ‬المادي‭ ‬للكون،‭ ‬لذا‭ ‬فبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬أفضل‭ ‬إجابة‭ ‬قد‭ ‬يحصل‭ ‬عليها‭ ‬العقل‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬فإن‭ ‬مؤسسة‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬لا‭ ‬تتقبل‭ ‬هذه‭ ‬الإجابة‭ ‬وتعتبرها‭ ‬خرقا‭ ‬للمنهج‭  ‬العلمي‭ ‬الطبيعي‭ ‬للبحث‭ ‬وانحرافا‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬العلم‭ ‬نحو‭ ‬الفكر‭ ‬الثيولوجي‭ ‬والميتافيزيقيا‭ ‬وتصر‭ ‬على‭ ‬التزامنا‭ ‬بالضوابط‭ ‬والمعايير‭ ‬والقيود‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسة،‭ ‬حسنا،‭ ‬لا‭ ‬بأس،‭ ‬لنمشي‭ ‬مع‭ ‬مؤسسة‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬وفق‭ ‬الضوابط‭ ‬والمعايير‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬ونتقيد‭ ‬بالقيود‭ ‬التي‭ ‬تلزمنا‭ ‬بها،‭ ‬ولكي‭ ‬نكون‭ ‬على‭ ‬وضوح‭ ‬فإن‭ ‬تلك‭ ‬الضوابط‭ ‬والمعايير‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تتقيد‭ ‬بها‭ ‬المؤسسة‭ ‬العلمية‭ ‬للإجابات‭ ‬المطروحة‭ ‬هي‭:‬

1- أن‭ ‬تكون‭ ‬النظريات‭ ‬والإجابات‭ ‬المطروحة‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬مبنية‭ ‬إما‭ ‬على‭ ‬التجربة‭ ‬العملية‭ ‬أو‭ ‬المشاهدات‭ ‬الحسية‭ ‬والرصد‭ ‬والمراقبة،‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬اختبارها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التجربة‭ ‬أو‭ ‬الرصد‭ ‬والمشاهدة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالقابلية‭ ‬للاختبار‭ ‬Testability‭. ‬

2- أن‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬تنبؤات‭ ‬علمية‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقق‭ ‬من‭ ‬صحتها‭ ‬أو‭ ‬خطئها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالقابلية‭ ‬للتخطئة‭ ‬Falsifiability‭.‬

لنرجع‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬تركنا‭ ‬موضوعنا‭ ‬عند‭ ‬نظرية‭ ‬التضخم‭ ‬الكوني،‭ ‬وتذكر‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬التضخم‭ ‬الكوني‭ ‬بالمستوى‭ ‬الذي‭ ‬عرضناه‭ ‬سابقا،‭ ‬المشكلة‭ -‬واسمح‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أسميها‭ ‬بالمشكلة‭ ‬لأنها‭ ‬مشكلة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬نظري‭-‬هي‭ ‬أن‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬تسببت‭ ‬به‭ ‬مسألة‭ ‬لغز‭ ‬الضبط‭ ‬الدقيق‭ ‬لثوابت‭ ‬الكون‭ ‬الطبيعية‭ ‬Fine Tuning of the Physical Constants‭ ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬تقبل‭ ‬الجماهير‭ ‬لتفسير‭ ‬وجود‭ ‬الخالق‭ ‬للكون‭ ‬كتفسير‭ ‬منطقي‭ ‬لهذا‭ ‬الضبط‭ ‬الدقيق‭ ‬دفعت‭ ‬بالبعض‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬بالخروج‭ ‬عن‭ ‬نفس‭ ‬تلك‭ ‬المعايير‭ ‬والضوابط‭ ‬والقيود‭ ‬التي‭ ‬وضعوها‭ ‬للنظريات‭ ‬العلمية‭ ‬المطروحة،‭ ‬فمثلا‭ ‬لجأ‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬التضخم‭ ‬الكوني‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬توقف‭ ‬خلال‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬جزء‭ ‬في‭ “‬هذا‭ ‬الكون‭”‬،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬مستمر‭ ‬بالحدوث‭ ‬بشكل‭ ‬أبدي‭ ‬Eternal Inflation‭ ‬في‭ “‬فضاء‭ ‬ما‭” (‬وهذا‭ ‬الفضاء‭ ‬خارج‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭)‬،‭ ‬ولأن‭ ‬الفضاء‭ ‬مليء‭ ‬بالتذبذبات‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬الكمي‭ ‬ Quantum Fluctuations‭ ‬وهذه‭ ‬التذبذبات‭ ‬تحوي‭ ‬مقدارا‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬يتناسب‭ ‬عكسيا‭ ‬مع‭ ‬طول‭ ‬الفترة‭ ‬الزمنية‭ ‬لتلك‭ ‬التذبذبات‭ ‬كما‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬مبدأ‭ ‬هايزنبرغ‭ ‬في‭ ‬اللايقين،‭ ‬فإن‭ ‬التضخم‭ ‬الكوني‭ ‬الأبدي‭ ‬يقوم‭ ‬بتضخيم‭ ‬تلك‭ ‬التذبذبات‭ ‬وينشئ‭ ‬منها‭ ‬أكوانا‭ ‬متعددة‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الفضاء‭ ‬الذي‭ ‬يتخلل‭ ‬بين‭ ‬الأكوان‭ ‬المختلفة،‭ ‬ولأن‭ ‬طاقة‭ ‬الوضع‭ ‬لمجال‭ ‬الجاذبية‭  ‬Gravitational Potential Energyسالبة‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬طاقة‭ ‬الكتلة‭ ‬الساكنة‭ ‬Rest Mass Energy‭ ‬الموجبة‭ ‬ومساوية‭ ‬لها‭ ‬بالمقدار‭ ‬بالضبط‭ ‬فإن‭ ‬محصلة‭ ‬الطاقتين‭ ‬معا‭ ‬هو‭ ‬صفر‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإننا‭ ‬نستطيع‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬التضخم‭ ‬الكوني‭ ‬الأبدي‭ ‬يقوم‭ ‬بخلق‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬نهائي‭ ‬من‭ ‬الأكوان‭ ‬بدون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬صرف‭ ‬أي‭ ‬مقدار‭ ‬من‭ ‬الطاقة،‭ ‬خلاصة‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬أن‭ ‬التضخم‭ ‬الأبدي‭ ‬يقوم‭ ‬بخلق‭ ‬أكوان‭ ‬متعددة‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬نهائي‭ ‬من‭ ‬بذور‭ ‬التذبذبات‭ ‬الكمية‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الذي‭ ‬يتوسط‭ ‬بين‭ ‬الأكوان‭ ‬المختلفة‭.‬

خطوة‭ ‬واحدة‭ ‬أخرى‭ ‬وتكتمل‭ ‬الطبخة،‭ ‬لأن‭ ‬التذبذبات‭ ‬الكمية‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬البيني‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬فكل‭ ‬منها‭ ‬له‭ ‬طاقة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬الأخرى‭ ‬فإن‭ ‬التضخم‭ ‬الكوني‭ ‬الأبدي‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بالتضخم‭ ‬العشوائي‭ ‬Chaotic Inflation‭ ‬لأنه‭ ‬يخلق‭ ‬أكوانا‭ ‬متعددة‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬خصائصها‭ ‬وصفاتها‭ ‬وثوابتها‭ ‬الفيزيائية‭.‬

هل‭ ‬ترى‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يقودنا‭ ‬هذا؟‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬ماكينة‭ ‬تخلق‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر‭ ‬أكوانا‭ ‬مختلفة‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭ ‬وبشكل‭ ‬لا‭ ‬نهائي‭ ‬أبدي‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬عددا‭ ‬ضخما‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬الأكوان‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬البيني‭ ‬المتخلل‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الأكوان‭ ‬،‭ ‬وليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إحدى‭ ‬تلك‭ ‬الأكوان‭ ‬المتعددة‭ ‬بثوابت‭ ‬فيزيائية‭ ‬وخصائص‭ ‬تسمح‭ ‬بنشوء‭ ‬النجوم‭ ‬والمجرات‭ ‬والكواكب‭ ‬ومنها‭ ‬الكواكب‭ ‬الصالحة‭ ‬للحياة‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬نشوء‭ ‬الحياة‭ ‬والحياة‭ ‬الذكية‭ ‬فيها،‭ ‬وحيث‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نتواجد‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬فإننا‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬الذي‭ ‬خصائصه‭ ‬وثوابته‭ ‬متناسبة‭ ‬مع‭ ‬وجودنا‭ ‬كحياة‭ ‬ذكية،‭ ‬فما‭ ‬الغرابة‭ ‬في‭ ‬ذلك؟

هذا‭ ‬التفسير‭ ‬أو‭ ‬الفرضية‭ ‬أو‭ ‬النظرية‭ ‬إن‭ ‬شئت‭ ‬تسامحا‭ ‬أن‭ ‬تسميها‭ ‬كذلك‭ ‬هي‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬يطرحونه‭ ‬لتفسير‭ ‬وجود‭ ‬الخالق‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬وصمم‭ ‬الكون‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬عليه،‭ ‬ويفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التفسير‭ ‬البديل‭ ‬بتعدد‭ ‬الأكوان‭ ‬منسجما‭ ‬مع‭ ‬الضوابط‭ ‬والمعايير‭ ‬والقيود‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬النظريات‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭.‬

كانت‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬المختصرة‭ ‬والمضغوطة‭ ‬كافية‭ ‬فقط‭ ‬لعرض‭ ‬الموضوع‭ ‬بإيجاز،‭ ‬وسنحتاج‭ ‬لجزء‭ ‬ثان‭ ‬متمم‭ ‬من‭ ‬المقالة‭ ‬لاستعراض‭ ‬أوسع‭ ‬ومناقشة‭ ‬الفرضية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬جواب‭ ‬لموضوعنا‭ ‬الأساسي‭: ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والخيال‭ ‬العلمي‭.‬

‭——————-‬

‭ ‬المصادر‭: ‬

  ‬تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬الفيزيائيين‭ ‬من‭ ‬يلقي‭ ‬بظلال‭ ‬من‭ ‬الشك‭ ‬على‭ ‬نظرية‭ ‬التضخم‭ ‬الكوني‭ ‬ويقرأ‭ ‬بيانات‭ ‬إشعاع‭ ‬الخلفية‭ ‬الكونية‭ ‬الماكروي‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف،‭ ‬راجع‭:‬

Ijjas‭, ‬A‭., ‬Steinhardt‭, ‬P‭. ‬J‭., & ‬Loeb‭, ‬A‭. (‬2017‭). ‬Pop Goes the Universe‭. ‬Scientific American,316‭(‬2‭), ‬32-39‭. ‬doi:10.1038‭/‬scientificamerican0217-32‭.‬

  ‬للاطلاع‭ ‬على‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬الشيق‭ ‬جدا‭ ‬يمكنك‭ ‬الرجوع‭ ‬للكتب‭ ‬التي‭ ‬ناقشت‭ ‬مسألة‭ ‬الضبط‭ ‬الدقيق‭ ‬للكون‭ ‬ومنها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭:‬

Rees‭, ‬M‭. ‬J‭. (‬2015‭). ‬Just six numbers‭. ‬London‭: ‬Hachette‭.‬

Gribbin‭, ‬J‭. (‬2010‭). ‬In search of the multiverse‭: ‬Parallel worlds‭, ‬hidden dimensions‭, ‬and the ultimate quest for the frontiers of‭ ‬reality‭. ‬Hoboken‭, ‬NJ‭: ‬Wiley‭.‬

  ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬في‭ ‬الأكوان‭ ‬المختلفة‭ ‬يسمونه‭ ‬المشهد‭ ‬الكوني‭ ‬Cosmic Landscape‭ ‬وبحسب‭ ‬الإمكانات‭ ‬الرياضية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بها‭ ‬فرضية‭ ‬الأوتار‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الإمكانيات‭ ‬أو‭ ‬الخيارات‭ ‬المختلفة‭ ‬للأكوان‭ ‬بحوالي‭ ‬10‭^‬500‭ ‬أي‭ ‬الواحد‭ ‬يليه‭ ‬خمسمئة‭ ‬صفر‭ ‬وهو‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬نطقه‭ ‬بالكلمات‭.‬