RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

اهتمَّ الغربُ -خلال العقود المتأخرة- اهتماماً بالغاً بتطوير نُظم التعليم؛ حيث وَجَد القائمون على العمليَّة التعليميَّة أهميَّة إعادة النظر في المناهج الدراسيَّة -سواء المدرسيَّة أو الجامعيَّة- حيث أشارت الدراسات إلى أنَّ بذرة الإبداع في الإنسان تقتلها المدارس والنظم التعليميَّة؛ فالإبداع وليد التعليم بآليَّاته الحديثة ومناهجه والبيئة الشاملة التي تُحيط بالطالب، إضافة إلى البيئة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة التي تُحفِّز الإنسانَ على الإبداع، وترفع الموانع أمامه، وتعمل على إيجاد قاعدة لإنتاجيَّة فعَّالة.

وهُناك دراسات أخرى تشير إلى أنَّ الأطفال يمتلكون إبداعاً قابلاً للنمو باضطراد إذا ما توفَّرت الظروف الاجتماعيَّة والبيئيَّة المناسبة؛ وتهيِّئ بيئة تعليميَّة مُتطوِّرة، والتي تخرج هذه المَلَكة من القوَّة الكامنة في الطفل إلى الفعليَّة. وهذه القوة تنخفضُ باضطراد بعد سن السابعة إذا ما أُهْمِلت، وإذا لم يجد الطالب بعد ذلك تلك البيئة الإبداعيَّة المحفزة، تنخفض تلك القوة إلى درجات متدنية، بل وقد تنعدمُ في الصفوف المتأخِّرة.

وأهمُّ عَوَامل الإبداع، وكذا الفشل -حسب تلك الدراسات- هو طريقة التعليم؛ حيث تنحو أغلب المدارس -خاصة في منطقتنا العربيَّة- إلى البيئة التلقينيَّة في التعليم؛ فكما أنَّ الجَسَد يحتاج لرياضات بدنيَّة مُعينة لكي تربَّى فيه العضلات وتنمَّى بالأكل الصحي المقنَّن، ويكون الإنسان قادراً على حَمْل المئات من الكيلوجرامات؛ كذلك يحتاج العقل إلى رياضات عقليَّة ومادة علميَّة مناسبة حتى يكون مُبدعاً خلَّاقاً، لا أن يعتمد على تفكير غير مُمنهج أو أساليب كانتْ مُناسبة في عصور سابقة، بل ينبغي أن يُسلَّح الطالب بأدوات يكون فيها قادراً على التفكير بنفسه بأدوات وأساليب علميَّة حديثة، وهذا لا يتأتَّى إلا إذا كانتْ مَنَاهِجُنا حديثة وتعلِّم الطالب طرقَ تفكيرٍ صحيحةٍ وكَيْفيَّة؛ لكي يستطيع حلَّ المعضلاتِ وتحفيزَ العقلِ على الإبداع المستمر، وتُنمَّى فيه روحَ المبادرة.

لقد كان عِلْمُ المنطقِ في السابق إحدى المواد الأساسيَّة في النُّظم التعليميَّة العربيَّة، ولكنْ أُزيح من المناهج المدرسيَّة والجامعيَّة جَهْلاً أو تَجَاهُلاً. وعلمُ المنطق هو الآلة التي يعتمدُ عليها العلماءُ للتفكيرِ الصحيحِ، وعدم الخروج عن الجادة العلميَّة في الاستباط والاستنتاج؛ حيث استطاعَ الغربُ تحويلَ المنطقِ الصُّوري الأرسطي في كثير من بحوثه إلى منطقٍ رياضيٍّ، وهو من الإبداعات الحديثة في عِلْم المنطق.

… إنَّ تطويرَ مَنَاهج وأساليب التعليم في بلداننا العربيَّة ينبغي أن يُوضَع على قمَّة الأولويَّات؛ فلا نتوقَّع نتائجَ إيجابيَّة -سواء أكانت اجتماعيَّة أم اقتصاديَّة أم سياسيَّة- إذا ما كان التعليم لا يرقى لأساليب الإنتاج الإداريَّة الحديثة، ولم يكن مُوائِمًا للمتطلبات الاقتصاديَّة المتقدِّمة. وسنجدُ أغلبَ مَشارِيعَنا الاقتصاديَّة وخططَنا التنمويَّة ستذهب هباءً منثُوْراً؛ فلا يُمكننا ريَّ الشجرة كيفما كان والتي لا نعتني ببذرتها ونتوقَّع ثمارًا طيبًا، وكذا لا يمُكننا إيجاد جيلٍ مُبدِع مبادِر ما لم نسلِّحه بالعلم النافع وبأساليب التفكير الإبداعي؛ لكي يكون مُنتِجًا خلَّاقا.

وفي العام 1998، ترأس كين روبنسون -الأكاديمي والمحاضر البريطاني الشهير- اللجنةَ البريطانيَّةَ لدراسة واقعِ الإبداع والتعليم والاقتصاد، واستخلصَ بعد البحث في الواقع التعليمي في مدارس بريطانيا، أنه ولكي يكون الاقتصاد البريطاني اقتصادًا عالميًّا مُنافسًا يجب على النظام التعليمي إعادة النظر والبناء على ثلاثة أمور:

أولاً: تنويع المواد الدراسيَّة؛ بحيث تناسب وتشجع الطموحات الفرديَّة في التعليم.

ثانيًا: تعزيز فضول الاطلاع من خلال التعليم الإبداعي.

ثالثًا: إيجاد وخلق طرق جديدة في العمليَّة التعليميَّة، والابتعاد عن الطريقة التقليديَّة في التعليم.

وكلُّ هذا لن يتأتَّى إلا إذا تكامل المنهج والمدرسة والمعلم. أيضا، لا يُمكننا إيجاد نظام تعليمي متكامل دون إعادة تأهيل مُستمر للمدرِّس، وإعادة النظر في المناهج بين فَيْنة وأخرى؛ فلا غَرْو أنْ تقول مجلة “التايمز” عن هذه الدراسة إنَّها تَطْرَح أهمَّ القضايا التي تُواجه الاقتصاد في القرن الواحد والعشرين، والتي ينبغي أن تكون في مُتناول أيدي الرؤساء التنفيذيين ومديري الموارد البشريَّة.

ومع صدور هذا العدد؛ فقد أكملنا عامَنَا الثاني من إصدار هذه المجلة الفتيَّة، ولا يسعنا إلا أن نشكُرَ جميعَ كُتَّابِنا الأعزاء وقرَّائِنا الكِرام، الذين آمنوا برِسَالة المجلة منذ صدور العدد الأول منها. ونشكر كذلك القائمين على جائزة المبادرات الثقافيَّة، والتي تَرْعَاها وزارة التراث والثقافة، والتي يَرْأسها سعادة علي البيماني رئيس جامعة السُّلطان قابوس، الذي تَوَّج المجلة بجائزته السنويَّة الأولى للعام 2016م.. وندعو الباري -عزَّ وجلَّ- أن يمُنَّ على جلالة السلطان المعظم بلُباس الصحة والعافية والعُمر المديد، وآخرُ دعاوانا أنْ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

2,095 total views, 8 views today