RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

عندما نَشَر الكاتبُ الأمريكيُّ -اللبنانيُّ الأصل- كتابه القيِّم “البجعات السوداء” قبل عدَّة سنوات، تساءل الكثيرون عن موضوع الكتاب، ولولا الاسم الثانوي على واجهة الغلاف “تداعيات الأحداث غير المتوقعة”، لنَظَر المعجبون والمدافعون عن نظرية النشوء والارتقاء لـ”دارون” أنَّ هذه إسهامة جديدة في هذه النظرية الرَّنانة، ولكن سيخيب ظنهم عندما يقرؤون في صفحة الغلاف الأخيرة أنَّ البجعة السوداء عبارة عن حَدَث مُستبعد الحدوث جدًّا، له ثلاث مميزات رئيسية؛ أنَّه غير قابل للتنبؤ بوقوعه، وله أثر طاغ، ونقوم في العادة بعد وقوعه بحياكة مرويات وتفسيرات حوله، من شأنها أن تجعله أقل عشوائية وأكثر توقعا مما كان عليه في الواقع.

ثمَّ يسرد الكاتبُ بعضَ الأمثلة للبجعات السوداء من عالمنا المعاصر، كالنجاح الباهر لمحرك البحث الأشهر “جوجل”، وأحداث سبتمبر من العام 2001م، والإعصار البحري تسونامي الذي هبَّ في المحيط الهندي في ديسمبر 2004.

… إنَّ المتتبِّع للأوضاع السياسية والاقتصادية في العالم الحديث، خصوصا بعد الحرب العالمية الأولى، ليجد كثرة التقلبات في الأسواق المالية وما تتبعها من أزمات اقتصادية؛ ابتداءً من الانهيار الكبير في 1929 إلى عاصفة 2008 وما تبعها من سقوط أحجار الدومينو في بقية الأسواق المالية؛ حتى إنه قيل لا توجد على وجه البسيطة سوق إلا وتأثرت بما حصل في سوق الرهونات العقارية الأمريكية.

ويعتقدُ بعضُ المفكرين أنَّ جذور الأزمات الاقتصادية إنَّما سببها الرئيسي تبنِّي النظريات المالية والاقتصادية الليبرالية التي تدعو للتحرر التام من سُلطة الدولة على إدارة الاقتصاد والشؤون المالية والأسواق؛ حيث يقتصر دور المؤسسات الرسمية على إيجاد التشريعات والقوانين التي تحكم الاقتصاد والسوق وضوابط الاحتكار لا غير.

هذه التقلبات في الأسواق العالمية في الفترة المتأخرة، أجَّجت الصراع بين أنصار مدرسة التحرُّر الاقتصادي التي كان يتزعمها ميلتون فريدمان -ويبدو أنَّ جذور هذه الفكرة ترجع في الأساس للعالِم البريطاني آدم سميث في كتابه الشهير “ثروة الأمم”، الذي دعا فيه إلى التحرُّر الاقتصادي، واليد الخفية التي ستنظم قانون العرض والطلب- وبَيْن مدرسة العالم البريطاني جون مايرند كينز، والتي تُعرف باسم المدرسة الكينيزية، حيث كان كينز بدوره من أشد المؤيدين لتدخل الدولة في إدارة الاقتصاد، خاصة في وقت الأزمات وانهيار أسواق المال.

… إنَّ الطفرةَ في الاقتصاد الأمريكي، واستمرار ارتفاع مُؤشرات الأسواق المالية الأمريكية في العقود الثلاثة الأخيرة؛ سببه الرئيسي تبنِّي المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نظرية فريدمان في التحرّر المالي؛ حيث إمكانية إدارة الاقتصاد بالتدفُّق النقدي، وعدم تدخل الدولة في عمل الأسواق. ولكن يبدو أنَّ البجعة السوداء -التي تنبأ بها نسيم طالب في كتابه- أدَّت دورها في إغفال أو استغفال الكثيرين: المستثمرين وأصحاب القرار على حدٍّ سواء -الآن جرينسبان في مذكراته يعترف بتغافل المسؤولين عن الكثير من الأمور التي كان ينبغي عليهم الالتفات إليها- ممَّا نتج عنه انفجار الفقاعة المالية وانهيار الأسواق منذ نهاية العام 2007م، وما كان من الاحتياطي الفيدرالي إلا التدخل المباشر في إنقاذ المؤسسات المالية العملاقة وبعض الشركات التي تعتبر أيقونة الهيمنة الأمريكية، وهذه الكرة الثلجية الأمريكية تدحرجتْ إلى العالم برُمَّته، فلم يبقَ بَيْت إلا وتأثر بالزكام الأمريكي.

وكأنَّ التاريخ يُعيد نفسه، وتتحقَّق نبوءة نسيم طالب، وتخرُج البجعة السوداء من جُحرها، ولكنَّها خرجتْ هذه المرة من العالم القديم؛ حيث انهيار أسعار الذهب الأسود لأدنى مستوياته منذ عقود. ليعود النقاش مرة أخرى إلى أهميَّة التنوُّع الاقتصادي والتقليل من الاعتماد على النفط، والتعليم والتدريب وتحسين بيئة العمل، وتسهيل إجراءات الاستثمار.. فهل سننتظر بجعة سوداء أخرى حتى نتعلم من مدرسة التاريخ؟!

2,365 total views, 2 views today