سعود الحارثي

مِنْ صُفُوْف العلم وقاعاته، مرورا بمراحله المتدرِّجة من الأدنى إلى الأعلى، يعبُر الإنسانُ -أو يصل- إلى ساحة العمل، أو يقضي جلَّ حياته ما بينهما، فبِوَارف ظلالهما، ومع الإيمان الكامل بقيم العلم والعمل، يعلو شأنه وتتحقَّق أهدافه وغاياته وتسمو إنسانيته، ويتبلور ويتحقَّق تميُّزه عن المخلوقات الأخرى، يولَد المرءُ من رَحِم أمه فتتلقاه الأعين وتتناوشه الأيادي، وتبارك ولادته الألسن الناطقة، تدعو له بالعلم والمعرفة والتوفيق والنجاح في العمل الدنيوي والأخروي، ولا نجاح دون علم ومعرفة وجدٍّ وتصميم على تحقيق الغايات الكبرى التي تليق بالإنسان، وترقى بفكره وثقافته، وتوجِّهه نحو مسؤولياته الحقيقية تجاه مجتمعه ووطنه ونفسه.

يُولَد الإنسان على ذات الهيئة التي نعلمها من ضعف وجهل، وحاجة لمن يحميه ويُطعِمه ويسقيه ويحمِّمه وينظفه، وينقله من موقع إلى آخر، ويدربه ويعلمه كيفية الاعتماد على النفس والقدرة على التعايش، وتعريفه بأقرب المقربين منه على مراحل تتناسب مع نموه الفطري وتطوره العمري، وتنسجم مع قدرته على الإدراك والفهم، وهو ممَّا يدخل في باب العلم والمعرفة الموصلين للتطوُّر والتقدُّم والرُّقي، والتعرُّف على مفاتيح الحياة وآليات وأسلوب الممارسة السليمة، والتعامل مع مختلف الأطراف الفاعلة والمؤثرة والمحرِّكة والموجِّهة والتي لا بد -ولا مجال للإنسان إذا ما ابتغى النجاح والتقدُّم والنهوض والرُّقي والصلاح وحسن الخاتمة إلا- أن يتعامل ويتفاعل ويتحاور ويتواكب معها، ويتعرَّف قبل ذلك على دورها في حياته.

“مَا بَيْن العلم والعمل يقضي الإنسان جل حياته”.. هذه حقيقة مُسلَّمة لا جدال فيها، ولولا ذلك ما شهدنا هذا التطوُّر الهائل والنمو المتصاعد والرُّقي الحضاري والإنتاج الغزير في مختلف مجالات وأبواب العلوم وفنون المعرفة، التي اختصرت المسافات ويسَّرت على البشرية حياتهم، وعالجتْ الكثيرَ من المشكلات والمعوقات، وخفَّفت من الآلام والمعاناة، وعزَّزت المنجزات الإنسانية، وأثبتتْ وأكَّدتْ على قيمة العلم وأهمية العمل، ومدى الارتباط الوثيق والعميق بينهما.

فهَذِه الإنجازات الطبية والتقنية والإنسانية والصناعية وعلوم الاتصالات والنقل وغزو الفضاء…وغيرها مما غيَّر وَجْه العالم، ونقل البشرية من عَصر كان فيه التغيير بطيئا غير محسوس تعيش فيه الأجيال دون أن تلامس أو تشعر بتبدُّل جوهري في نمط العيش وأسلوب وطرق الحياة ووسائلها وأدواتها المستخدمة وفي الممارسات المتبعة، إلى عَصْر آخر لا تُشرق عليه شمس اليوم أو تغرب إلا وهناك كشف أو إنجاز أو عمل رائد أو مكسب جديد يتمُّ الإعلان عنه؛ ممَّا يُشكل تطوُّرا كبيراً وطفرة واسعة، ويفضي إلى إحداث تغيير مُهم في حياة الإنسان، ولولا انشغال البشرية بطلب العلم وممارسة تقنيات ومناهج البحث العلمي وتطوير أدواته وطرقه، والتنقيب في خزائن وحقول المعرفة وبطون الكتب، والجهد المتواصل في المعامل ومراكز الأبحاث والمصانع والمكاتب وساحات وميادين العمل المختلفة، ما وُلِدت تلك الإنجازات، وما كانت لتلك المكاسب لتتحقَّق، وأنْ يشعر الإنسان بحجم تلك التغييرات المفاجئة والواسعة والمتسارعة التي يصبُّ معظمها في خدمة مصالحه وإسعاده.

فالعِلْم فَتْحٌ ونورٌ، والعملُ عِبَادة وحياة، وقد مجَّدت الكتب السماوية والشرائع الدينية والمجتمعات البشرية العلمَ والعلماء، واحتلَّ قطاع التعليم الأولوية في الخطط والبرامج والموازنات الحكومية؛ لارتباطه الوثيق وتأثيره الواسع والإيجابي في القطاعات الأخرى، وإسهامه الفاعل في تحقيق التقدُّم والتطوير والنمو، ودوره الأساسي في الإعداد لمستقبل واعد حافل بالإنجازات الحضارية والإنسانية؛ فبالعلم والمعرفة تُضاء للإنسان مساحات مُظلمة في حياته تُعادل مستوى ودرجة ما حصل عليه من زاد علمي وغذاء معرفي، وما قضاه من وقت وجهد في البحث والتحصيل، ومهما بلغ الإنسان من النمو والتطوُّر علمًا ومعرفةً، وارتفعتْ درجة حصيلته العلمية واتسعت إنتاجاته وأعماله في المجال العلمي والبحثي، وانتقلت إسهاماته ودوره ومكانته من الحيِّز المحلي المحدود إلى الفضاء العالمي الواسع، إلا أنها تظل متواضعة وقليلة في بحار العلوم ومحيطاتها وإنتاجها الهائل وتجدد مناهجها التي لا نهاية ولا آخر لها؛ حيث يقضي الإنسان حياته مُتعلما باحثا فلا يبلغ القطرة منها، خاصة في ظل هذه الإنجازات الحضارية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، والتي تحقَّقت بفضل العلم وتطوُّر مناهجه وبرامجه وسياساته، وتوسُّع اختصاصاته ومجالاته، وامتداد مظلته لأكبر عدد من طلابه وطالباته في مُختلف دول العالم، وارتباط العلم المباشر بحياة الأفراد وتأثيره على أعمالهم ومستقبلهم وحياتهم بشكل عام، وربط مُخرجاته كذلك بسوق العمل، ورعاية الحكومات والمنظَّمات والمؤسسات الدولية المتخصصة للعلم بمختلف مستوياته وأشكاله لتحرير الإنسان من قيود الجهل والفقر والتخلُّف.

وتَحْرصُ حُكومات ودول العالم المتقدِّم، وتعمل وتنافس بجد للحصول على أعلى وأفضل المؤشرات في مجال التعليم من حيث نسبة الملتحقين بمقاعد الدراسة، والسَّعي لتحقيق أهدافها في تحرير المجتمع من كل أشكال الأمية، وضمان جودة المخرجات وعدد المؤسسات التعليمية، وتطوير السياسات والبرامج والمناهج التعليمية.

فَنَجاحُ التعليم وتطوير برامجه وقدرته على تقديم مُخرجات جيدة ومُتمكنة ترفد سوق العمل ومؤسساته المختلفة، لا يقف عند حدود وعتبة هذا القطاع، وإنما تتعدَّاه ليشمل النجاح والتطوُّر مُختلف القطاعات الأخرى؛ مما يمهِّد لمستقبل أكثر ازدهارا وتقدُّما وإشراقاً في البلد الذي حقَّق ذلك النجاح؛ فبالتعليم تتقدَّم الشعوب وتزدهر البلدان وتنشأ الحضارات، وتتَّسع وتسعد الأمم وتحل مشكلات البطالة والجهل والتخلف والفقر، وتحقِّق القطاعات الاقتصادية والإدارية والخدمية والاجتماعية ازدهارا وتقدُّما ونموًّا مُتواصلا، ومَنْ يَبْحث في سرِّ وأسباب تحقيق العديد من الدول لنجاحات مُرضية ومُؤشرات مُرتفعة في هذه القطاعات، وتبوِّئها مكانة في مصاف الدول المتقدمة، يصل إلى حقيقة أنَّها امتلكتْ كفاءات بشرية وخبرات مُتخصِّصة حَصَلت على أفضل أنواع التعليم والتدريب والتأهيل، وعلى أنَّ حكومات هذه الدول استثمرتْ بما يكفي من الجهود والأموال في قطاعات التعليم والتدريب، وتمكَّنت في المقابل -بفضل سياساتها- من استقطاب كفاءات وخبرات وعلماء متميزين من بلدان أخرى بعد أن وفَّرت لهم البيئة المناسبة، والتشجيع الكافي والدعم السَّخي ورفعتْ مكانتهم العلمية والإنسانية.

ونَجِدُ في المقابل أنَّها -أي هذه الدول- تعمل باستمرار على تطبيق أفضل المعايير والبرامج والمناهج والسياسات التعليمية؛ لعلمها ويقينها بأنَّ التعليم مفتاح القوة والتقدُّم، والمنطلق الأساسي للِّحاق برَكْب الحضارة، أو الحفاظ على المستوى الذي وصلتْ إليه على أقل تقدير، ونجاحها في السياسات التعليمية يحقِّق لها ما تصبو إليه وتبتغيه، والنظرة إلى التعليم تقييما ومراجعة وتطويرا لا بد من أن تعبِّر عن التكاملية؛ بمعنى أنَّه لا يُمكن بأي حال من الأحوال مُراجعة وتقييم وتطوير مكوِّن من مُكوِّنات التعليم بمعزل أو بعيدًا عن بقية المكوِّنات الأخرى؛ فقِيَم التربية وآليات الحفاظ عليها وتعزيز مكانتها عند النشء، والسياسة التعليمية المنفذة، ونسبة الدعم المقدَّم لهذا القطاع المهم والحيوي، والمناهج، وعدد المؤسسات التعليمية في مختلف المراحل، والمعلم، والوسائل والأدوات والبرامج المتبعة في التعليم والتقويم، وثقافة المجتمع ونظرته إلى الاستثمار في التعليم واهتمامه وتواصله ومتابعته لأبنائه، ودعمهم وتشجيعهم ومساندتهم على تخطي الصعاب.. وهي جميعها حزمة مُتكاملة لا يصلُح جزء أو مُكوِّن -ولا يتطوَّر- إلا بصلاح وتطوُّر ما قبله، ونجاح السياسة التعليمية وجَوْدة وقوَّة وكفاءة مُخرجاتها وتنوُّع تخصصاتهم تفضي لنجاح سياسات وبرامج التوظيف، وإلى تراجع مُعدَّلات الباحثين عن عمل.

فسُوْق العمل وقطاعاته ومؤسساته وشواغره وتخصُّصاته الواسعة تبحث وتسعى وتحرص على استقطاب وتوظيف المخرجات الجيدة، والكفاءات المتمكنة التي لديها استعداد لتقديم الحوافز والامتيازات المُغرية، والتشجيع الَّسخي لمن يمتلك المعرفة والأفكار والكفاءة، ولديه القدرة على التطوير والإبداع والارتقاء بالعمل، والنهوض بالأداء ومضاعفة الإنتاج، وبما أوْتِي من عِلْم ومعرفة، سوف تتعدَّد أمامه الخيارات، وتطرح الامتيازات والعروض سواءً كان ذلك في وطنه أو خارجه، ولن يكون عالة على مُؤسسة أو حكومة، ولن يقف طموحه أمام عتبة وظيفة عادية أو مكتب لا يُبارحه أو اختصاصات جامدة، وهو ما يُؤكِّد على قيمة ومكانة العلم في بناء الإنسان وتطوُّر الأوطان، وفي تعزيز الأمن والاستقرار وإعلاء قيم المواطنة وتجسيد ثقافة المجتمع وقيمه في سلوك الفرد الذي يُهذِّبه ويقوِّمه التعليم دون شك، ويضعه أمام مسؤولياته الحقيقية: الإنسانية، والاجتماعية، والوطنية.

وطَالبُ العلمِ لا بُدَّ أن يستشعر ويُؤمن بهذه القيمة العظيمة للعلم، وأنْ يُقبل عليه بكل جوارحه، وأن يضع في حسبانه أنَّ خسارته لهذه القيمة، وعدم نجاحه وفشله الدراسي، وخروجه من مقاعد العلم قبل اكتمال ورسوخ البناء، يعني استسلامه لظلام الجهل الدامس، ولقيود التبعية لمن هم أعلى وأفضل منه علما وكفاءة، وإهدارا للفرص والخيارات المتوفرة والمرتبطة أساسًا بالتعليم، وكلما ارتفعت نسب الأمية وتراجع عدد المتعلمين في مجتمع من المجتمعات، كان الوطن عُرضة للمخاطر والتقسيم والصراعات الداخلية والمذهبية، ومطمعا للاستعمار الثقافي والغزو السياسي والتدخل الخارجي، ومدعاة للانهيار المؤسسي بشكل عام.

وَقَد حَظِي قطاعُ التعليم في السلطنة باهتمام بالغ من قبل الحكومة، وحصل على أشكال من الدعم، ومرَّت مسيرة التعليم بمراحل مختلفة من المراجعة والتقييم والتجريب والتحديث، وخطتْ السياسة التعليمية خطوات مُتقدِّمة في عدد من المسارات والمكونات، ارتفاعا واتساعا في عدد المؤسسات التعليمية، وفي التخصُّصات والمخرجات، وفي الوسائل واستخدام وتوظيف التقنيات الحديثة، وأدخلت العديد من البرامج والسياسات والمناهج على قطاع التعليم؛ منها ما وجد تأييدا وقبولا وأحدث تطورا ملموسا، ومنها ما قُوْبل برفض ووجد إخفاقا، ولم تسلم السياسة التعليمية والقائمون عليها من الاتهامات والنقد الشديد، وأنها أصبحتْ حقلَ تجارب لمواصلتها تطبيق عددٍ من البرامج والمناهج والسياسات التي سُرعان ما يتم استبدالها وتغييرها بأخرى جديدة، أو العودة لما تم إلغاؤه قبل ذلك، في قرارات تنم عن الاستعجال واستيراد تجارب غير مدروسة لا تتلاءم مع ثقافة ومكونات وطبيعة وظروف المجتمع، والتطوُّر السريع الذي يشهده العالم من حولنا، وما يتطلبه سوق العمل من تخصُّصات وما يشهده من منافسات حادة على استقطاب الكفاءات والخبرات، ولا تتَّفق مع مكانة وقيم التربية والتعليم ومكوناتهما، وفي مُقدِّمتها مكانة ودور وشخصية وهيبة المُعلِّم التي أصابها الضعف، وأصبحت من المهن والوظائف التي تقبع في أدنى السلم الإداري التي لا يطلبها ويسعى إليها إلا مُضطر وجد نفسه أسيرَ خيار واحد وهو أنْ يُصبح مُعلِّما للأجيال، مع ما يرافق ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية تصل حدَّ الإهمال أحيانا، والتفريط في المسؤوليات، مع غياب التشجيع والامتيازات الواسعة التي حصلت عليها تخصصات ووظائف أخرى عديدة هي أقل مستوى وأهمية ومسؤولية من المعلم، راسم المستقبل وصانعه، والأمين على رجاله وقادته وفاعليه.

وَكَذَلك في إطار ظروف عدم إشراك المعلم والتشاور معه في اتخاذ القرارات والسياسات التعليمية، وإعداده ليكون قادرا على تطبيق المناهج والبرامج والوسائل الحديثة؛ حيث يجد نفسه ودون مُقدِّمات أو مراحل انتقالية كافية أمام منهج غير قادر على التعامل معه، أو غير مُتفق أو مُقتنع بمحاوره ومضامينه، وغير مؤمن بنتائجه وقدرته على تطوير التعليم وتجويد مخرجاته، وهو ما أدَّى وسيؤدي لمشكلات ومخاطر جمَّة ستُعيق مسيرة وتطوُّر هذا القطاع الحيوي.

وَفِي مَايو الماضي، استضافَ مجلسُ الشورى وزيرة التربية والتعليم. وفي كلمته الافتتاحية، أكَّد رئيس المجلس أنَّ “قطاع التعليم من أهم القطاعات التي يجب على كل الشعوب أن تضعه في سلم أولوياتها، فإذا صلح التعليم صلحت كل قطاعات المجتمع، وبالعلم ترقى الشعوب وتسمو الأمم، وبه تشاد وتعمر الأوطان، ويقاس تقدمها”.

وتَسَاءل عدد من الأعضاء عن أسباب تدني “مخرجات التعليم في السلطنة، وفق ما جاء في بعض المؤشرات التربوية، رغم الإنفاق الحكومي الكبير في القطاع التعليمي والإستراتيجيات والخطط التي تبنتها الوزارة”؟!! وأوضحتْ الوزيرة بأنَّه تمَّ اتخاذ جُملة من الخطوات لتجويد التعليم؛ منها: إعداد وثيقة لتطوير سياسة التعليم، والعمل على تدريب المعلمين وإعدادهم بما يخدم الحقل التعليمي، وقد تمَّ تنفيذ 390 بعثة للتخصُّصات العلمية للمعلمين. وفي الإطار ذاته، أشارتْ وزيرة التربية والتعليم إلى جُملة من التحديات التي تُواجهها مسيرة التطوير التربوي في تحقيق الجودة المنشودة؛ من أبرزها: “قلة أعداد المخرجات التربوية من العُمانيين في بعض التخصُّصات العلمية، والارتقاء بالمستويات التحصيلية للطلاب والطالبات، إضافة إلى التحديات التي تفرضها ظروف الموازنة الراهنة”؛ وهو ما أدَّى لضعف وتدني جودة المخرجات، ومعاناة سياسات التوظيف من صعوبات ومعوقات وإشكالات مختلفة، وتنامي وارتفاع عدد الباحثين عن عمل، والتي تعدُّ من أعقد وأخطر المشكلات التي تُعاني منها السلطنة حاليا؛ فبحسب إحصائية حديثة -صادرة عن الهيئة العامة لسجل القوى العاملة- بلغ عدد الباحثين عن عمل النشطين -وعلينا أن نضع أكثر من خط أمام مصطلح النشطين، والمقصود الذين بادروا فقط بالتسجيل في هيئة سجل القوى العاملة، وحدَّثوا بياناتهم خلال (آخر ثلاثة أشهر)- حتى بداية العام الجاري 55494 باحثا عن عمل؛ من بينهم: 19879 ذكرا، و35615 أنثى، وأشارت الإحصائية إلى أنَّ المستوى الجامعي تصدَّرت قائمة أعداد الباحثين عن عمل النشطين؛ حيث بلغ عدد المسجلين 19430، تبعه مستوى دبلوم التعليم العام وما يعادله بـ18123، وتلاه الدبلوم الجامعي بـ10438، وجاء بعده مستوى ما دون دبلوم التعليم العام بـ7385 باحثا عن عمل، والعدد بالطبع في تزايد مستمر، وتظهر الإحصائية أنَّ حملة الماجستير والدكتوراه قد سجَّلا العدد الأصغر من الباحثين عن عمل؛ حيث وصل عددهم إلى 113 و5 باحثين على التوالي؛ مما يُؤكِّد أنَّ من يحصلون على تعليم عالٍ لا ينتظرون فرصهم الوظيفية لفترة طويلة؛ إذ سرعان ما يحصلون عليها في داخل السلطنة أو خارجها، ولا يمثلون مشكلة حقيقية مقارنة بزملائهم الذين لم تُتح لهم فرص إكمال دراساتهم.
وَوِفْقا لهذه النتيجة، فإنَّ فرص التعليم الجيد ينبغي أن توفَّر لجميع المواطنين -دونما استثناء- إذا ما أردنا معالجة ناجحة لمشكلة الباحثين عن عمل. وفي حلقة حديثة لبرنامج “والله نستاهل” -الذي يُقدِّمه المعتصم المعمري، ويعدُّ محتواه ويخرجه مجموعة من الشباب العُماني، ويسلط الضوء على بعض المشكلات والملفات المجتمعية- استعرضَ مُقدِّمه عددا من البيانات والأرقام التي تقدِّم قراءات مهمة لواقع الباحثين عن عمل؛ وذلك على النحو التالي: يتخرَّج في مدارس الدبلوم العام سنويا 30 ألف طالب وطالبة -25 ألفا منهم يلتحقون بمؤسسات التعليم العالي- فيما يترك 10 آلاف طالب وطالبة لأسباب متعددة مقاعدهم -يتخرج حوالي 18 ألفا من مؤسسات التعليم العالي سنويا- يبلغ مجموع عدد الباحثين عن عمل سنويا 35 ألف باحث جديد -مستوى استيعاب المؤسسات الحكومية محدود للغاية- تستوعب مؤسسات القطاع الخاص حوالي 12 ألف باحث عن عمل لا توجد خطة واضحة للتعامل مع 22 ألف باحث، إلى جانب العدد المتراكم سنويا والمسرَّحين، وتساءل مُقدِّم البرنامج عن الخطة الجديدة لوزارة القوى العاملة لتشغيل هؤلاء الباحثين؟ وما هو العدد المحدَّد للفرص الوظيفية التي سيُوفِّرها القطاع الخاص سنويًّا لمواكبة هذه الأعداد المتنامية سنويًّا؟ وما هي النسبة التي تستهدف الوزارة تحقيقها لتعمين الوظائف العليا في القطاع الخاص؟

وأنْهَى حلقة البرنامج بمقترح يتضمن: “بناء نظام متكامل لمعلومات سوق العمل، وتقييم احتياجاته، ومواءمتها للتخصصات الجامعية”.

إنَّنا جميعاً -مُجتمعا وحكومة ومجالس مُختصَّة، وأولياء أمور ومؤسسات، مجتمعا مدنيا وعلماء ومثقفين، وقيادات وإعلام، ومؤسسات مشرفة ومتابعة للتعليم- معنيون ومسؤولون مسؤولية مُتكاملة ومشتركة ومتضامنة عن تربية وتعليم ومتابعة أبنائنا، مُستقبل هذا الوطن، وعامل نهضته وتقدمه؛ بدءاً من الإشراف والمتابعة، وغرس القيم والمبادئ الإسلامية، وتعويد الأبناء منذ نعومة أظفارهم على القراءة وحب العلم وإتقان وتلاوة كتاب الله وكتب اللغة والأدب، وإشراكهم في الحوارات والمناقشات المتَّسقة مع أعمارهم ومستوياتهم المعرفية، وتشجيعهم على البحث والتنقيب في الكتب، والكتابة والتعبير، والتواصل المستمر مع المدرسة لمتابعة أدائهم ومعالجة ضعفهم، والمساهمة في تطوير مهاراتهم وإمكاناتهم، وتقديم الدراسات والرؤى والملاحظات التي من شأنها تطوير التعليم والنهوض بمكوناته وأطرافه المختلفة، وإعلاء شأن المعلِّم ومكانته، والحرص على الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة والناجحة في هذا المضمار بالنسبة للمؤسسات المختلفة.

إنَّنا نُعَاني من مشكلات عديدة؛ تتمثل في:
– تَزَايد وتراكم الباحثين عن عمل.
– أَشَكال وصور الجريمة والفساد والتعاطي والمتاجرة في المخدرات، التي تتسع وتنتشر وتتعدد وتتنوع ممارساتها، وتأثيراتها الخطيرة على الأمن والاستقرار.
– الاعْتِماد على الكفاءات والخبرات والأيدي العاملة الأجنبية بشكل متزايد، وبأعداد لم تعد مقبولة؛ لما تمثله من مخاطر جمَّة على القيم والثقافة والسلوك والحياة الاجتماعية بشكل عام والاقتصاد.
– أَعْباء وتحدِّيات التنمية والحفاظ على المكتسبات.
– مُتطلبات وعوامل التقدُّم واللحاق بالركب الحضاري، وسبل وآليَّات وطرق توظيف واستثمار العناصر البشرية والثروات والإمكانات، وتنمية القطاعات الأساسية لتحقيق هذا الهدف الكبير.
– الخَوْف من تراجع الكثير من القيم والمُثل التي تشكِّل أساسَ وقاعدة التقدُّم وعاملها الأول، كقيم المواطنة الصالحة والعمل وتحمُّل المسؤولية، وإعلاء المصالح العليا للوطن والمجتمع.

وجَمِيْع هذه المشكلات والقضايا -وغيرها الكثير- لن نتمكَّن من مُعالجتها وتجاوزها إلا من خلال تطوير ونشر وتجويد قطاع التعليم، والنهوض بمختلف وسائله وأدواته ومحتوياته، وقيام مُختلف الأطراف المشاركة في العملية التعليمية بمسؤولياتها كاملة غير منقوصة، وإيلاء هذا القطاع الحيوي والمهم الأولوية في الاهتمام. فتجويد التعليم وتطوير مناهجه وبرامجه وأدواته، وضمان كفاءة مخرجاته وتنمية طاقاتها العقلية إلى أقصى مدى، وتناسُب تخصُّصاته -خاصة الدقيقة منها- مع متطلبات السوق وتطوُّر العصر، سيظل دائما وأبدا -وفي كل وقت- تحديا كبيرا لما يتطلَّبه من خبرات عالية المستوى وموارد مالية ضخمة، ولأنَّ العملية “التعليمية قضية إستراتيجية؛ نظرا لأثرها في بناء الأجيال ودورها في التنمية الشاملة”. وبدون تحقيق نهضة تعليمية، فلن نستطيع أن نصنع تنمية، ولا أن نبني اقتصاداً قويًّا نضمن إزاءه مُستقبلا مُشرقا يُمكننا من اللحاق بالركب الحضاري الأممي الذي تشهده المرحلة التاريخية الدقيقة.

إنَّ التعليمَ هو “المنطلق الرئيسي لصياغة المستقبل، وبناء عالم مُنتج مُستقر يتيح لقطانه الفرص لتحقيق ذواتهم إلى أقصى ما تسمح به مواهبهم…”، وبرعاية الموهوبين وتحفيز المبدعين، والتنافس الشريف على تحقيق إسهامات مهمة في مجالات البحث وبراءات الاختراع، وإجراء التجارب والابتكار والاختراع والتصنيع في مختلف المجالات العلمية: الطب والوراثة وتكنولوجيا المعلومات وبرامج الحاسوب والأحياء الجزيئية والفضاء.. تتحقق غايات التقدُّم والنمو والازدهار والاستقرار، وبلوغ نهضة شاملة في مُختلف المجالات والقطاعات.

860 total views, 8 views today