خميس العدوي

مدخل

التفكير الفلسفي عند أبي بكر أحمد بن عبدالله الكندي النزوي (ت:575هـ/1179م)، وقبل ذلك التفكير الفلسفي عند العمانيين، هل يوجد هذا الاشتغال في عمان؟ لطالما سمعتُ كثيراً هذا التساؤل.

لستُ هنا في تقديم إجابة محددة عن هذه الأسئلة التي لم يعد لها منطق سائغ في زمننا، بعد أن كشفت المناهج العلمية عن عدم خلو أي مجتمع من أي باب معرفي، وإن أنت لحظته على وجه المقارنة، فلن تجد هناك أفضلية لمجتمع على آخر، وإنما ستجد ظروفاً موضوعية أملت على أي مجتمع نوع الاشتغال الذي يهتم به، وكذلك كمه وعمقه.

عمان كغيرها مجتمع إنساني تعمل في ظروفها الموضوعية والإنسانية، وطرأ على أهلها ما طرأ على الآخرين، من حيث بقاء معارفهم وزوالها، بيد أنه بنظري هناك أمران ينبغي ملاحظتهما في تحديد وجود مثل هذه المعارف.

الأول: الاعتراف بأن العمانيين تباطؤوا عن إيصال معارفهم إلى المجتمعات الأخرى، ويبدو أننا لا زلنا محكومين بهذا القصور الذاتي إلى الآن في كثير من معارفنا، وإذ نعترف بهذا ونتحمل المسئولية عنه، بغية النهوض بإتمام ما قصرنا به في سالف أيامنا، فإننا لا نخلي تبعة الآخرين أيضاً تجاهنا، فقد وقع تقصير من الكتّاب وجامعي العلوم والمعارف في سائر الأمصار من الاتصال بعمان.

الثاني: كثيراً ما يسيطر علينا الانطباع العام نحو أي جانب معرفي، الذي يظل يتناسخ من قِبَلنا، دون أن نعيد النظر فيه، ونقرأه بالبحث من جديد، فإن قيل إن العمانيين مثلاً لم يشتغلوا بعلم ما. فإننا لا نحمل أنفسنا على اختبار هذا الفرض المتوارث.

تجاوزاً للأمرين فإنني هنا أقوم بقراءة حول “بنية الكون فلسفياً” عند أبي بكر الكندي، وفي الأصل كان ينبغي لي أن أقرأ التفكير الفلسفي عنده، بل عند العمانيين كما طلب مني الأصدقاء القائمون على مجلة “شرق غرب”، بيد أن هذا المطلب صعب التحقيق في هذه العجالة، وفيما خصص للمقال من مساحة له.

البنية المادية للكون

بنية الكون عند أبي بكر الكندي مادية، بمعنى أنه متكون من أجزاء دقيقة غير قابلة للانقسام، والله خالق هذه الأجزاء، وهو معدمها لمّا ينتهي هذا الكون، وهي محدودة معدودة، غير قابلة للزيادة والنقصان عمّا هي عليه، باجتماع هذه الأجزاء تتكوَّن موجودات العالم.

يقترح الكندي أنه لا وجود إلا للجوهر والعرض، (والعالم يقسم قسمين لا ثالث لهما، وهي الجواهر والأعراض.

فالجواهر: يراد بها الموصوفات.

والعرض: يراد به صفة الموصوفات من المخلوقات)([1]).

والجوهر عنده هو أصغر شيء في الوجود، وهو لا ينقسم، وليس له طول ولا عرض ولا عمق، (فأول الجواهر الجوهر الواحد، وهو عند العلماء بمنزلة النقطة التي لا طول لها ولا عرض ولا عمق)([2])، والجواهر في أصلها متماثلة كلها، (أن الجواهر ليست أجناساً مختلفة، بل كلها متماثلة في أنفسها، فإنما تختلف أحوالها التي لا يرجع إلى ذواتها)([3])، والجوهر في أصله غير ساكن دائم الحركة، (الحركة؛ وهي مختصة بالجوهر الواحد فصاعداً لتحيّزه، إن حد الحركة الانتقال من مكان إلى مكان، والجوهر فلا يخلو قط من مكان ولزوم الحركة له للطافته)([4]).

ما يلفت النظر هنا أن هذا الوصف للجوهر لا ينطبق على الذرة، وإنما أقرب ما يكون إلى الطاقة، والطاقة هي فوتونات دائمة الحركة، لا يكاد توصف بعرض وطول وعمق.

كل الموجودات هي أجسام، (النهار والليل والماء والنار والرياح كلها أجسام ميتة، […] والرماد جسم، والسحاب والنجوم والشمس والقمر والسماء والأرض والجبال أجسام؛ وهي مسخرة، والنجاسات أجسام، والهوى جسم)([5]).

كيفية تكوّن الجسم

كيف يتكون الجسم عند أبي بكر الكندي؟.

إنه يتكون من اجتماع الجواهر، على خلاف بين المفكرين، قيل: يبدأ من جوهرين فصاعداً. وقيل: من ثمانية جواهر. وهر رأي الكندي. وقيل غير ذلك، (فأول الجواهر الجوهر الواحد، وهو عند العلماء بمنزلة النقطة التي لا طول لها ولا عرض ولا عمق، فإذا انضاف إليه جوهر ثان حدث لهما طول وسمى خطاً، من ها هنا أول رتبة الاجتماع، فإن الاجتماع محال أن يكون في أقل من اثنين، […]، فإذا انضاف إلى الجوهرين جوهران صار على قول بعضهم خطين، والخطان إذا اتصلا فهما سطح لهما طول وعرض ولا عمق لهما. فإذا اتصل بالسطح سطح من أعلاه صار طويلاً للخط الأول عريضاً للخط الثاني عميقاً لاتصال سطح بسطح، وهذا هو الجسم)([6]).

الفرق بين الجوهر والعرض

هذه الجواهر وهي تجتمع مع بعضها بعضاً لتكوِّن الجسم، فإنها تتجاور ولا تتداخل، أي أن الجوهر يلتصق بأخيه الجوهر، ولا يندمج فيه اندماجاً كلياً، وذلك لأن لكل الجواهر خاصية واحدة، فليس هذا أولى بالدخول في الثاني من الثاني في الأول، وبلغة الكندي، ليس هذا أولى أن يكون فاعلاً من ذلك، وليس ذلك أولى أن يكون مفعولاً من هذا، ولا يمكن أن يكون الفاعل ذاته مفعول مفعوله، ولا المفعول ذاته فاعل فاعله، يقول الكندي: (وأما قوله: تجاورا فيها بأعراضها وعلى غير التداخل منها. يقول: هذه الأجزاء في حال تآلفها متجاورة لا متداخلة، إذ لو جاز تداخلها لوجب أن يكون المدخول فيه داخلاً في الداخل فيه منها، ذلك محال أن يكون الفاعل مفعول مفعوله، والمفعول فاعل فاعله)([7]).

لكن الأجسام ليست جواهر فقط، فالجسم يتكوَّن من جوهر وعَرَض، فما العَرَض؟ وما أثره على الجسم؟.

العَرَض من حيث تعريفه (فقد اختلف الناس فيه اختلافاً كثيراً، فقال قوم: ما عرض في الجوهر. […]. وقيل: العرض ما قام بالجوهر[…]. وقيل: العرض ما لا يستغني عن محل يحله. وقيل: ما لا يصح بقاؤه وقتين […]. وقيل: العرض ما تغيّر به الجوهر من حال على حال. وقيل: ما يستحيل وجوده في غير حال حدوثه)([8]).

من كل هذه التعاريف نخرج أن العَرَض ملازم للجوهر، فكلاهما لا يستغني عن الآخر، فإنه إن كانت من طبيعة الجوهر الحركة، والحركة عرض، فإن الجوهر يلازمه العرض أبداً.

إذن ما الفرق بينهما؟.

الفرق أن كل الجواهر في بنيتها واحدة، بينما كل الأعراض مختلفة، (أن الأعراض ليست بجنس واحد، بل هي أجناس كثيرة، ففيها المتماثل، وفيها المختلف، وفيها المتضاد، […] ووجدت أن جميع الأعراض متغايرة)([9]).

إذن الجواهر هي شيء واحد من حيث التكوين، بينما الأعراض مختلفة، إذن أين يكمن سر الاختلاف الذي نراه في الأجسام؟.

هل يرجع إلى ذات الجواهر فقط؟.

هذا ما لا يمكن الأخذ به، لأن الجواهر لذاتها لا تختلف.

هل إلى ذات الأعراض فقط؟.

أيضاً هذا لا يمكن الأخذ به، لأن الأعراض غير مستقلة عن الجواهر.

يرجع الاختلاف في الأجسام البنية التي تتكون من الجوهر والعَرَض، أي يرجع إلى الحركة التي هي الأصل الأصيل الموجود في الجوهر، إذن الحركة التي هي عرض متلازمة مع الجوهر، فلا يتصور حركة بدون جوهر، كما لا يتصور جوهر غير متحرك، (الجوهر متحرك، وصفته التي هي الحركة عرض)([10]).

ثم يأتي السؤال مرة أخرى: إن كانت كل الجواهر متحركة، فما الذي يجعل الأجسام مختلفة؟.

في هذه الحالة يرجع إلى البنية الهندسية التي تجتمع بها الجواهر، فتحل بها الأعراض بناءً على ذلك كـ”الحركة والسكون والافتراق والاجتماع”، (أن الجواهر ليست أجناساً مختلفة، بل كلها متماثلة في أنفسها، فإنما تختلف أحوالها التي لا يرجع إلى ذواتها، وسبب الاختلاف يكون راجعاً إلى ما يحل فيها من الأعراض، فإذا اختص بعضها بالسكون ببعض الأعراض كانت ساكنة، فإذا اختص ببعض آخر وصفت بأنها مجتمعة، فإذا وصفت بشيء آخر وصفت بأنها متفرقة. كذلك الأسماء تختلف عليها باختلاف ما يختص من الألوان. فما اختص بالسواد بأنه أسود إلى غير ذلك من سائر الأشياء)([11])، وقيل: (إنا إذا رأينا جوهراً أشد سواداً من جوهر آخر فإنما ذلك لاجتماع سوادين وأجزاء من السود فيه، كذلك القول في المتحرك)([12]).

إذن هي منظومة تتشكل بها الأجسام من نسق معيّن من الجواهر والأعراض، وعندما تتضام هذه مع بعضها تكون الكائنات بحسب خصائصها الهندسية، فكل كائن له خصائصه التي تختلف عن الآخر، وكل نظام هندسي من الأنساق “الأجسام المتكوِّنة من الجواهر والأعراض” يتراكم بعضها ليكون كائنها المكتمل، وكل مرحلة لها خاصيتها التي تنضاف إليها أعراضها التي لا توجد في سابقتها، فمثلاً؛ الجسم العاقل يتركب على الجسم الحي، والحياة متركبة على الجسم، والجسم متكون من جوهر وعرض، فهناك أربع مراتب تتسلسل لتكوُّن الإنسان العاقل، هي:

(الرتبة الأولى: رتبة الحركة وهي مختصة بالجوهر الواحد فصاعداً لتحيزه)([13]).

(الرتبة الثانية: في الأعراض المختصة بالجوهرين فصاعداً ونقتصر منها على الاجتماع والافتراق، فهذان العرضان لا يتصف بهما إلا الجوهران فصاعداً)([14]).

(الرتبة الثالثة: في الأعراض المختصة بالجسم ويقتصر منها على الحياة، فلا يجوز أن يوصف بهذا العرض إلا الأجسام فحسب)([15]).

(الرتبة الرابعة: في الأعراض المختصة بالجسم مع وجود الحياة والعقل ونقتصر منها على الجهل والعلم فلا يتصف بهذين العرضين إلا كل الجسم حي عاقل)([16]).

قانون الإحداث

هكذا تجري بنية الإنسان، وهكذا جرت بنية الكون، إنها بنية مادية، ولكنها طبعاً بحسب هذا التسلسل تشكِّل معضلة فلسفية، وهي طالما أن الكون بأسره بأصله نموذج واحد من الجوهر وعرضه الحركة؛ فما الذي يجعل لكل مرحلة من المراحل خصائصها من الأعراض، أو لكل نسق من الأنساق خاصيته، بمعنى ما الذي يجعل هذا الجسم مواتاً، وذاك حياً، وآخر عاقلاً، وبلسان أكثر إفصاحاً، ما الذي جعل هذا الأصناف في الوجود متنوعاً، طالما أن أصل البنية واحدة؟.

ليس شيء عند الكندي إلا قانون الإحداث، فلولا وجود هذا القانون لبطل كل شيء في الوجود، يقول الكندي: (وليس الجسم الحي حياً لأنه جسم، إذ لو صح ذلك لما وجد جسم ما إلا وهو حي، وفي وجودنا من الجسام ما ليس بحي بطلان ذلك، بل لأن فيه حياة)([17]). (ولم تكن الحركة عرضاً لأنها حركة، ولا السكون، بل لأنهما محدثان لا يقومان بأنفسهما، فكل محدث لا يقدم بنفسه فهو عرض. كذلك لم يكن الحديد جوهراً لأنه حديد، ولا الخشب جوهراً لأنه خشب، ولا القطن جوهراً لأنه قطن، بل لأنه محدث متغيّر، إذ لو صح أن تكون الحركة عرضاً لأنها حركة لبطل أن يكون السكون عرضاً، كذلك لو كان الحديد جوهراً لأنه حديد لبطل أن يكون الخشب جوهراً، وكذلك ما أشبهه)([18]).

وإذا ثبت بهذا قانون الإحداث، فيلزم المحدَثُ محدِثاً، هو الله الخالق، (الدليل على حدث الخلق أنا وجدنا العالم أجساماً وجواهر وأعرضاً، لا تنفك من الاجتماع والافتراق، محدثان كانا بعد أن لم يكونا، فما لم ينفك من الحوادث محدث، ولا يتوهم الجسم خالياً منها. وقد صح وثبت أن الاجتماع والافتراق معنيان بهما اجتمع المجتمع وافتراق المفترق، وهما مجتمعان لجامع جمعهما، ومفرق فرقهما فدلك بذلك على حدثهما)([19]). (إن الدليل على هذا الجزء الذي لا يتجزأ محدث مخلوق، وهو أنه محتمل لأن يزاد إليه مثله؛ فإن في احتماله لذلك دلالة على عجزه عن منع نفسه من أن يضاف إليه ما يغيره عن حاله، لأن في إضافة مثله إليه حدوث عرض حادث يحله وهو الاجتماع، وكل ما كان محلاً للحوادث كان متغيراً بها وما كان متغيراً فعاجز، والعاجز محتاج إلى محدث يحدثه، ولا محدث إلا الله الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى عما يصفون)([20]).

[1]) الكندي، الجوهر المقتصر، ص38.

[2]) المرجع نفسه، ص48.

[3]) المرجع نفسه، ص52.

[4]) المرجع نفسه، ص49.

[5]) الكندي، الجوهر المقتصر، ص49.

[6]) المرجع نفسه، ص75.

[7]) المرجع نفسه، ص75.

[8]) المرجع نفسه، ص44.

[9]) المرجع نفسه، ص44.

[10]) المرجع نفسه، ص38.

[11]) المرجع نفسه، ص43.

[12]) المرجع نفسه، ص47.

[13]) المرجع نفسه، ص49.

[14]) المرجع نفسه، ص49.

[15]) المرجع نفسه، ص50.

[16]) المرجع نفسه، ص50.

[17]) المرجع نفسه، ص50.

[18]) المرجع نفسه، ص50.

[19]) المرجع نفسه، ص66.

[20]) المرجع نفسه، ص65.

5,005 total views, 2 views today