Saud Zadjali

سعود الزدجالي

“لا شيء يضاهي الرؤية العلمية الفريدة أكثر من الرؤية الشاعرية الفريدة؛ فالعلم هو فسيفساء من رؤى جزيئية متضاربة؛ إلا أن هناك عنصرًا واحدًا مشتركًا بين هذه الرؤى؛ هو التمرد على القيود التي تفرضها الثقافة المحلية السائدة”

                                                                                                 فريمان دايسون

يهدف هذا المقال إلى:

  1. وضع القارئ في إطار كتاب له أهميته في نظرية العلم، وتاريخه، وفلسفته؛ وهو كتاب: بنية الثورات العلمية، The Structure of Scintific Revolutions؛ لتوماس كون Thomas S. Kuhn (1922-1996)؛ والذي صدر عام 1962.
  2. إعطاء صورة شبه شاملة عن مسار الكتاب، وأهميته لحقول كثيرة؛ علمية، وإنسانية؛ لا سيما في الوطن العربي.

اعتمادي في قراءة الكتاب على الترجمتين العربيتين معا؛ على أنني سأميل إلى تقديم ترجمة المنظمة العربية للترجمة الصادرة سنة 2007، عن الترجمة الصادرة في الكويت سنة 1992، وسيأتي بيانهما قريبا؛ كما أنني سأستخدم مصطلح (البراديغم) أو النموذج؛ بدلا من النموذج الإرشادي، وقد أراوح بينهما؛ وعلى القارئ أن يتنبه لذلك.

إن النظرة السائدة سواء أكانت عامة، أم في عرف علمي مخصوص؛ لا تخلق جديدا؛ سوى محاولة تفسير القائم، وفق ما هو معطى مسبقا؛ حتى لا يتهدم التفسير المبني على نموذج محدد؛ إذ يعد هدمه هدما لمستقبل طائفة محددة؛ وهنا تخلق الصراعات في الحدود، أو خارج الحدود؛ لذا فإن الحدود المشكلة للغة علمية واصفة مختصة بحقل معرفي بعينه؛ يجب أن تخترق أحيانا لاكتشاف ذلك الحقل؛ ولإخراجه من سجنه؛ لأن جهة النظر هي الخالقة للموضوع؛ فالظاهرة، والنص لا يقولان شيئا إلا بما تسمح به قواعد جهة النظر التي تتبناها الذات العارفة أو الباحثة؛ مما يجعلنا مضطرين إلى الانفتاح على كل التخصصات، ووجهات النظر الممكنة المهتمة بالمنتوج الإنساني المعرفي، وعندها فعلا يمكن أن يعاد النظر في الخرافة التي نسميها (اختصاصًا)؛ ذلك الوهم الذي يقود إلى العزلة المعرفية للباحثين، كما هو حاصل في ربوع الوطن العربي؛ حيث يقود التخصص إلى إفقار ممنهج لكل القطاعات المعرفية[1]

وهنا يمكن أن نتساءل: كيف يمكن للبنى، والأفكار، والنظريات، والمناهج أن تسافر من حقل معرفي محدد إلى حقل آخر؟ وكيف للطبيعة الثورية التي حدثت في الآن أن تحدث سمات ثورية في حقل آخر؟ ويمكن في الإطار أن تقف على ما أحدثته الداروينية[2] Darwinism (مثلا) في حقول معرفية متعددة كاللسانيات، والعلوم الاجتماعية؛ ولذلك ونحن أمام كتاب يشكل أهمية بالغة، (وهو بنية الثورات العلمية)؛ تجدر الإشارة إلى أن الوصف لتطور العلم، وجدليته، علاوة على مشابهته للمذهب الدارويني؛ هو مشابه، وبدرجة كبيرة لنظرة ماركس المادية التاريخية؛ حيث يبدو أن التاريخ كله عبارة عن ثورات (صراعات طبقية) متلاحقة ذات أنماط إنتاج مختلفة[3]؛ وتاليًا لابد من الإيمان بوجود أزمات في النشاط العلمي على غرار ما يحصل في العمل الاجتماعي- السياسي؛ وهو ما يجعل (المتحد العلمي) قادرًا على العيش في عالم مقطوع؛ مما يجعلهم يعيشون في الظاهرة التي أسماها كون (التوتر الجوهري The essential tension )[4].

يتأسس الكتاب على مفهوم أساسي هو النموذج Paradigm يقصد به عند توماس كون: مجموعة القوانين، والتقنيات، والأدوات المرتبطة بنظرية علمية، والمسترشدة بها، والتي يمارس بها الباحثون عملهم، ويديرون نشاطهم، وحينما تتأسس تتخذ اسم العلم العادي؛ حيث يرى كون؛ أن العلم عبارة عن تاريخ نماذج متعاقبة مختلف واحدها عن الآخر اختلافًا نوعيًّا إلى الحد الذي لا يمكن مقارنتها، وتاليًا؛ فليس العلم عملية تراكمية ممتدة لا يعتريها انقطاع[5]. وهو هنا يلجأ إلى أنسنة Humanizing الظاهرة العلمية من خلال البراديغم أو النموذج في نظرة تحاول الربط بين تاريخ العلم وفلسفته[6]، والنموذج شديد التعقيد؛ وهو بذاته يمثل واقعة علمية قمينة لوحدها أن تستأثر بالاهتمام والدراسات الواسعة، وتأتي أهمية النموذج بما يتيحه من أنماط البحث الأكثر تخصصا؛ وهو علامة نضج ضمن مسار تطور ميدان علمي معين؛ ذلك أن الوظيفة الإجرائية الأساسية للنموذج تكمن في إتاحته انتقاء المعطيات والعناصر والوقائع استبقاء، واستبعادًا إلى درجة أنه في غياب النموذج أو النظرية؛ فإن الوقائع كلها توشك أن تكون متساوية في أهميتها[7].      

(2)

في نظرية المعرفة، أو فلسفة العلم، أو المعلومية، أو العلوميا[8] – (وهي مصطلحات) يمكن أن تعني المصطلح الأجنبي Epistemmology- طرحت مؤلفات كثيرة ومتعددة، ولكن الكتاب الذي وضعه توماس كون Thomas S. Kuhn (1922- 1996) وهو المسمى: بنية الثورات العلمية The Structure of Scientific Revolutions والذي صدر في طبعته الأولى سنة 1962؛ يعد كتابًا متميزًا من حيث الطرح، وما أثاره من جدل في فلسفة العلم، أو بنية المعرفة الإنسانية من حيث تطورها في التاريخ، وقد ترجم الكتاب إلى العربية مرتين:

  • كانت الأولى من ترجمة شوقي جلال، ضمن سلسلة عالم المعرفة بالكويت سنة 1992، برقم (168) في حدود (321) صفحة، صدرها المترجم بمقدمة حاول فيها تقديما لأهمية الكتاب وموضوعه، حيث عدّ المترجم الكتاب ضمن حركة التمرد على ما يسمى بفلسفة العلم؛ مما صادف الاستجابة الواسعة، وأثار الجدل الذي لم يهدأ؛ مما جعله في صدارة جداول المؤتمرات الدولية؛
  • وكانت الثانية ضمن المنظمة العربية للترجمة في بيروت، بترجمة الدكتور حيدر حاج إسماعيل، سنة 2007، وتتميز الترجمة الثانية عن الأولى بميزات أهمها رصانة الأسلوب الذي قدم به المترجم هذا الكتاب القيم إلى العربية؛ كما أن المقدمة التي قدم بها المترجم الكتاب تشكل أهمية كبيرة عند قراءة الكتاب؛ حيث انطلق حيدر إسماعيل من إنشاء (متحد افتراضي) لمؤلف الكتاب توماس كون؛ يتشكل من برتراند راسل Russell، وكارل بوبر K. Popper، وبول فايرابند P. Feyerabend، والأسترالي الراديكالي آلان فرانسيس تشالمرز A. F. Chalmers؛ مما يعني أن كون قد تأثر بهذا العالم الافتراضي الواقعي؛ كما يضيف المترجم إلى ذلك أبرز الأفكار التي قد تأثر بها كون مما طرحه بوبر (1902-1994) من أن العلم ليس استقرائيا، وأن المعرفة وثب، وما طرحه فايرابند عام 1975 في كتابه الموسوم: ضد المنهج: مخطط تمهيدي لنظرية فوضوية في المعرفة Against Method outline of an Anarchistic Theory of Knowledge، وفيه تحدى كل محاولات وصف المناهج العلمية؛ منتهيا إلى القول بعدم وجود مثل هذا المنهج المتميز بصفاته؛ مما يبرز الصفات الثورية لفايرابند؛ ويطرح المترجم تساؤلا: إذا كان العلم في حالة تغير ثوري؛ فما هو نظام تغيره؟ وكانت إجابته تنطلق من المنطق الديالكتيكي الذي وضعه الأماني هيغل Hegel.

أضاف المترجم في نهاية الكتاب ثبتا تعريفيا للمصطلحات الأساسية، وثبتا آخر للمصطلحات عربي- إنجليزي، إضافة إلى المراجع، والأعلام في الصفحات من 339- 389؛ غير أن الفهرس بأسماء الأعلام الذي أضيف في ترجمة الكويت لشوقي جلال في الصفحات 261- 291 كانت أكثر دقة واستيعابا في حين اعتماد ترجمة بيروت على الإحالة إلى وجود العَلَم في الصفحات داخل متن الكتاب، مع وجود (المصطلحات العلمية) في ترجمة الكويت نهاية الكتاب اتفاقا مع ترجمة بيروت. وربما كانت أهم الفروق الجوهرية بين الترجمتين في المصطلح الأساسي في طرح توماس كون، وهو (النموذج Paradigm )؛ حيث وظف شوقي جلال النموذج الإرشادي، واستبقى الدكتور حيد إسماعيل على المصطلح الأجنبي ( البراديغم)، ولعل صنيعه مرده إلى عدم وجود كلمة واحدة دالة في العربية على ما يريده المؤلف في كتابه.

(3)

يمكن الآن أن نقف على المنهج العلمي الذي سار عليه المؤلف في كتابه، ونقصد به: الطريقة التي استطاع المؤلف أن يقدم بها المادة العلمية في كتابه؛ حيث نجد توماس كون، قد صدّر الكتاب بتصدير عام 1962؛ بين فيه أصل الكتاب؛ بأنه كان محاولة في أول تقرير منشور بكامله منذ حوالي خمسة عشر عاما (باعتبار تاريخ النشر)، منطلقا من الظروف العلمية التي أحاطت به في إنجاز الفكرة، وما أفاد من المصادر العلمية المتعددة؛ حتى تطورت الفكرة في العامين 1958- 1959 في مركز الدراسات العليا في قسم العلوم السلوكية؛ حتى انتهى إلى الاعتراف بفضل بعض أساتذته وأصدقائه وأقربيه. وبعد التصدير؛ رتّب كون كتابه إلى فصول عددها (13) فصلا، وحاشية أضافها سنة 1969، وتتميز الترجمة العربية في بيروت للدكتور حيد إسماعيل أنها تشير إلى الصفحات الأصلية في الطبعة الأصلية للكتاب باللغة الإنجليزية سنة 1962، وهو أمر له أهميته للعودة إلى الأفكار، وأصل المصطلحات والتراكيب في لغة الكتاب الأصلية.

يجعل المؤلف الفصل الأول بمثابة مقدمة حول دور التاريخ، ربما يعرض فيها المؤلف النظرة المألوفة التي قد تتناسب مع الكتب التربوية المدرسية؛ “غير أننا إذا افترضنا أن العلم هو منظومة من الوقائع والنظريات والمناهج مجمعة في الكتب الراهنة، يصبح العلماء أولئك الأشخاص الساعين بجد، سعيا ناجحا أو مخفقا للإسهام بعنصر أو آخر في تلك المنظومة الخاصة، ويصير التطور العلمي عملية أجزاء تضاف إفراديا ومجموعيا إلى المخزن الذي لا يتوقف نموه، والذي يؤلف التقنية والمعرفة العلميتين”[9]، وتاليا فإن مهمة المؤرخ المهتم بتطور العلم تتوزع إلى أن:

  1. يحدد الإنسان الذي تم على يده اكتشاف أو اختراع كل حقيقة علمية معاصرة، وقانون، ونظرية، وزمان حصول ذلك؛
  2. يصف ويفسر مجموعة الأخطاء، وما له علاقة بالأسطورة والخرافة التي منعت التراكم الأسرع لمكونات النص العلمي الحديث

يعني ذلك؛ أننا أمام صعوبة بالغة يواجهها مؤرخ التطور العلمي الذي ينطلق من مفهوم (تراكمية العلم)؛ فقد لا يتطور العلم عن طريق تراكم اكتشافات، واختراعات، وإذا عدّت هذه المعتقدات التي عفا عليها الزمان بمثابة الأساطير؛ فإنه يعني أن الأساطير يمكن إنتاجها عبر المناهج عينها، ويكون التمسك بها للأسباب نفسها التي توصل الآن إلى المعرفة العلمية؛ عليه فلا تعد النظريات القديمة نظريات غير علمية لمجرد الاستغناء عنها، وهو يصعّب اعتبار التطور العلمي مجرد عملية تراكم، ويريد المؤلف التوصل إلى أن مراحل التطور الأولى لمعظم العلوم تميزت بتنافس متواصل بين عدد من النظرات المختلفة للطبيعة وكانت كل نظرة منها مؤسسة على مقتضيات الملاحظة والمنهج العلميين أو متلائمة معها تقريبا، ولم يكن مرد الفارق بين هذه المدارس الفكرية المختلفة إخفاقا في تطبيق المنهج، وإنما كان سببه في ما سوف ندعوه (الطرق غير القابلة للمقارنة) في نظرتها للعالم، وأساليب ممارسة العلم فيه[10]. وفي الإطار ذاته اعتمد البروفسور ستيفن هوكينغ في (التصميم العظيم) مصطلح الواقع المبني على النموذج Model-dependent realism؛ فلا يوجد مفهوم للواقع مستقل عن النظرية التي تحاول تصويره ووصفه والتنبؤ به، فهناك إذن مفاهيم عن الواقع بعدد النظريات التي تحاول وصفه؛ وبالتالي فإن ملاحظاتنا التي نبني عليها نظرياتنا العلمية ليست نتاجا مباشرا للواقع؛ بل تمر عبر عدسة التفسير التي نملكها، وهي تمثل النماذج؛ وواقع النموذج يتطابق مع الطريقة التي ندرك بها نحن الأشياء[11]، وهذه النزعة اسمانية Nominalism تجعل الماهيات نوعا من المدركات العقلية التي لا تمثل الواقع تمثيلا متطابقا؛ إذ تحل في النظرية العلمية أفكار الاصطلاح والمواضعة والموافقة العلمية محل أفكار حقيقة الواقع ومعرفته[12].

يسلك توماس كون مسلكا واضحا في كتابه؛ حيث يطرح القضية النظرية العامة؛ ويحاول دحض القضايا المتناقضة؛ وذلك عبر الرجوع إلى تاريخ تطور العلوم؛ اعتمادا على الأمثلة الكثيرة؛ وهو يضاعف الأمثلة لتأييد رأيه إلى درجة الملل كما يصرح بنفسه، وينتقي الأمثلة[13]؛ ففي الفصل الثاني الذي خصصه لوصف الطريق إلى العلم العادي Normal Science ويقصد به: العلم المؤلف من قواعد وتقاليد وقيم وتقنيات يطبقها ويمارسها متحد من العلماء Community، وقد تأسس على واحد من الإنجازات العلمية السابقة؛ ولكن هذه الإنجازات قامت من جراء ثورة علمية أنتجت (البراديغم الجديد)، ويظل قائما حتى الوصول إلى الأزمة، وهي الإخفاق في حل المشكلات العلمية؛ ويقوم المؤلف بعرض عدد كبير من الأمثلة التاريخية على زعمه؛ ليصل إلى الفصل الثالث الذي خصصة لطبيعة العلم العادي؛ حيث يكون البراديغم أو النموذج قادرا على حل المشكلات، أو واعدا بحلها؛ ليكون تحقيق الوعد بتوسيع المعرفة بتلك الحقائق التي يعرضها النموذج؛ وتاليا يمكن أن يكون النموذج هنا صندوقا لإدخال الطبيعة، وهو صندوق مشكل سلفا، وجامد نسبيا، ولكنه كفيل بإنتاج المعنى؛ وهنا فليس في هدف العلم العادي تقديم أنواع من الظواهر جديد؛ بل إن الذي يحصل هو أن تلك الظواهر التي لا يمكن إدخالها في الصندوق لا ترى إطلاقا؛ وفي الفصل الرابع حيث العلم العادى (علم حل الأحجيات) مما يتطلب أن يكون النموذج قادرا على حل كل أنواع الأحجيات المعقدة الشاملة للأدوات والأفكار؛ فالنموذج هو معيار اختبار المشكلات، وقد يكون العالم الفرد المنشغل في مشكلة بحث عادي؛ يكون غير منشغل بأي واحد من الأشياء الخارجة عن التفسير، وقبل الدخول إلى الفصل السادس حول ظاهرة عدم التوقع Anomaly، وهي الظاهرة التي لا تتسق مع قواعد ومقتضيات علم عادي (شذوذ)؛ فتبدو خارج دائرة توقعات نظرية ذلك العلم؛ حتى تتحول إلى أزمة؛ نريد أن نقف على الفصل الخامس حول أولوية النماذج (البراديغمات)؛ حيث يبحث كون العلاقة بين القواعد، والبراديغمات، والعلم العادي؛ وما الأسباب التي تعطي البراديغمات أولوية في الحقول العلمية المختلفة؛ وفي ظل صعوبة عزل القواعد أو تجريدها؛ فإن العلاقة تتعقد، وتاليا فإن ذلك يعد مصدر إحباط مستمر في متحد علمي محدد.

وإذا كنا قد تحدثنا في صدر المقال عن هجرة المفاهيم، والنظريات، والمصطلحات بين الحقول العلمية بطريقة (بيذاتية) غير مدركة أحيانا؛ فإن توماس كون يتساءل: في حال عدم وجود مجموعة قادرة من القواعد؛ ما الذي يقيد العالم بتقليد عادي محدد؟ وهو يستعير الفكرة التي طرحها لودفيك فتغنشتاين (1889- 1951) Ludwig Wittgenstein في التحقيقات الفلسفية حول (الشبه العائلي)[14]؛ حيث تساءل ما نحتاجه لكي نطبق مفردات محددة مثل: (كرسي) أو (ورقة شجرة) أو (لعبة) بشكل لا لبس فيه ولا يثير الجدل؟ وهذه العناصر بالنسبة إليه (عائلات طبيعية) تم تأليفها وفق شبكة من التشابيه المتداخلة والمتقاطعة[15]، وهي تخضع لمنطق الاستعمال، وما نفعله هو إعادة الكلمات من استعمالها الميتافيزيقي إلى استعمالها في الحياة اليومية[16]؛ إذ ليس للفلسفة بأي حال من الأحوال أن تتدخل في الاستعمال الحقيقي للغة؛ بل لا يسعها في آخر المطاف إلا أن تصف هذا الاستعمال[17]، والأمر ذاته ينطبق على المشكلات البحثية في وسط علمي محدد؛ إذ لا تشترك وفق تحقق القواعد والافتراضات الصريحة أو الممكن اكتشافها اكتشافا كاملا؛ بل يمكنها أن تترابط عبر التشابه، وتكون صورة مثالية لجزء أو آخر من مجموعة المؤلفات العلمية التي أقر المتحد المدروس بكونها من بين إنجازاته التي تم تأسيسها؛ “ولأن العلماء لا يسألون في العادة عمّا يجعل مشكلة خاصة أو حلا مشروعا؛ أو لأنهم لا يناقشون مشروعية المشكلة أو الحل؛ فإن ذلك الوضع يغرينا بافتراض أنهم لا يعرفون الجواب ولو حدسيا على الأقل؛ لكن تلك الحال قد تدل على وجود شعور بأنه ليس للسؤال أو للجواب علاقة ببحثهم، فالبراديغماتُ هي أسبق بوجودها، وأكثر تقييدا، وأكمل من أي مجموعة من قواعد البحث التي يمكن تجريدها من البراديغمات بوضوح”[18]؛ ولكن ما الأسباب التي تجعلها قادرة على تحديد العلم العادي من دون تدخل قواعد يمكن اكتشافها؟ والإجابة أن الأسباب هي[19]:

أولاً: أن السبب الأول يمثُل في الصعوبة البالغة في عملية اكتشاف القواعد التي قادت تقاليد علمية، وهي ذات الصعوبة عند الفيلسوف حينما يحاول أن يتحدث عما تشترك فيه كل الألعاب.

ثانيًا: وهو متجذِّر في طبيعة التربية العلمية؛ فالعلماء لا يتعلمون مفاهيم، وقوانين، ونظريات في حالة مجردة، فهم عوض أن يفعلوا ذلك يواجهون الأدوات الفكرية في وحدة تاريخية وتربوية سابقة لغيرها؛ حيث يتم عرضها مع تطبيقاتها، وخلال تطبيقاتها أي بمنطق الاستعمال عند فتغنشتاين، ويتم الإعلان عنها دائما مع هذه التطبيقات، ومن دونها لا تصلح النظرية لأن تكون مرشحة لنيل القبول.

ثالثًا: أن البراديغمات تقود البحث عن طريق صنع صورة مثالية مباشرة، وعبر القواعد المجردة؛ ويمكن للعلم العادي أن يستمر من دون قواعد، ويستمر ذلك طالما استطاع المتحد العلمي حلّ المشكلات؛ فإذا عجز فإن وجود القواعد ضرورة ملحة، ويجب أن يزول عدم الاهتمام بها؛ حيث تكون البرديغمات مهددة.

رابعًا: تمنح البراديغمات أولوية بالنسبة إلى القواعد المشتركة والافتراضات؛ يجعل المتحدات العلمية مرنة وغير منغلقة؛ بمعنى أن المتحد العلمي يمكن أن يستوعب ضرورة تغيير براديغم (نموذج) محدد خاص بجماعة علمية صغيرة داخل المتحد العلمي، ويكون المجال مفتوحا لإحداث ثورة جزئية.

(4)

إذا كان الحفاظ على النماذج الإرشادية، أو البراديغمات واجبا يتحتم القيام به في متحد علمي محدد؛ فإن طبيعة الحياة العلمية؛ تجعل الثورة العلمية ضرورة؛ وهنا يستعير كون السمات الثورية في الاجتماع والسياسة لإعطاء الثورات العلمية الصبغة ذاتها؛ وذلك في الفصول (9-13)؛ ويمكننا هنا أن نقف على مصطلح في العلوم السياسية والاجتماع، وهو مصطلح (الشرعية Legitimacy)[20]، ويتعلق دائما في النظم السياسية أو غالبا بالمخرجات الواقعية لنظام سياسي بعينه؛ حيث إن الشرعية هي قدرة النظام السياسي على تكريس الاقتناع لدى الغالبية بأن المؤسسات السياسية القائمة هي الأكثر ملاءمة للمجتمع، وأفضل من أية مؤسسات أخرى يمكن إقامتها؛ وبالتالي تمنحها الشرعية حق الطاعة والخضوع[21]؛ ولإيجاد تقارب بين (طبيعة الحقول العلمية) والحقول السياسية والاجتماعية العامة؛ يمكن أن نتساءل: متى يمكن القول: إن النموذج العلمي القائم قادر على الاستمرار في متحد علمي معين؟

إن الثورات العلمية عند كون: تؤلف سلسلة الأحداث التطورية اللاتراكمية التي يحل فيها، كليًّا أو جزئيًّا، براديغم جديد محل براديغم أقدم منه، ولا يكون متسقا معه، ولكن، ما الذي يوجب تسمية تغيير البراديغم ثورة؟ يجيب كون الإجابة ذاتها التي أشرنا إليها حول (الشرعية)؛ فحينما يتزايد الشعور في قسم من المجتمع السياسي، بأن المؤسسات القائمة قد توقفت عن الحل الكافي لمشكلات بيئية كانت قد أوجدتها؛ فإن الثورات العلمية تكون بطريقة مماثلة، وفي الحقلين كان الشعور بتعطل العمل المؤدي إلى (الأزمة) شرطا ضروريا لظهور ثورة[22]، فإذا أدت الثورة إلى تغيير البراديغمات في حقل علمي، أو حقول علمية مختلفة؛ فإن ذلك يستدعي تغيير النظرة إلى العالم؛ فالعلماء في المتحد الذي حدثت فيه الثورة العلمية يستجيبون لعالم مختلف؛ لأن النماذج أو البراديغمات هي (مرشحات) تفسيرية للظواهر؛ يلزم من تغيرها تغير النظرة الكلية أو الجزئية إلى العالم[23]؛ وإذا كانت الثورات في الحقول السياسية تحدث زلزالا بشريا عنيفا؛ فإنها في الجانب العلمي تتسم بنوع من الهدوء والنعومة؛ إلى درجة ضرورة الإيمان بوجودها مع أنها لا ترى بالعين المجردة، وهو عنوان الفصل الحادي عشر عند توماس كون في بنية الثورات العلمية، وربما يتعلق الأمر بما طرحه في الفصل الثاني عشر (خمود الثورات) أن الطبيعة الثورية في العلوم؛ إنما تنشأ في عقل علمي واحد، أو نفر قليل من الأفراد؛ فهؤلاء هم الأولون الذين يتعلمون النظر إلى العلم والعالَم نظرة مختلفة، وهم قادرون على تحقيق الانتقال؛ لأن انتباههم مركز بقوة لافتة على المشكلات المثيرة للأزمة، وهم في العادة – كما يزعم كون – صغار السن، أو حديثو العهد بالحقل الذي تمزقه الأزمات؛ فممارستهم أقل التزاما من معظم معاصريهم بالنظرة إلى العالم والقواعد المحددة للبراديغم القديم[24]، وإذا كانت الثورة العلمية مشروعا؛ فلماذا يتقدم ويتكرر في الحقول الطبيعية، أو العلوم الصحيحة، ولكن لا يحدث الأمر ذاته في الفن، والنظرية السياسية، والفلسفة؟ بمعنى: لماذا يعد التقدم امتيازا محفوظا فقط للنشاطات التي ندعوها علما؟ يحاول كون الإجابة عن التساؤل في الفصل الثالث عشر، وهو الأخير قبل الحاشية، والذي عنونه بـ(التقدم عبر الثورات)

(5)

إذا كان كون قد قارب بين عالم السياسة والاجتماع، والحقول العلمية في (الثورة)؛ فإننا نجد السؤال الآتي مشروعا، وهو: كيف تحدث الثورة العلمية؟ في الفصل السادس من كتابه؛ نجد أن العلم العادي لا يهدف إلى الكشف عن جديد، ولكن البحث في ظل براديغم قائم؛ لابد أن يكون طريقة فعالة لإحداث تغيير في البراديغم؛ ولكن كيف تحدث تغييرات من هذا النوع؟ إن الاكتشاف يبدأ بوعي وجود حالة عدم توقع؛ أي بإدراك للطبيعة بأنها خرجت عن التوقعات التي كان قد بعثها البراديغم، والتي تحكم العلم العادي، وبعدها، يستمر باستكشاف ممتد لمنطقة التوقع، ولا يختتم الاكتشاف إلا عندما تكيّف نظرية البراديغم؛ ليصبح ما كان شاذا من نوع المتوقع. ويتطلب تمثل نوع جديد من الوقائع أكثر من مجرد تكييف إضافي للنظرية، والواقعة الجديدة لا تكون واقعة علمية إطلاقا إلا بعد تمام ذلك التكييف؛ أي إلى أن ينظر العالِم إلى الطبيعة نظرة مختلفة[25].

          إذن، وكما أشرنا سابقا؛ فإن ظاهرة عدم التوقع Anomaly، وهي الظاهرة التي لا تتسق مع قواعد ومقتضيات علم عادي (شذوذ)؛ فتبدو خارج دائرة توقعات نظرية ذلك العلم؛ حتى تتحول إلى أزمة؛ هي الطريق إلى حدوث الثورة العلمية؛ إن (حالة وعي) حالات (عدم التوقع) يؤدي دورا في ظهور أنواع جديدة من الظواهر، وهو شرط ضروري لكل التغييرات النظرية التي يمكن قبولها.

 إن الأزمات هي الشرط المسبق والضروري لظهور نظريات جديدة، ولكن كيف يمكن أن يواجه العلماء الأزمة؟ علينا أن نلاحظ (ما لا يفعله العلماء) عندما يواجهون بظواهر عدم توقع قاسية وطويلة، وفي هذه الحالة ربما قد يبدأ العالم بفقد الإيمان، والبدء في اعتبار البدائل، ولكنهم (ربما) لا يتخلون عن البراديغم الذي قادهم إلى الأزمة؛ فهم لا يتعاملون مع حالات عدم التوقع كما لو أنها أمثلة مناقضة، مع أنها كذلك في مصطلحات فلسفة العلم؛ إذن متى يمكن التخلي عن البراديغم السابق؟ إن النظرية العلمية حينما تحقق مرتبة البراديغم؛ فإنها لا تُعلَن غير صالحة إلا إذا أمكن الحصول على مرشح بديل ليحل محلها؛ إن قرار (رفض براديغم) يكون دائما متزامنا مع قرار قبول براديغم آخر؛ وإن الحكم المؤدي إلى ذلك القرار يشتمل على مقارنة البراديغمين مع الطبيعة، ومقارنتهما أحدهما بالآخر[26]؛ ذلك لأن خلو الأجواء العلمية من النظريات والنماذج يعني خلو الظواهر من المعنى

[1] سعيد بنكراد، السرد الروائي وتجربة المهنى، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008، ص16

[2] الداروينية: نسق حياوي (بيولوجي)، وفلسفي عند داروين؛ فضلا عن المعنى العام، يمكن أن تدل الكلمة على خاصتين:

  • في مقابل النشوئية تدل الداروينية على المذهب التحولي الذي يقول إن الأنواع تخرج من بعضها، وهي ترى بنحو خاص أن الجنس البشري ينحدر من أنواع حيوانية؛ لكن من دون فرضية حول أصل الحياة أو المعنى العام لتطورها؛
  • في مقابل نظرية لامارك Lamarck، وسبنسر Spencer حول التكيف بالدربة والوراثة

عليه تدل الداروينية على أن تحول الأنواع مردّه إلى النخْب الطبيعي أساسا. انظر: أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية: معجم مصطلحات الفلسفة النقدية والتقنية، تع. خليل أحمد خليل، بيروت: عويدات للنشر، 2008، مجــ1/ ص243-244

[3] انظر مقدمة المترجم الدكتور حيدر حاج إسماعيل لكتاب بنية الثورات العلمية؛ بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007، ص10

[4] Thomas S. Kuhn, The Structure of Scintific Revolutions, 1970, USA: University of Chicago, p.79

[5] انظر: الثبت التعريفي لكتاب بنية الثورات العلمية؛ بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007، ص 340-341

[6] أحمد فؤاد باشا، الثورات العلمية وتطوير الخطاب العلمي، الأهرام، العدد (46355) السنة (138)، نوفمبر 2013.

[7] محمد قاري، سيميائية المعرفة المنطقية: منهج وتطبيقه، القاهرة: مركز الكتاب للنشر، 2002، ص75-76

[8] وظف الدكتور محمد الأوراغي مصطلح (العلوميا) مقابلا للمصطلح Epistemmology؛ حيث يرى أنه مركب مزجي من العلم، والعلو، وهو يفيد عنده اصطلاحيا المفهوم من (العلم الأعلى) في برهان الرئيس ابن سينا. وأعتقد أن المصطلح الأنسب استخداما هو المصطلح الأجنبي الذي يمكن تعريبه بـ : إبيستمولوجيا، وهو الاسم الذي يعطى لنظرية المعرفة، ويهتم بالمفاهيم ذات الارتباط الوثيق بالمعرفة كالتبرير، والعقلانية. وعند لالاند: تدل الكلمة على فلسفة العلوم، ولكن على وجه الدقة ليست حقا دراسة المناهج العلمية، جوهريا المعلومية هي الدرس النقدي لمبادئ مختلف العلوم وفرضياتها ونتائجها، الرامي إلى تحديد أصلها المنطقي، قيمتها ومداها الموضوعي. انظر:

  • دنكان بريتشارد، ما المعرفة، تر. مصطفى ناصر، الكويت: عالم المعرفة، (404، 2013) ص275
  • أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية: معجم مصطلحات الفلسفة النقدية والتقنية، مجـ1/ ص 356-357
  • محمد الأوراغي، منهج المعرفة العلمية في النظريات اللسانية، مجلة التاريخ العربي، العدد 19، سنة2001، الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 39-73، ص39

[9] توماس س. كون، بنية الثورات العلمية، تر. حيد إسماعيل، ص52

[10] توماس س. كون، بنية الثورات العلمية، تر. حيد إسماعيل، ص53- 55

[11] حسن بن أحمد اللواتي، المصمم الأعظم: قراءة نقدية في كتاب التصميم العظيم للبروفسور ستيفن هوكينج، تع. محمد بن رضا اللواتي، بيروت: الدار العربية ناشرون، 2014، ص 37-53

[12] أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية: معجم مصطلحات الفلسفة النقدية والتقنية، مجـ2/ ص877

[13] توماس س. كون، بنية الثورات العلمية، تر. حيد إسماعيل، ص239

[14] لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، تر. عبدالرزاق بنّور، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007، الفقرة رقم (67) وما بعدها

[15] توماس س. كون، بنية الثورات العلمية، تر. حيد إسماعيل، ص114، في التراث العربي؛ نجد (الأشباه) في الاصطلاح الأصولي هو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتمال الحكم على الحكمة المقتضية للحكم من غير تعيين؛ وعند الفقهاء تعد الأشباه والنظائر المسائل التي يشبه بعضها بعضا، مع اختلافها في الحكم لأمور خفية، أدركها الفقهاء بدقة أنظارهم. انظر: محمد الكتاني، موسوعة المصطلح في التراث العربي الديني والعلمي والأدبي، بيروت: دار الكتب العلمية، 2014، جـ1/ ص203

[16] صلاح إسماعيل عبدالحق، التحليل اللغوي عند مدرسة أكسفورد، بيروت: التنوير، 1993، ص36

[17] لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة رقم 124

[18] توماس س. كون، بنية الثورات العلمية، تر. حيد إسماعيل، ص115

[19] المرجع السابق، ص115- 119

[20] يجب التفريق بين مصطلح الشرعية Legitimacy؛ ومصطلح المشروعية Legality حيث الأول يدور حول فكرة الطاعة السياسية، أي الأسس التي على أساسها يتقبل أفراد المجتمع النظام السياسي، ويخضعون له طواعية، بينما يأتي الثاني بمعنى خضوع نشاط السلطات الإدارية، ونشاط المواطنين للقانون الوضعي، فالشرعية مفهوم سياسي، والمشروعية مفهوم قانوني. انظر: سيف الدين عبدالفتاح إسماعيل، مفهوم الشرعية، الشاهد للدراسات السياسية والإستراتيجية. (شبكة المعلومات)

[21] أشرف محمد ياسين، السلطوية الانتخابية وإشكالية الشرعية في النظم السياسية المختلفة، الأهرام: مجلة الديمقراطية، العدد 57، السنة 15، يناير 2015، 10-25، ص18

[22] توماس س. كون، بنية الثورات العلمية، تر. حيد إسماعيل، ص179-180

[23] المرجع السابق، ص205

[24] المرجع السابق، ص249

[25] المرجع السابق، ص124

[26] المرجع السابق، ص 159- 163

8,597 total views, 20 views today