IMG-20140525-WA0008

د. حسن أحمد جواد اللواتي

مقدمة:

سنقوم في هذه المقالة باستعراض بنية برهان النظم المنطقية ونشير بشكل عابر للمعطيات التي تكوِّن مقدمته الصغرى للاستدلال المنطقي كما طرحت بالتقريب القديم، ثم نقوم بطرح الاعتراضات الواردة على تلك المعطيات في المقدمة الصغرى، ثم سنقوم بطرح معطيات جديدة للمقدمة الصغرى لإثبات النظام في الكون من خلال ما طرحه بعض علماء الفيزياء ونستكمل طرح الاستدلال المنطقي الكامل لبرهان النظم، ولكن يبقى بالطبع أن هناك اعتراضات وبدائل طرحها معارضو هذا البرهان ومحاولاتهم لنقض المقدمة الصغرى في الاستدلال المنطقي وسنطرحها ونناقشها في مقالة مستقلة أخرى مخصصة لذلك الغرض، لذلك فإن من الإنصاف أن نقول منذ الآن أن غرض هذه المقالة لن يكتمل بجزأيها الحاليين وأنه ينبغي للقارئ الراغب في استكمال تصوره المعرفي لمسألة برهان النظم أن يتابعنا –إن وفقنا الله لذلك- في مقالة أخرى عن المبدأ الإنساني وتعدُّد الأكوان.

ما هو برهان النظم؟

برهان النظم من أكثر البراهين المستعملة في الأوساط العامة للدلالة على وجود خالق واعٍ ومدركٍ وحكيم وقادر ومبدع للوجود، وينبع من ملاحظة وجود أنظمة دقيقة في الطبيعة بشتى جوانبها بما يضمن لها أداء وظائف معينة تشمل وجود الكائنات الحية ومن ضمنها الإنسان، ويتخذ البناء المنطقي لبرهان النظم الشكل التالي:

المقدمة الصغرى: هناك نظام في عالم الطبيعة

المقدمة الكبرى: كل نظام له منظم

النتيجة: هناك منظم أوجد النظام في عالم الطبيعة

ويمكن استعمال النتيجة كجزء من مقدمات أخرى للوصول إلى أن هذا المنظم واع ومدرك وحكيم ومبدع وقادر.

بالنسبة للمقدمة الصغرى وهي مشاهدات حسية تدلل على وجود النظام في الطبيعة فقد استفاضت الكتب والمقالات في استعراض التعقيد الموجود في عالم الطبيعة وفي الكائنات الحية المختلفة وفي أعضاء الإنسان وما إلى ذلك، ويمكن الرجوع إلى تلك المصادر المختلفة المتوفرة بسهولة، ولكن هناك عدة انتقادات هامة على تلك المقدمات الحسية وسنذكرها هنا باختصار.

الإشكالات الواردة على المقدمات الحسية لبرهان النظم:

تختلف نوعية الشواهد والملاحظات الحسية التي يراد بها إثبات وجود النظام في الطبيعة وفيما يلي عرض لها مع النقود الواردة عليها:

1-النوعية الأولى تستعمل وجود وضع “فريد” في الطبيعة يتناسب مع نشوء الحياة من قبيل الوضع “الفريد” للكرة الأرضية في المجموعة الشمسية كدلالة على وجود النظام، فالمسافة التي تفصل الأرض عن الشمس مناسبة جدًّا لتوفير درجة حرارة مناسبة على سطحها طوال العام لنشوء الحياة عليه في حين أنها مرتفعة جدًّا أو منخفضة جدًّا على كواكب أخرى بالمجموعة الشمسية، كما أن شكل المدار الذي تتخذه الأرض حول الشمس مناسب أيضًا لهذا الغرض، هذا بالإضافة إلى أمور أخرى في الغلاف الجوي لسطح الأرض وفي وجود الماء والأكسجين ومقومات الحياة الأخرى والتي تعمل على توفير البيئة المناسبة لنشوء الحياة وتطورها على سطح الأرض، ويرد على هذا النوع من الأدلة أن هناك –بتقديرات الفلكيين- ما يقارب المائة مليار كوكب في الكون بظروف طبيعية قد تكون مشابهة لظروف الأرض الطبيعية وبالتالي قد تصلح لنشوء الحياة عليها، مما لا يجعل الأرض المكان الأوحد في الكون والمناسب لنشوء الحياة، ولأننا نشأنا على إحدى تلك الكواكب المتناسبة مع نشوء الحياة فقد وجدنا أنفسنا في وضع يوحي لنا بأن بيئتنا فريدة من نوعها، وهذا يخدش من دلالة تلك الظروف الطبيعية على وجود النظام لأنه يمكن القول أن من ضمن كل ذلك العدد الهائل من الكواكب في الكون فإن وجود عدد منها بظروف معينة تتناسب مع الحياة هو من قبيل التوزيع الإحصائي العشوائي لأية عينة كبيرة وليس بالضرورة دلالة على وجود نظام خاص يراد به شيء محدد.

2- النوعية الثانية من الشواهد الدالة على وجود النظام هو وجود تعقيد تركيبي ووظيفي في الكائنات الحية من نباتات وحيوانات وفي الإنسان، وسواء نظرنا إلى الكائن الحي ككل أو نظرنا إلى عضو من أعضائه أو خلية من خلاياه أو حتى في جزء واحد من جزيئاته المعقدة كالبروتينات فإننا نلحظ وجود تعقيد شديد في بنائها ووظيفتها لدرجة أن اختلافًا بسيطًا في ذلك البناء كان سيؤدي في أغلب الحالات إلى موت أو مرض الكائن الحي، وحيث إننا نرى الكائنات الحية تعمل بمنظومة فائقة الدقة سواء على مستوى أجزاء الكائن الحي من أعضاء وخلايا وجزيئات معقدة أو على مستوى التفاعل بين الكائنات المختلفة فإننا لا نستطيع إلا أن نقر بوجود نظام يسلب الألباب من دقة وفاعلية وجمال.

هنا الإشكال لا يرد على وجود النظام فالجميع هنا يقرُّ بوجود نظام رائع كان العلماء ولا زالوا يبحثون في أعماقه وبذلك فإن هناك اتفاقًا على المقدمة الصغرى للبناء المنطقي لبرهان النظم (كما ذكرناها أعلاه)، بل وهناك اتفاق ضمني على المقدمة الكبرى لذلك البناء بوجود منظم أوجد ذلك النظام، ولكن الاختلاف يقع في هوية وطبيعة ذلك المنظم الذي صنع ذلك النظام، ففي الوقت الذي يسعى فيه علماء اللاهوت والكلام في الديانات إلى إثبات أن هذا المنظم هو إله فوق الطبيعة فإن علماء الأحياء التطورية يطرحون بديلاً قويًّا جدًّا لهوية ذلك المنظم من خلال نظرية التطور، وذلك البديل يسمى (بالانتخاب الطبيعي)، والانتخاب الطبيعي هو عملية تلقائية تحدث في حالة وجود منافسة على الموارد الطبيعية في الطبيعة بحيث إن الأفراد الذين يتميزون عن غيرهم بميزات توفر لهم أفضلية (ولو قليلة) في الحصول على الغذاء أو البقاء على قيد الحياة والتكاثر ونقل الجينات من جيل لآخر تكون فرصهم للبقاء على قيد الحياة وإنتاج جيل جديد يحمل جيناتهم أكثر من بقية الأفراد من نفس النوع، وبالطبع فإن الانتخاب الطبيعي يكون منتجًا في حالة وجود الطفرات الجينية، وبذلك فإن نتيجة الطفرات الجينية والانتخاب الطبيعي هو تراكم خطوات صغيرة جدًّا من التطورات التركيبية والوظيفية في الكائنات الحية على مدار ملايين السنين وهو ما يستطيع توفير تفسير كاف منطقيًّا لهوية (المنظم) في البرهان أعلاه.

ويعتبر هذا الإشكال من أقوى الإشكالات على برهان النظم بصورته التقليدية التي تعتمد على وجود تعقيد في الكائنات الحية، ولذلك فلم يكن صعبًا على عالم الأحياء التطورية ريتشارد دوكينز والذي يعتبر من أشد الداعين للإلحاد في العالم حاليًا أن يناقش عدم كفاية وجود التعقيد لإثبات المنظم الواعي العاقل المدرك، ففي كتابه (صانع الساعات الأعمى) يحاول دوكينز أن يرينا كيف أن عمل الطبيعة من خلال الانتخاب الطبيعي هو أشبه بشخص أعمى وقادر في نفس الوقت على صنع ساعة فائقة التعقيد، وبهذا فإن هذا النوع من الشواهد والإثباتات من الطبيعة لا تخدم غرض برهان النظم المراد منه إثبات وجود الخالق الذكي الواعي.

أحيانًا، وبسبب قلة الإحاطة العلمية، يقابل موضوع الانتخاب الطبيعي باعتراض من قبل بعض أنصار برهان النظم التقليديين، ويتمثل هذا الاعتراض بالقانون الثاني من الديناميكا الحرارية الذي ينص على أن الفوضى الموجودة في أي نظام حراري Entropy هي في ازدياد مضطرد وتلقائي وهو ما يتعارض –حسب الاعتراض- مع مسألة الانتظام التلقائي Self-organization في الطبيعة، ولكن هذا الإشكال سطحي للغاية لأن الفوضى أو الإنتروبي تزداد فعلاً في النظام المغلق ككل ولكن ليس هناك ما يمنع من نقصان الفوضى والإنتروبي في أجزاء محلية محددة من ذلك النظام المغلق طالما أن الفوضى في مجمل النظام في ازدياد، وبالتالي فإن ارتفاع مستويات الإنتروبي لا تتعارض إطلاقًا مع نظرية التطور أو الانتظام الذاتي لمفردات محددة من النظام الطبيعي.

وقد كان يمكن اعتبار هذه الاعتراضات بمثابة ضربات قوية لبرهان النظم لأنها فعلا وضعت أحجارا عديدة كعثرات أمام معطيات البرهان الحسية وأبطلت صلاحية المقدمة الصغرى للبرهان ومن ثم فإن النتيجة –كما يقولون- تتبع أخس المقدمتين، ومع زوال المقدمة الصغرى (الحسية) من البرهان فإن النتيجة القائلة بوجود منظم واع ومدرك وقادر للكون تزول أيضًا. ولكن ذلك لم يتم، فمع التعمق في البحث العلمي والسعي الحثيث نحو اكتشاف النظرية الموحدة للكون ومحاولات سبر أغوار الطبيعة لاكتشاف البنى الأساسية والقوى الأساسية التي تؤسس كل الأشياء الأخرى في الطبيعة توصلنا إلى وجود ثوابت أساسية معينة في الطبيعة لا يمكن الاستغناء عنها عند بناء بقية لبنات الكون، وهذه الثوابت الأساسية محددة في أرقام وقيم ضيقة بحيث إن الزيادة والنقصان فيها يؤدي إلى انهيار النظام الكلي وعدم قابليته لإنتاج المجرات والنظم الشمسية وأخيرًا الحياة الذكية على إحدى تلك الكواكب على الأقل، وقد تناول الفيزيائي الفلكي وعالم الكونيات البريطاني مارتن ريس باستعراض وشرح ستة ثوابت مهمة جدًّا في الفيزياء والتي على أساسها تقوم باقي الطبيعة والتي لولا ضبطها بتلك الصورة الدقيقة لما أمكن لبقية الطبيعة أن تتطور بالشكل المثمر الذي نراه اليوم.

  • نسبة القوة الكهرومغناطيسية إلى قوة الجاذبية: ويرمز لها بالرمز (N)، وهو رقم ضخم يمكن كتابته عن طريق إضافة 36 صفرًا على يمين الواحد ويظهر لنا مدى ضعف الجاذبية بالمقارنة مع القوة الكهرومغناطيسية، وهذا التباين بين القوتين مهم جدًّا، ولو افترضنا أن النسبة بينهما كانت أقل بعدة أصفار (10 مرفوعًا إلى الأس 30 بدلاً من الأس 36) لكان للجاذبية سيطرة كبرى على الأجسام وكانت حتى الحشرات مع أجسامها الصغيرة بحاجة إلى أطراف سميكة لتدعم وزنها وكانت الجاذبية ستسحق الكائنات التي بحجمنا أو أكبر منا، ومع جاذبية قوية نسبيًّا فإن أحجام النجوم والمجرات كان سيكون أصغر بمليار مرة وكانت المسافة بين النجوم متقاربة جدًّا بالمقارنة مع المسافات الحالية وهو ما كان سيؤدي إلى تصادمات متكررة بينها، وبالطبع كان وجود أنظمة شمسية مستقرة في هذه الظروف غير ممكن لتأثرها بجاذبية النجوم القريبة منها، كما أن النجوم كانت ستفقد حرارتها بشكل أسرع بكثير مؤدية إلى قصر عمرها بمليون مرة وبدلاً من أن تعيش النجوم لعشرة بلايين سنة فإنها كانت ستعيش لعشرة آلاف سنة فقط وهي فترة لا تكفي لأي لتطور الحياة.
  • مقدار القوة التي تربط بين البروتونات والنيوترونات في نواة الذرة، أو مقدار الكتلة التي تتحول لطاقة عند اندماج أربعة بروتونات (من ذرتين هيدروجين) ويرمز لهذا الرقم بالرمز (ɛ) وينطق (إيبسيلون) ويساوي 0.007، وبعبارة أخرى فإن 0.7% فقط من كتلة المادة تتحول إلى طاقة في الاندماج النووي الذي هو مصدر طاقة النجوم والشمس، وهذا الرقم يحدد عمر النجوم، ما الذي كان سيحدث لو كانت قيمة هذا الرقم 0.006 أو 0.008 مثلاً بدلاً من 0.007؟ قبل أن نجيب على ذلك ينبغي أن نعلم أن الجدول الدوري للعناصر الطبيعية يحوي 92 عنصرًا وأول عنصر تشكَّل في الكون كان الهيدروجين لأنه أبسط العناصر وأولاها في الجدول الدوري ومكون من بروتون واحد فقط في نواته وعندما تعرض الهيدروجين لضغط وحرارة عاليين في بواطن النجوم فإن كل ذرتين من الهيدروجين اندمجتا لتكوين ذرة هيليوم واحدة وهذا الاندماج صاحبه انطلاق طاقة عالية جدًّا بتحول 0.7% من كتلة نواتي الهيدروجين إلى نواة هيليوم، ومع استمرار اندماج نويات أخرى من الهيدروجين مع نويات أخرى من الهيليوم تشكلت عناصر قليلة جديدة في باطن النجم، أما بقية العناصر فكانت تتشكل عند حدوث انفجار هائل جدا للنجم نفسه في نهاية عمره يسمى بسوبرنوفا. ولو كان مقدار القوة الجاذبة بين البروتونات والنيوترونات أقل من 0.007 لما أمكن تشكُّل الهيليوم أساسًا ولكان الكون مكونًا من عنصر الهيدروجين فقط (ولكانت دراسة الكيمياء أسهل بكثير ولكن مملة بكثير أيضًا)، كما أن النجوم كانت عندها ستتكون من الهيدروجين فقط ولكنها كانت لتكون باردة مظلمة وقزمة، ومع عدم وجود عناصر أخرى بالطبيعة لم تكن لتكون هناك حياة.

أما لو كانت قيمة الرقم (ɛ) 0.008 أو أكثر لكانت جميع البروتونات (أنوية الهيدروجين) قد التصقت ببعضها مكونة بقية العناصر ولم تبق أي باقية للهيدروجين في الكون، وبالتالي لم يكن ليبقى أي وقود للنجوم والشمس ولم يكن يبقى أي هيدروجين ليكون لنا الماء مما ينفي أيضا إمكانية نشوء الحياة كما نعرفها اليوم.

  • نسبة الكثافة الحالية للمادة في الكون إلى الكثافة الحرجة، ويرمز لها بالرمز (Ω) وينطق (أوميغا). وهذا الأمر يحتاج إلى مقدمة صغيرة، تخضع الأجرام السماوية لنوعين من القوى المتضادة، فمن ناحية تؤثر فيها قوة الطاقة الحركية التي اكتسبتها من الانفجار العظيم ومن ناحية أخرى فهي تحت تأثير الجاذبية التي تحاول إبطاء سرعتها وإيقاف حركتها ومن ثم تقريبها من بعضها نحو انسحاق عظيم، والأمر الذي سيحدد ما إن كانت إحدى هاتين القوتين تنتصر على الأخرى وتفرض على الأجسام السماوية نفوذها هو مقدار كثافة المادة في الكون لأن قوة الجاذبية هي نتاج لكثافة المادة (والطاقة)، وقد أمكن العلماء أن يحسبوا الكثافة الحرجة التي تبدأ عندها قوة الجاذبية بالانتصار ومقدار الكثافة الحرجة هو عبارة عن خمس ذرات في كل متر مكعب (صحيح ما يطرأ على بالك من أن هذه الكثافة هي أقرب إلى الفراغ الكامل وهو أكثر فراغًا مما استطعنا صنعه بأجهزتنا إلى الآن)، من ناحية أخرى فقد تمكن العلماء من حساب الكثافة الحالية للمادة في الكون وهي عبارة عن ذرة واحدة لكل عشرة أمتار مكعبة (أو لنقل 0.2 ذرة لكل متر مكعب) وهو أقل من الكثافة الحرجة بخمس وعشرين مرة الأمر الذي قد يوحي لك أن الغلبة هي بلا شك للقوى الطاردة بدلا من القوى الجاذبة، ولكن قبل إصدار الحكم النهائي فإنه يجدر بنا أن نعلم أن العلماء تمكنوا أيضًا من وضع يدهم على أدلة على وجود مادة داكنة بالكون وهي مادة لا تتفاعل مع الفوتونات وبالتالي لا يمكن رؤيتها أو حتى الإحساس بها ولكنها مع ذلك لها تأثيرات جاذبية مهمة جدًّا، بل إن معظم التأثيرات الجاذبية هي نتاج المادة الداكنة في المجموعات المجرية.

النسبة أوميغا (Ω) كما أسلفنا هي نسبة الكثافة الحالية للكثافة الحرجة وبالتالي فإن كانت تلك النسبة هي 1 فإن الكثافتين متساويتان وإن كانت أقل فذلك يعني أن الكثافة الحالية هي أقل من الكثافة الحرجة، ولكن ينبغي أيضا أن ننتبه إلى أن الكثافة هي قياس الكتلة في الحجم وبالتالي فإنها متغيرة بتغير الحجم، وبما أن حجم الكون يتغير باستمرار فإن الكثافة أيضا تتغير باستمرار ولذلك يهمنا جدا في هذا السياق أن نعلم عن مقدار (Ω) في بدايات نشوء الكون لأنها آنذاك كانت تحدد لنا إن كان الكون سيتطور إلى: (أ) كون تتشتت فيه المادة ولا تنجح في صنع المجرات والأنظمة الشمسية أو (ب) إن كان الكون سرعان ما سينكمش على نفسه في كتلة منسحقة لا تؤدي إلى أي بنية مفيدة لنا أو (ج) إن كان هناك توازن بين القوى الطاردة والجاذبة بما يكفي لصنع نجوم ومجرات وأنظمة شمسية تصلح فيما بعد لنشوء الحياة عليها.

والقيمة المقدرة ل (Ω) في الوقت الحالي هي 0.3 أي أن الكثافة الحالية هي 30% فقط من الكثافة الحرجة، وبإجراء حسابات لتقدير قيمتها قبل 14 مليار سنة قدر أنها كانت قريبة جدا من 1 في بدايات نشوء الكون، وهذا أمر مذهل حقًّا فهو يعني أن كثافة الكون في بداياته كانت قريبة من الكثافة الحرجة ولكن لم تكن بالمقدار الذي كان سيضع نهاية مبكرة للكون بانسحاق عظيم، ولم تكن كذلك بالمقدار الذي كان سيرمي بالمادة في شتى أنحاء الكون مانعًا إياها من تكوين النجوم والمجرات ولكنه كان في نطاق معتدل يسمح بتمدد يتيح المجال لنشوء النجوء والمجرات والأنظمة الشمسية وبالتالي نشوء الحياة على إحدى الكواكب على الأقل.

  • الرقم (ג) وينطق (لمبدا)، وهو نسبة كثافة الطاقة الداكنة (التي تسبب القوة الطاردة للمجرات وتوسع الكون) والناتج من الثابت الكوني إلى كثافة الطاقة الحرجة للكون، وهذه النسبة شبيهة بالنسبة الماضية (Ω) في نواتجها من حيث توسع الكون في مقابل انكماشه، ولكن في النسبة (Ω) كان النظر إلى كثافة المادة (العادية والداكنة) التي تتسبب بالجاذبية والانكماش، في حين أن النظر في (ג) هو لكثافة الطاقة الداكنة، والرقم الذي افترض للثابت الكوني صغير جدا فهو في حدود كسر عشري ذي 120 صفرا على الأقل، أما النسبة بين الثابت الكوني والكثافة الحرجة للطاقة فقد قدرت ب 0.7، وتكمن أهمية هذا الضبط إلى ما ذكرناه في الرقم السابق من أنه لو كان الثابت الكوني أكبر مما هو عليه (مع ملاحظة كونه صغيرا للغاية) لكانت قوة الطرد والتنافر بين أجزاء المادة كبيرة بما يكفي لمنع تكون المجرات في الأزمنة المبكرة لنشوء الكون، وهذا التأثير المهم لهذا الرقم الضئيل للغاية محير فعلا.
  • الرقم (Q) نسبة طاقة الجاذبية التي تربط الذرات لبعضها في الأجرام السماوية (أو الطاقة التي يتطلب استخدامها لتشتيت تلك الذرات) إلى طاقة الكتلة الساكنة لتلك الأجرام (حسب معادلة آينشتاين ط=ك.س2 حيث ك هي الكتلة، س هي سرعة الضوء)، وبالنسبة لأكبر التجمعات الموجودة في الكون وهي مجموعات المجرات الكبرى فإن تلك النسبة هي واحد إلى 100000 (مئة ألف) وهذا يعكس ضعف قوة الجاذبية بشكل عام، تكمن أهمية هذا الرقم في أنه يحدد بشكل عام تركيبة الكون والدرجة التي يكون فيها أملسا أو خشنا، وطبعا لا نقصد هنا الملمس الحسي عبر المستقبلات العصبية بالجلد وإنما درجة توزع كثافة مكوناته فيه، وهذه الخاصية قد تحددت منذ أن كان الكون في مراحلة الأولى وبحجم مايكروسكوبي صغير جدا، وهذا الأمر مهم جدا لأن وجود هذه “النتوءات والبقع الخشنة” إن صح التعبير في نسيج الكون كان بمثابة البذور الأولية التي ساعدت على تشكل الأجرام السماوية والمجرات فيما بعد بعملية متوازنة بين الجاذبية والطاقة الداكنة التي تقذف بالمجرات بعيدا عن بعضها، وتستطيع أن تتخيل الأمر بالتفكير بالنتوءات التي يتمسك بها الرياضي المتسلق للجبال والقمم العالية حيث توفر تلك النتوءات شيئا يتمسك به المتسلق “لجذب” جسمه نحو الأعلى، وبالمثل فإن تلك البذور الأولية الناتجة من قيمة العدد (Q) توفر للجاذبية مستمسكا تعمل من خلاله، ولو قدر أن كان الكون مكونا في معظمه من الإشعاع بدلا من الذرات لما أمكن للجاذبية أن تتغلب على الضغط والقوة الطاردة، ولو كانت قيمة الرقم (Q) أقل من 10^-5 لكانت المجرات الناتجة أصغر خفيفة المحتوى وبالتالي يكون تشكل النجوم فيها غير فعال وبطيئا كما أن المادة الناتجة من تكرير النجوم كانت ستندفع خارج المجرة بدلا من إعادة استخدامها في تكوين نجوم جديدة، ولو كانت قيمة الرقم أقل من 10^-6 لما أمكن للغاز أن يتكثف لتكوين النجوم أساسا ولكان الكون مكانا مظلما وبلا ملامح، في حين أنه لو كانت قيمة الرقم (Q) أكبر من 10^-5 لتكثفت مناطق كبيرة جدا من الغازات في وقت مبكر جدا مشكلة ثقوبا سوداء ضخمة كل منها أثقل من مجموعات مجرية بأكملها بدلا من تشكيل النجوم، وحتى لو تشكلت المجرات في تلك الظروف لكانت تلك المجرات كثيفة ونجومها متقاربة جدا لدرجة تمنعها من الاحتفاظ بمجموعات كوكبية مستقرة.
  • الرقم (Ɗ) وهو عدد الأبعاد المكانية للكون، ولا بد أنك تعلم أن الزمن يعد بعدا رابعا في نسيج الزمكان حسب نظرية النسبية، ولكن ما نتحدث عنه هنا هو الأبعاد المكانية فقط، كما أنك قد تكون سمعت أن نظرية الأوتار تفترض وجود عشرة أبعاد مكانية (أو ستة وعشرين بعدا مكانيا بحسب النظريات المختلفة للأوتار) بالكون ولكن تلك الأبعاد الإضافية هي أبعاد ملتوية جدا وبالغة بالصغر وما يناقشه الرقم (Ɗ) هو الأبعاد المكانية المسطحة والممتدة وليس الأبعاد الملتوية الصغيرة (إن صح أنها موجودة فعلا)، وتتلخص مناقشة مارتن ريس في أن كونا مكونا من أبعاد مكانية أقل من ثلاثة لا يصلح لكائنات ذات تعقيد كتعقيدنا لأن أية شبكة معقدة من الاتصالات العصبية تتطلب ثلاثة أبعاد تجنبا للتشابك وفي كائن من بعدين (إن افترضنا جدلا إمكانية وجود شيء كهذا) فإن عدد خطوط التواصل محدود جدا ولا يصلح لحياة معقدة، وفي الطرف الآخر فإنه في كون من ثلاثة أبعاد مكانية فإن شدة القوى الكهرومغناطيسية والجاذبية تتناسب عكسيا مع مربع المسافة بين الجسمين في حين أنه في فضاء من أربعة أبعاد مكانية فإن تلك القوى تتناسب مع مكعب المسافة بين الأجسام مما يجعلها تفقد شدتها بشكل أسرع بكثير وتحتم تقاربا مكانيا بين تلك الأجسام وهو كما ذكرنا له تأثيرات أخرى سلبية على استقرار النظم الكوكبية، أما ستيفن هوكنج فله شرح جميل عن هذا الأمر في كتابه (تاريخ موجز للزمن، الموضح بالرسوم) حيث يقول (بتصرف بسيط) «إن فضاء من بعدين لا يبدو كافيا ليسمح بتطور كائنات معقدة مثلنا، فمثلا الكائنات الحية المكونة من بعدين والتي تعيش في أرض من بعد واحد ستضطر إلى أن تتسلق فوق بعضها لتتجاوز بعضها، كما أن كائنا من بعدين إن تناول طعاما فإن القناة الهضمية التي يحتاجها لكي يتخلص من الفضلات ستقسمه إلى قسمين منفصلين!» هذا من ناحية وجود كون ذي أبعاد أقل من ثلاثة، أما في حالة وجود أبعاد مسطحة أكثر من ثلاثة فإنه يقول “سيكون هناك مشاكل في الفضاء المكون من أبعاد أكثر من ثلاثة، فقوة الجاذبية بين أي جسمين تتناقص بشكل أسرع مع المسافة بالمقارنة مع ما لو كان هناك ثلاثة أبعاد فقط…”، “…وتكمن أهمية ذلك في أن مدارات الكواكب كالأرض حول الشمس ستكون غير مستقرة [في حالة كون الأبعاد أكثر من ثلاثة]، وأن أقل اضطراب من المدار الدائري (كالذي سيحدث نتيجة من قوة جذب الكواكب الثانية) سينتج بأن تقذف الأرض بعيدا أو أن تسقط في الشمس، وسنتجمد أو نحترق نتيجة لذلك، وفي الواقع فإن نفس السلوك للجاذبية مع المسافات في الأبعاد أكثر من ثلاثة يعني أن الشمس لن تكون قادرة على الوجود بحالة مستقرة بالتوازن بين الضغط والجاذبية، وسيكون مصيرها إما التشتت أو الانهيار في ثقب أسود وفي كلتي الحالتين لن تكون مفيدة لنا كمصدر للحرارة والضوء الضروريين للحياة على الأرض، أما على المستوى الصغير فإن القوى الكهربائية التي تسبب وجود الإلكترونات في مدارات حول النواة في الذرة ستسلك نفس سلوك قوة الجاذبية وبالتالي فإن الإلكترونات إما أنها ستقع بعيدا عن الذرة أو أنها ستقع في النواة وفي كلتي الحالتين فإن الذرة لن تكون كما نعرفها. ويبدو بوضوح أن الحياة على الأقل كما نعلمها يمكنها التواجد فقط في مناطق من الزمكان التي فيها بعد زماني واحد وثلاثة أبعاد مكانية غير ملتوية وغير صغيرة.”

وفي مكان آخر من نفس الكتاب فإن هوكنج قد أضاف عاملاً آخر من تلك العوامل الأساسية التي لو اختلفت لتعذر نشوء الحياة في الكون حيث يقول: “تحوي قوانين العلم كما نعلمها حاليا العديد من الأرقام الأساسية مثل مقدار الشحنة الكهربائية للإلكترون والنسبة بين كتلة البروتون والإلكترون، إننا لا نستطيع حاليا على الأقل أن نتنبأ قيم تلك الأرقام بشكل نظري، وعلينا أن نحصل عليها من خلال الملاحظة، وقد نكتشف يوما ما نظرية موحدة كاملة تستطيع التنبؤ بتلك الأرقام كلها ولكن من الممكن أيضا أن بعضها أو كلها تختلف من كون لآخر أو مكان لآخر في الكون الواحد، والحقيقة الملفتة للنظر أن قيم تلك الأرقام تبدو وكأنها قد تم ضبطها بشكل دقيق جدا لجعل الحياة ممكنة، وعلى سبيل المثال لو اختلفت شحنة الإلكترون بمقدار يسير فقط فإن النجوم إما أنها ستكون غير قادرة على حرق الهيدروجين والهيليوم أو أنها كانت ستعجز عن الانفجار” ثم يضيف بعد عدة سطور “يبدو بوضوح أن هناك نطاقا ضيقا لقيم تلك الأرقام التي تسمح بتطور الحياة الذكية”.

 

هذا الشرح المختصر للعوامل الأساسية في بنية الكون والتي هي عبارة عن قيم رقمية محددة بشكل دقيق جدا والتي باختلافها زيادة ونقصانا تنعدم فرص الحياة المعقدة التي نعلمها اليوم في التطور والتواجد يرينا أن المقدمة الصغرى لبرهان النظم قد اكتسبت ثوبا جديدا من خلال تأسيس وجود نظام أساسي لبنية الكون الفيزيائي ونستطيع القول هنا باطمئنان أن الكون الفيزيائي منظم بشكل دقيق جدا بدءا بأكثر العوامل الفيزيائية الأساسية فيه ولبناته الأولى التي تكون بقية الموجودات المادية فيه وانتهاء بالبناء الفوقي الذي نراه من خلال الأجرام والمخلوقات الأخرى، ومن ناحية أخرى فإن المقدمة الكبرى في القياس المنطقي الذي بدأنا به هذه المقالة تظل نفسها وعليه نرجع لنقول أن:

المقدمة الصغرى: هناك نظام في عالم الطبيعة

المقدمة الكبرى: كل نظام له منظم

النتيجة: هناك منظم أوجد النظام في عالم الطبيعة

بالطبع لم نستطع إكمال كل ما يمكن أن يقال عن هذا الموضوع في هذه المقالة لأن هناك بدائل طرحها معارضو برهان النظم للاستعاضة عن المقدمة الكبرى ونقضها ولكننا سنناقش تلك البدائل التي طرحت ونرى إن كانت تستقيم تحت مشرط البحث العقلي طويلاً، لذا نقول: تابعونا في المقالات القادمة.

6,179 total views, 2 views today