يحيى بن حميد المعشري

يداور بعض المُفكِّرين -العرب منهم والغربيين- فكرة أنَّ الفلسفة في الحضارة الإسلامية لا تَنْسَجم مع الرُّوح الإسلامية، ونستطيع أنْ نَسْتَشهد بواحدٍ من أشهر باحثي ومؤرِّخي الفلسفة الإسلامية العرب، عَنينا عبدالرحمن بدوي في كتابه “التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية”؛ حيث يقول: “الفلسفة مُنافية لطبيعة الرُّوح الإسلامية؛ لذا لم يقدَّر لهذه الروح أنْ تُنتج فلسفةً، بل لم تستطع أنْ تفهم روح الفلسفة اليونانية، وأن تنفذ إلى لُبابها”.
ونستطيع أنْ نَجِد بسهولة أكثر عند المؤرِّخين الغربيين مثل هذه الدعوة، عند “أرنست رينان”، و”جولدتسيهر”، وباتتْ هذه الدعوة مثل أمر بديهي يتم تداوله بين بعض المثقفين والباحثين! حتى غدا البعضُ يستغرب من مُحاولة التشكيك في هذه المسلَّمة.
ومادُمنا ذكرنا جولدتسيهر في حديثنا، فلنقم برحلة الكشف عن الحقيقة من خلال كتابه “التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية”، وكما ذكر في إنجيل لوقا: “من فمك أدينك”؛ فنحن سنرد على جولدتسيهر ورينان ومن شَايَعهما من خلال كتبهم، وليس من مصادر أخرى.
يُخصِّص جولدتسيهر خمسين صفحة كي يسرد تاريخا يُبيِّن فيه موقفَ أهل السُّنة من علوم اليونانيين؛ تحدَّث عن السهروردي وردوده على الفلاسفة، وعن ابن تيمية وعدائه للمنطق والفلسفة، وفتوى ابن الصلاح ضد الفلسفة والمنطق… والقائمة تطول، ولكن المنطوق به هنا يخفي مسكوتًا عنه!
المنطوقُ به هو سَرْدُه للتاريخ من سِجلَّات القرن السادس والسابع والثامن الهجري، والمسكوت عنه أو المغيَّب هو القرن الثاني والثالث إلى القرن الخامس الهجري، أنَّ الفلسفة منذ بداية حركة الترجمة في القرن الثاني في العصر العباسي لَقِيَت عناية، وحثَّ عليها الخلفاء العباسيون وشملوها برعايتهم.
وبالفعل، في حالة الرجوع إلى مؤلَّف مثل “تهافت الفلاسفة” للغزالي، نكتشف أنَّ هذا الكتاب تاريخه نهاية القرن الخامس الهجري، في حين لو رجعنا إلى كتاب المسعودي “التنبيه والإشراف” والمؤلَّف بتاريخ 346 هجري، لوجدنا مَدْح فلاسفة اليونان، أو إلى كتاب “طبقات الامم” لصاعد بن أحمد الأندلسي والمؤلَّف عام 460 هجري، لوجدنا مدحه للفلسفة ولأمة اليونان.
والمغالطة الكرونولوجية هنا مغالطة مقصودة ما دام الغرض هو بيان أنَّ المسيحية كانتْ أكثرَ انفتاحاً حيال الفلسفة، بينما الحقيقة هي العكس تماما! فالمسيحية في بدايتها كانت أشد عداء للفلسفة، في حين أنَّ الإسلام احتضنها، وعندما انغلقَ العقلُ الإسلاميُّ على نفسه -الانغلاق اللاهوتي- عادها.
بالمختصر.. إنَّ بداية تعامل المسيحية مع الفلسفة هي نهاية تعامل الإسلام معها، ونهاية تعامُل الإسلام مع الفلسفة هي بداية احتضان المسيحية لها، وما نَعِيبه على المُفكِّرين العرب هو تقبل مُصَادرة الفكرة قبل التحقُّق من تاريخ الفلسفة، بالتبعية للمُفكِّرين المسيحيين والذين ينطلقون أساسا من المركزية الإثنية الأوروبية وأسطورة تفوُّق الجنس الآري ودونية الجنس السامي.

612 total views, 5 views today