أميرة المخينيَّة

كثيرٌ من الناس يعتقدون أنَّ الحبَّ هُو مُجرَّد شُعور جيِّد للشعر، أو للروايات، أو مجرد مَشَاهد في مُسلسلات وأفلام.. كَمْ هُو سَهْل أن ننسى أن الحب هو القانون الذي لا مفرَّ منه في عالم العلاقات الإنسانية، وهو الجاذبية في عالم الأشياء المادية.

أستطيعُ القول بأنَّ الحبَّ هو في الواقع إكسير الشباب، وأفضل مُضاد للاكتئاب، ولكن لدينا العديد من الأفكار الخاطئة حول هذا الموضوع. الحب هو كلمة تُستخدم في العديد من السياقات، ويُمكن أن يَعْنِي أي شيء من الرَّغبة، أو التعلق، والحب الرومانسي، أو أعلى من ذلك وأعني الحب الروحي.
لذلك؛ فالحب النقي مِثل الذَّهب الخام الذي يُستخرج من الأرض، ويتم مزجه مع المعادن الأخرى؛ لذلك نحن بحاجة لتسخين الذهب المستخرج وتذويبه، حتى نتمكَّن من فصله عن المواد الأخرى غير المرغوب فيها؛ وكذلك هو قلبك.

علاقاتك بالمقربين لك هي الشعلة التي تُساعدك على تنقية الحب داخلك. في كل مرة تشعر بالأذى، أو الغضب، أو الخوف، أو الاستياء والمرارة والكراهية، أو الغيرة، أو خيبة الأمل، أو أي شعور سلبي آخر؛ فذلك لأنَّ حُبك يخلط مع توقع والتبعية والحاجة، والتعلُّق أو الخوف. ونحن نعتقدُ أنَّ هناك حاجةً لدينا هي التي في خطر من عدم الرضا. وعندما يحدث ذلك، يتحوَّل الحب لدينا لإيذاء وخيبة أمل، وخوف، وشعور بالوحدة، وشعور بالنقص أو المرارة، وأحيانا غضب وكراهية ورغبة في الانتقام.
نقاءُ الحب مقياسٌ في أن يجلب لنا السعادة أو الشقاء.. فعندما نعاني ونشتكي ونتذمَّر لأن لدينا ما يُسمَّى بـ”الحب”، فهذا يعني أنه ليس “محض خالص” حتى الآن، فقط مشاعر مُختلطة مع الجهل والحاجة، والتعلق، والخوف، والشك، والتوقع، والتبعية، أو الحالات الذهنية الأخرى. هذه هي دائما الأسباب الحقيقية لمعاناتنا عندما يكون حُبنا ليس نقيًّا.

الخطوة الأولى: افتح قلبك للحب الحقيقي والقبول، وحب نفسك تمامًا كما هي بكل ما أوتيت من نقاط ضعف وعيوب، عندها فقط يُمكنك المضي قُدما نحو التأثير الإيجابي للحب. وإضافة إلى ذلك، فإنَّ المشاعر السلبية التي تتولد لدينا عندما “نحب بشروط” هي حافز مُمتاز بالنسبة لنا لتحليل أنفسنا، واكتشاف دوافع تمسكنا السلبية، والحصول على إجابات تجعلنا نُعِيد النظر ونراجع أنفسنا. بعدها، نستطيع أن نُحب أكثر من ذلك؛ فيصبح لدينا الحب أنقى. عندها يكون حبنا هو “محض خالص”، وهناك الوعي الروحي لأنفسنا، ولا ننسى أيضاً رُبَّما قد توجد معاناة تتبع الحب كالسكون الذي يلي العاصفة.. وهذا هو الغرض من الحياة “تنقية وإتقان”.

فالزهرة التي تَزدهرُ وتَينع في السُّكون الذي يلي العاصفة، إنما هي الإشراق الذي يأتي من هذا القسم العلوي من طبيعتنا.. قوَّة الرياح، وسلطة المياه في الحركة، ومن قوَّة محبوسة في الفحم والنفط والطاقة البخارية، والطاقة المغناطيسية، والطاقة الكهربائية، والآن الطاقة الذرية، وكلُّ مُستكشَف منهم كُلِّف، وسخِّرت له الخدمة من حاجاته ورغباته، لديه علمٌ في الواقع حتى استطاع استخدام القوة الغامضة قوة الفكر، كما يتَّضح من فُرص العمل المتزايدة في الحرب والسِّلم.
ولكنْ، هُناك قوة واحدة وبشكل عام لم يتعلموا استخدامها في كل شيء، أو رُفِضت -بطريقة أو بأخرى- لاستخدامها في حل الفردية، فضلا عن المشكلات الجماعية؛ ألا وهي “قوة الحب”.
فهل لا يملكون النية لذلك، أم أنهم لا يعرفون كيفية استخدامها بفاعلية؟! ويعود ذلك لسبب واحد على الأرجح وهو أنَّ مُعظم الناس عادة ما تحدِّد الحبَّ، وتصنِّفه بسطحية، ونتيجة لهذا التصنيف الخاطئ، فإنها تفقد الاتصال مع الأبعاد العليا وإمكانياته العالية؛ وبالتالي تجد نفسها غير قادرة على إطلاق سراح متاجرها المخفية، ولا ينضب من الطاقة.. هؤلاء الناس لا يعرفون مُمارسة الحب دون حُب المصالح والتملُّك المتجرِّد من المشاعر، وهذا الحب لديهم له صلاحيات أكثر وفرة، أكثر عُمقا حسب تفكيرهم، وأكثر أهمية من قوَّة الحب النقي.

لا يعرفون أنَّ الحب لديه القدرة على خَلق السعادة، وهي حقيقة نعرفها وشائعة جدًّا من تجاربك وتجارب مُعظم من حولك. وإذا كانت السعادة بسبب تعلقك بأحدهم فإنها تكون في بعض الأحيان قصيرة الأجل، والسبب هو أنَّ الحب الذي بداخلك لا يزال ناقصًا.
نُدرة السعادة بين كثيرٍ من الناس ترجع لندرة الاعتراف بالحب، والمصارحة فيما بينهم. ومن الشائع أيضاً القول بأنَّ “الرجل التعيس هو دائما يكون رجلا غير مُحِب”.

نعم، هذه الأفكار التي تقرأها ربما تُتْعِبك. ولكنها الحقيقة، ويُمكن أن تكون قد مَرَرت بهذه المحطة فتجاهلتها، أو تناسيتها.

نحنُ نَنْسَى أنَّ الأنانية هي دائماً جُذور كل التعاسة وقاتلة للحب، والحبُّ غير الأناني هو أساس كل السعادة. الرجل الذي يقول: “أنا سعيد”، يُعْلِن في الواقع للعالم ما كان يخجل من الاعتراف به عَلَنا، أي أنَّه غير أناني. لنكُن سُعداء؛ فمن الضروري أنْ تحِب وتحَب حقًّا، ومن الضروري أنْ يكون حُبًّا غير أناني تماماً؛ لأنَّ القلب الأناني قادرٌ على الحب فقط، والقلب المُحِب قادرٌ على الإسعاد والسعادة.
وَحْده الحب النقي لديك، يجعل من قلبك قلبًا فريدًا أكثر من كونه واسعًا لخلق الخير، أو على الأقل ليوقظ ذلك. فالحب هو الخير الأساسي، وإذا كان ذلك صحيحًا أنَّ الحب وحده يُمكن أن يُوقِظ الحبَّ، ثم يتبع ذلك أنَّ الحب وحده يمكن أن يُوقِظ الخير.

ومن الحقائق في علم النفس أنَّ الطفلَ إذا نشأ في جَوٍّ من الكراهية، يُصبح في العادة عندما يكبر رجلًا قاسيا، ورأي الآخرين عنه في كثير من الأحيان أنه رجل مكروه، بكل تأكيد هكذا سيصبح، وذلك فقط لأنه لمرة واحدة كان طفلا غير محبوب.

صحيح أنَّ الخيرَ لا يُمكن فرضُه من الخارج، وأنَّه يجب أن ينمو في داخلك، ومع ذلك فإنَّ هذا النمو الداخلي لا يُمكن أن يبدأ دُوْن لمسة تحفيز للحب من الناحية النظرية؛ لأنَّ الحبَّ هو القوَّة التي تجعل الطفل ينمو إلى إنسان، وهذه هي قوة الأنسنة في الأسرة البشرية.
تُوْجَد درجة في الحب يصل فيها الإنسان للقدرة على التخاطر، والفهم الكامل لشخص دون الحاجة للتحدث.. فقط الفهم ببساطة؛ من خلال لغة الجسد وتعابير الوجه، أو مجرد توارد خواطر، اتصال عاطفي عميق بين الآخرين المهمين أو أي شخص.. ففي الحب كلُّ شيء ممكن.

لَدَيْك الحبُّ النقي، إذنْ أنت تمتلكُ القوَّة الميدانية التي توفِّر لك الحماية من نفسك، فضلا عن العالم الخارجي حتى حماية قلبك.
أكثر من ألف شخص في الحُب يشعرون بأنَّهم أقوى في حماية الآخر، وأسرع في مُمارسة نشاطاته اليومية، وملاذ آمن في احتوائه للآخر، ويستند حقل قوة الحب من الثقة والتواصل، على الرَّغم من عدم وُجُود حقل قوة بالمعنى الحرفي، نقاوة داخلك تُوْجِده، وبه يُمكنك حماية قلبك، والعواطف، ويمنحك القوة، ويمنحك الأمن.
إذا استطعنا أنْ نعيش ونتنفَّس الحبَّ في كلِّ دقيقة من حياتنا، سوف نستطع أنْ نعيش في هذه الحياة دون كراهية، دون غضب، دون ضغينة، دون حقد، دون انتقام، دون خوف، دون قلق، دون حسد، دون كذب، دون وهم، دون قسوة، دون طمع، دون أنانية، دون أي تفكير سلبي.. نعم، وواثقة جدًّا بأنه سوف تنقرض أغلبية الأمراض، ولن تشيخ القلوب.
عِنْدَما أتكلم عن “الحب”، لا أتكلَّم عن شعور أو عاطفة الحب؛ لأنَّ قوة الحب هي قوة مُجمل الوجود الإبداعية الخاصة بك، وتعبِّر عنها بكلمة “الحب”؛ لأنَّك تُصوِّر الحب ليكون أكبر سِمَة من المشاعر الإنسانية، والنفس البشرية، ورُوح الإنسان.
إذا أحببتَ تشعُر بالأمان، إذا كُنت في بيئة مُحبِّة تشعر أنك برعايتها.. الحبُّ يُعادل أرضية مُمهَّدة؛ حيث يُمكنك الوجود ويكون كل ذلك أنت. حتى عندما يُشار لـ”الحب” ولفهمه فهو مُجمل الوجود الإبداعي الخاص بك.

نحن جميعنا بحاجة للحب، بحاجة أنْ نكون قادريْن على التواصل مع الآخرين بعاطفة عفوية غير مشروطة.. الحب ضروري جدًّا لاستمرار الحياة، وللعقل وللقلب؛ فهو أكسجين الدماغ.. فمن المهم جدًّا وجوده في الحياة.
“الحب مثل شعاع الضوء
الذي يسافر عبر الفضاء إلى ما لا نهاية
يُمكن أن تبدأ الحروب وتنتهي
ويتحوَّل المد والجزر
ويبقى الحبُّ كما هو نقي
دواء لأي شيء
تكمُن قوته بين تنقية وإتقان”.
————————-
* ملاحظة: مُعظم ما ذُكِر في المقال مُقتبس من رواية “دفَّة الحب” لأميرة المخينيَّة.

1,051 total views, 2 views today