أ‭.‬د‭. ‬سمير‭ ‬إبراهيم‭ ‬حسن

ورقة مشاركة في “منتدى اليوم العالمي للفلسفة”، الذي أقامته جامعة السلطان قابوس ومجلة “شرق غرب” الثقافية، بالنادي الثقافي مساء 29 نوفمبر 2017م

هذا‭ ‬المقالُ‭ ‬نَوْع‭ ‬من‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬في‭ ‬يومها‭ ‬العالمي‭ “‬عيدها‭”‬،‭ ‬وفي‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬وبعض‭ ‬جامعاتنا‭ ‬عادةً‭ ‬ما‭ ‬نتلكَّأ‭ ‬في‭ ‬الاحتفال‭ ‬أو‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬التي‭ ‬تظلُّ‭ ‬الأخَّ‭ ‬الفقير‭ ‬في‭ ‬مُؤسساتنا‭ ‬الجامعية‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة؛‭ ‬ونتمنَّى‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬مُؤشراً‭ ‬على‭ ‬الانتقاص‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الفلسفة،‭ ‬ولكنَّ‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭!! ‬وبصفتي‭ ‬مشتغلًا‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لا‭ ‬أزال‭ ‬أشعرُ‭ ‬بروابط‭ ‬القربى‭ ‬وصلة‭ ‬الرحم‭ ‬مع‭ ‬الفلسفة،‭ ‬خاصة‭ ‬باتجاهها‭ ‬العقلاني‭ ‬النقدي‭ ‬أنَّى‭ ‬كان‭ ‬منشؤه‭. ‬والحديث‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬عيدها‭ ‬يعني‭ ‬الدفاع‭ ‬عنها،‭ ‬ومحاولة‭ ‬رد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لها،‭ ‬ولدورها،‭ ‬ومكانتها،‭ ‬وإزالة‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬المحيط‭ ‬بها‭.‬

يُحاول‭ ‬مقالنا‭ ‬إذن،‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬العملية‭ ‬والعلمية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬مترامية‭ ‬الأطراف،‭ ‬والتي‭ ‬أخذتْ‭ ‬تعمي‭ ‬الأبصار‭ ‬والأفئدة‭ ‬في‭ ‬أيامنا،‭ ‬وتحاصر‭ ‬الفكر‭ ‬والاهتمام‭. ‬فقد‭ ‬توحي‭ ‬تطبيقات‭ ‬العلم‭ ‬المعاصرة‭ ‬وتشعباتها،‭ ‬لدى‭ ‬البعض،‭ ‬بأن‭ ‬الفلسفة‭ ‬قد‭ ‬أصبحت‭ ‬حملاً‭ ‬زائداً‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬العلوم،‭ ‬وأن‭ ‬مهمتها‭ ‬ودورها‭ ‬قد‭ ‬انتهيا‭ ‬مع‭ ‬تقسيم‭ ‬العلوم‭ ‬وتعمُّق‭ ‬التخصصات،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أن‭ ‬أهميتها‭ ‬تراجعت‭ ‬أمام‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬المثقلة‭ ‬بملموس‭ ‬العيش،‭ ‬وبأولوية‭ ‬الحاجة‭ ‬للعلوم‭ ‬الأساسية،‭ ‬أو‭ ‬العلوم‭ ‬التطبيقية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬والتنمية‭ ‬المادية،‭ ‬والتشغيل‭ ‬وحاجات‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬الراهن؛‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬صنف‭ ‬العلوم‭ ‬النافعة؛‭ ‬فهل‭ ‬ذلك‭ ‬صحي‭ ‬أو‭ ‬صحيح؟‭ ‬

والمقالُ‭ ‬مقالُ‭ ‬مناسبةٍ،‭ ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬مقالاً‭ ‬في‭ ‬الفلسفة،‭ ‬بل‭ ‬مقال‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة؛‭ ‬إنه‭ ‬مقالٌ‭ ‬احتفاليٌ،‭ ‬ولا‭ ‬يدعي‭ ‬مطلقاً‭ ‬القول‭ ‬الفصل؛‭ ‬فالفلسفة‭ ‬هي‭ ‬تاريخ‭ ‬الفلسفة‭ -‬بمعنى‭ ‬دلالي‭ ‬ومجازي‭- ‬فهي‭ ‬مترامية‭ ‬المدى‭ ‬والأطراف،‭ ‬والاتجاهات‭ ‬والتساؤلات،‭ ‬ومتغيرة‭ ‬الرؤى‭ ‬والاهتمامات‭. ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬أخذ‭ ‬تاريخها‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار،‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬النظرة‭ ‬التعميمية‭ ‬الواحدة‭ ‬عنها؛‭ ‬والانطلاق‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬بخسها‭ ‬قيمتها،‭ ‬بل‭ ‬و‭”‬أبْلَسَتِها‭” ‬لإبعاد‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬دنسها‭ ‬ووساوسها‭.‬

ندَّعي‭ ‬إذن‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬إهمال‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬مُجتمعاتنا‭ ‬وجامعاتنا،‭ ‬والانتقاص‭ ‬من‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬وتقدُّم‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعاصرة،‭ ‬مقابل‭ ‬التركيز‭ ‬الزائد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُسمَّى‭ ‬العلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬بينما‭ ‬تفترض‭ ‬فكرتنا‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬ناقصة‭ ‬ومضللة،‭ ‬وأن‭ ‬الفلسفة‭ ‬جديرة‭ ‬بمكانة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬والاحترام‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬أي‭ ‬مجتمع،‭ ‬وأي‭ ‬حضارة‭.‬

لقد‭ ‬كانتْ‭ ‬الفلسفة‭ ‬أمَّ‭ ‬العلوم،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف،‭ ‬كان‭ ‬الفيلسوف‭ ‬طبيباً،‭ ‬وفلكيًّا،‭ ‬ورياضيًّا،‭ ‬وفيزيائيًّا؛‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬يسميها‭ “‬العلم‭ ‬النظري‭”. ‬ولكن‭ ‬اليوم‭: ‬ما‭ ‬مآل‭ ‬أمومتها؟‭! ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يتبقى‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬موضوع‭ ‬بعد‭ ‬انفصال‭ ‬أبنائها‭ ‬وبناتها‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬عنها،‭ ‬واستقلالهم‭ ‬وبلوغ‭ ‬معظمهم‭ ‬سن‭ ‬الرشد‭ ‬والرجولة،‭ ‬بل‭ ‬والكهولة،‭ ‬وربما‭ ‬حالة‭ ‬العقوق؟‭! ‬ما‭ ‬موضوع‭ ‬ومهمة‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬سريع‭ ‬التكنولوجيا؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬مكانة‭ ‬الفلسفة‭ ‬اليوم؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬ضرورتها؟‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬العالم؟‭ ‬وما‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬الفكرة‭ ‬الخاطئة‭ -‬أو‭ ‬فلنقل‭ ‬الفكرة‭ ‬العامية‭ ‬والساذجة‭- ‬عن‭ ‬الفلسفة،‭ ‬والتي‭ ‬ترى‭ ‬أنْ‭ ‬لا‭ ‬جدوى‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬وفي‭ ‬المستوى‭ ‬المعيشي؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬تصحيح‭ ‬الفكرة،‭ ‬أو‭ ‬الأفكار‭ ‬الخاطئة‭ ‬أو‭ ‬الساذجة،‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة؟‭ ‬وهل‭ ‬لنشر‭ ‬الفكرة‭ ‬الخاطئة‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭ ‬علاقة‭ ‬بالخوف‭ ‬منها؟‭ ‬وهل‭ ‬لذلك‭ ‬علاقة‭ ‬بالخوف‭ ‬من‭ ‬العقل؟‭ ‬ومن‭ ‬الذين‭ ‬تخيفهم‭ ‬الفلسفة؟‭ ‬وهل‭ ‬لخوفهم‭ ‬من‭ ‬الفلسفة‭ ‬علاقة‭ ‬بخوفهم‭ ‬من‭ ‬العقل؟‭.. ‬تساؤلات‭ ‬عديدة‭ ‬برسم‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الحقيقيين،‭ ‬وربما‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الشجعان،‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬لا‭ ‬تستمع‭ ‬إلى‭ ‬الفلسفة‭.‬

أهمية‭ ‬الفلسفة

حين‭ ‬نُشير‭ ‬إلى‭ ‬تاريخية‭ ‬الفلسفة،‭ ‬ونومئ‭ ‬إلى‭ ‬العقلانية‭ ‬في‭ ‬الفلسفة؛‭ ‬فإننا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نرصد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬نوعيْن‭ ‬واسعيْن‭ ‬من‭ ‬العقلانية‭: ‬العقلانية‭ ‬التقليدية،‭ ‬والعقلانية‭ ‬النقدية‭.. ‬فالعقلانية‭ ‬التقليدية،‭ ‬التي‭ ‬هيمنت‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬الفلسفة‭ ‬اليونانية‭ ‬حتى‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بإمكانية‭ ‬بلوغ‭ ‬معرفة‭ “‬مطلقة‭ ‬اليقين‭”‬،‭ ‬وأنَّ‭ ‬واجب‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬بالمعرفة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭. ‬أما‭ ‬عقلانية‭ ‬الفلسفة،‭ ‬والتي‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬وتجلت‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة،‭ ‬فهي‭ ‬العقلانية‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬معارف‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للمراجعة‭ ‬والنقد،‭ ‬أو‭ ‬العرض‭ ‬على‭ ‬الامتحان‭ ‬النقدي؛‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معيار‭ ‬وأساس‭ ‬مناهج‭ ‬العلوم‭ ‬بميادينها‭ ‬المختلفة‭ ‬اليوم‭.‬

إنَّ‭ ‬اهتمام‭ ‬منظمة‭ ‬اليونسكو‭ ‬بتخصيص‭ ‬يوم‭ ‬عالمي‭ ‬للفلسفة،‭ ‬هو‭ ‬تقديرٌ‭ ‬عال‭ ‬لمكانة‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬فكرة‭ ‬لرد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لهذه‭ ‬المكانة‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬الفكرية‭ ‬والعلمية‭ ‬الراهنة،‭ ‬وإقرار‭ ‬بضرورة‭ ‬الفلسفة‭.‬

وللفلسفة‭ -‬منذ‭ ‬نشوئها‭ ‬المؤرَّخ‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬اليونانية،‭ ‬القرنين‭ ‬السابع‭ ‬والسادس‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬ولستُ‭ ‬متأكدًا‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬التحديد‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬المركزية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬يرتبط‭ ‬فقد‭ ‬بظهور‭ ‬المصطلح‭- ‬وظيفتان‭: ‬وظيفة‭ ‬معرفية،‭ ‬ووظيفة‭ ‬أيديولوجية،‭ ‬وهما‭ ‬وظيفتان‭ ‬مُتكاملتان،‭ ‬ولقد‭ ‬طغت‭ ‬الوظيفة‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬العملية‭ ‬على‭ ‬الوظيفة‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي؛‭ ‬ألم‭ ‬ير‭ ‬مُؤسِّس‭ ‬اتجاه‭ ‬فلسفي‭ ‬اجتماعي‭ ‬واسع‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬اكتفت‭ ‬سابقا‭ ‬بتفسير‭ ‬العالم،‭ ‬بينما‭ ‬المهم‭ ‬تغييره؟‭ ‬أوليس‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬مبدأ‭ ‬فكرة‭ ‬العلم‭ ‬النافع؟‭ ‬وهو‭ ‬اليوم‭ ‬مبدأ‭ ‬جميع‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الإنسانية؟‭ ‬وإلا‭: ‬ما‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع،‭ ‬أو‭ ‬علم‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬أو‭ ‬التربية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬التاريخ،‭ ‬وربما‭ ‬الشِّعر‭ ‬والمسرح‭ ‬والرواية‭…‬إلخ،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التغيير‭ ‬أو‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬أو‭ ‬الإيحاء‭ ‬بالتغيير؟

هكذا‭ ‬ظهر‭ ‬من‭ ‬دعوا‭ ‬لـ‭”‬فلسفة‭ ‬ملموسة‭”‬،‭ ‬ومن‭ ‬دعوا‭ ‬لـ‭”‬فلسفة‭ ‬تطبيقية‭”‬،‭ ‬و‭”‬فلسفة‭ ‬عملية‭”‬،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يعتبر‭ ‬بنظر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬التقليديين‭ ‬تناقضًا‭ ‬في‭ ‬الحدود؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الفلسفة‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نظرية‭ ‬وذات‭ ‬فضاء‭ ‬حر،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تكون‭. ‬فحدودها‭ ‬هي‭ ‬حدود‭ ‬تصور‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭.‬

فهل‭ ‬الاهتمام‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬عملي‭ ‬وأيديولوجي‭ ‬يعيق‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬فلسفي‭ ‬نظري‭ ‬معرفي‭ ‬عام؟‭ ‬أي‭: ‬هل‭ ‬يُعيق‭ ‬الهاجس‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬الإبداعَ‭ ‬المعرفي‭ ‬الفلسفي؟‭ ‬وقد‭ ‬يقول‭ ‬قائل‭: ‬أليست‭ ‬الفلسفة‭ ‬تجلٍّ‭ ‬لأيديولوجية‭ ‬ما؟‭ ‬أيديولوجية‭ ‬عصر‭ ‬أو‭ ‬أيديولوجية‭ ‬طبقة‭ ‬أو‭ ‬أيديولوجية‭ ‬مجتمع؟

وإذا‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬هو‭ ‬الاهتمام‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬عام‭ ‬وشامل،‭ ‬فهل‭ ‬من‭ ‬خصوصية‭ ‬مجتمعيه‭ ‬للفلسفة؟‭ ‬خصوصية‭ ‬بمعنى‭ ‬نسبتها‭ ‬إلى‭ ‬مُجتمع‭ ‬مُحدَّد؟

لقد‭ ‬درسنا‭ -‬مثلا‭- ‬الفلسفة‭ ‬اليونانيةـ‭ ‬والعربية،‭ ‬والإسلامية،‭ ‬والألمانية،‭ ‬والفرنسية،‭ ‬والإنجليزية،‭ ‬وأحيانا‭ ‬الفلسفة‭ ‬الغربية،‭ ‬والفلسفة‭ ‬الحديثة،‭ ‬والفلسفة‭ ‬المعاصرة‭.. ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬تبقَّى‭ ‬من‭ ‬هُوية،‭ ‬أو‭ ‬خصوصية‭ ‬مجتمعية،‭ ‬للفلسفة‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬العولمة‭ ‬والتواصل‭ ‬الراهن؟‭!‬

هل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬خصوصية‭ ‬للإنتاج‭ ‬الفلسفي‭ ‬العربي‭ ‬اليوم‭ ‬مثلا؟‭ ‬وقد‭ ‬يتساءل‭ ‬مُتسائل‭ ‬غامزاً‭: ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬إبداع‭ ‬فلسفي‭ ‬عربي‭ ‬مُعَاصر‭ ‬أصيل،‭ ‬وخاص،‭ ‬ونوعي؟‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬نعم،‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬سماته‭ ‬المميزة؟‭ ‬وما‭ ‬الخاص‭ ‬الذي‭ ‬يُقدّمه‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬العالمي؟

تساؤل‭ ‬مشروع؛‭ ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬البشر‭ ‬يتنفسون‭ ‬اليوم‭ ‬هواءً‭ ‬ثقافيا‭ ‬عالميًّا‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة،‭ ‬فما‭ ‬تأثير‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭ ‬الفلسفي‭ ‬الخاص‭ ‬بالمعنى‭ ‬المحلي‭ ‬أو‭ ‬الإقليمي؟‭ ‬بل‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬إمكانية‭ ‬الإبداع‭ ‬الفلسفي‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬العولمة‭ ‬وثورة‭ ‬الاتصال‭ ‬الراهنة؟‭.. ‬أسئلة‭ ‬كثيرة‭ ‬تخطر‭ ‬في‭ ‬الذهن،‭ ‬ولعل‭ ‬جوهر‭ ‬الفلسفة‭ ‬أنها‭ ‬تولِّد‭ ‬الأسئلة‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭: ‬أسئلة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمجتمع،‭ ‬وأخرى‭ ‬تتعلق‭ ‬بالفلسفة‭ ‬ذاتها،‭ ‬كما‭ ‬تولد‭ ‬أسئلة‭ ‬العلوم‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬والمجتمع‭.‬

والفلسفة‭ ‬حاضنة‭ ‬العلوم،‭ ‬وأرقى‭ ‬أنماط‭ ‬التفكر‭ ‬البشري؛‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تتفتح‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬قمم‭ ‬الازدهار‭ ‬الحضاري،‭ ‬ألا‭ ‬يجدر‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭: ‬لماذا‭ ‬تزدهر‭ ‬الفلسفة،‭ ‬ويكثر‭ ‬مريدوها‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬والمتلقين‭ ‬أوان‭ ‬صعود‭ ‬الأمم‭ ‬والحضارات‭ ‬والمدنيات‭ ‬والدول،‭ ‬وتفتحها‭ ‬وازدهارها،‭ ‬وتتراجع‭ ‬عند‭ ‬انحطاطها‭ ‬وأفولها؟‭ ‬وهل‭ ‬لذلك‭ ‬علاقة‭ ‬بنهوض‭ ‬هذه‭ ‬الأمم‭ ‬والحضارات؟

تقديراً‭ ‬عالميًّا‭ ‬لمكانة‭ ‬وأهمية‭ ‬الفلسفة،‭ ‬يصفون‭ ‬بها‭ ‬أعلى‭ ‬الشهادات‭ ‬العلمية،‭ ‬وتخصص‭ ‬اليونسكو‭ ‬يوماً‭ ‬عالميًّا‭ ‬سنويًّا‭ ‬هو‭ ‬الخميس‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬للاحتفاء‭ ‬بالفلسفة‭. ‬أنا‭ ‬كدكتور‭ ‬أكاديمي‭ ‬لستُ‭ ‬مجرَّد‭ ‬مدرس‭ ‬ابتدائي،‭ ‬أو‭ ‬ثانوي،‭ ‬أو‭ ‬اختصاصي‭ ‬يلقن‭ ‬المعرفة‭ ‬وينقلها،‭ ‬فتلك‭ ‬مجرد‭ ‬حرفة،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬وظيفي‭ ‬مهني،‭ ‬أما‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬دكتوراً‭ ‬في‭ ‬تخصصي‭ -‬سواء‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬صنف‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬أو‭ ‬الهندسية،‭ ‬أو‭ ‬الطبية‭- ‬فتلك‭ ‬مسألة‭ ‬أخرى؛‭ ‬إنها‭ ‬مسألة‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬فيلسوفاً؛‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬متسائلاً،‭ ‬وباحثاً،‭ ‬وناقداً،‭ ‬وحرًّا،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬ذلك؛‭ ‬وربما‭ ‬نكون‭ -‬وللأسف‭ ‬المحزن‭- ‬مجرد‭ ‬حرفيين‭ ‬أو‭ ‬موظفين،‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬ناقلين‭ ‬للمعرفة‭ ‬رغم‭ ‬الـ‭”‬PHD‭” ‬التي‭ ‬نتباهى‭ ‬بها،‭ ‬والتي‭ ‬أنهينا‭ ‬بها‭ ‬دراستنا‭!!‬

هنا‭.. ‬تكمُن‭ ‬أهمية‭ ‬الفلسفة؛‭ ‬فهي‭ ‬أرقى‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬المجتمع‭ ‬والأمة‭. ‬وهنا،‭ ‬تكمن‭ ‬دلالة‭ ‬دكتوراه‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العلمي‭ ‬المحدَّد،‭ ‬إنسانيًّا‭ ‬أو‭ ‬تطبيقيًّا،‭ ‬حين‭ ‬تفتح‭ ‬معرفتنا‭ ‬التخصصية‭ ‬على‭ ‬التساؤل،‭ ‬والنقد،‭ ‬والإبداع‭. ‬وهنا‭.. ‬تكمُن‭ ‬أهمية‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بشكل‭ ‬خاص؛‭ ‬فأن‭ ‬أكون‭ ‬دكتوراً‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإنسانية،‭ ‬يعني‭ ‬ألا‭ ‬أكتفي‭ ‬بنقل‭ ‬المعرفة،‭ ‬بل‭ ‬نقدها‭ ‬وإبداعها؛‭ “‬والأستاذ‭ ‬الجامعي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتميز‭ ‬بالعلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ولا‭ ‬يدرس‭ ‬إبداعاته‭ ‬الخاصة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إبداعات‭ ‬العالم،‭ ‬يظل‭ ‬مُدرِّساً‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الإعدادية‭ ‬أو‭ ‬الثانوية،‭ ‬وعارضاً‭ ‬عرضًا‭ ‬سلبيًّا‭ ‬لما‭ ‬قاله‭ ‬فلان‭ ‬وفلان‭ ‬من‭ ‬الأغراب‭”.‬

لقد‭ ‬شكَّلت‭ ‬الفلسفة‭ ‬النقلة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬البشري‭ ‬من‭ ‬الماورائيات‭ ‬والخرافة‭ ‬والأسطورة،‭ ‬إلى‭ ‬العقل‭ ‬والمنطق،‭ ‬وهي‭ ‬مُثابرة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬رُبما‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بمعنى‭ ‬ما‭: ‬إن‭ ‬الفلسفة‭ ‬عقلنت‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الفكر‭ ‬البشري‭ ‬بمجالاته‭ ‬المختلفة‭.‬

وعلى‭ ‬فلسفة‭ ‬المعرفة‭ ‬تأسَّست‭ ‬وتشذَّبت‭ ‬مناهج‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬الآداب‭ ‬والفنون،‭ ‬وفي‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الفلسفية‭ ‬تتأسَّس‭ ‬أيضاً‭ ‬رُؤى‭ ‬العالم‭. ‬بل‭ ‬يُمكن‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬رؤى‭ ‬الفلسفة‭ ‬وتساؤلاتها‭ ‬تشكلت‭ ‬العلوم؛‭ “‬فمع‭ ‬نهايات‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬أخذ‭ ‬الفلاسفة‭ ‬يفصلون‭ ‬تفرعاتٍ‭ ‬للمعرفة‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬المجتمع،‭ ‬والحكومة،‭ ‬والذات‭ ‬الإنسانية‭ ‬علم‭ ‬النفس‭. ‬وبدايات‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الحديثة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬مجهودات‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفلاسفة‭”‬،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لمرحلة‭ ‬التنوير‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬الفلاسفة‭ -‬كما‭ ‬نتيجة‭ ‬لفكرة‭ ‬التقدم‭- ‬نشأت‭ ‬الحاجة‭ ‬لجعل‭ ‬كل‭ ‬مجالات‭ ‬المعرفة‭ ‬البشرية‭ ‬علمية‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬اجتماعية‭-‬إنسانية‭ ‬في‭ ‬مواضيعها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الاستقصاء‭ ‬العلمي‭ ‬الحر،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬التداعيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬لهذا‭ ‬الاستقصاء‭. ‬والفلسفة‭ -‬كما‭ ‬نوهنا‭- ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬قِمم‭ ‬الحضارات؛‭ ‬أعنِي‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬ازدهارها؛‭ ‬وتلك‭ ‬ملاحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬تستحق‭ ‬التبصر‭:‬

أثينا‭ ‬المدنية‭.. ‬قبلة‭ ‬الفلاسفة،‭ ‬ومدارس‭ ‬الفلسفة‭ ‬الإغريقية،‭ ‬وأكاديمية‭ ‬أفلاطون،‭ ‬والجمهورية،‭ ‬والديمقراطية،‭ ‬والمواطنة،‭ ‬والمنطق‭. ‬

روما‭ ‬والأبيقورية‭ ‬والرواقية‭ ‬والشكية،‭ ‬وأفلوطين‭ ‬وأوغسطينوس‭ ‬وسينيكا‭ ‬وشيشرون‭ (‬البرابرة،‭ ‬وسقوط‭ ‬روما،‭ ‬وبداية‭ ‬ظلمات‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬وموت‭ ‬الفلسفة‭).‬

الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الأموية،‭ ‬والعباسية،‭ ‬والأندلس،‭ ‬وازدهار‭ ‬الفكر‭ ‬والفلسفة‭ (‬عصر‭ ‬الانحطاط‭ ‬وتدهور‭ ‬الحضارة،‭ ‬وحرب‭ ‬الطوائف‭ ‬ومحاربة‭ ‬الفلسفة‭ ‬والفلاسفة‭).‬

أوروبا‭ ‬الحديثة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬وازدهار‭ ‬الفلسفة‭ (‬أوروبا‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى‭ ‬المظلمة،‭ ‬ومحاكم‭ ‬التفتيش،‭ ‬وشبهة‭ ‬الفلسفة‭). ‬

أمريكا‭ ‬البدايات،‭ ‬وما‭ ‬قبل‭ ‬الاستقلال،‭ ‬والعبودية،‭ ‬والعنصرية‭ (‬أمريكا‭ ‬المعاصرة‭ ‬المزدهرة،‭ ‬والمدارس‭ ‬الفلسفية‭ ‬الجديدة‭).‬

إنَّ‭ ‬إبداع‭ ‬العلم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬سبقه‭ ‬وصاحبه‭ ‬وواكبه‭ ‬اهتمامٌ‭ ‬أكيد‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬هكذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬تقدما‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬كالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مثلاً،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لها‭ ‬رصيد‭ ‬من‭ ‬الإرث‭ ‬الفلسفي‭ ‬مقارنة‭ ‬بأوروبا،‭ ‬تنشئ‭ ‬في‭ ‬جامعاتها‭ ‬أقساما‭ ‬للفلسفة،‭ ‬وتستقطب‭ ‬أهم‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الأوروبيين‭ ‬لتحفيز‭ ‬الإبداع‭ ‬الفلسفي‭ ‬فيها،‭ ‬ويصدر‭ ‬منها‭ ‬اليوم‭ ‬أكبر‭ ‬حجم‭ ‬من‭ ‬الإصدارات‭ ‬الفلسفية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ولعلَّ‭ ‬الطريف‭ -‬لكنه‭ ‬ذو‭ ‬دلالة‭ ‬عميقة‭ ‬لا‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬الفطن‭- ‬أنه‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬529م،‭ ‬كان‭ ‬تاريخ‭ ‬إقفال‭ ‬الكنيسة‭ ‬لأكاديمية‭ ‬أفلاطون‭ ‬في‭ ‬أثينا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬جوستينيان‭ ‬الأول،‭ ‬وهو‭ ‬نفسه‭ ‬تاريخ‭ ‬منح‭ ‬البركة،‭ ‬الذي‭ ‬اعتبر‭ ‬أول‭ ‬قانون‭ ‬كهنوتي‭.. ‬وهكذا‭ ‬اعتبر‭ ‬تاريخ‭ ‬عام‭ ‬529م‭ ‬تاريخاً‭ ‬لوضع‭ ‬يد‭ ‬الكنيسة‭ ‬على‭ ‬الفلسفة‭ ‬الإغريقية،‭ ‬وهي‭ ‬نفس‭ ‬فترة‭ ‬دخول‭ ‬عموم‭ ‬أوروبا‭ ‬عصر‭ ‬الظلمات،‭ ‬الموازي‭ ‬لسيطر‭ ‬الكهنة‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬والفكر‭ ‬والتأويل‭ (‬ودخلت‭ ‬أوروبا‭ ‬عصر‭ ‬الظلمات،‭ ‬عصر‭ ‬ثبات‭ ‬الظلمات‭ ((‬الثبات‭ ‬الشتوي‭)) ‬للفلسفة‭). ‬ألا‭ ‬يجدر‭ ‬الانتباه‭ ‬أيضاً‭ -‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬يهمُّنا‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬كأكاديميين‭- ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬للفلاسفة‭ ‬الدور‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬مفهوم‭ ‬العلم‭ ‬الحديث،وتمحيص‭ ‬وبناء‭ ‬مناهجه‭ ‬وطرقه؟‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المناهج‭ ‬العلمية‭ ‬للعلوم‭ ‬الاجتماعية؟

إن‭ ‬المفهوم‭ ‬الحديث‭ ‬للعلم،‭ ‬وللمنهج‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬البحث،‭ ‬لم‭ ‬يتشكل‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬علماء‭ ‬الطبيعة‭ ‬وحدهم،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬لمناهج‭ ‬العلوم‭ ‬أن‭ ‬تتقدم‭ ‬وتزداد‭ ‬رهافة‭ ‬ودقة‭ ‬لولا‭ ‬النقد‭ ‬الفلسفي‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬المنطق‭ ‬وفلسفة‭ ‬المعرفة‭ ‬والإبستمولوجيا‭ ‬وعلم‭ ‬اجتماع‭ ‬المعرفة‭. ‬واقتضت‭ ‬المدنية‭ ‬الأوروبية‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرون‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬التهيئة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الفلسفة‭ ‬العقلانية‭ ‬والتنويرية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تترسخ‭ ‬وتنشر‭ ‬خيراتها‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬والأكاديمية‭ ‬علينا‭ (‬دون‭ ‬نسيان‭ ‬شرورها‭ ‬أيضاً‭). ‬فكان‭ ‬للفلاسفة‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬تمام‭ ‬الوضوح‭ ‬لمتطلبات‭ ‬العلم،‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬أدركوا‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬والعلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإنسانية‭ ‬التي‭ ‬نلهج‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مناهج‭ ‬علمية‭ ‬للبحث‭.‬

كان‭ ‬الفيلسوف‭ ‬فرنسيس‭ ‬بيكون‭ ‬مثلاً،‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬عرض‭ ‬العلم‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الفلسفة‭ ‬التقليدية‭ ‬المثالية‭ “‬الأرغانون‭ ‬الجديد‭” -‬في‭ ‬مواجهة‭ “‬أورغانون‭” ‬أرسطو‭- ‬واتجاهه‭ ‬تجاه‭ ‬الفلسفة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ودعوته‭ ‬للتجريبية‭ ‬العلمية،‭ ‬وأثره‭ ‬القوي‭ ‬في‭ ‬الموسوعيين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬كديدرو‭ ‬ودالامبير‭ ‬و‭”‬الأنسكلوبيديا‭”‬،‭ ‬وتأكيدها‭ ‬على‭ ‬الفنون‭ ‬التطبيقية‭. ‬فقد‭ ‬مثلت‭ ‬فلسفة‭ ‬بيكون‭ ‬دليلاً‭ ‬للروح‭ ‬العلمية‭ ‬الجديدة‭ ‬ومنهجيته‭ ‬التجريبية‭ ‬العلمية،‭ ‬التي‭ ‬بتاريخيتها‭ -‬وعلى‭ ‬أساسها‭- ‬تطورت‭ ‬مناهج‭ ‬العلم‭ ‬الحديث‭.‬

إنَّ‭ ‬الحاجة‭ ‬للنقد‭ ‬مثلاً‭ ‬أمرٌ‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬مجال‭ ‬معرفي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬علماً،‭ ‬والفلسفة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تمدنا‭ ‬بالأسس‭ ‬المنهجية‭ ‬العقلية‭ ‬المنطقية‭ ‬لهذا‭ ‬النقد؛‭ ‬منهجية‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬الامتحان‭ ‬النقدي‭ ‬للمعرفة،‭ ‬والفلسفة‭ ‬بصفتها‭ ‬معقولية،‭ ‬تمثل‭ ‬أساساً‭ ‬لكل‭ ‬نظرية‭ ‬علمية‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬وعلاقاته،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النظريات‭ ‬ذات‭ ‬التوجه‭ ‬الإمبيريقي‭.‬والفلسفة‭ ‬العقلانية‭ ‬هي‭ ‬نقدٌ،‭ ‬أو‭ ‬هي‭ ‬قابلية‭ ‬نقد،‭ ‬وبفعل‭ ‬ذلك‭ ‬أو‭ ‬بإمكانية‭ ‬ذلك،‭ ‬تؤسس‭ ‬ليقينية‭ ‬المعرفة،‭ ‬أو‭ ‬لمعايير‭ ‬اليقين‭ ‬الموضوعي‭. ‬والفلسفة‭ ‬العقلانية‭ ‬تعني‭ -‬مع‭ ‬إمكاناتها‭ ‬النقدية‭- ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬تؤهله‭ ‬لأن‭ ‬يعرف‭ ‬العالم‭.‬

ولعلَّ‭ ‬هناك‭ ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭ ‬والعلم،‭ ‬عقدًا‭ ‬غير‭ ‬مُعْلن؛‭ ‬حيث‭ ‬تمد‭ ‬الفلسفةُ‭ ‬العلمَ‭ ‬بمنهجيته‭ ‬العقلانية‭ ‬النقدية،‭ ‬وتستمد‭ ‬منه‭ ‬رؤيتها‭ ‬للعالم،‭ ‬وهنا‭ ‬تجعل‭ ‬الفلسفة‭ ‬بُنى‭ ‬العلم‭ ‬المعرفية‭ ‬غرضاً‭ ‬أو‭ ‬موضوعاً‭ ‬لها،‭ ‬وتعتبر‭ ‬عقلانية‭ ‬العلم‭ ‬أساسَ‭ ‬عقلانية‭ ‬المعرفة،‭ ‬التي‭ ‬نرى‭ ‬العالم‭ ‬بها‭ ‬اليوم‭.‬

وهكذا‭.. ‬نجد‭ ‬مثلاً‭ ‬أن‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬يستخدم‭ ‬منهجاً‭ ‬بحثيًّا‭ ‬ملزماً‭ ‬لاختبار‭ ‬المعارف‭ ‬الناتجة‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬اختبار‭ ‬المعارف‭ ‬الافتراضية،‭ ‬منهجاً‭ ‬يلزم‭ ‬بمراجعة‭ ‬القناعات‭ ‬والمعارف‭ ‬عند‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬أحدَ‭ ‬أسسها‭ ‬خاطئ،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬الوصول‭ ‬لمعارف‭ ‬جديدة‭ ‬ذات‭ ‬تأسيس‭ ‬واقعي‭ ‬أمتن،‭ “‬فلا‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬والنقد‭ ‬الذاتي‭ ‬يجعلنا‭ ‬نفصل‭ ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والقناعات‭ ‬الأخرى‭”‬؛‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬تكفله‭ ‬الفلسفة‭ ‬أو‭ ‬الفلسفة‭ ‬العقلانية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬العقلانية‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬ذاته،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬العقلاني‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬هو‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يخضع‭ ‬الآراء‭ ‬جميعها‭ ‬للنقد،‭ ‬ويرى‭ ‬العقلانية‭ ‬في‭ ‬قابلية‭ ‬الامتحان‭ ‬النقدي‭ ‬للمعرفة‭.‬

ولا‭ ‬رَيْب‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الجدلية‭ ‬بين‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعلم،‭ ‬والتأثير‭ ‬ليس‭ ‬وحيد‭ ‬الاتجاه،‭ ‬فتطورات‭ ‬العلم‭ ‬نقلت‭ ‬الفلسفة‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬تقليدية‭ ‬كانت‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مطلقة،‭ ‬إلى‭ ‬فلسفة‭ ‬حديثة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬نتعامل‭ ‬معها‭ ‬اليوم؛‭ ‬فلسفة‭ ‬عقلانية‭ ‬نقدية،‭ ‬هدمت‭ ‬التوافق‭ ‬الأرسطي‭ ‬الكنسي‭ (‬السكولستيكية‭)‬،‭ ‬وفصلت‭ ‬مع‭ ‬الشكية،‭ ‬خاصة‭ ‬الشكية‭ ‬الديكارتية،‭ ‬العقيدة‭ ‬عن‭ ‬العلم،‭ ‬برفض‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬عقائدي‭ ‬بشري،‭ ‬يكون‭ ‬صحيحاً‭ ‬بالمطلق،‭ ‬ورأت‭ ‬إمكانية‭ ‬إخضاع‭ ‬كل‭ ‬الأحكام‭ ‬للتمحيص،‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحقائق‭ ‬عن‭ ‬الطبيعة‭ ‬والمجتمع‭. ‬وفقط‭ “‬الكوجيتو‭” ‬هو‭ ‬المعطى‭ ‬غير‭ ‬القابل‭ ‬للشك،‭ ‬فقد‭ ‬أقامت‭ ‬فلسفة‭ ‬ديكارت‭ ‬منهج‭ ‬التحليل‭ ‬الرياضي‭ ‬كمفتاح‭ ‬لكل‭ ‬معرفة،‭ ‬وأكدت‭ ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬الطبيعة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرياضيات‭ ‬والتجارب‭ ‬العلمية؛‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬مبدأ‭ ‬للاتجاه‭ ‬والمنهج‭ ‬الاختباري‭ ‬والطرق‭ ‬الإحصائية‭ ‬السائدة‭ ‬لموضوعية‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وفي‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭.‬

هاجم‭ ‬الإمام‭ ‬الغزالي‭ ‬الفلسفة‭ ‬بالفلسفة،‭ ‬في‭ ‬مؤلفه‭ “‬تهافُت‭ ‬الفلاسفة‭”‬،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينصرها‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭ ‬بالفلسفة‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬مؤلفه‭ “‬تهافت‭ ‬التهافت‭”.‬‭ ‬ونحى،‭ ‬أو‭ ‬استبعد،‭ ‬كونت‭ ‬الفلسفة‭ ‬باعتبارها‭ ‬ميتافيزيقا‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أدنى‭ ‬في‭ ‬تصوره‭ ‬للعلم‭ ‬ولعلم‭ ‬المجتمع،‭ ‬عندما‭ ‬أسس‭ ‬للسوسيولوجيا،‭ ‬ولكنه‭ ‬حتى‭ ‬باستبعادها‭ ‬كان‭ ‬مُؤسِّساً‭ ‬لأحد‭ ‬أكثر‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الفلسفية‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ “‬الفلسفة‭ ‬الوضعية‭”‬،‭ ‬والتي‭ ‬تأسَّست‭ ‬عليها‭ ‬الفلسفة‭ ‬الوضعية‭ ‬الجديدة،‭ ‬والوضعية‭ ‬المنطقية‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تشغل‭ ‬عقول‭ ‬المعاصرين‭ ‬وعلومهم‭. ‬وهي‭ ‬فلسفة‭ ‬ومنهج‭ ‬ونظرية‭ ‬معرفة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭. ‬وبنفس‭ ‬التوجه‭ ‬المنهجي،‭ ‬رد‭ ‬ماركس‭ ‬برسالة‭ “‬بؤس‭ ‬الفلسفة‭”‬،‭ ‬على‭ ‬مؤلف‭ ‬بردون‭ “‬فلسفة‭ ‬البؤس‭”‬،‭ ‬ما‭ ‬بني‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬تبعه‭ ‬من‭ ‬مؤلفات‭ ‬ومناظرات‭ ‬وتأويلات،‭ ‬اتجاهٌ‭ ‬أيديولوجيٌ،‭ ‬وسياسيٌ،‭ ‬واقتصاديٌ،‭ ‬وثقافيٌ‭ ‬عاصفٌ‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭.‬

كان‭ ‬هيجل‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬والفن‭ ‬والفلسفة‭ ‬هي‭ ‬تجليات‭ ‬للروح‭ ‬المطلقة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ (‬يعني‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات‭ ‬والشعوب‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬الفيلسوف‭ ‬والرياضي‭ ‬ديكارت‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬شيوع‭ ‬الفلسفة‭ ‬مقياسٌ‭ ‬لتحضر‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب‭.‬

هل‭ ‬يُمكن‭ ‬استحضار‭ ‬ازدهار‭ ‬حضارتنا‭ ‬العربية‭ ‬دون‭ ‬ابن‭ ‬سينا،‭ ‬والفارابي،‭ ‬والكندي،‭ ‬والشيرازي،‭ ‬وابن‭ ‬باجه،‭ ‬والغزالي،‭ ‬وإخوان‭ ‬الصفا،‭ ‬وابن‭ ‬رشد؟‭! ‬أم‭ ‬يُمكن‭ ‬تصور‭ ‬النهضة‭ ‬ومنجزات‭ ‬الأزمنة‭ ‬الحديثة‭ ‬بدون‭ ‬بيكون،‭ ‬وهوبز،‭ ‬ولوك،‭ ‬ومنتسكيو،‭ ‬وروسو،‭ ‬وديكارت،‭ ‬وهيجل،‭ ‬وكانط،‭ ‬ولايبنتز،‭ ‬وسبينوزا،‭ ‬وفولتير،‭ ‬ووليم‭ ‬جيمس،‭ ‬وجون‭ ‬ديوي؟‭ ‬أم‭ ‬يُمكن‭ ‬تصور‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬السابق،‭ ‬بكل‭ ‬عظمة‭ ‬إنجازاته‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والعلمية،‭ ‬دون‭ ‬مانهايم،‭ ‬وماركوز‭ ‬هيدجر،‭ ‬وسارتر،‭ ‬وهبرماس،‭ ‬وفوكو،‭ ‬ودريدا؟‭ ‬

أمَّا‭ ‬تاريخنا‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬والمعاصر،‭ ‬فليس‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الاقتناع‭ ‬بأنه‭ ‬سيكون‭ ‬فقيراً‭ ‬بدون‭ ‬الكواكبي،‭ ‬والأفغاني،‭ ‬ومحمد‭ ‬عبده،‭ ‬وقاسم‭ ‬أمين،‭ ‬وعلي‭ ‬عبد‭ ‬الرازق،‭ ‬وحسن‭ ‬البنا،‭ ‬وطه‭ ‬حسين،‭ ‬ونجيب‭ ‬محفوظ،‭ ‬وخالد‭ ‬محمد‭ ‬خالد،‭ ‬ومحمد‭ ‬النويهي،‭ ‬وأدونيس،‭ ‬وسهيل‭ ‬إدريس،‭ ‬وزكي‭ ‬نجيب‭ ‬محمود،‭ ‬وفؤاد‭ ‬زكريا،‭ ‬وحسن‭ ‬حنفي،‭ ‬وصادق‭ ‬العظم،‭ ‬وسمير‭ ‬أمين،‭ ‬وطيب‭ ‬تيزيني،‭ ‬والجابري،‭ ‬والعروي‭ (‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬اتفاقاتهم‭ ‬أو‭ ‬اختلافاتهم،‭ ‬معرفيًّا‭ ‬وأيديولوجيًّا،‭ ‬أو‭ ‬اتفاقنا‭ ‬أو‭ ‬اختلافنا‭ ‬معهم‭).‬

بالله،‭ ‬إذا‭ ‬استبعدنا‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭ ‬والمعاصر‭ ‬والراهن،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭ ‬فيه‭ ‬غير‭ ‬السعي‭ ‬المحموم‭ ‬وراء‭ ‬السوق‭ ‬والمال،‭ ‬والاستخدامات‭ ‬الرديئة‭ ‬للاكتشافات‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬والاحتباس‭ ‬الحراري،‭ ‬وزعماء‭ ‬الحرب‭ ‬والنزعة‭ ‬العسكرية‭ ‬الكريهة؟‭ ‬

إنَّ‭ ‬المجتمعات‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬وثورة‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬والإعلام‭ ‬والتواصل،‭ ‬والثورة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬المنفلتة‭ ‬من‭ ‬عقالها،‭ ‬اليوم،‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أخلاقيات‭ ‬جديدة‭ ‬توجهها؛‭ ‬فتبحث‭ ‬عن‭ ‬ضالتها‭ ‬لدى‭ ‬الفلاسفة‭ ‬وعلماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬والتربية؛‭ ‬فالفلسفة‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون‭ ‬ومنظومة‭ ‬القيم‭ ‬والفكر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العقلاني،‭ ‬هي‭ ‬العنوانُ‭ ‬والأساسُ‭ ‬الرئيس،‭ ‬والحاضن‭ ‬لأي‭ ‬نهضة‭ ‬ممكنة‭. ‬والفلسفة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تهيِّئ‭ ‬الأطر‭ ‬المنطقية‭ ‬والمنهجية‭ ‬لعمل‭ ‬العلوم‭ ‬بمختلف‭ ‬مجالاتها‭.‬

الفلسفة‭ ‬والسوق

المطلوب‭ ‬اليوم‭: ‬الاستجابة‭ ‬للسوق‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال،‭ ‬والتجارة‭ ‬والصناعة،‭ ‬والشركات،‭ ‬والخدمات،‭ ‬والأرباح؛‭ ‬فماذا‭ ‬سيكون‭ ‬مصير‭ ‬الفلسفة؟‭ ‬ما‭ ‬مصير‭ ‬الفلسفة‭ ‬لدينا‭ ‬أمام‭ ‬إغراءات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والاستجابة‭ ‬لحاجات‭ ‬السوق؟‭ ‬ما‭ ‬مصيرها‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الفهم‭ ‬قصير‭ ‬النظر‭ ‬للعرض‭ ‬والطلب‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل؟

بمنطق‭ ‬السوق‭ ‬المبتذل‭: ‬لا‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬عليها‭ ‬قليل،‭ ‬وأنها‭ ‬بضاعة‭ ‬صعبة‭ ‬التسويق‭. ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬حالة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭”‬،‭ ‬يقرر‭ ‬ديفيد‭ ‬هارفي‭: “‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الواضح‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬هو‭ ‬اعتبار‭ ‬مطلب‭ ‬الربح‭ ‬الصافي‭ ‬هو‭ ‬المحدد‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭”. ‬والمسألة‭ ‬بنظره‭ ‬تجد‭ ‬تفسيرها‭ ‬في‭ “‬منطق‭ ‬التحول‭ ‬والمضاربة‭ ‬لدى‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬فثمة‭ ‬غير‭ ‬وسيلة‭ ‬لصنع‭ ‬الربح،‭ ‬وتبريرات‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬وجود‭ ‬جواب‭ ‬إيجابي‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭: “‬هل‭ ‬كان‭ ‬مُربحا؟‭”‬‭. ‬وفي‭ ‬تقديمه‭ ‬لكتاب‭ “‬انهيار‭ ‬العولمة‭ ‬وإعادة‭ ‬اختراع‭ ‬العالم‭”‬،‭ ‬يشير‭ ‬المرحوم‭ ‬حامد‭ ‬عمار‭ ‬إلى‭ ‬امتداد‭ ‬التجارة‭ ‬لتشمل‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬بل‭ ‬والقيم‭ ‬والأفكار‭ ‬والطموحات‭ ‬والإبداعات‭ ‬البشرية‭.‬

‭ ‬ونقرأ‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬التنمية‭ ‬الإنسانية‭ ‬العربية‭ ‬للعام‭ ‬2003‭: “‬ينطوي‭ ‬ترك‭ ‬منظومة‭ ‬اكتساب‭ ‬المعرفة‭ ‬لحافز‭ ‬الربح‭ ‬على‭ ‬خطر‭ ‬قلة‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة،‭ ‬وحرمان‭ ‬الأضعف‭ ‬اجتماعيًّا‭ ‬من‭ ‬امتلاكها‭”. ‬وشدَّد‭ ‬تقرير‭ ‬اليونسكو‭ ‬للعام‭ ‬2005،‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬منظور‭ ‬أرحب‭ ‬للمعرفة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬منظور‭ ‬لا‭ ‬يحصرها‭ ‬في‭ ‬البُعدين‭ ‬العلمي‭ ‬والتقني،‭ ‬بل‭ ‬يَراها‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬المتكاملة‭ “‬التي‭ ‬لا‭ ‬تغفل‭ ‬الإنسانيات،‭ ‬ومختلف‭ ‬العلوم‭ ‬الأخرى،‭ ‬في‭ ‬الجماليات‭ ‬والقيم‭ ‬والفنون،‭ ‬ومختلف‭ ‬تجليات‭ ‬المنتوج‭ ‬الرمزي‭ ‬الصانع‭ ‬لحكمة‭ ‬الإنسان‭….”.‬

إن‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬مديح‭ ‬السوق‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬يؤدي‭ ‬لحياة‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬البُعد‭ ‬الإنساني؛‭ ‬لما‭ ‬تؤدي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬فقر‭ ‬ثقافي‭. ‬ولكن‭ “‬أيديولوجيا‭ ‬الحقائق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وحيدة‭ ‬الاتجاه‭ ‬تؤول‭ ‬إلى‭ ‬الغروب‭”‬،‭ ‬وتبقى‭ ‬الفلسفة‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون‭ ‬محتفظةً‭ ‬بقيمة‭ ‬ودور‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استبدالهما‭ ‬بالتكنولوجيا،‭ ‬أو‭ ‬أية‭ ‬قيمة‭ ‬مادية‭ ‬أخرى‭.‬

لقد‭ ‬فهمت‭ ‬فكرة‭ ‬ربط‭ ‬الجامعة‭ ‬بالسوق‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬فهماً‭ ‬ضيقاً،‭ ‬فتقلصت‭ ‬خدمة‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬خدمة‭ ‬السوق،‭ ‬وتراجعت‭ ‬بذلك‭ ‬أهمية‭ ‬الآداب‭ ‬والفلسفة‭ ‬والعلوم‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وبذلك‭ ‬أيضاً،‭ ‬أخذنا‭ ‬نجد‭ ‬طلابنا‭ ‬ينفرون‭ ‬تدريجيا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمُت‭ ‬للفلسفة‭ ‬والأدب‭ ‬والثقافة‭ ‬الرفيعة،‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتصل‭ ‬اتصالا‭ ‬مباشرا‭ ‬بفرصة‭ ‬العمل،‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬حقهم،‭ ‬لكنها‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬عن‭ ‬التهافت‭ ‬الثقافي‭ ‬الممكن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الفلسفة‭.‬

ربما‭ ‬لا‭ ‬تعي‭ ‬الشركات،‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال،‭ ‬والمستشارين،‭ ‬والمخططين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬الحرفيين،‭ ‬أهمية‭ ‬الفلسفة،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يهتمون‭ ‬بها‭ ‬أساساً؛‭ ‬لأنهم‭ ‬يفكرون‭ ‬بالدخل‭ ‬والعمالة‭ ‬ومتطلبات‭ ‬السوق،‭ ‬ونادراً‭ ‬ما‭ ‬تهمهم‭ ‬الهُوية‭ ‬والثقافة،‭ ‬إلا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬استهلاكية‭ ‬وطالبة‭ ‬للسلع؛‭ ‬ولكننا‭ ‬نفترض‭ -‬أو‭ ‬نعتقد‭ – ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الجامعة‭ ‬أكثر‭ ‬حكمة،‭ ‬في‭ ‬تعهد‭ ‬الفلسفة،‭ ‬والثقافة،‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ورعايتها‭.‬

إنَّ‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان،‭ ‬وروحه،‭ ‬وهويته،‭ ‬ونمط‭ ‬تفكيره،‭ ‬وتفتيح‭ ‬قدراته‭ ‬الكامنة،‭ ‬هي‭ ‬وظيفة‭ ‬ورسالة‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أشق‭ ‬وأهم‭. ‬ويفترض‭ ‬بالجامعات‭ ‬أن‭ ‬تتمثل‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬وتنظر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع،‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬أفقًا‭ ‬تنمويًّا‭ ‬إنسانيًّا،‭ ‬وإستراتيجيًّا‭ ‬أوسع‭.‬

فقد‭ ‬يكون‭ ‬بإمكان‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬أو‭ ‬تشتريها‭ (‬منطق‭ ‬السوق‭)‬،‭ ‬وبإمكان‭ ‬جامعاتنا‭ ‬بسهولة‭ ‬أن‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬يقدح‭ ‬زناد‭ ‬الآلات،‭ ‬وينقر‭ ‬على‭ ‬الأيقونات‭ ‬ولوحة‭ ‬المفاتيح،‭ ‬ونتخيَّل‭ ‬بذلك‭ ‬أننا‭ ‬نلج‭ ‬عصر‭ ‬المعلومات‭ ‬ومجتمع‭ ‬المعرفة،‭ ‬ولكن‭ ‬الأمر‭ ‬يحتاج‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬اقتناء‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتشغيلها؛‭ ‬إنه‭ ‬يحتاج‭ ‬للذهنية‭ ‬العلمية،‭ ‬وبناء‭ ‬العقل‭ ‬العلمي‭ ‬التحليلي‭ ‬المقارن‭ ‬والنقدي،‭ ‬الذي‭ ‬تفتحه‭ ‬الفلسفة؛‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالمجال‭ ‬المعرفي‭ ‬العلمي‭ ‬والتكنولوجي،‭ ‬أو‭ ‬بالمجال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الإنساني‭. ‬ولا‭ ‬يكتملُ‭ ‬كلُّ‭ ‬ذلك‭ ‬دون‭ ‬توسيع‭ ‬الأفق‭ ‬الثقافي‭ ‬والحس‭ ‬الجمالي،‭ ‬والتنوُّع‭ ‬الغني‭ ‬للقيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬بطابعها‭ ‬الإنساني‭ ‬العالمي‭.‬

ولا‭ ‬رَيْب‭ ‬لدينا‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬بالفلسفة‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬وحدها‭ ‬تحيا‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ولكن‭ ‬الوظيفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الثقافية‭ ‬هي‭ ‬الأساس‭ ‬الرئيس،‭ ‬والراسخ؛‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تضمنها‭ ‬لإمكانيات‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬وروحه‭ ‬وهُويته‭ ‬ونمط‭ ‬تفكيره‭. ‬فإذا‭ ‬كانتْ‭ ‬العلوم‭ ‬المادية‭ ‬والتقنية‭ ‬تصنع‭ ‬الجسد،‭ ‬فإنَّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬والآداب‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والفنون،‭ ‬تهذِّب‭ ‬الروح،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬إهمال‭ ‬إحداهما‭ ‬لصالح‭ ‬الأخرى‭.‬

وأخيراً‭.. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إيماءة‭ ‬إلى‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬فإن‭ ‬الفلسفة‭ ‬تمدُّ‭ ‬هذه‭ ‬العلوم‭ ‬بالأساس‭ ‬النظري‭ ‬المنطقي،‭ ‬و‭”‬التعقيلي‭” ‬المعياري،‭ ‬اللازم‭ ‬لضبط‭ ‬علميتها‭ ‬ومنهجيتها،‭ ‬ولا‭ ‬يُمكن‭ ‬تصوُّر‭ ‬علم‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬اليوم‭ -‬من‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬إلى‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع،‭ ‬والتاريخ،‭ ‬والسياسة،‭ ‬والقانون،‭ ‬والتربية،‭ ‬وحتى‭ ‬اللغة‭ ‬والآداب‭- ‬دون‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬الذي‭ ‬كوَّن‭ ‬منظورات‭ ‬ونظريات‭ ‬التحليل‭ ‬والفهم‭ ‬والتفسير‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬العلوم؛‭ ‬وفيما‭ ‬بين‭ ‬العلوم؛‭ ‬ليس‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الإنسانية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬والعلوم‭ ‬الطبيعية‭ ‬أيضاً؛‭ ‬حيث‭ ‬تشكل‭ ‬الفلسفة‭ ‬أرضية‭ ‬الدراسات‭ ‬البينية،‭ ‬وأساس‭ ‬تضافر‭ ‬العلوم‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬رؤية‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر‭.‬

أمَّا‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬أخيراً،‭ ‬فهذا‭ ‬خطابٌ،‭ ‬أو‭ ‬ادعاء،‭ ‬مُنسجم‭ ‬مع‭ ‬مبادئه‭ ‬الفلسفية‭ ‬العقلانية‭ ‬النقدية‭ ‬الحديثة؛‭ ‬لذلك‭ ‬فهو‭ ‬قابل‭ ‬للاختلاف‭ ‬والنقد‭.‬

683 total views, 5 views today