د‭. ‬صالح‭ ‬الفهدي

تشكِّلُ‭ ‬القيم‭ ‬مرجعاً‭ ‬أصيلاً‭ ‬في‭ ‬بناءِ‭ ‬شخصية‭ ‬الإنسان‭ ‬بناءً‭ ‬سليماً،‭ ‬متعامد‭ ‬الأركان،‭ ‬متوازن‭ ‬الجوانب‭ ‬نفسياً‭ ‬وجسدياً‭ ‬وفكريا‭ ‬وروحياً،‭ ‬ذلك‭ ‬لأنها‭ ‬القاعدة‭ ‬التي‭ ‬يقومُ‭ ‬عليها‭ ‬البناء‭ ‬الشخصي،‭ ‬والمنبع‭ ‬الذي‭ ‬تستقى‭ ‬منها‭ ‬المباديء‭ ‬والمُثل‭ ‬الفاضلة‭. ‬ولهذا‭ ‬كانت‭ ‬رسالة‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬واضحة‭ ‬لإتمام‭ ‬مكارم‭ ‬الأخلاق،‭ ‬أي‭ ‬القِيم‭.‬

لهذا‭ ‬وصف‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬الدّين‭ ‬الإسلامي‭ ‬بقوله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ “‬ذلك‭ ‬الدِّين‭ ‬القيِّم‭”[‬الروم‭:‬30‭]. ‬فهو‭ ‬دينُ‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬أعلت‭ ‬شأنه،‭ ‬ورفعت‭ ‬عماده‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية‭ ‬لا‭ ‬تقومُ‭ ‬إلاّ‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬نمائها،‭ ‬وتقدّمها‭ ‬فإنه‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المجدي‭ ‬إضاعة‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬أهمية‭ ‬الدور‭ ‬القِيمي‭ ‬لحماية‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬الإنحراف،‭ ‬والضلال،‭ ‬والإستبداد،‭ ‬والظلم‭.. ‬يقول‭ ‬المفكر‭ ‬الفرنسي‭ ‬جاك‭ ‬بيرك‭ : ‬‮«‬‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬شعب‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬سليم‭ ‬دون‭ ‬احترام‭ ‬القيم‭ ‬وإحيائها‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬سُألت‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬صحفي‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬محتاجون‭ ‬للحديثِ‭ ‬عن‭ ‬القيم؟‭ ‬فكانت‭ ‬إجابتي‭ ‬هي‭: ‬ليس‭ ‬المجتمع‭ ‬وحسب‭ ‬بحاجة‭ ‬للحديثِ‭ ‬حول‭ ‬القِيم‭ ‬وإنّما‭ ‬العالمُ‭ ‬بأسره‭..!! ‬وقلتُ‭ ‬للسائل‭: ‬سأعطيك‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬عقدت‭ ‬منظمة‭ ‬التربية‭ ‬والثقافة‭ ‬والعلوم‭ ‬اليونيسكو‭ ‬عدة‭ ‬جلسات‭ ‬حوارية‭ ‬تحت‭ ‬مظلّة‭ “‬محاورات‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭” ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬عشرات‭ ‬المفكرين‭ ‬من‭ ‬مختلفِ‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم‭ ‬للنقاش‭ ‬حول‭ ‬موضوع‭ ‬عنوانه‭”‬القيم‭ ‬إلى‭ ‬أين؟‭” ‬وقد‭ ‬صدرت‭ ‬النسخة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬يحمل‭ ‬نفس‭ ‬العنوان‭ ‬صيف‭ ‬2005م‭. ‬هذا‭ ‬يعطيك‭ ‬دليلاً‭ ‬بارزاً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬استشعاراً‭ ‬دولياً‭ ‬ثقافياً‭ ‬بوجود‭ ‬تغيير‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬المنظومة‭ ‬القِيمية‭ ‬في‭ ‬أصعدةٍ‭ ‬واتجاهاتٍ‭ ‬مختلفة‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬الخوض‭ ‬فيها‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬نثقل‭ ‬على‭ ‬القاريء‭. ‬أضفت‭ ‬قائلاً‭: “‬في‭ ‬الغرب‭ ‬وخلال‭ ‬القرنين‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والعشرون‭ ‬ارتكزت‭ ‬التساؤلات‭ ‬الفلسفية‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬القيم‭ ‬لدى‭ ‬فلاسفة‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ “‬نيتشه‭” ‬و‭”‬ميشال‭ ‬فوكو‭” ‬و‭”‬هايدغر‭”‬،‭ ‬وفي‭ ‬العصر‭ ‬التنوير‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬يقول‭ ‬فولتير‭”‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬إلا‭ ‬منهج‭ ‬أخلاقي‭ ‬واحد،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬إلا‭ ‬علم‭ ‬هندسي‭ ‬واحد‭” .. ‬هذا‭ ‬يقين‭ ‬مستمد‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬بالخالق‭ ‬ورسالته‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬لكن‭ ‬الإشكالية‭ ‬في‭ ‬نظر‭ “‬جيروم‭ ‬بندي‭”  ‬تكمن‭ ‬في‭ “‬المحاولات‭ ‬المتعددة‭ ‬لتجريد‭ ‬القيم‭ ‬من‭ ‬قدسيتها‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬أغطية‭ ‬أيديلوجية‭ ‬تتستر‭ ‬خلفها‭ ‬آليات‭ ‬سلطوية‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬زعزعة‭ ‬الإعتقاد‭ ‬الفلسفي‭ ‬والديني‭ ‬والفني‭ ‬بالحق‭ ‬والخير‭ ‬والجمال‭ ‬كقيم‭ ‬مطلقة‭”. ‬وأردفتُ‭ ‬متابعاً‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬بالقول‭: “‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬متفقاً‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬قال‭ ‬كويشيرو‭ ‬ماتسوا‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الأسبق‭ ‬لمنظمة‭ ‬اليونسكو‭  “‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬نجتازها‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬أننا‭ ‬أضعنا‭ ‬بوصلتنا‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬الإتجاه‭ ‬الصحيح‭. ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أزمة‭ ‬قيم‭ ‬–وعندنا‭ ‬منها‭ ‬الكثير‭- ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬توجد‭ ‬أزمة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬معنى‭ ‬القيم‭ ‬وفي‭ ‬الإستعداد‭ ‬والأهلية‭ ‬لإدارة‭ ‬شؤوننا‭ ‬فالمسألة‭ ‬الملحّة‭ ‬تتلخص‭ ‬إذن‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬كيفية‭ ‬توجهنا‭ ‬بين‭ ‬القيم‭”.‬

ولأن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬أضاع‭ ‬بوصلته‭ ‬القيمية‭ ‬فقد‭ ‬انحدر‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬زلقةٍ،‭ ‬وصراعات‭ ‬دموية،‭ ‬واقتتالات‭ ‬طائفية،‭ ‬ومذهبية،‭ ‬وجهوية‭ ‬وما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السقطات‭ ‬الإنسانية‭ ‬الوضيعة‭ ‬التي‭ ‬يتخبط‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬وكأنّما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬وحلٍ‭ ‬يعمّه‭ ‬الظلام‭ ‬الموحش‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تحمل‭ ‬أياديه‭ ‬شتى‭ ‬أنواع‭ ‬الأسلحة‭ ‬الفتاكة‭ ‬ووسائل‭ ‬الفتكِ‭ ‬والدّمار‭ ..‬

هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الدموي‭ ‬الذي‭ ‬مزّق‭ ‬أثواب‭ ‬السلامِ‭ ‬البيضاءِ‭ ‬الطاهرة،‭ ‬دفعني‭ ‬لعمل‭ ‬مبادرة‭ ‬شخصية‭ ‬أسميتها‭ “‬مبادرة‭ ‬نداء‭ ‬السلام‭” ‬جمعتُ‭ ‬فيها‭ ‬155‭ ‬طفلاً‭ ‬من‭ ‬65‭ ‬جنسية‭ ‬ليرفعوا‭ ‬نداء‭ ‬للسلام،‭ ‬عبر‭ ‬رسوماتهم‭ ‬البريئة،‭ ‬فكان‭ ‬للمبادرة‭ ‬صدى‭ ‬واسعاً‭ ‬حيث‭ ‬شاركتنا‭ ‬فيه‭ ‬منظمة‭ ‬الأمومة‭ ‬والطفولة‭ ‬التابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ (‬اليونسيف‭) ‬وباركتها‭ ‬منظمة‭ ‬التربية‭ ‬والثقافة‭ ‬والعلوم‭ (‬اليونسكو‭) ..‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يمكنُ‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬تفعله‭ ‬القيم‭ ‬لترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬السلام؟

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يلزمنا‭ ‬بإجابةِ‭ ‬سؤال‭ ‬ملح‭ ‬قبله‭: ‬ما‭ ‬مدى‭ ‬فاعلية‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬شخصية‭ ‬الإنسانِ،‭ ‬وتهذيب‭ ‬سلوكه؟‭ ‬

تعتبرُ‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬أكان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬رسالات‭ ‬الأديان،‭ ‬أو‭ ‬دعوات‭ ‬المصلحين‭ ‬الإجتماعيين،‭ ‬أو‭ ‬الأعمال‭ ‬الإنسانية‭ ‬السامية‭ ‬قواعد‭ ‬تشكّل‭ ‬المنظومة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬ترتبطُ‭ ‬بها‭ ‬الفطرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬السليمة‭. ‬

وتأسيساً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬القيم‭ ‬هي‭ ‬المرجعية‭ ‬الأصيلة‭ ‬لبناءِ‭ ‬شخصية‭ ‬قوية،‭ ‬متماسكة،‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تتعاطى‭ ‬مع‭ ‬شؤون‭ ‬الحياة،‭ ‬وتتعامل‭ ‬مع‭ ‬البشر‭ ‬وفق‭ ‬معطيات‭ ‬واضحة‭ ‬تمكّنها‭ ‬من‭ ‬الإرتكاز‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المواقف‭ ‬والأحداث‭ ‬والقرارات‭ ‬المختلفة‭. ‬

ويبدو‭ ‬ذلك‭ ‬واضحاً‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الشخصية‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬أو‭ ‬تفتقد‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬معينة‭ ‬كالصدقِ‭ ‬مثلاً‭ ‬أو‭ ‬الإحترام‭ ‬أو‭ ‬الأمانة‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭.. ‬فإن‭ ‬افتقدت‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬إحدى‭ ‬القيم‭ ‬فإنها‭ ‬لاشك‭ ‬ستنحدرُ‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬لا‭ ‬يحمدُ‭ ‬عقباه،‭ ‬ونالها‭ ‬الخسران‭ ‬كنتيجة‭ ‬واقعية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬بسبب‭ ‬افتقادها‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬القيمة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬شخصيتها،‭ ‬أما‭ ‬امتلاك‭ ‬القيم‭ ‬فسيرفع‭ ‬ذلك‭ ‬الإمتلاك‭ ‬شأنها،‭ ‬وسيكون‭ ‬لسمعتها‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬الأثر‭ ‬الطيب‭.‬

إذن‭ ‬فالقيم‭ ‬تشكّل‭ ‬حاجزاً‭ ‬وضابطاً‭ ‬يمنعُ‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الإنحراف‭ ‬عن‭ ‬الجادّة‭ ‬التي‭ ‬رسمتها‭ ‬له‭ ‬القيم‭ ‬الفاضلة‭ ‬التي‭ ‬تتسقُ‭ ‬مع‭ ‬الفطرةِ‭ ‬السليمة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬ضامنة‭ ‬له‭ ‬لكي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬يصبو‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬طموحات‭ ‬شريفة‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬الإنحرافات‭ ‬الأخلاقية‭ ‬سبباً‭ ‬وراء‭ ‬انهيار‭ ‬الأمن،‭ ‬وهشاشة‭ ‬مفهومِ‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجتمع‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬الإنحرافات‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬تُخرج‭ ‬السلوك‭ ‬البشري‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬التقيُّد‭ ‬بالنظم‭ ‬والقوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تضبطها‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنها‭ ‬خروج‭ ‬عن‭ ‬الفطرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬السليمة‭ ‬التي‭ ‬أكدّت‭ ‬عليها‭ ‬الرسائل‭ ‬السماوية‭ ‬للأديان‭.   

دور‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬السلام‭: ‬

السلامُ‭ ‬في‭ ‬حدِّ‭ ‬ذاته‭ ‬قيمة‭ ‬رفيعة‭ ‬تطمحُ‭ ‬إليها‭ ‬الشعوبُ‭ ‬الراقية،‭ ‬ويسعى‭ ‬إليه‭ ‬القادةُ‭ ‬المصلحون‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬بأن‭ ‬افتقاد‭ ‬الوازع‭ ‬القيمي‭ ‬السليم‭ ‬يقودُ‭ ‬إلى‭ ‬وأدِ‭ ‬قيمة‭ ‬السلام‭..‬

وهنا‭ ‬نضربُ‭ ‬المثلَ‭ ‬في‭ ‬السلام‭ ‬والعنف‭ ‬بالقصة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بين‭ ‬أبناءِ‭ ‬سيدنا‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬قابيل‭ ‬وهابيل‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬الأرض‭.. ‬قصّة‭ ‬توضّح‭ ‬سمة‭ ‬الحقد‭ ‬والحسد‭ ‬عن‭ ‬قابيل‭ ‬وهي‭ ‬صفاتٌ‭ ‬تحاربُ‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬نفس‭ ‬هابيل‭ ‬ترتقي‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ” ‬لَئِن‭ ‬بَسَطتَ‭ ‬إِلَيَّ‭ ‬يَدَكَ‭ ‬لِتَقْتُلَنِي‭ ‬مَا‭ ‬أَنَا‭ ‬بِبَاسِطٍ‭ ‬يَدِيَ‭ ‬إِلَيْكَ‭ ‬لِأَقْتُلَكَ‭ ‬ۖ‭ ‬إِنِّي‭ ‬أَخَافُ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬رَبَّ‭ ‬الْعَالَمِينَ‭ (‬28‭) ‬

وعلى‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬التعارض‭ ‬النسبي‭ ‬بين‭ ‬السلام‭ ‬والعنف‭ ‬يبدو‭ ‬واضحاً‭ ‬لا‭ ‬يحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬دليل،‭ ‬فكلّما‭ ‬ارتقى‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬قِيمه‭ ‬انخفضت‭ ‬درجة‭ ‬العنف‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬تلاشت،‭ ‬أمّا‭ ‬إذا‭ ‬انحدر‭ ‬في‭ ‬قيمه‭ ‬فإن‭ ‬العنف‭ ‬سيطفو‭ ‬كسلوكٍ‭ ‬قبيح‭ ‬بين‭ ‬أفراده،‭ ‬فيهدِّد‭ ‬أمنه‭ ‬واستقراره‭. ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬بناءَ‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬تطوِّر‭ ‬الحضارات‭ ‬يرتهنُ‭ “‬بقدرة‭ ‬المجتمعات‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬العنف‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتجفيف‭ ‬مصادره،‭ ‬وتقليص‭ ‬آثاره‭ ‬إلى‭ ‬الحدود‭ ‬الدنيا‭”  ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬نتائج‭ ‬العنف‭ ‬مدمّرة‭ ‬على‭ ‬الأفرادِ‭ ‬والمجتمعات‭ ‬والمجال‭ ‬البيئي‭ ‬بصورة‭ ‬أوسع‭. 

القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬تحصّن‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬الإنحرافات‭:‬

إن‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يفتقدُ‭ ‬إلى‭ ‬القيم‭ ‬الحصينة‭ ‬لا‭ ‬يصبحُ‭ ‬في‭ ‬مأمنٍ‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تطأ‭ ‬قدمه‭ ‬طريق‭ ‬الخطيئة‭ ‬الزلقة،‭ ‬وأن‭ ‬يُلقي‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬مستنقعات‭ ‬الرذيلة‭ ‬العفنة،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يجدُ‭ ‬ما‭ ‬يمنعه‭ ‬من‭ ‬مصاحبة‭ ‬رفقاء‭ ‬السوء،‭ ‬أو‭ ‬يحميه‭ ‬من‭ ‬الإصابة‭ ‬بالأمراض‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تبعده‭ ‬عن‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتُلقيه‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬أمراض‭ ‬العزلة‭ ‬والإكتئاب‭ ‬والقلق‭ ‬ثم‭ ‬تجرّه‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬إدمان‭ ‬المخدرات‭ ‬أو‭ ‬أوكار‭ ‬الفاحشة‭ ‬أو‭ ‬تصيبه‭ ‬الإعتلالات‭ ‬النفسية‭ ‬الفتّاكة،‭ ‬التي‭ ‬يتغيّر‭ ‬سلوكه‭ ‬بسببها‭ ‬فيصبحُ‭ ‬حادّ‭ ‬الطبع،‭ ‬عنيف‭ ‬السلوك،‭ ‬منطويا‭ ‬على‭ ‬ذاته،‭ ‬لا‭ ‬يعنيه‭ ‬أمر‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولا‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬مشاعرهم‭ ‬أو‭ ‬قضاياهم‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬أمر‭ ‬ضررهم‭ ‬عنده‭ ‬يصبح‭ ‬هيّناً‭ ‬في‭ ‬أيّة‭ ‬لحظة‭ ‬تطغى‭ ‬فيها‭ ‬أنانيته،‭ ‬وتعظم‭ ‬فيها‭ ‬نزواته‭.‬

وفي‭ ‬المقابل‭ ‬فإن‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يتسلّح‭ ‬بالقيم‭ ‬السامية‭ ‬الحميدة‭ ‬يكون‭ ‬محصّناً‭ ‬ضد‭ ‬الآفات‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬والإعتلالات‭ ‬النفسية،‭ ‬ومصاناً‭ ‬من‭ ‬الإنزلاقات‭ ‬والإنحرافات‭ ‬الخلقية،‭ ‬ومحميّاً‭ ‬من‭ ‬الرِّفقة‭ ‬الفاسدة،‭ ‬وآمناً‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬السوء،‭ ‬وأوكار‭ ‬الخنى،‭ ‬وأرجاس‭ ‬الفاحشة‭.‬

إن‭ ‬ترسّخ‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية‭ ‬يقيها‭ ‬من‭ ‬عوارض‭ ‬الإنحرافات،‭ ‬ويحفظها‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬القلبية‭ ‬كالحسد،‭ ‬والحقد،‭ ‬والضغينة،‭ ‬والبغضاء،‭ ‬والغيبة،‭ ‬والنميمة‭ ‬وغيرها،‭ ‬كما‭ ‬يحصِّنها‭ ‬من‭ ‬الغدر،‭ ‬والمكر،‭ ‬والغش،‭ ‬والإحتيال،‭ ‬والكذب،‭ ‬فيصبحُ‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬كفةٍ‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬العدل‭ ‬والمساواة،‭ ‬وتسود‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتصبح‭ ‬للكلمة‭ ‬بينهم‭ ‬قيمة‭ ‬عليا،‭ ‬وللمصلحة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬منفعة‭ ‬الجماعة‭ ‬المنزلة‭ ‬الأعلى‭ ‬فوق‭ ‬المنافع‭ ‬الذاتية‭. ‬

القيم‭ ‬هي‭ ‬الحصنُ‭ ‬الآمن‭ ‬للمجتمعات‭ ‬الإنسانية‭:‬

لا‭ ‬ريبَ‭ ‬أن‭ ‬الشواهد‭ ‬التاريخية‭ ‬تنبّأُ‭ ‬عن‭ ‬الخراب‭ ‬الذي‭ ‬أودى‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬أصابها‭ ‬الإنحلال‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬والإنحدار‭ ‬القيمي‭ ‬وذلك‭ ‬لأسبابٍ‭ ‬شتى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الترف‭ ‬في‭ ‬الماديات،‭ ‬والتبذير‭ ‬في‭ ‬الثروات‭ ‬والنّعم،‭ ‬والفساد‭ ‬المادي‭ ‬والأخلاقي،‭ ‬وممارسة‭ ‬الإستبداد‭ ‬والتعسف،‭ ‬وانتشار‭ ‬الظلم،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬مما‭ ‬يعدُّ‭ ‬أسباباً‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬السوية‭ ‬انحدرت‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬هوة‭ ‬سحيقةٍ‭ ‬تلاشت‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭. ‬

أما‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬حصّنتها‭ ‬القيم‭ ‬الفاضلة،‭ ‬فقد‭ ‬شهد‭ ‬التاريخ‭ ‬على‭ ‬أثرها‭ ‬في‭ ‬تقدّم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وسمو‭ ‬مقاصد‭ ‬أعمالها‭ ‬الصالحة‭ ‬التي‭ ‬قصدت‭ ‬بها‭ ‬تنمية‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬النواحي‭. ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬تعدُّ‭ ‬أثمن‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬الأمم،‭ ‬وأعظم‭ ‬ما‭ ‬تحرصُ‭ ‬على‭ ‬بقائه‭ ‬لأن‭ ‬مصيرها‭ ‬متعلقٌ‭ ‬به،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬يقول‭ ‬دوركايم‭  ‬بقوله‭ :”‬الأمور‭ ‬الأخلاقية‭ ‬لها‭ ‬قيمة‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بسائر‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وآية‭ ‬ذلك‭ ‬أننا‭ ‬نضحي‭ ‬بأنفسنا‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬مما‭ ‬يدلُّ‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬نظير‭ ‬لها،‭ ‬والعواطف‭ ‬الجماعية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يتوافر‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬الشرط‭ ‬ولأنها‭ ‬الصدى‭ ‬في‭ ‬نفوسنا‭ ‬لصوت‭ ‬الجماعة‭ ‬العظيم‭”‬،‭ ‬وإيجازاً‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬القيم‭ ‬هي‭ ‬أساس‭ ‬التنمية،‭ ‬ومحرّك‭ ‬التقدم،‭ ‬وصمّام‭ ‬الأمان‭ ‬للمجتمعات‭.‬

‭ ‬وفيما‭ ‬يلي‭ ‬أستعرضُ‭ ‬بعض‭ ‬القيم‭ ‬الأساسية‭ ‬لترسيخ‭ ‬قيمة‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭:‬

أثر‭ ‬قيمة‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي

التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬القدرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬جغرافي‭ ‬واحد،‭ ‬ويأتي‭ ‬ذلك‭ ‬كمحصّلةٍ‭ ‬لتجاوز‭ ‬البشر‭ ‬الإختلافات‭ ‬الفكرية،‭ ‬والدينية،‭ ‬والعرقية،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬مما‭ ‬يعدُّ‭ ‬فارقاً‭ ‬بين‭ ‬فئةٍ‭ ‬وأُخرى‭. ‬

هذه‭ ‬القيمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الرفيعة‭ ‬تتجاوز‭ ‬معنى‭ ‬الإختلاف‭ ‬وتتأسس‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬التعارف‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬الإحترام،‭ ‬وتبادل‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬المنظمة،‭ ‬والأفق‭ ‬الفكري‭ ‬والنفسي‭ ‬الواسع‭. ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ” ‬يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬النَّاسُ‭ ‬إِنَّا‭ ‬خَلَقْنَاكُم‭ ‬مِّن‭ ‬ذَكَرٍ‭ ‬وَأُنثَىٰ‭ ‬وَجَعَلْنَاكُمْ‭ ‬شُعُوبًا‭ ‬وَقَبَائِلَ‭ ‬لِتَعَارَفُوا‭ ‬ۚ‭ ‬إِنَّ‭ ‬أَكْرَمَكُمْ‭ ‬عِندَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬أَتْقَاكُمْ‭ ‬ۚ‭ ‬إِنَّ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬عَلِيمٌ‭ ‬خَبِيرٌ‭ (‬13‭/‬الحجرات‭).‬

وفي‭ ‬مسعى‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬ضرب‭ ‬لنا‭ ‬قدوتنا‭ ‬الحسنة،‭ ‬نبينا‭ ‬الكريم‭ ‬عليه‭ ‬أفضل‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬مثلاً‭ ‬عظيماً‭ ‬لإرساء‭ ‬مبدأ‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬جاءَ‭ ‬به‭ ‬الإسلام‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬معاهدة‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬أبرمها‭ ‬مع‭ ‬الطوائف‭ ‬الأُخرى‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬لوصوله‭ ‬المدينة‭ ‬وتأسيس‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭. ‬حيث‭ ‬اعتبرت‭ ‬بمثابة‭ “‬أول‭ ‬دستور‭ ‬مدني‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬واعتبره‭ ‬الكثيرون‭ ‬مفخرة‭ ‬من‭ ‬مفاخر‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬ومَعلَمًا‭ ‬من‭ ‬معالم‭ ‬مجدها‭ ‬السياسي‭ ‬والإنساني‭” .‬

سعى‭ ‬النبي‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الدستور‭ ‬إلى‭ “‬تنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬طوائف‭ ‬وجماعات‭ ‬المدينة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬المهاجرين‭ ‬والأنصار‭ ‬والفصائل‭ ‬اليهودية‭ ‬وغيرهم،‭ ‬يتصدى‭ ‬بمقتضاه‭ ‬المسلمون‭ ‬و‭ ‬اليهود‭ ‬وجميع‭ ‬الفصائل‭ ‬لأي‭ ‬عدوان‭ ‬خارجي‭ ‬على‭ ‬المدينة‭” . ‬وبموجبه‭ ‬يوافق‭ ‬الجميع‭ ‬بما‭ ‬جاء‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬بنود‭ ‬منصفةٍ‭ ‬للفصائل‭ ‬الموقعة‭ ‬عليه،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ “‬صارت‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬دولة‭ ‬وفاقية‭ ‬رئيسها‭ ‬الرسول‭-‬صَلَّى‭ ‬اللَّهُ‭ ‬عَلَيْهِ‭ ‬وَسَلَّمَ‭-‬،‭ ‬وصارت‭ ‬المرجعية‭ ‬العليا‭ ‬للشريعة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وصارت‭ ‬جميع‭ ‬الحقوق‭ ‬الإنسانية‭ ‬مكفولة،‭ ‬كحق‭ ‬حرية‭ ‬الاعتقاد‭ ‬وممارسة‭ ‬الشعائر،‭ ‬والمساواة‭ ‬والعدل‭” .‬

يقول‭ ‬المستشرق‭ ‬الروماني‭ ‬جيورجيو

‭”‬حوى‭ ‬هذا‭ ‬الدستور‭ ‬اثنين‭ ‬وخمسين‭ ‬بندا،‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬رأي‭ ‬رسول‭ ‬الله‭. ‬خمسة‭ ‬وعشرون‭ ‬منها‭ ‬خاصة‭ ‬بأمور‭ ‬المسلمين،‭ ‬وسبعة‭ ‬وعشرون‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬الأديان‭ ‬الأخرى،‭ ‬ولاسيما‭ ‬اليهود‭ ‬وعبدة‭ ‬الأوثان‭. ‬وقد‭ ‬دُون‭ ‬هذا‭ ‬الدستور‭ ‬بشكل‭ ‬يسمح‭ ‬لأصحاب‭ ‬الأديان‭ ‬الأخرى‭ ‬بالعيش‭ ‬مع‭ ‬المسلمين‭ ‬بحرية،‭ ‬ولهم‭ ‬أن‭ ‬يقيموا‭ ‬شعائرهم‭ ‬حسب‭ ‬رغبتهم،‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يتضايق‭ ‬أحد‭ ‬الفرقاء‭. ‬وضع‭ ‬هذا‭ ‬الدستور‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬للهجرة،‭ ‬أى‭ ‬عام‭ ‬623م‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬مهاجمة‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عدو‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يتحدوا‭ ‬لمجابهته‭ ‬وطرده‭” .‬

هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬تعبِّر‭ ‬بجلاءٍ‭ ‬تام‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬–دينُ‭ ‬القيمِ‭ ‬السامية‭- ‬قد‭ ‬جاءَ‭ ‬لإفشاء‭ ‬السلام،‭ ‬فقد‭ ‬اقترن‭ ‬اسمه‭ ‬بالسلام،‭ ‬وهدف‭ ‬سعيه‭ ‬إلى‭ ‬إشاعة‭ ‬القيم‭ ‬الحميدة‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬توطيد‭ ‬السلام‭ ‬بين‭ ‬أبناءِ‭ ‬أب‭ ‬البشر‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭.‬

التسامح‭ ‬فن‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭:‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬التعصّبُ‭ ‬يعني‭ ‬الإنحياز‭ ‬الأعمى‭ ‬للذات‭ ‬ورفض‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬عنّا‭ ‬فكراً‭ ‬وعقيدةً‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬خلق‭ ‬إشكاليات‭ ‬معقّدة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬فإن‭ ‬التسامح‭ ‬هو‭ ‬فضيلة‭ ‬الرقي‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬المختلفِ‭ ‬عنّا‭ ‬في‭ ‬قناعاته‭ ‬وأفكاره،‭ ‬وفق‭ ‬ضوابط‭ ‬معيّنة‭ ‬فـ‭”‬التسامح‭ ‬بالمعنى‭ ‬النبيل‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬أساس‭ ‬التساهل،‭ ‬ولا‭ ‬الشهامة‭ ‬والضعف،‭ ‬ولا‭ ‬الحساب‭ ‬النفعي‭ ‬أو‭ ‬الذرائعي،‭ ‬إنه‭ ‬الاعتراف‭ ‬بتعددية‭ ‬المواقف‭ ‬الفلسفية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والإعتراف‭ ‬بتنوع‭ ‬الآراء‭ ‬والقناعات‭ ‬والأفعال،‭ ‬والأخلاق‭ ‬الناجمة‭ ‬عنها‭ ‬وبضرورة‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬تبايناتها‭ ‬الحاسمة‭ ‬وتنافراتها‭ ‬ضمن‭ ‬نظام‭ ‬مدني‭ ‬سياسي‭” .‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الأشياء‭ ‬تتمايز‭ ‬بأضدادها‭ ‬فإن‭ ‬التعصّب‭ ‬المدمّر‭ ‬قد‭ ‬حكم‭ ‬بالمواتِ‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬الإنساني‭ ‬المشترك،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬فإن‭ ‬التسامح‭ ‬أحياهُ‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬سامٍ‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تقدير‭ ‬الإختلاف‭ ‬وعدم‭ ‬إقصاء‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف‭ ‬وفق‭ ‬نظامٍ‭ ‬حقوقي‭ ‬رفيع،‭ ‬والتسامحُ‭ ‬بهذا‭ “‬يرتبط‭ ‬ارتباطا‭ ‬عميقا‭ ‬بمفهوم‭ ‬السلام،‭ ‬فالسلام‭ ‬هو‭ ‬لازمة‭ ‬طبيعة‭ ‬لمفهوم‭ ‬التسامح‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬السلام‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬الحرب،‭ ‬ووجود‭ ‬الأمن‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬التسامح‭ ‬كضرورة‭ ‬حيوية‭ ‬لمفهوم‭ ‬السلام‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬أن‭ ‬التسامح‭ ‬والسلام‭ ‬هما‭ ‬مفهوم‭ ‬واحد‭ ‬بوجهين‭ ‬متشابهين‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭” . 

العدلُ‭ ‬والحق‭ ‬والمساواة‭ ‬أُسس‭ ‬السلام

حين‭ ‬كان‭ ‬مبعوث‭ ‬كسرى‭ ‬يبحثُ‭ ‬عن‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬وجده‭ ‬نائماً‭ ‬تحت‭ ‬شجرة،‭ ‬فقال‭ ‬مقولته‭ ‬المشهورة‭ “‬حكمت‭ ‬فعدلتَ‭ ‬فأمنتَ‭ ‬فنمت‭” ‬فالعدلُ‭ ‬هو‭ ‬مؤسس‭ ‬السلام،‭ ‬وهو‭ ‬لبنةُ‭ ‬البناءِ‭ ‬الصلبةِ‭ ‬في‭ ‬الأوطان،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬تحيد‭ ‬عن‭ ‬العدلِ‭ ‬هي‭ ‬دولةٌ‭ ‬هشّة‭ ‬البناء،‭ ‬متداعية‭ ‬الأركان‭. ‬ذلك‭ ‬لأن‭ “‬العدل‭ ‬أساس‭ ‬الملك‭” ‬فهو‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الأهواءِ‭ ‬والعواطف‭ ‬والإنفعالات‭ ‬مع‭ ‬جميع‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬أجناسهم،‭ ‬ومراتبهم،‭ ‬وألوانهم،‭ ‬فلا‭ ‬تعيقه‭ ‬ضغينة‭ ‬في‭ ‬النفس،‭ ‬ولا‭ ‬يتحيّزُ‭ ‬إلى‭ ‬هوى،‭ ‬أو‭ ‬يميلُ‭ ‬إلى‭ ‬مصلحة‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬﴿‭ ‬وَلا‭ ‬يَجْرِمَنَّكُمْ‭ ‬شَنَآنُ‭ ‬قَوْمٍ‭ ‬عَلَى‭ ‬أَلاَّ‭ ‬تَعْدِلُوا‭ ‬اعْدِلُوا‭ ‬هُوَ‭ ‬أَقْرَبُ‭ ‬لِلتَّقْوَى‭ ‬﴾‭ [‬المائدة‭: ‬8‭] ‬أي‭: ‬لا‭ ‬تدفعكم‭ ‬خصومتكم‭ ‬لقومٍ‭ ‬من‭ ‬الأقوام‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تظلموهم‭ ‬حين‭ ‬تقيمون‭ ‬العدل،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تترفعوا‭ ‬في‭ ‬أحكامكم‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬هوى،‭ ‬وتتنزهوا‭ ‬عن‭ ‬أيّة‭ ‬مشاعر‭ ‬شخصية‭.‬

فإذا‭ ‬تم‭ ‬ذلك‭ ‬للعدلِ‭ ‬كان‭ ‬أساساً‭ ‬قويماً‭ ‬للأمنِ‭ ‬في‭ ‬الأوطان،‭ ‬إذ‭ ‬يشعرُ‭ ‬كل‭ ‬فردٍ‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬مأمنٍ‭ ‬على‭ ‬نفسهِ،‭ ‬وأهلهِ،‭ ‬وعرضه،‭ ‬وماله،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يشيع‭ ‬السلامَ‭ ‬ويقوي‭ ‬أثره،‭ ‬ويوسّع‭ ‬ظلّه‭. ‬

الأمانة‭ ‬والاخلاص‭ ‬أعمدة‭ ‬البناءِ‭ ‬المجتمعي

تعدُّ‭ ‬الأمانة‭ ‬قاعدة‭ ‬المعاملات‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬البشر،‭ ‬وأساس‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬بناءِ‭ ‬الدول،‭ ‬وإدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الأفراد‭ ‬فيها،‭ ‬فلا‭ ‬سلام‭ ‬دون‭ ‬شيوع‭ ‬الأمانة‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬إذا‭ ‬تفشّى‭ ‬الغشُّ‭ ‬والفسادُ‭ ‬والنَّصْبُ‭ ‬والإحتيال‭ ‬والتدليس‭ ‬والكذب،‭ ‬لهذا‭ ‬يحذّر‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬الأمانة‭ ‬في‭ ‬ركنٍ‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬أركانها‭ ‬وهو‭ ‬الركن‭ ‬الخاصُّ‭ ‬بإدارة‭ ‬شؤون‭ ‬الدول،‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ((‬إذا‭ ‬ضُيِّعَتِ‭ ‬الأمانةُ‭ ‬فانتظر‭ ‬الساعة‭, ‬قال‭: ‬كيف‭ ‬إضاعتُها‭ ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬الله؟‭ ‬قال‭: ‬إذا‭ ‬أُسندَ‭ ‬الأمْرُ‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬أهله،‭ ‬فانتظر‭ ‬السَّاعة‭)) .‬

ولا‭ ‬يجدُ‭ ‬عليه‭ ‬أزكى‭ ‬صلاة‭ ‬وتسليم‭ ‬غضاضة‭ ‬من‭ ‬إخراج‭ ‬الغاش‭ ‬من‭ ‬ربقة‭ ‬الإسلام‭ ‬بقوله‭ “‬من‭ ‬غشّنا‭ ‬فليس‭ ‬منّي‭”  ‬وذلك‭ ‬حينما‭ ‬أدخل‭ ‬يده‭ ‬الشريفة‭ ‬في‭ ‬طعام‭ ‬فوجده‭ ‬أسفله‭ ‬مبلولاً‭ ‬بالماء‭.  ‬وهنا‭ ‬يرتبطُ‭ ‬مفهوم‭ ‬السلامِ‭ ‬بالأمانة‭ ‬والإخلاص‭ ‬فيها‭ ‬ارتباطاً‭ ‬قوياً‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬يضيّع‭ ‬أفرادها‭ ‬ما‭ ‬أئتمنوا‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الواجبات‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬بالإفسادِ‭ ‬فيه،‭ ‬والغش،‭ ‬والإهمال،‭ ‬والإرتشاء،‭ ‬وعدم‭ ‬الإكتراث،‭ ‬وقضاء‭ ‬المصالح‭ ‬الشخصية،‭ ‬والمحسوبيات‭ ‬فإنها‭ ‬تفتقدُ‭ ‬إلى‭ ‬السلامِ‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الشامل‭.‬

الخيرُ‭ ‬والإحسانُ‭ ‬والعطاء‭ ‬قيمٌ‭ ‬تقوي‭ ‬لحمة‭ ‬المجتمع

لنا‭ ‬أن‭ ‬نتخيّل‭ ‬صورة‭ ‬مجتمعٍ‭ ‬يتعاونُ‭ ‬أفراده‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭ ‬من‭ ‬أجلِ‭ ‬مساعدة‭ ‬المحتاج،‭ ‬والتفريج‭ ‬عن‭ ‬الفقير،‭ ‬ومساندة‭ ‬المعوز،‭ ‬وكفالة‭ ‬اليتيم،‭ ‬وإعانة‭ ‬الملهوف‭.. ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬قوي‭ ‬الأواصر،‭ ‬سميك‭ ‬الأركان،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عناه‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬بقوله‭ “‬مَثَلُ‭ ‬المؤمنين‭ ‬في‭ ‬تَوَادِّهم‭ ‬وتراحُمهم‭ ‬وتعاطُفهم‭: ‬مثلُ‭ ‬الجسد،‭ ‬إِذا‭ ‬اشتكى‭ ‬منه‭ ‬عضو‭ ‬تَدَاعَى‭ ‬له‭ ‬سائرُ‭ ‬الجسد‭ ‬بالسَّهَرِ‭ ‬والحُمِّى‭” ‬،‭ ‬فإحسان‭ ‬الغني‭ ‬للفقير،‭ ‬ومساعدة‭ ‬القوي‭ ‬للضعيف،‭ ‬ونجدة‭ ‬الموسر‭ ‬للمعسر،‭ ‬تشيع‭ ‬المودة‭ ‬بين‭ ‬مكوناته،‭ ‬وتقويّ‭ ‬العاطفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬فيه،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يشيع‭ ‬السلام‭ ‬بين‭ ‬أفراده،‭ ‬وربوعه‭.‬

إن‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تنتشرُ‭ ‬فيها‭ ‬الأثرة،‭ ‬والمصالح‭ ‬الفردية،‭ ‬والجشع،‭ ‬تنتشرُ‭ ‬فيها‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬دافعها‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬رغبة‭ ‬الإنتقامِ‭ ‬من‭ ‬المجتمع،‭ ‬والثأر‭ ‬مما‭ ‬يلقاهُ‭ ‬الفردُ‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اهتمام‭ ‬ولامبالاة‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يملكون‭ ‬الثروة‭ ‬فيه،‭ ‬فلا‭ ‬يعنيه‭ ‬أمرَ‭ ‬الفقراءِ‭ ‬فيه،‭ ‬ولا‭ ‬حالة‭ ‬المعسرين،‭ ‬ولا‭ ‬شقاء‭ ‬المعوزين‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬بأن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الثورات‭ ‬قامت‭ ‬ضد‭ ‬الإقطاعين‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬وعلى‭ ‬المترفين‭ ‬في‭ ‬دولٍ‭ ‬عربية‭.  ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬الإحسان‭ ‬والعطاء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أبوابٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬تحفظُ‭ ‬للمجتمع‭ ‬سلمه‭ ‬وأمنه،‭ ‬وهي‭ ‬واجبٌ‭ ‬محتم‭ ‬على‭ ‬القادر‭ ‬الذي‭ ‬رزقه‭ ‬الله‭ ‬مالاً‭ ‬ليعين‭ ‬به‭ ‬المحتاج،‭ ‬ويسعف‭ ‬به‭ ‬الفقير‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تسود‭ ‬الطمئنينة‭ ‬والمودة‭ ‬سائر‭ ‬أفراده‭.‬

الإطار‭ ‬القيمي‭ ‬يصنع‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية

إن‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬السليمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬شيوع‭ ‬الإحترام‭ ‬والرحمة‭ ‬والمودة‭ ‬والسماحة‭ ‬والإعتدال،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تقدّر‭ ‬الذات‭ ‬البشرية،‭ ‬وتجعل‭ ‬لها‭ ‬قيمتها‭ ‬وتحفظُ‭ ‬لها‭ ‬كرامتها،‭ ‬وعلى‭ ‬ذلك‭ ‬تقوم‭ ‬أُسس‭ ‬العلاقات‭ ‬الراقية‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتقوِّي‭ ‬اللُّّحمة‭ ‬الوطنية‭. ‬يقول‭ ‬مارتن‭ ‬لوثر‭ :”‬ليست‭ ‬سعادة‭ ‬البلاد‭ ‬بوفرة‭ ‬إيرادها،‭ ‬ولا‭ ‬بقوة‭ ‬حصونها،‭ ‬ولا‭ ‬بجمال‭ ‬بنائها،‭ ‬وإنما‭ ‬سعادتها‭ ‬بعدد‭ ‬المهذبين‭ ‬من‭ ‬أبنائها،‭ ‬وبعدد‭ ‬الرجال‭ ‬ذوي‭ ‬التربية‭ ‬والأخلاق‭ ‬فيها‭” ‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬قد‭ ‬حضَّ‭ ‬على‭ ‬الأخلاق‭ ‬وجعلها‭ ‬غاية‭ ‬العبادات،‭ ‬ورفع‭ ‬صاحبها‭ ‬منزلة‭ ‬رفيعة،‭ ‬لأنها‭ ‬في‭ ‬المنظور‭ ‬الإسلامي‭ ‬هي‭ ‬أساس‭ ‬تقدُّم‭ ‬الشعوب،‭ ‬ورفعة‭ ‬شأن‭ ‬البشر؛‭ ‬فبالقيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬تسود‭ ‬روح‭ ‬الأخوة،‭ ‬وتتوطد‭ ‬المحبة،‭ ‬ويقوى‭ ‬التضامن‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭ “‬واعتصموا‭ ‬بحبل‭ ‬الله‭ ‬جميعاً‭ ‬ولا‭ ‬تفرقوا‭” (‬103-آل‭ ‬عمران‭).‬

الإحترام‭ ‬والتوقير‭ ‬قوام‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭:‬

العلاقات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الإحترام‭ ‬والتوقير‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬هي‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬ترتهن‭ ‬إليه‭ ‬قوة‭ ‬المجتمع‭ ‬لا‭ ‬المال،‭ ‬يقول‭ ‬عليه‭ ‬أفضل‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭:”‬إِنَّكُمْ‭ ‬لا‭ ‬تَسَعُونَ‭ ‬اَلنَّاسَ‭ ‬بِأَمْوَالِكُمْ،‭ ‬وَلَكِنْ‭ ‬لِيَسَعْهُمْ‭ ‬بَسْطُ‭ ‬اَلْوَجْهِ،‭ ‬وَحُسْنُ‭ ‬اَلْخُلُقِ‭” ‬فلا‭ ‬قيمة‭ ‬للإنسان‭ ‬المغرور،‭ ‬المتعالي‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬الإستخفاف‭ ‬والاستحقار،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬السنة‭ ‬النبوية‭ ‬كانت‭ ‬حازمة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬طبائع‭ ‬البشر‭ ‬بقول‭ ‬المصطفى‭ ‬عليه‭ ‬أفضل‭ ‬صلاة‭ ‬وأزكى‭ ‬تسليم‭ :” ‬لا‭ ‬يَدْخُلُ‭ ‬الْجَنَّةَ‭ ‬مَنْ‭ ‬كَانَ‭ ‬فِي‭ ‬قَلْبِهِ‭ ‬مِثْقَالُ‭ ‬ذَرَّةٍ‭ ‬مِنْ‭ ‬كِبْرٍ،‭ ‬قَالَ‭ ‬رَجُلٌ‭: ‬إِنَّ‭ ‬الرَّجُلَ‭ ‬يُحِبُّ‭ ‬أَنْ‭ ‬يَكُونَ‭ ‬ثَوْبُهُ‭ ‬حَسَنًا،‭ ‬وَنَعْلُهُ‭ ‬حَسَنَةً،‭ ‬قَالَ‭: ‬إِنَّ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬جَمِيلٌ‭ ‬يُحِبُّ‭ ‬الْجَمَالَ،‭ ‬الْكِبْرُ‭ ‬بَطَرُ‭ ‬الْحَقِّ،‭ ‬وَغَمْطُ‭ ‬النَّاسِ‭” ‬،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬حظ‭ ‬على‭ ‬الإحترام‭ ‬وتوقير‭ ‬الناس،‭ ‬وإنزالهم‭ ‬المقام‭ ‬اللائق‭ ‬بهم‭ ‬نظير‭ ‬شرفهم‭ ‬أو‭ ‬علمهم‭ ‬أو‭ ‬منزلتهم‭ ‬في‭ ‬قومهم،‭ ‬أو‭ ‬رجاحة‭ ‬عقولهم،‭ ‬يقول‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ -‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭-: “‬أنزلوا‭ ‬الناس‭ ‬منازلهم‭” ‬،‭ ‬وحذّر‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يقسو‭ ‬على‭ ‬الصغير‭ ‬ولا‭ ‬يقيم‭ ‬وزناً‭ ‬للكبير‭ ‬لقوله‭ ‬عليه‭ ‬أفضل‭ ‬الصلاة‭ ‬والتسليم‭: “‬ليس‭ ‬منا‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يرحم‭ ‬صغيرنا،‭ ‬ويعرف‭ ‬شرف‭ ‬كبيرنا‭” .‬

إن‭ ‬قيم‭ ‬الإحترام‭ ‬والتوقير‭ ‬والتواضع‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬للفرد‭ ‬قبولاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬عند‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬ماله‭ ‬أو‭ ‬سلطته‭ ‬أو‭ ‬نفوذه،‭ ‬وبهذا‭ ‬تتحقق‭ ‬سعادته‭ ‬وسعادة‭ ‬المجتمع،‭ ‬ويتناغم‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬تزكو‭ ‬بها‭ ‬الأنفس،‭ ‬وترتقي‭ ‬بها‭ ‬المشاعر‭. ‬فالتهذيبُ‭ ‬هو‭ ‬الحبل‭ ‬الجامع‭ ‬لفتائلِ‭ ‬قيم‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وبه‭ ‬ترقى‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ويسمو‭ ‬الأفراد،‭  ‬يقول‭ ‬أوجست‭ ‬كانت‭  : ‬‮«‬‭ ‬إن‭ ‬النقص‭ ‬الحاصل‭ ‬من‭ ‬إهمال‭ ‬التهذيب‭ ‬أشد‭ ‬وطأة‭ ‬وأضر‭ ‬بالإنسان‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬التعليم‮»‬

قيم‭ ‬التسامح‭ ‬والوفاق‭ ‬والتآلف‭ ‬

لبنات‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭: ‬

يقول‭ ‬مارتن‭ ‬لوثر‭ : ‬‮«‬‭ ‬ليست‭ ‬سعادة‭ ‬البلاد‭ ‬بوفرة‭ ‬إيرادها،‭ ‬ولا‭ ‬بقوة‭ ‬حصونها،‭ ‬ولا‭ ‬بجمال‭ ‬بنائها،‭ ‬وإنما‭ ‬سعادتها‭ ‬بعدد‭ ‬المهذبين‭ ‬من‭ ‬أبنائها،‭ ‬وبعدد‭ ‬الرجال‭ ‬ذوي‭ ‬التربية‭ ‬والأخلاق‭ ‬فيها‮»‬‭ ‬وطبقاً‭ ‬لذلك‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الشقاء‭ ‬مآل‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بها‭ ‬النعرات‭ ‬الطائفية،‭ ‬وبدّدتها‭ ‬العصبيات‭ ‬الدينية،‭ ‬أو‭ ‬القبلية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬التحزّبات‭ ‬بالأوطان،‭ ‬ودمّرتها‭ ‬تدميراً‭ ‬عظيماً‭ ‬أتلفت‭ ‬فيها‭ ‬مقدراتها،‭ ‬ومكتسباتها،‭ ‬وأحالت‭ ‬العيش‭ ‬فيها‭ ‬مستحيلاً‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬الإنحدار‭ ‬القيمي‭ ‬الذي‭ ‬غلبت‭ ‬عليه‭ ‬الأنانيات،‭ ‬والأفكار‭ ‬الرخيصة،‭ ‬والفتن،‭ ‬فلم‭ ‬يأمن‭ ‬الفرد‭ ‬فيها‭ ‬صيانة‭ ‬عرضه،‭ ‬وحماية‭ ‬ماله،‭ ‬بل‭ ‬شاع‭ ‬فيها‭ ‬الخوف،‭ ‬واضطرب‭ ‬فيها‭ ‬الأمن‭.‬

بالمقابل‭ ‬فإن‭ ‬قيم‭ ‬التسامح‭ ‬والوفاق‭ ‬والتآلف‭ ‬قد‭ ‬عزَّزت‭ ‬شيوع‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الراقية،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬اعتلى‭ ‬أفرادها‭ ‬فوق‭ ‬هذه‭ ‬النوازع‭ ‬الفردية،‭ ‬والنزوات‭ ‬الشخصية‭ ‬إلى‭ ‬مراتب‭ ‬إنسانية‭ ‬عُليا،‭ ‬توحّدوا‭ ‬فيها‭ ‬لصنع‭ ‬مستقبل‭ ‬مشترك،‭ ‬وتعاونوا‭ ‬فيها‭ ‬لتقرير‭ ‬مصيرٍ‭ ‬موحّد،‭ ‬فعم‭ ‬السلم،‭ ‬وشاع‭ ‬الأمن،‭ ‬وسكنت‭ ‬الطمأنينة‭ ‬في‭ ‬النفوس‭. ‬

القيم‭ ‬الفلسفية‭ ‬المؤسسة‭ ‬للتجربة‭ ‬العمانية‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬السلام

عمانُ‭ ‬صانعةُ‭ ‬السلامِ‭. ‬وصناعةُ‭ ‬السلامِ‭ ‬أجلُّ‭ ‬وأعظمُ‭ ‬صناعةٍ‭ ‬على‭ ‬وجهِ‭ ‬الأرضِ‭ ‬في‭ ‬الوقتِ‭ ‬الرّاهن‭. ‬وإنّ‭ ‬من‭ ‬أبرزَ‭ ‬ما‭ ‬سيخلّده‭ ‬التاريخ‭ ‬عن‭ ‬عهدِ‭ ‬جلالة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭-‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭- ‬هو‭ ‬صناعته‭ ‬للسلام‭. ‬

إن‭ ‬وراءَ‭ ‬صناعةِ‭ ‬السلامِ‭ ‬فلسفة‭ ‬عميقة‭ ‬تمتدُّ‭ ‬بجذورها‭ ‬إلى‭ ‬النفس‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬منابعها‭ ‬الصافية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكدّرها‭ ‬بعدُ‭ ‬أي‭ ‬مكدّر‭ ‬خارجي،‭ ‬يقول‭ (‬مارفين‭ ‬غاي‭ ): “‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬إيجاد‭ ‬السلام‭ ‬داخل‭ ‬نفسك،‭ ‬لن‭ ‬تجده‭ ‬أبداً‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭” ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نجدهُ‭ ‬في‭ ‬الشخصية‭ ‬العمانية‭ ‬المسالمة‭ ‬كثقافةٍ‭ ‬ضاربةٍ‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬شخصية‭ ‬متصالحةٌ‭ ‬مع‭ ‬ذاتها،‭ ‬متسالمةٌ‭ ‬مع‭ ‬نفسها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬انعكسَ‭ ‬على‭ ‬نظرتها‭ ‬للعالم‭. ‬وليس‭ ‬صحيحاً‭ ‬ما‭ ‬يبرّره‭ ‬من‭ ‬يحدث‭ ‬القلاقل‭ ‬والبلابل‭ ‬للآخرين‭ ‬بأنّهم‭ ‬قدّموا‭ ‬الذرائع،‭ ‬ومهدوا‭ ‬للأسباب،‭ ‬وإنّما‭ ‬الصحيحُ‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يصنع‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬لهذا‭ ‬نظر‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬بقتامةٍ‭ ‬وبؤس‭ ‬فخافَ‭ ‬على‭ ‬مصيرهِ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُقضى‭ ‬عليه‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬واهمٌ‭ ‬مخادع‭..! ‬

إن‭ ‬الذي‭ ‬يستشعرُ‭ ‬السلامَ‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬يعيشهُ‭ ‬في‭ ‬واقعه،‭ ‬وعندها‭ ‬يصبحُ‭ ‬مبادراً‭ ‬لأجلِ‭ ‬أن‭ ‬يعمّ‭ ‬السلام‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬وطنهِ‭ ‬وحسب‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬سائر‭ ‬أصقاعِ‭ ‬الأرض،‭ ‬أمّا‭ ‬ذلك‭ ‬المضطربِ‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬الغير‭ ‬متوافق‭ ‬ذاتياً‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬فهو‭ ‬الموقدُ‭ ‬للفتن،‭ ‬المشعلُ‭ ‬للحروب،‭ ‬المنشغلُ‭ ‬بالتفاهاتِ‭ ‬من‭ ‬الأمور‭..! ‬

أمّا‭ ‬عمان‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬الأصلِ‭ ‬ذاتٌ‭ ‬وطنيّةٌُ‭ ‬مسالمة‭ ‬مع‭ ‬التسليم‭ ‬بالقولِ‭ ‬بأنّه‭ ‬لا‭ ‬يوجدُ‭ ‬على‭ ‬ظهرِ‭ ‬الأرضِ‭ ‬مجتمعٌ‭ ‬متجانسٌ‭ ‬كليّةً‭ ‬لكنّ‭ ‬هناك‭ ‬سمةٌ‭ ‬غالبة‭ ‬تطبعُ‭ ‬الروح‭ ‬الجمعية‭ ‬للوطن‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬العمانيين‭ ‬الذين‭ ‬تآلفوا‭ ‬مع‭ ‬بعضهم‭ ‬على‭ ‬اختلافهم‭ ‬وهنا‭ ‬تقعُ‭ ‬الرؤية‭ ‬الفلسفية‭ ‬الثانية‭ ‬للسلام‭ ‬والتي‭ ‬يقول‭ ‬عنها‭ ‬الدالاي‭ ‬مايا‭  :” ‬السلام‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬غياب‭ ‬الصراعات،‭ ‬فالاختلاف‭ ‬سيستمر‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ .. ‬السلام‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نحلَّ‭ ‬هذه‭ ‬الإختلافات‭ ‬بوسائل‭ ‬سلمية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الحوار،‭ ‬التعليم،‭ ‬المعرفة،‭ ‬والطرق‭ ‬الإنسانية‭”. ‬

كنتُ‭ ‬مشاركاً‭ ‬ذات‭ ‬مرّةٍ‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬نقاشٍ‭ ‬تلفزيونية‭ ‬مع‭ ‬مفكرين‭ ‬عرب،‭ ‬حينما‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬المشاركين‭: ‬معلومٌ‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أخلاق‭..! ‬بعده‭ ‬أبديتُ‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬المختلفةِ‭ ‬إذ‭ ‬قلتُ‭: ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬واقعيّة‭ ‬في‭ ‬عالمٍ‭ ‬لا‭ ‬يؤمنُ‭ ‬بالأخلاقيات‭ ‬فذلك‭ ‬صحيح،‭ ‬أمّا‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬فهذا‭ ‬أمرٌ‭ ‬لا‭ ‬يستندُ‭ ‬على‭ ‬دليل،‭ ‬فالبرهانُ‭ ‬الأوضحُ‭ ‬لدينا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يثبتُ‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬تطبّقها‭ ‬عمان‭ ‬قائمةٌ‭ ‬على‭ ‬الأخلاق؛‭ ‬أُنظر‭ ‬إلى‭ ‬اتفاقيات‭ ‬السلام‭ ‬التي‭ ‬وقّعتها‭ ‬عمان‭ ‬مع‭ ‬سائر‭ ‬جيرانها‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬يومٍ‭ ‬من‭ ‬الأيامِ‭ ‬أعداءً،‭ ‬أُنظر‭ ‬لمنطلقات‭ ‬السلامِ‭ ‬الذي‭ ‬تبنّته‭ ‬من‭ ‬أجلِ‭ ‬عيشٍ‭ ‬وفاقٍ‭ ‬دائم‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬أولاَ‭ ‬ينطلقُ‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أخلاقيات‭ ‬العيش‭ ‬الإنساني‭ ‬المشترك‭ ‬المصير‭..‬؟‭! ‬أُنظر‭ ‬إلى‭ ‬سياسةِ‭ ‬العفو‭ ‬والتسامح‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استتباب‭ ‬السلام‭.. ‬أولاَ‭ ‬يستندُ‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬قاعدةِ‭ ‬الأخلاقيات‭ ‬المثلى؟‭!. ‬

صناعةُ‭ ‬السلامِ‭ ‬هي‭ ‬أرقى‭ ‬صناعة‭ ‬على‭ ‬وجهِ‭ ‬الأرضِ‭ ‬لأنّها‭ ‬لا‭ ‬تصدرُ‭ ‬إلاَّ‭ ‬عن‭ ‬نفسٍ‭ ‬زكيّةٍ،‭ ‬تحترمُ‭ ‬نفسها،‭ ‬وتقدّر‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬اختلافاتها،‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬غاياتٍ‭ ‬عُليا‭ ‬لشعوب‭ ‬الأرض‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬الإحترامِ‭ ‬المشترك‭ ‬وعدم‭ ‬التدخّل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الغير،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬العبارة‭ ‬التي‭ ‬نشأنا‭ ‬ونحن‭ ‬نتلقاها‭ ‬دائماً‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬السلامِ‭ ‬جلالة‭ ‬السلطان‭ ‬–أطال‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬عمره‭-.‬

أما‭ ‬الفلسفة‭ ‬الثالثة‭ ‬للسلام‭ ‬فهي‭ ‬أن‭ ‬صناعة‭ ‬السلامِ‭ ‬لا‭ ‬يمكنُ‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬بإخضاعِ‭ ‬الآخر‭ ‬كُرهاً‭ ‬وإذلالهِ‭ ‬قسراً‭ ‬كي‭ ‬يتوائمَ‭ ‬ويتكيّف‭ ‬مع‭ ‬سياسةِ‭ ‬القوي‭ ‬الذي‭ ‬يدّعي‭ ‬صناعة‭ ‬السلام‭..! ‬هذا‭ ‬أمرٌ‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬الأبِ‭ ‬وأبنائه،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬المعلّم‭ ‬وطلاّبه‭..! ‬لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬العلمية‭ ‬والنفسية‭ ‬والإجتماعية‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬الإكراه‭ ‬والإذلال‭ ‬لن‭ ‬تصنعَ‭ ‬أحراراً‭ ‬بل‭ ‬تخلق‭ ‬عبيداً‭ ‬حاقدين‭ ‬لن‭ ‬يلبثوا‭ ‬عند‭ ‬الفرصة‭ ‬المواتية‭ ‬حتى‭ ‬يثوروا‭ ‬ثورةَ‭ ‬انتقامٍ‭ ‬وثأر‭..! ‬يقول‭ ‬ألبرت‭ ‬إينشتاين‭ :” ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬السلام‭ ‬باستخدام‭ ‬القوة‭ .. ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬السلام‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التفاهم‭ ‬مع‭ ‬الاخرين‭”. ‬لقد‭ ‬تمسّكتُ‭ ‬عمانُ‭ ‬بهذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬منذ‭ ‬نشأة‭ ‬الدولة‭ ‬العمانية‭ ‬الحديثة‭ ‬وجعلتها‭ ‬شعاراً‭ ‬لا‭ ‬تغيّره‭ ‬الأهواءُ‭ ‬ولا‭ ‬العلاقات‭ ‬ولا‭ ‬المصالح‭ ‬إنّما‭ ‬شكّل‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬مبدأً‭ ‬من‭ ‬مباديء‭ ‬وجودها‭ ‬كدولةٍ‭ ‬أصيلةٍ،‭ ‬ضاربةٍ‭ ‬في‭ ‬القدم‭. ‬

فحين‭ ‬كان‭ ‬الآخرون‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬السلامِ‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بغير‭ ‬القوّة‭ ‬كانت‭ ‬عمان‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬ترى‭ ‬غير‭ ‬ذلك،‭ ‬لأنّها‭ ‬تؤمنُ‭ ‬بأن‭ ‬تحقيق‭ ‬السلامِ‭ ‬بالتقتيلِ‭ ‬والتدميرِ‭ ‬والإذلال‭ ‬قد‭ ‬يوصل‭ ‬الآخر‭ ‬إلى‭ ‬الإستسلامِ‭ ‬ولكنه‭ ‬لن‭ ‬يوصله‭ ‬إلى‭ ‬السلام،‭ ‬وستظلُّ‭ ‬قضيّة‭ ‬الدّم‭ ‬والثأر‭ ‬تتوارثها‭ ‬الأجيال‭ ‬عقب‭ ‬الأجيال‭..! ‬فالقوي‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬فولتير‭ “‬ليس‭ ‬من‭ ‬يكسب‭ ‬الحرب‭ ‬دائما‭ ‬وإنما‭ ‬الضعيف‭ ‬من‭ ‬يخسر‭ ‬السلام‭ ‬دائما‭”. ‬

‭ ‬لقد‭ ‬نظرت‭ ‬عمانُ‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الإنسانية،‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي‭ ‬والعاطفي‭ ‬والأخلاقي،‭ ‬الجانب‭ ‬الذي‭ ‬يمكنُ‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬بالحبِّ‭ ‬والإحترامِ‭ ‬ويستثار‭ ‬بالقوةِ‭ ‬والإذلال‭..! ‬نظرت‭ ‬لهذا‭ ‬الجانبِ‭ ‬فرأتهُ‭ ‬هو‭ ‬المنفذ‭ ‬الأمثل‭ ‬لصناعة‭ ‬السلامِ‭ ‬مع‭ ‬الآخر،‭ ‬فإذا‭ ‬بعدوِّ‭ ‬الأمس‭ ‬يصبحُ‭ ‬الصديق‭ ‬الحميم‭ ‬لا‭ ‬بالمالِ‭ ‬ولا‭ ‬بالسلطةِ‭ ‬وإنّما‭ ‬بتقدير‭ ‬الذات،‭ ‬واحترامِ‭ ‬الفكر،‭ ‬وخلق‭ ‬الحوار‭ ‬الإنساني‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ” ‬‮«‬إِنَّ‭ ‬هَذِهِ‭ ‬أُمَّتُكُمْ‭ ‬أُمَّةً‭ ‬وَاحِدَةً‭ ‬وَأَنَا‭ ‬رَبُّكُمْ‭ ‬فَاعْبُدُونِ‮»‬‭ “(‬الأنبياء‭/‬92‭)‬،‭ ‬وعلى‭ ‬دعائمِ‭ ‬التاريخ‭ ‬والأرض‭ ‬المشتركَين‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬وقعِ‭ ‬رصاص،‭ ‬ودويِّ‭ ‬المدافع‭..! ‬

أما‭ ‬الفلسفة‭ ‬الرابعة‭ ‬لصناعة‭ ‬السلام‭ ‬فهي‭ ‬أنّه‭ ‬الإيمانَ‭ ‬بالسلام‭ ‬لا‭ ‬ينطلقُ‭ ‬من‭ ‬موقفٍ‭ ‬ضعيفٍ،‭ ‬ولا‭ ‬نفس‭ ‬متخاذلةٍ،‭ ‬مستكينةٍ،‭ ‬تداري‭ ‬عن‭ ‬ضعفها‭ ‬بإيمانها‭ ‬بالسلام،‭ ‬وإنّما‭ ‬ينطلقُ‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الموقف،‭ ‬وسلامةِ‭ ‬المبدأ،‭ ‬وشكيمة‭ ‬النفس،‭ ‬يقول‭ ‬جلالة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭ :”‬إنّ‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬نؤمن‭ ‬به‭ ‬ليس‭ ‬سلام‭ ‬الضعفاء‭ ‬الذين‭ ‬لايقدرون‭ ‬على‭ ‬ردِّ‭ ‬العدوان‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬كيان‭ ‬الدولة‭ ‬واستقلالها‭ ‬وسيادتها،‭ ‬وانما‭ ‬سلام‭ ‬الاقوياء‭ ‬الذين‭ ‬يعدُّون‭ ‬للأمر‭ ‬عدَّته‭ ‬كما‭ ‬أمر‭ ‬الله‭”  ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬صناعة‭ ‬السلام‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالحرية،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتصوّر‭ ‬شعباً‭ ‬مسالماً‭ ‬غير‭ ‬حر،‭ ‬لأن‭ ‬السلام‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يرتبط‭ ‬بالحريّة‭ ‬كان‭ ‬مسكَنةً‭ ‬وذلّة‭ ‬وذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكنُ‭ ‬أن‭ ‬يسمّى‭ ‬سلاماً‭..!‬

لهذا‭ ‬فإن‭ ‬صناعة‭ ‬السلام‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬أقاويلَ‭ ‬أو‭ ‬شعارات‭ ‬إنّما‭ ‬هي‭ ‬إرادةٌ‭ ‬فاعلة،‭ ‬وشكيمةٌ‭ ‬متوقّدة‭ ‬لا‭ ‬تغيّرها‭ ‬التقلبات‭ ‬ولا‭ ‬توهنها‭ ‬المتغيرات،‭ ‬فالدّول‭ ‬التي‭ ‬تزعمُ‭ ‬صناعتها‭ ‬للسلامِ‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬استخدام‭ ‬القوّة‭ ‬مع‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬السلامِ‭ ‬بغير‭ ‬بالقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬المثلى‭ ‬لن‭ ‬تجني‭ ‬سوى‭ ‬العواقبَ‭ ‬الوخيمة‭ ‬التي‭ ‬ستدفعها‭ ‬أجيالها‭ ‬المتلاحقة‭..! ‬أمّا‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬أوقدت‭ ‬الضوء‭ ‬في‭ ‬الظلام،‭ ‬وحملت‭ ‬غصون‭ ‬الزيتون‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬الهجير‭ ‬فإن‭ ‬أجيالها‭ ‬سينعمون‭ ‬بالعيش‭ ‬الهانيء‭ ‬الرغيد‭. ‬

لقد‭ ‬أصبح‭ ‬العالم‭ ‬يموج‭ ‬بالفتنِ‭ ‬والصراعات‭ ‬التي‭ ‬لو‭ ‬نظرَ‭ ‬إليها‭ ‬العاقل‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭ ‬لرآها‭ ‬تافهة‭ ‬المعاني،‭ ‬حقيرة‭ ‬الأهداف،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكنُ‭ ‬لغايات‭ ‬كريمة‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬بإشعالِ‭ ‬فتنةٍ،‭ ‬ولا‭ ‬بإفتعالِ‭ ‬سخيمة‭..! ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬العاقل‭ ‬الحكيم‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يتبصّرُ‭ ‬في‭ ‬العواقب،‭ ‬وينظر‭ ‬في‭ ‬الآثارِ،‭ ‬ويتمعّن‭ ‬في‭ ‬النواتج‭ ‬فيتخذ‭ ‬السلامَ‭ ‬منهجاً‭ ‬ومذهباً،‭ ‬يقول‭ ‬جلالة‭ ‬السلطان‭ ‬قابوس‭ ‬المعظم‭:”  ‬إن‭ ‬السلام‭ ‬مذهب‭ ‬آمنا‭ ‬به،‭ ‬ومطلب‭ ‬نسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقه‭ ‬دون‭ ‬تفريط‭ ‬أو‭ ‬إفراط‭”  ‬ومعنى‭ ‬الإفراطُ‭ ‬والتفريط‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬السلامَ‭ ‬فضيلةٌ‭ ‬بين‭ ‬رذيلتين‭: ‬الضعف‭ ‬والبطش‭..!‬

هكذا‭ ‬سعت‭ ‬عمانُ‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬السلام،‭ ‬فبرعت‭ ‬فيها‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تتخذها‭ ‬رياءً‭ ‬وتملّقا،‭ ‬وإنما‭ ‬اتخذتها‭ ‬منهجاً‭ ‬ودستورا،‭ ‬فأقامت‭ ‬العلاقات‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬الإحترام‭ ‬المشترك،‭ ‬وأنشأت‭ ‬التفاهمات‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬عدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الغير،‭ ‬وقرّبت‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬أساسِ‭ ‬العيش‭ ‬الإنساني،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬تحريرها‭ ‬للأسرى‭ ‬والرهائن،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬الإحترام‭ ‬والتقدير‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭ ‬لأدوارها‭ ‬السياسية‭ ‬الرزينة‭ ‬إلا‭ ‬وفقاً‭ ‬لنتاجِ‭ ‬هذه‭ ‬الصناعة‭ ‬العظيمة‭ .. ‬صناعة‭ ‬السلام‭..‬

الخاتمة‭:‬

إن‭ ‬تعزيز‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬يُسهم‭ ‬بصورة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬مظلّة‭ ‬السلام،‭ ‬ويرتبطُ‭ ‬به‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬التعزيز‭ ‬القيمي‭ ‬سيسهم‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬توثيق‭ ‬عُرى‭ ‬العلاقات‭ ‬الإجتماعية‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬منطلقات‭ ‬أخلاقية‭ ‬تتوخى‭ ‬مصلحة‭ ‬الوطن‭ ‬السامية،‭ ‬وتتحرّز‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬المصالح‭ ‬الشخصية‭ ‬الضيقة‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬الأنانية،‭ ‬كما‭ ‬وتوفّر‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬والتعاضد‭ ‬والتضامن‭ ‬والتآلف‭ ‬المجتمعي‭.‬

هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬الصحية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬مدّ‭ ‬غصون‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬ودفع‭ ‬الضرر‭ ‬عنها‭ ‬أيّاً‭ ‬كان‭ ‬مستواه‭ ‬ونوعه،‭ ‬كما‭ ‬وأنها‭ ‬ستكون‭ ‬مناخاً‭ ‬غير‭ ‬مواتٍ‭ ‬للكائدين‭ ‬الذي‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬الإنشقاقات‭ ‬الإجتماعية،‭ ‬وزرع‭ ‬الفتن‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬القيم‭ ‬قد‭ ‬شكّلت‭ ‬درعاً‭ ‬قوياً‭ ‬لا‭ ‬يسهل‭ ‬اختراق‭ ‬جسد‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬بقصد‭ ‬تمزيق‭ ‬شرائحه،‭ ‬وإشعال‭ ‬الفتنة‭ ‬بين‭ ‬أعضاءه‭.‬

ولا‭ ‬ريب‭ ‬بأن‭ ‬فاعلية‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬السلام‭ ‬جوهرية‭ ‬لا‭ ‬يماري‭ ‬في‭ ‬قوتها‭ ‬وأهميتها‭ ‬عاقل،‭ ‬لأنها‭ ‬ضابطٌ‭ ‬محكم،‭ ‬ومرجعٌ‭ ‬حازم،‭ ‬ومُرشد‭ ‬خيِّر،‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬ازدهار‭ ‬التنمية،‭ ‬ورقي‭ ‬الإنسان،‭ ‬وعلّو‭ ‬شأنِ‭ ‬الأمم‭ ‬والأوطان‭.‬

—————————————————-

الهوامش:

‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬كتاب‭”‬القيم‭ ‬إلى‭ ‬أين؟‭”‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المجمع‭ ‬التونسي‭ ‬للعلوم‭ ‬والآداب‭ ‬والفنون‭ “‬بيت‭ ‬الحكمة‭”‬واليونسكو‭ ‬بقرطاج‭ ‬عام‭ ‬2005م‭.‬

  – ‬المصدر‭ ‬أعلاه‭.‬

  – ‬المائدة‭.‬

  – ‬كارل‭ ‬ريموند‭ ‬كارل‭ ‬پوپر‭ ‬Karl Popper‭ (‬28‭ ‬يوليو‭ ‬1902‭ ‬في‭ ‬فينا‭ – ‬17‭ ‬سبتمبر‭ ‬1994‭ ‬في‭ ‬لندن‭) ‬فيلسوف‭ ‬نمساوي‭-‬إنكليزي‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬العلوم‭.‬

  – ‬إميل‭ ‬دوركايم‭ (‬15‭ ‬ابريل‭ ‬1858‭ – ‬15‭ ‬نوفمبر‭ ‬1917‭) ‬فيلسوف‭ ‬وعالم‭ ‬اجتماع‭ ‬فرنسي‭. ‬أحد‭ ‬مؤسسي‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الحديث‭.‬

  – ‬ويكيبيديا‭: ‬صحيفة‭ ‬المدينة

  – ‬المصدر‭ ‬أعلاه‭.‬

  – ‬المصدر‭ ‬أعلاه‭.‬

  – ‬المستشرق‭ ‬والوزير‭ ‬الروماني‭ ‬كونستانس‭ ‬جيورجيو‭ (‬مولود‭ ‬عام‭ ‬1916‭)‬

  – ‬المصدر‭ ‬أعلاه‭.‬

  -‬علي‭ ‬أسعد‭ ‬وطفة،‭ ‬مجلة‭ ‬التسامح،‭ ‬وزارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬والشؤون‭ ‬الدينية‭ ‬بسلطنة‭ ‬عمان،‭ ‬العدد11،‭ ‬2005م‭.‬

  – ‬المصدر‭ ‬السابق‭.‬

    [‬أخرجه‭ ‬البخاري‭ ‬في‭ ‬الصحيح‭].‬

  – ‬صحيح‭ ‬مسلم‭” ‬كِتَاب‭ ‬الإِيمَانِ‭” ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬هريرة‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭.‬

  – [‬أخرجه‭ ‬البخاري‭ ‬ومسلم‭ ‬عن‭ ‬النعمان‭ ‬بن‭ ‬بشير‭]‬

  – [ ‬مسلم،‭ ‬الترمذي،‭ ‬أبو‭ ‬داود،‭ ‬ابن‭ ‬ماجه،‭ ‬أحمد‭ ]‬

  – ‬رواه‭ ‬أبو‭ ‬داود

  – ‬حديث‭ ‬صحيح‭ ‬رواه‭ ‬أبو‭ ‬داود‭ ‬والترمذي

  – ‬أوغست‭ ‬كونت‭ ( ‬19‭ ‬يناير‭ ‬1798‭ – ‬5‭ ‬سبتمبر‭ ‬1857‭) ‬عالم‭ ‬اجتماع‭ ‬وفيلسوف‭ ‬اجتماعي‭ ‬فرنسي‭.‬

  – ‬مارتن‭ ‬لوثر‭ (‬10‭ ‬نوفمبر‭ ‬1483‭ – ‬18‭ ‬فبراير‭ ‬1546‭) ‬راهب‭ ‬ألماني،‭ ‬وقسيس،‭ ‬وأستاذ‭ ‬للاهوت،‭ ‬ومُطلق‭ ‬عصر‭ ‬الإصلاح‭ ‬في‭ ‬أوروبا

  – ‬د‭. ‬صالح‭ ‬الفهدي‭ “‬صناعة‭ ‬الإنسان‭ ‬وبناء‭ ‬الأوطان‭”‬،‭ ‬مؤسسة‭ ‬الرؤيا‭ ‬للنشر،‭ ‬ط1،‭ ‬2017م

  – ‬مارفين‭ ‬غاي‭ (‬بالإنجليزية‭: ) (‬2‭ ‬أبريل‭ ‬1939‭ ‬–‭ ‬1‭ ‬أبريل‭ ‬1984‭) ‬هو‭ ‬مغني‭ ‬أمريكي‭ ‬وكاتب‭ ‬اغاني‭ ‬وموسيقي‭ ‬من‭ ‬اصول‭ ‬أفريقية

  – ‬الدالاي‭ ‬لاما‭ (‬6‭ ‬يوليو‭ ‬1935م–‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭) ‬هو‭ ‬القائد‭ ‬الديني‭ ‬الأعلى‭ ‬للبوذيين‭ ‬التبتيين‭(‬ويكيبيديا‭)‬

  – ‬ألْبِرْت‭ ‬أينْشتاين‭ (‬بالألمانية‭: ‬Albert Einstein‭) ‬‏‭ (‬14‭ ‬مارس‭ ‬1879‭ ‬–‭ ‬18‭ ‬أبريل‭ ‬1955‭) ‬عالم‭ ‬فيزياء‭ ‬ألماني‭ ‬المولد،‭ ‬سويسري‭ ‬وأمريكي‭ ‬الجنسية،‭ ‬من‭ ‬أبوين‭ ‬يهوديين،وهو‭ ‬يشتهر‭ ‬بأبي‭ ‬النسبية‭ ‬كونه‭ ‬واضع‭ ‬النظرية‭ ‬النسبية‭ ‬الخاصة‭ ‬والنظرية‭ ‬النسبية‭ ‬العامة‭ ‬الشهيرتين‭ ‬اللتان‭ ‬كانت‭ ‬اللبنة‭ ‬الأولى‭ ‬للفيزياء‭ ‬النظرية‭ ‬الحديثة‭ (‬ويكيبيديا‭)‬

  – ‬العيد‭ ‬الوطني‭ ‬28‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬–‭ ‬خطاب‭ ‬جلالته‭.‬

  – ‬العيد‭ ‬الوطني‭ ‬24‭ ‬عام‭ ‬1994م‭- ‬خطاب‭ ‬جلالته‭.‬

421 total views, 5 views today