شيخة بنت علي الراجحيَّة

المقدِّمة:
لقد غيَّرتْ ثورة الكمبيوتر والإنترنت والمعلوماتية مُعطيَّات التعليم كلها، بل إنَّها قلبتْ نظامَه، ومفاهيمَه، وأساليبَه رأسًا على عَقِب؛ فأصبح استخدامُ التقانة في التعليم ضرورةً مُلحَّة، وليس اختيارًا؛ إذ لم يعُد التعليمُ التقليديُّ يتناسب مع الجيل الجديد، ويتَّضح ذلك جَليًّا من خلال تعلُّق الطلاب بأجهزتهم اللوحيَّة، وهواتفهم المحمولة…وغيرها من أشكال التقانة المختلفة؛ فأصبح من الجيِّد أن تفكِّر المؤسسات التعليمية بشكل يحاكي حاجات العصر وظروفه؛ من خلال توفير بيئات تعليمية مشوقة وجذابة، بما يتناسب واهتمامات الطلاب. ومن منطلق ذلك، ظهرتْ عِدَّة إستراتيجيات قائمة على توظيف التكنولوجيا الحديثة في العملية التعليمية؛ أبرزها ما يُسمَّى بـ”الصف المقلوب” (Flipped Classroom).

ومن خلال هذه الورقة البحثية، سأعرضُ بعضاً من تجارب تطبيق إستراتيجية “الصف المقلوب” في العملية التعليمية، مع التركيزِ على استخدامها في تدريس العلوم، وأثرها على التحصيل الدراسي. وتأملُ الباحثة أنْ يستفيدَ من هذه الورقة البحثية معلمو ومصمِّمو مناهج العلوم.

يُعرِّف كلٌّ من أرونسون وآرفستروم (Aronson & Arfstrom, 2013, p1) “الصف المقلوب” بأنَّه “قيام المعلِّم بإعداد فيديو لمشاهدة المحاضرة (الحصة) خارج الصف، في حين يتمُّ استغلال وقت الصف للعمل والأنشطة وتنفيذ التجارب المخبرية، والعمل بروح الفريق الواحد، وتقييم التقدُّم في العمل”.
وتعرِّفه الباحثة بأنَّه قيام الطلاب بمشاهدة الدرسِ في منازلهم، عن طريق فيديو يُعدُّه المعلم بنفسه، أو بالاستعانة بفيديو سابق؛ ليكون الطالب أكثرَ استعدادًا في غرفة الصف لحل الأنشطة وأسئلة القدرات العليا المتعلقة بموضوع الفيديو.

وتعدُّ بداية الصف المقلوب في العام 2006م، على يد اثنين من مُعلِّمي الكيمياء في منطقة كولورادو بالولايات المتحدة الأمريكية؛ وهما: جوناثن برجمان (Jonathen Bergman)، وآرسون سام (Arson Sam). وغالبا ما يُشار إليهما بروَّاد “الصف المقلوب”، وكانتْ بدايتهما بعد أنْ بدأ القلق يُساورهما بسب كثرة تغيُّب الطلاب عن الحصص لمشاركتهم في مسابقات ومهرجانات في مناطق تَسْتَدعي السفر؛ مما دَعَاهما لاستخدام تسجيلات الفيديو الحيَّة لتسجيل المحاضرات ونشرها على موقع يوتيوب (www.youtube.com)؛ لمساعدة الطلاب في الوصول للمادة العلمية بسهولة (أبانمي، 2016؛ Hamdan, McKnight, & Arfstrom, 2013; johnson, Adams Becker, Estrada, & freeman, 2014).
لقد قَلَب “الصف المقلوب” الأدوارَ لكلٍّ من المعلِّم، والطالب، والبيئة الصفية، وطريقة تلقِّي المعلومة.. ففي الصفِّ التقليديِّ، يشرحُ المعلمُ الدرسَ ويترك للطلاب مهمة تعميق المفاهيم في المنزل عبر التكاليف اليومية، وتَرَى الباحثة أنَّ في ذلك لا تتم مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب.

ومن جانب آخر، فإنَّ المعلِّم في “الصف المقلوب” يُعِدُّ ملفًا بصريًّا، يشرح من خلاله محتويات الدروس والمفاهيم الجديدة فيها؛ باستخدام التقنيات السمعية والبصرية، وبرامج المحاكاة الافتراضية، والعروض التفاعلية؛ لتكون في متناول يد الطلاب قبل الدرس (الحوسنية، 2015؛ الذويخ، 2014؛Schoolwires Network, 2012).

ويخطئ من يَعْتَقد أنَّ إستراتيجية “الصف المقلوب” تعفي المعلِّم من مهامه، بل إنَّ دَوْرَه يتضاعف في ظلها (أبانمي، 2016). وتتَّفق الباحثة مع ذلك؛ من خلال تطبيقها لهذه الإستراتيجية على بعض دروس الصف الثامن، كذلك تَرَى أنَّ “الصف المقلوب” يتميَّز بإتاحة الفرصة للطلاب بشكل عام -والطلاب الذين يحتاجون وقتاً أكثر للاستيعاب بشكل خاص- لتكرار الاطلاع على المادة العلمية في المنزل حتى يتم استيعابها بشكل أفضل.

ووجدتْ الباحثة -من خلال اطلاعها على الأدب التربوي- العديدَ من الدراسات التي أشارتْ إلى فاعلية “الصف المقلوب” في التحصيل الدراسي (مثل: الحوسنية، 2015؛ الزين، 2006؛ هارون وسرحان، 2015؛Brown, 2015; Schuankl, 2013)، إضافة إلى ذلك أوضحت نتائج دراسة براون (Brown, 2015) أنَّ أداءَ الطلابَ الذين درسوا بطريقة “الصف المقلوب” أفضل بكثير في الاختبارات من غيرهم من الذين درسوا بالطريقة التقليدية، ولديهم القدرة على استيعاب المفاهيم العلمية في الكيمياء؛ مثل: فك المادة الكيميائية، وتحديد الصيغة الجزيئية، وتحديد الأحماض الأمينية.

ومن ناحية أخرى، تُشير دراسة الزهراني (2015) إلى أنَّه لا يوجد أثر لتوظيف إستراتيجية “الصف المقلوب” على مُستوى تحصيل الطلاب عند مستوى التذكر والفهم، بينما كان لهذه الإستراتيجية أثرٌ عند مستويات التطبيق والتحليل والتقويم والتركيب.

وعلى المستوى المحلي، أجرتْ الحوسنية (2015) دراسة هدفتْ إلى معرفة أثر منحى “الصف المقلوب” في تنمية الكفاءة الذاتية العامة والتحصيل الدراسي لمادة العلوم لدى طالبات الصف التاسع الأساسي بسلطنة عُمان، واستخدمتْ في الدراسة المنهجَ شبه التجريبي؛ حيث تكوَّنتْ عيِّنة الدراسة من 53 طالبة، وأشارت النتائج إلى وجود فروق ذات دلالة إحصائية عند المستوى (=a0.05) بين المجموعة التجريبية والضابطة في كلٍّ من مقياس الكفاءة الذاتية والاختبار التحصيلي لصالح المجموعة التجريبية.
ومن خلال خبرة الباحثة في تطبيق “الصف المقلوب”، وجدتْ أنَّ له عِدَّة فوائد؛ أهمها: يعزز التعلم الذاتي، ويُسهم في رفع مُستوى الدافعية نحو التعلم، وأيضاً يُكسب الطلاب مهارات التواصل الاجتماعي؛ من خلال تطبيق التعلم التعاوني في غرفة الصف عند حل الأنشطة والتمارين.
وفي المقابل، أشارتْ مجموعة من الدراسات (الحوسنية، 2015؛ الزهراني، 2015؛ الزين، 2015؛ عثمان، 2016) إلى وُجود صعوبات عند تطبيق الصف المقلوب؛ أهمها: صعوبة توافر الإنترنت عند جميع الطلاب، وكذلك عدم امتلاك المعلمين للمهارات اللازمة لإعداد دروس “الصف المقلوب”.

وترى الباحثة أنَّ جميع هذه الصعوبات من السَّهل التغلُّب عليها؛ من خلال إقامة ورش تدريبية للمعلمين، وتوفير الدروس للطلاب في أقراص مدمجة، كذلك من السهل التطبيق في البيئة التعليمية العُمانية لتوافر خدمة الإنترنت والبنية الأساسية الملائمة.

الخاتمة:
في ضَوْء ما تقدَّم ذِكْره، تُوْصِي الباحثة مُعلِّمي العلوم بضرورة تطبيق إستراتيجية “الصف المقلوب” في التدريس؛ لما لها من مُميِّزات عديدة؛ أهمها: رفع التحصيل الدراسي، وإكساب الطلاب مهارات القرن الواحد والعشرين؛ من خلال جعل الطلاب باحثيْن يعتمدون على أنفسهم في اكتساب المعارف بصور مختلفة.

—————————————————-

المصادر والمراجع:

المراجع العربية
– أبانمي، فهد بن عبدالعزيز (2016م)، “أثر استخدام إستراتيجية الصف المقلوب في تدريس التفسير في التحصيل الدراسي والاتجاه نحو المادة لدى طلاب الصف الثاني الثانوي”، مجلة “القراءة والمعرفة”، مصر، 21-48.
– الحوسنية، هُدى علي (2015م). “أثر منحنى الصف المقلوب (Flipped Classroom) في تنمية الكفاءة الذاتية العامة والتحصيل العلمي لدى طالبات الصف التاسع بسلطنة عُمان” (رسالة ماجستير غير منشورة)، جامعة السلطان قابوس، سلطنة عُمان.
– الذويخ، نورة (2014م). “الصف المقلوب!!”، استرجع في 20 مارس من: http://almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=428HYPERLINK “http://almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=428&SubModel=216&ID=2295″&HYPERLINK “http://almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=428&SubModel=216&ID=2295″SubModel=216HYPERLINK “http://almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=428&SubModel=216&ID=2295″&HYPERLINK “http://almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=428&SubModel=216&ID=2295″ID=2295.
– الزهراني، عبدالرحمن محمد (2015م)، “فعالية إستراتيجية الصف المقلوب في تنمية مستوى التحصيل المعرفي لمقرر التعليم الإلكتروني لدى طلاب كلية التربية بجامعة الملك عبدالعزيز”، مجلة “كلية التربية”، 2(162)، 471-502.
– الزين، حنان أسعد (2015م)، “أثر استخدام إستراتيجية التعلم المقلوب في التحصيل الأكاديمي لطالبات كلية التربية بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن”، المجلة الدولية التربوية المتخصصة، 4(1)، 171-186.
– عثمان، هبة عبدالحفيظ (2016)، “أثر استخدام إستراتيجية التعلم المقلوب في تحصيل طالبات الصف السابع الأساسي في العلوم واتجاهاتهن نحو العلوم” (رسالة ماجستير غير منشورة)، جامعة اليرموك، الأردن.
– هارون، الطيب وسرحان، محمد (2015م، 15 ابريل)، “فعالية نموذج التعلم المقلوب في التحصيل والأداء لمهارات التعلم الإلكتروني لدى طلاب البكالوريوس بكلية التربية”. ورقة عمل مُقدَّمة في المؤتمر الدولي الأول لكلية التربية (آفاق مستقبلية)، بمركز الملك عبدالعزيز الحضاري، جامعة الباحة، الرياض.

المراجع الأجنبية:
– Aronson, N., & Arfstrom, K. (2013). Flipped Learning in Higher Education. New York, NY: Flipped Learning Network.
– Brown. K. (2015). Evaluating student performance and perceptions in a flipped introductory undergraduate biology classroom, unpublished master thesis, University of Massachusetls Boston. U S.
– Johnson, L., Adams Becker, S., Cummins, M., Estrada, V., & Freeman, A. (2014). NMC Horizon Report: 2014 Higher Education Edition. Austin. Texas: The New Media Consortium.
– Hamdan, N., McKnight, P., & Arfstrom, K. M. (2013). The Flipped Learning Model: A white paper based on the literature review titled a review of Flipped Learning. New York, NY: Flipped Learning Network.
– Schoolwires Network (2012). The Flipped Classroom: Anew way to look at school. Retrieved March 20, from http://offers.schoolwires.com/flippedclassroomanewway.
– Schwankl, E. R. (2013). Blanded learning: achievement and perception Flipped classroom: Effects on achievement and student perception, unpublished master thesis, University of Massachusetls Boston. US.

3,399 total views, 35 views today