الأديب‭: ‬مهند‭ ‬العاقوص


‭” ‬تين‭”‬

الساعة‭ ‬الأن‭ ‬الرابعة‭ ‬فجرا‭ ‬بتوقيت‭ ‬المدينة،‭ ‬وللمدن‭ ‬ساعات‭ ‬تئن‭ ‬تحت‭ ‬عقرب‭ ‬معطل‭. ‬

أستيقظ‭ ‬مقاوما‭ ‬كل‭ ‬قوى‭ ‬الجاذبية‭ ‬في‭ ‬سريري،‭ ‬أنكمش‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬ككائن‭ ‬ما،‭ ‬البس‭ ‬السترة‭ ‬العسكرية،‭ ‬ليس‭ ‬لأنني‭ ‬جندي،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬في‭ ‬معركة،‭ ‬وليس‭ ‬لأن‭ ‬البرد‭ ‬حاد‭ ‬الرأس،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬أفخخ‭ ‬سترتي‭ ‬ببضاعة‭ ‬سأبيعها‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الخضار‭…‬

أذهب‭ ‬مشيا‭ ‬مسافة‭ ‬نصف‭ ‬ساعة،‭ ‬أشعر‭ ‬بالخوف‭ ‬أحيانا،‭ ‬الأطفال‭ ‬يخافون‭ ‬من‭ ‬الليل‭ ‬والفراغ،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬قلدوا‭ ‬صوت‭ ‬الذئاب‭ ‬أثناء‭ ‬سيرهم‭…‬

أصل‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬الشاحنات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬القرى،‭ ‬إنها‭ ‬كينابيع‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬نهر‭ ‬من‭ ‬الفاكهة‭ ‬والخضار‭…‬

أبيع‭ ‬بضاعتي،‭ ‬ثم‭ ‬أقفل‭ ‬راجعا،‭ ‬ألبس‭ ‬الزي‭ ‬المدرسي،‭ ‬وأذهب‭ ‬كأي‭ ‬فتى‭ ‬عادي‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬وكأنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مفخخا‭ ‬بالبضائع‭ ‬قبل‭ ‬ساعتين‭…‬

ذات‭ ‬يوم،‭ ‬كان‭ ‬الظلام‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬قهوة‭ ‬بلا‭ ‬سكر،‭ ‬فوقعت‭ ‬قدمي‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬طري،‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬أدرك‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬صندوق‭ ‬تين‭…‬

كمن‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬جريمة‭ ‬هربت،‭ ‬خفت‭ ‬أن‭ ‬يغرمني‭ ‬البائع‭ ‬بثمن‭ ‬صندوق‭ ‬لا‭ ‬أقو‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬ديته،‭ ‬لكنني‭ ‬قضيت‭ ‬أياما‭ ‬يحاصرني‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب،‭ ‬وكأنني‭ ‬قاتل‭ ‬سفك‭ ‬عسل‭ ‬التين‭ ‬الرقيق‭… ‬

ذات‭ ‬فجر،‭ ‬كنت‭ ‬شجاعا‭ ‬مثل‭ ‬موقد‭ ‬في‭ ‬ليل،‭ ‬قلت‭ ‬للبائع‭ ” ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬خطوت‭ ‬بالخطأ‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬تين،‭ ‬وانا‭ ‬حاضر‭ ‬لتعويضك‭”‬

سامحني‭ ‬البائع‭ ‬مقدرا‭ ‬صراحتي،‭ ‬فنال‭ ‬قلبي‭ ‬صك‭ ‬براءته‭.‬

لكنني‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬أحترم‭ ‬صناديق‭ ‬التين‭ ‬الخشبية،‭ ‬أحترمها‭ ‬كثيرا،‭ ‬إنها‭ ‬توابيت‭ ‬لا‭ ‬أقدر‭ ‬على‭ ‬حملها‭ ‬وحيدا‭…‬

تفاح

مرة‭ ‬اكتشفت‭ ‬اكتشافا‭ ‬كبيرا،‭ ‬اكتشاف‭ ‬أستحق‭ ‬عليه‭ ‬براءة‭ ‬من‭ ‬اي‭ ‬اكتشاف،‭ ‬وجائزة‭ ‬نوفل‭ (‬بالفاء‭) ‬للعلوم‭.‬

اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬بصمة‭ ‬الوجوه‭ ‬في‭ ‬مدينتنا‭ ‬واحدة،‭ ‬وطبقت‭ ‬تجاربي‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬عينات،‭ ‬سيدتان‭ ‬ورجل،‭…‬

يومها‭ ‬غرست‭ ‬وجوههم‭ ‬بالطحين،‭ ‬وتركت‭ ‬وجوههم‭ ‬االعلامات‭ ‬ذاتها‭ ‬بتطابق‭ ‬رهيب،‭ ‬فما‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬ذلك؟

راقبت‭ ‬الأمر‭…‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬لاحظت‭ ‬خطا‭ ‬زائدا‭ ‬بوجه‭ ‬السيدة‭ ( ‬إحدى‭ ‬العينات‭) …‬

‭” ‬لقد‭ ‬أكل‭ ‬طائر‭ ‬تفاحة‭ ‬ابني‭ ‬الوحيد‭” ‬قالت‭ ‬السيدة‭. ‬دامعة‭.‬

فأسرعت‭ ‬لأتحقق‮ ‬‭ ‬من‭ ‬وجهي‭ ‬العينتين‭ ‬الباقيتين‭…‬

قال‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬خط‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬وجهه‭ ‬ايضا‭ ” ‬الطائر‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يملكه‭ ‬ابني‭ ‬أكل‭ ‬تفاحة‭ ‬الفتى‭”‬

قالت‭ ‬العينة‭ ‬الثالثة‭ ” ‬قطف‭ ‬الفتى‭ ‬آخر‭ ‬تفاحة‭ ‬في‭ ‬شجرة‭ ‬ابني‭ ‬الوحيدة‭”‬

بقيت‭ ‬بصمات‭ ‬تلك‭ ‬الوجوه‭ ‬متشابهة،‭ ‬وأنا‭ ‬لا‭ ‬زلت‭ ‬أراقب،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬أفوز‭ ‬ببراءة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬اكتشاف،‭ ‬وجائزة‭ ‬نوفل‭ ‬بالفاء،‭ ‬أنا‭ ‬أستحقها،‭ ‬والسبب‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬نوفل‭ ‬هو‭ ‬اسم‭ ‬الفتى‭ ‬الذي‭ ‬سرق‭ ‬غرسة‭ ‬فصارت‭ ‬شجرة‭ ‬تفاح‭ ‬فيها‭ ‬تفاحة‭ ‬سرقها‭ ‬فتى‭ ‬آخر‭ ‬فأكلها‭ ‬طائر‭ ‬مسروق‭….‬

مشمش

مرة‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬القرية،‭ ‬وكان‭ ‬المشمش‭ ‬في‭ ‬حمام‭ ‬شمسه‭ ‬يستلقي‭ ‬على‭ ‬أغصان‭ ‬الشجر،‮ ‬‭ ‬وكانت‭ ‬الصناديق‭ ‬تنتظر،‭ ‬إنها‭ ‬أكثر‭ ‬شوقا‭ ‬من‭ ‬جيوب‭ ‬الفلاحين‭ ‬وبطون‭ ‬أهل‭ ‬المدينة‭.‬

يومذاك‭ ‬حملت‭ ‬الصندوق،‭ ‬ولاحقني‭ ‬صوت‭ ‬جدي‭ ‬كشلال‭ ” ‬المشمش‭ ‬حساس،‭ ‬يهطل‭ ‬وحده،‭ ‬اجمع‭ ‬ما‭ ‬تجده‭ ‬بانتظارك‭ ‬تحت‭ ‬شجرة‭”‬

فعلت‭ ‬ما‭ ‬أوصانيه‭ ‬جدي‭ ‬لكن‭ ‬الصندوق‭ ‬لم‭ ‬يمتلئ،‭ ‬والصناديق‭ ‬أطفال‭ ‬يسعون‭ ‬لكمال،‮ ‬‭ ‬لذلك‭ ‬أقنعني‭ ‬الصندوق‭ ‬بصوابية‭ ‬الطمع‭.‬

رحت‭ ‬أهز‭ ‬الشجرة،‭ ‬هززتها‭ ‬كمن‭ ‬يهز‭ ‬ارجوحة‭ ‬ليسقط‭ ‬أو‭ ‬يعلو‭ ‬فرح‭.‬

ثم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬رحت‭ ‬ارشق‭ ‬الشجرة‭ ‬بالحجارة،‭ ‬فيسقط‭ ‬المشمش‭ ‬كمن‭ ‬يسقط‭ ‬في‭ ‬معركة،‭ ‬وبذلك‭ ‬ملأت‭ ‬صندوقي‭ ‬مشمشا‭.‬

عدت‭ ‬إلى‭ ‬جدي‭ ‬كبطل،‭ ‬لكنه‭ ‬استقبلني‭ ‬كخائن‭” ‬يا‭ ‬ويلك‭ ‬من‭ ‬حزن‭ ‬المشمش‭ ‬الحساس‭” ‬قال‭ ‬جدي‭ ‬وهو‭ ‬يستبعد‭ ‬مشمشا‮ ‬‭ ‬مجروحا‭ ‬لم‭ ‬ينضج‭ ‬بعد‭.‬

بعد‭ ‬أيام،‭ ‬انقضى‭ ‬عتب‭ ‬جدي‭ ‬من‭ ‬فعلتي،‭ ‬فسمح‭ ‬لي‭ ‬بالتقاط‭ ‬المشمش‭ ‬مجددا،‭ ‬ولاحقني‭ ‬صوته‭ ‬وصوت‭ ‬جدتي‭ ‬كنهر‭ ” ‬المشمش‭ ‬حساس‭ ‬يا‭ ‬بني،‭ ‬اتركه‭ ‬يهطل‮ ‬‭ ‬عليك‭ ‬بإرادته،‭ ‬لا‭ ‬تجرح‭ ‬كبرياءه‭ ‬بحجر‭”.‬

‭ ‬الأكدنيا

بجوار‭ ‬شجرة‭ ‬الأكدنيا‭ ‬بئر،‭ ‬وعلى‭ ‬الشجرة‮ ‬‭ ‬ثمرة‭ ‬وحيدة‭…‬

كنا‭ ‬أطفالا‭ ‬ممتلئين‭ ‬بالأسئلة‭ ‬والجوع‭ ‬والفرح،‭ ‬نسأل‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬ونركض‭ ‬بعيدا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نسمع‭ ‬الإجابة‭.‬

مرة‭ ‬جرني‭ ‬سؤال‭ ‬بقوة،‭ ‬فسألت‭ ‬جدي‭ “‬‮ ‬‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تقطع‭ ‬الحبل‭ ‬والدلو،‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تردم‭ ‬البئر‮ ‬‭ ‬المعطلة؟‭”‬

لكنه‭ ‬ظل‭ ‬صامتا‭ ‬كبئر‭…‬

وبعد‭ ‬أيام،‭ ‬صرخت‭ ‬في‭ ‬معدة‭ ‬البئر‭ ” ‬هل‭ ‬انت‭ ‬جائعة‭ ‬مثلنا؟‭”‬

فاهتزت‭ ‬شجرة‭ ‬الأكدنيا،‭ ‬وسقطت‭ ‬الثمرة‭ ‬في‭ ‬البئر،‭ ‬وسمعنا‭ ‬صدى‭ ‬ارتطامها‭ ‬بماء‭ ‬انبجس‭ ‬فجأة‭.‬

حينذاك‭ ‬أسرع‭ ‬جدي‭ ‬ليرفع‭ ‬الحبل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يقطعه‭ ‬ابدا‭….‬

درّاق‭”‬

لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬الدراق،‭ ‬رأيته‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الأناشيد‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬النشيد‭ ‬يتغنى‭ ‬بالفاكهة‭ ‬،‭ ‬حفظت‭ ‬النشيد‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة‭ ‬،‭ ‬ربما‭ ‬لأنني‭ ‬أحب‭ ‬الشعر‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬لأن‭ ‬الفاكهة‭ ‬نادرة‭ ‬مثل‭ ‬القصائد‭ .‬

كلمت‭ ‬أمي‭ ‬عن‭ ‬حبي‭ ‬للدراق‭ ‬،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أقل‭ ‬لأبي‭ ‬،‭ ‬تفاديت‭ ‬نظرة‭ ‬الحزن‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬حين‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬شراء‭ ‬ما‭ ‬نحب‭ ‬،‭ ‬أبي‭ ‬كان‭ ‬دائم‭ ‬الحزن‭ .‬

مرة‭ ‬مررت‭ ‬بالسوق‭ ‬،‭ ‬فرأيت‭ ‬سيارة‭ ‬مليئة‭ ‬بصناديق‭ ‬الدراق‭…‬

حين‭ ‬بدأ‭ ‬العمال‭ ‬بإفراغ‭ ‬حمولتها‭ ‬،‭ ‬فكرت‭ ” ‬حين‭ ‬تسقط‭ ‬حبة‭ ‬،‭ ‬أحملها‭ ‬وأغسلها‭ ‬جيدا‭ ‬ثم‭ ‬أكلها‭ ” ‬

لكن‭ ‬الصناديق‭ ‬كانت‭ ‬كبيرة‭ ‬ومحكمة‭ ‬،‭ ‬لذا‭ ‬خاب‭ ‬أملي‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬واحدة‭ .‬

تقدم‭ ‬رجل‭ ‬ذو‭ ‬كرش‭ ‬كبيرة‭ ‬،‭ ‬واشترى‭ ‬صندوق‭ ‬دراق،‮ ‬‭ ‬حين‭ ‬رآني‭ ‬أنظر‭ ‬نحو‭ ‬الصندوق‭ ‬قال‭ ” ‬أتحمل‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق‭ ‬نحو‭ ‬سيارتي؟‭”‬

حملت‭ ‬الصندوق‭ ‬الثقيل‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬أتخايل‭ ‬على‭ ‬التعب‭ ‬بالتفكير‭ ‬بالدراق،‮ ‬‭ ‬أتخيل‭ ‬أنني‭ ‬سأشتري‭ ‬بأجرتي‭ ‬كيلو‭ ‬غراما‭ ‬من‭ ‬الدراق‭. ‬

حين‭ ‬أوصلت‭ ‬الصندوق‭ ‬،‮ ‬‭ ‬أعطاني‭ ‬الرجل‭ ‬خمسين‭ ‬ليرة‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬أفرح‭ ‬بها‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬أتألم‭ ‬بسبب‭ ‬جرح‭ ‬سببه‭ ‬خشب‭ ‬الصندوق‭ ‬في‭ ‬ساعدي‭ .‬

لم‭ ‬أشتر‭ ‬الدراق،‭ ‬بل‭ ‬اشتريت‭ ‬الدواء‭ ‬ليدي‭ ….‬

حين‭ ‬ذهبنا‭ ‬إلى‭ ‬القرية‭ ‬،‭ ‬جلبت‭ ‬غرسة‭ ‬دراق‭ ‬وجلب‭ ‬أخي‭ ‬غرسة‭ ‬مشمش‭ ‬وأختي‭ ‬غرسة‭ ‬كرز‭ ‬،‭ ‬فعلمت‭ ‬أن‭ ‬إخوتي‭ ‬مثلي‭ ‬يحبون‭ ‬الأناشيد‭ .‬

زرعتا‭ ‬الغراس،‭ ‬وكبرت‭ ….. ‬

أكل‭ ‬أخي‭ ‬ثمار‭ ‬المشمش‭ ‬،‭ ‬وأكلت‭ ‬أختي‭ ‬ثمار‭ ‬الكرز‭ ‬،‭ ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فقد‭ ‬وزعت‭ ‬كل‭ ‬ثمار‭ ‬الدراق‭ ‬على‭ ‬صغار‭ ‬كانوا‭ ‬يحفظون‭ ‬الأناشيد‭ ‬مثلي‭.‬

تعجبت‭ ‬أمي‭ ” ‬تزرع‭ ‬الدراق‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬تأكل‭ ‬حتى‭ ‬ثمرة‭ !”‬

فقلت‭ ‬لها‭ ‬متحسسا‭ ‬مكان‭ ‬الجرح‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬يدي‭ : ‬وزعته‭ ‬على‭ ‬الصغار‭ ‬كيلا‭ ‬يجرحوا‭ ‬سواعدهم‭ ‬بحب‭ ‬دراق‭ ‬له‭ ‬طعم‭ ‬الأناشيد‭ ‬الصغيرة‭ .‬

  برتقال‭ ‬

كان‭ ‬كل‭ ‬أطفال‭ ‬الحي‭ ‬يخافون‭ ‬من‭ ‬أبي‭ ‬هولا‭ ‬،‭ ‬إنه‭ ‬رجل‭ ‬عجوز‭ ‬يعيش‭ ‬وحيدا‭ ‬،‭ ‬ويحرس‭ ‬شجرة‭ ‬البرتقال‭ ‬بعصاه‭ !‬

ذات‭ ‬يوم‭ ‬،‭ ‬جمعنا‭ ‬المال‭ ‬انا‭ ‬وأطفال‭ ‬الحي‭ ‬،‭ ‬واشترينا‭ ‬كرة‭ ‬لنلعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬نجد‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الساحة‭ ‬لنلعب‭ ‬بها‭ ‬،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تقع‭ ‬أمام‭ ‬بيت‭ ‬أبي‭ ‬هولا‭ !‬

في‭ ‬المباراة‭ ‬سددت‭ ‬الكرة‭ ‬لتطير‭ ‬عاليا‭ ‬،‭ ‬وترتطم‭ ‬بشجرة‭ ‬البرتقال‭ ‬،‭ ‬وتسقط‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬أبي‭ ‬هولا‭ !‬

فزع‭ ‬الجميع‭ ‬وركضوا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اتجاه‭ ‬،‭ ‬وبقيت‭ ‬أنا‭ ‬واقفا‭ ‬والرفاق‭ ‬يصيحون‭ ” ‬اهرب‭ ! ‬لقد‭ ‬جاء‭ ‬أبو‭ ‬هولا‭ ‬حاملا‭ ‬عصاه‭ “‬

اقترب‭ ‬مني‭ ‬أبو‭ ‬هولا‭ ‬وأعاد‭ ‬لي‭ ‬الكرة‭ ‬،‭ ‬وقال‭ ” ‬العبوا‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تتلفوا‭ ‬ثمار‭ ‬شجرة‭ ‬البرتقال‭ “‬

في‭ ‬الصيف‭ ‬،‭ ‬وزع‭ ‬أبو‭ ‬هولا‭ ‬ثمار‭ ‬البرتقال‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬،‭ ‬وقال‭ ” ‬كان‭ ‬لي‭ ‬ولد‭ ‬من‭ ‬عمركم‭ ‬،‭ ‬زرع‭ ‬شجرة‭ ‬برتقال‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستشهد‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ “‬

تغيرت‭ ‬نظرتنا‭ ‬لأبي‭ ‬هولا‭ ‬،‭ ‬إنه‭ ‬طيب‭ ‬كثيرا‭ ‬،‭ ‬صرنا‭ ‬نراه‭ ‬كأب‭ ‬أو‭ ‬جد‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬يرانا‭ ‬أشجار‭ ‬برتقال‭.‬

عنب

كانت‭ ‬دالية‭ ‬العنب‭ ‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬حنونة‭ ‬،‭ ‬ترتفع‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬الدار‭ ‬المنخفض‭ ‬،‭ ‬وتمتد‭ ‬مثل‭ ‬بساط‭ ‬اخضر‮ ‬‭ ‬فوق‭ ‬فسحة‭ ‬الدار‭ ‬،‭ ‬فتمنحنا‭ ‬رقة‭ ‬ظلها‭ ‬نهارا‭ ‬،‭ ‬وعذوبة‭ ‬الحانها‭ ‬مع‭ ‬النسيم‭ ‬ليلا‭ …‬

ذات‭ ‬ربيع‭ ‬،‭ ‬طلبت‭ ‬فاطمة‭ ‬بنت‭ ‬الحاج‭ ‬أبو‭ ‬ناصر‭ ‬عنقود‭ ‬حصرم‭ ‬،‭ ‬فأعطتها‭ ‬أمي‭ ‬بسعادة‭ !‬

ولما‭ ‬تذوقت‭ ‬فاطمة‭ ‬الحصرم‭ ‬،‭ ‬حكت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بيوت‭ ‬الحي‭ ‬عن‭ ‬روعة‭ ‬داليتنا‭ ‬،‭ ‬فكان‭ ‬يزورنا‭ ‬الجيران‭ ‬ويجلسون‭ ‬تحتها‭ …‬

وفي‭ ‬الصيف‭ ‬،‭ ‬وزعت‭ ‬أمي‭ ‬العنب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الجيران‭ ‬،‭ ‬وتفاجأنا‭ ‬جميعا‭ ‬نتساءل‭ ” ‬كيف‭ ‬تطعم‭ ‬دالية‭ ‬واحدة‮ ‬‭ ‬كل‭ ‬الجيران‭ ‬من‭ ‬عنبها؟‭!”‬

فيجيب‭ ‬أبي‭ ” ‬ما‭ ‬حلت‭ ‬بركة‭ ‬في‭ ‬رزق‭ ‬إلا‭ ‬وفاض‭ ‬ليكفي‭ ‬ويزيد‭ “‬

هكذا‭ ‬كنا‭ ‬نفعل‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬،‭ ‬نوزع‭ ‬الحصرم‭ ‬والعنب‭ ‬،‭ ‬فتكبر‭ ‬الدالية‭ ‬وتكبر‭ …‬

وفي‭ ‬يوم‭ ‬،‭ ‬طلب‭ ‬الجيران‭ ‬فروعا‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الدالية‭ ‬،‭ ‬فجاء‭ ‬الحاج‭ ‬أبو‭ ‬ناصر‭ ‬حاملا‭ ‬مقصه‭ ‬،‭ ‬وقص‭ ‬بعض‭ ‬الأغصان‭ ‬من‭ ‬الدالية‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭ ” ‬هذا‭ ‬سيجعل‭ ‬الدالية‭ ‬تكبر‭ ‬وتتجدد‭ “‬

وزعنا‭ ‬الفروع‭ ‬على‭ ‬الجيران‭ ‬،‭ ‬فززرعوها‭ ‬في‭ ‬دورهم‭ ‬،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬داليتنا‭ ‬تنمو‭ ‬ويطيب‭ ‬ثمرها‭ ….‬

وذات‭ ‬خريف‭ ‬،‭ ‬شاخت‭ ‬داليتنا‭ ‬وصارت‭ ‬عجوزا‭ ‬،‭ ‬وانتشرت‭ ‬حشرة‭ ‬في‭ ‬فروعها‭ ‬،‭ ‬فأضعفتها‭ ‬وأتلفتها‭ ‬،‭ ‬وصار‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬قصها‭ !‬

حزن‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬قطع‭ ‬الدالية‭ ‬،‭ ‬ودمعت‭ ‬عين‭ ‬أبي‭ ‬ناصر‭ ‬وهو‭ ‬يقصها‭ ‬،‭ ‬وأنا‭ ‬بكيت‭ ‬كثيرا‭ ….‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬أمشي‭ ‬في‭ ‬الحي‭ ‬،‭ ‬وأسمع‭ ‬صوتا‭ ‬يقول‭ ” ‬لا‭ ‬تحزن‭ … ‬نحن‭ ‬ذكرياتك‭ … ‬نحن‭ ‬معك‭ ‬دائما‭ “‬

نظرت‭ ‬من‭ ‬حولي‭ ‬،‭ ‬فرأيت‭ ‬الدوالي‭ ‬تطل‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬جدران‭ ‬الدور‭ ‬،‭ ‬وكل‭ ‬دالية‭ ‬تهتف‭ ” ‬أنا‭ ‬ابنة‭ ‬داليتكم‭ ” ‬

منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬،‭ ‬أتذكر‭ ‬داليتنا‭ ‬،‭ ‬فأزرع‭ ‬حيث‭ ‬استطعت،‭ ‬وقلبي‭ ‬يقول‭ ” ‬كل‭ ‬زرع‭ ‬سينمو‭ ‬ويزهر‭ ‬ويثمر‭ “‬

644 total views, 2 views today