د. محمد عبدالكريم الشحي

لماذا تنحرف المعرفة؟ ما أهمية الوعي بالخيط الرفيع الذي يفصل بين الذاتي والموضوعي ولماذا يجب الإفصاح عن شكل ومستوى العلاقة بين الباحث والمبحوث؟ متى يكون الاستدراك وتغيير الثابت وتثبيت المتغير فضيلة معرفية؟ إن الإجابة على أسئلة كهذه يستدعي سبراً عريضاً لن يسعه هذا المقال، لكنني أمام ما نشاهده من تصلًب في شرايين الوعي المعرفي الذي أحال النتائج إلى يقينيات غير قابلة للنقاش والمراجعة، وأمام التماهي اللامنهجي بين المعرفة المحضة ورؤية وقناعات الباحث المسبقة، أستحضر في هذه المقالة التفاتة نحو بعض مقتضيات ولزوميات الشرط المعرفي.

قبل عدة سنوات، كانت البرفيسورة Ruth Simpson  تبحث في أرفف المعرفة ومفاهيمها التطبيقية عن ما يعيننا نحن طلبة الدكتوراة آنذاك في المملكة المتحدة على التفكير العلمي المخلص للتقصي المنهجي الرصين، أتذكر جيدأ الورشة التدريبية التي أعدتها لنا عن مفهوم وانزياحات الوعي البحثي والأدواتي، والصرامة المعرفية التي تتطلب النظر فيما أنتجناه من “معرفة” من زوايا متعددة وعدم الركون لاختبار النتائج من خلال أداة أو اثنتين، في حين أنه يمكن لنا إخضاع المحتوى المعرفي والسبر الذي سبقه لمعالجات مركبة تسمح لنا بتقصي وتوصيف الذاتي والموضوعي، المغير والمتغير، المقدمة والنتيجة وغيرها من ثنائيات الشرط المعرفي، وكانت البرفيسورة موفقة تماما في اختيارها لما يجمع هذه البدهيات في صناعة العقل البحثي حين اختارت لنا ثيمة وموضوع الـ Reflexivity  من حيث أنها قيمة بحثية راسخة في المساق الابستمولوجي لما تهتم به من الانصات الدائم لحركة شروط المعرفة وملابساتها التي أوصلت الباحث لهذه الخلاصات دون سواها. إنها المراجعات المعرفية لما نكتب ولما ننتج، وتعني الشجاعة البحثية في مراجعة ما اعتقدناه من قناعات ومسلمات وإعادة تفكيكها، وهي حزمة التقنيات التي تساعد على بيان وكشف التدخل البحثي من قبل الباحث على المادة محل البحث، وقد يكون هذا التدخل قصدياً أو غير متقصد، لكنه لن يقدّم صورة حقيقة وموضوعية عن المبحوث. إن هذا الارتداد إلى جوهر المبحوث للتنقيب عن التأثر بالباحث والسياقات والعناصر المؤثرة الأخرى في نقاء الخلاصة هو أحد مهام الـ Reflexivity   الرئيسة.

على سبيل المثال، السياقية الزمكانية أو سلطة المرجعية الإسنادية الإطارية كالمتبنّى الأيديولوجي تعتبر أحد هذه المؤثرات التي تحاول المعرفة عزلها عن النتائج وحجب تأثيرها على القيمة البحثية مالم يكن هناك مبرر منهجي و علمي. فما الذي نعنيه بالتتبع للسياقية الزمكانية؟ إنه الوقوف على الشروط التي أنتجت فيها المعرفة من حيث الزمان والمكان ومستويات التداخل المكاني والزماني في قراءة ومراجعة وتمحيص الخلاصات، والتعرف على ملابساتها وظروف تشكلها، وقياس مدى إمكانية عبور هذه الخلاصات للتأريخ أو تجمّدها وعدم قابليتها لإثبات امتداد الجدوى المعرفية. ولعل أحد أهم المرتكزات التي انطلق منها مشروع محمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي هو الدعوة لنقد هذا التراث وتحديداً النظر في سياقيته التي تبرز برؤوسها المضللة حين لا تجد من يفك ارتباطها بالمكان الذي نشأت فيه أو الزمان الذي تخلّقت في ثناياه، فيتم تلقفها من غير تبيئة  contextualization وإحالتها لموجّهات صمّاء غير قابلة للمراجعة أو التطوير، إنها ذات الرؤية التي جعلت أحمد بن حنبل يرد على السائل الذي جاءه مستفسراً عن مذهبي الشافعي القديم والحديث (عليك بالكتب التي وضعها بمصر. فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم ذلك) ولا شك أن المراجعات الأصولية والمناخات المعرفية التي وجدها الشافعي في “السياق” المصري كانت أحد أهم الأسباب الدافعة لرؤيته الجديدة للكثير من المسائل التي طرحها في العراق

لقد أفاض العلماء والباحثون من شتى المجالات في تناول هذه القضية الرئيسة في فقه البحث والتأويل بغية الوصول لنتائج لا تمعن ولا تلبد في ماضويتها أو محدداتها الشكلانية و البنيوية دون وجود مبرر أبستمولوجي ودون جلاء الثابت والمتحول من أركانها ، ولعل أشهر من عني بذلك الفيلسوف والمفكر المعروف Gadamer  في كتابه الشهير الحقيقة والمنهج  و Pierre Bourdieu و Marcus و غيرهم.

Reflexivity  ما هي إذاّ إلا الالتفات النقدي “لما نبحث” من خلال الوعي العلمي بــ “كيف نبحث”، إنها الإشباع الأدواتي للمبحوث، قراءته من زواياه المتعددة، النظرالنقدي في شروط إنتاجه، تتبع وتقصي تداخلنا وتدخلنا في المسار البحثي، إنه السبر العميق كما قال عنه الإمام الشاطبي في الموافقات “ص 266″(فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلّف، فإن فرّق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض)

وقد تكون المعالجة المنهجية المتأنية سببا في تغيير الرؤية المختزلة للقضية مدار البحث، من هنا، تبرز أهمية العمق القيمي البحثي الذي لا فكاك للباحث المنصف عنه، خصوصاً قيمة الاستدراك ونقض ومراجعة الآراء المسبقة حال تبيّن أنها قد حادت عن الموضوعية البحثية، يقول خالد محمد خالد في كتابه الدولة في الإسلام،”ص46″:  ”كان الخطأ في المنهج نفسه، فقد جعلت ما تأثرت به قراءاتي عن الحكومة الدينية في المسيحية، وما تأثرت به من تحول بعض الشباب المسلم من نُسّاك إلى قتلة، جعلت هذا وذاك (مصدر) تفكيري لا (موضع) تفكيري، وفارق كبير بين أن تجعل الحدث أو الشيء (مصدر) تفكيرك وبين أن تجعله (موضع) تفكيرك. فعندما يكون مصدر تفكيرك فإنه يقودك في طريقه هو لا في طريق الحقيقة، وتبصر نفسك – من حيث لا تشعر – مشدوداً إلى مقدمات وسائراً نحو نتائج لم يأخذ الاستقلال الفكري حظه في إمعان دراستها. أما حين يكون الشيء موضع تفكيرك المحايد والمستقل بكل اعتبارات القضية المدروسة دون أن يلزمك بحكم مسبق يتحرك الفكر داخل إطاره الحديدي الصارم فإن النتيجة تختلف حتما. إلى هذا السبب الجوهري أردُّ خطئي فيما أصدرته قديماً من حكم ضد الحكومة في الإسلام ، هذه التي أسميتها خطأ بالحكومة الدينية ”

إن ما ينقص وعينا البحثي في راهننا المعرفي هو الإيمان بقيمة “الصرامة البحثية” التي نتجاوز بها الخلل المنهجي الذي يحول النتاج المعرفي لتوليفة غير خالصة من النزوعات و الإملاءات، ومن ثم نحتاج “للجرأة البحثية والشجاعة العلمية” التي لا تستسلم للفكرة المسبقة بل تؤمن بالمنهج الموصل لها متى ما تبين من خلال “المنهج” الحاجة لتغييرها كما فعل خالد محمد خالد أو مصفى محمود بتحوله الجذري من ملحد لمسلم.

ختاما، كم من القضايا المعرفية التي لم ينصف المفكر والباحث والعالم فيها المتلقين لأنه لم يكن بالجرأة العلمية التي تجعله يراجع وينقّي نتاجه المعرفي متى ما تبين له حياده عن مسالك المعرفة الخالصة؟ وكم من المصنّفات والمشاريع المعرفية الملتبسة التي تمازج فيها الذاتي بالموضوعي بدون مكاشفة منهجية و وضوح علمي؟

المعرفة ليست “مزاجاً” بحثياً بل “منهجية” قادرة على الاشتباك المعرفي والتفاعل الخلّاق، والبناء الحيوي القادر على استيعاب التطور والتجديد. وكم رأينا من مشاريع فكرية قد أصابها الضمور بعد انكشافاتها المنهجية حين راهن أصحابها على “من” أنتجها وليس “كيف” تأسست معرفياً.

أقول ذلك، مستحضراً البروفيسورة Ruth Simpson وإصرارها على تكريس وعينا البحثي ليكون منتجاً بحيوية موضوعية في المتراكم المعرفي لا منعطفا بها في مسارب القداسات وادعاءات العصمة وطمس محاولات التجديد والتنقيب في سلطة المتون والمصادر، وتفكيكات النص وتأويلاته المسبقة، بل والأدهى من ذلك سلطة المتأولين الذين نصبوا أنفسهم أو نصبهم الناس كأيقونات غير قابلة للمراجعة والتفكيك، مستعيدين بذلك أعصر التراخي الاجتهادي وإضفاء الهالات الغير قابلة للنظر كما كان الأندلسيون، كما نقل ذلك البيهقي، يقدرون “قلنسوة” الإمام مالك رحمة الله ويستسقون بها وإذا قيل لهم:قال رسول الله، يقولون: “قال مالك”.

131 total views, 2 views today