د. حصة العوضي
كاتبة وشاعرة وقاصة


شاعر ..

تعيش بين أنجم الشمال ..

تعصر الأضواء عطرا  وشذى ..

تلازم العيون كي تظل نورها ..

وتخرق القوانين الوثيقة المتينة ..

تقطع ألف قوس فوق أعنان المدى ..

ترسم من باقاته كل السطور البائسة ..

والنازفة بلا جراح ..

والتائهة بين السطور ..

تنام فوق موجة من السحاب والندى ..

وترتقي معالي الهموم والضنى ..

تقتات من عشب الجراح النازفة ..

وتشرب البقايا من عيون الغرباء ..

تنسل في أحلامهم ، لترسم الخيال فيها والجمال ..

لكنك لا تملكها ، ولو لثانية ..

أنت الذي أعطيت للزهر الرحيق ..

سقيت كل أنهار الثريا بالحنين ..

مرغت كل أحرف الهجاء بقلبك المبتور ..

أقصيت كل البوح والخرافات الجميلة ..

حين ترن فكرة أجراسها على الجبين ..

تركع العواطف التي تسكنها لتفتح الأنهار ..

لتترك السيول والعواصف الدخيلة ..

تقطع الأحلام والأهواء والشجون ..

أنت الذي قلدت للأشجار بهجة الصباح ..

أنت الذي أغدقت كنزك المخفي في بوادي الرياح ..

أنت الذي لثمت بالقوافي كل الشفاه التائهة ..

دونت فوقها قصائدا من الجنوب ..

حيث الرحيل قد شد المطايا والجياد ..

وأردفت كل المعاني فوق ظهر القافية ..

تجر ثقلها وحملها فوق الرمال ..

تشرب من كل الينابيع التي تختزن الأسى ..

وتبصق الرياح والنسائم المعلقة ..

ما بين أقفاص الطيور الشادية ..

دفء الحروف ينتمي لمقلتيك ..

نور الحياة ينتشي براحتيك ..

كل السنين تبتدي وتنتهي بمقلتيك ..

وبين كل آهة وآهة ينسكب الحنين ..

كواحة من الضباب أضناها الجفاف ..

كسرب طير شده الحنين للوطن ..

لمورد النجاة ..

يا شاديا بين الشراع والغواص والمحار ..

أغدق علينا من عطايا الشعر والبحور السائحة ..

كغابة ماطرة من الأمل ..

كدفء أم حالم حنون ..

كرقة النسيم في الليالي النائحة ..

ليست تداري خوفها ، ولا مواضع الألم ..

تسكنها الرياح في مواسم الصفاء ..

وترحل الأمطار عنها ساعة الظمأ ..

وتعشب الأرض بها خناجرا تدور كالرحى ..

في واحة الشعر وأرض الشعراء ..

كأن الجان يقطنون في الجباه ..

وفي مواقع الأفلاك والجزائر البعيدة ..

كأنهم جناة الحب والخطيئة ..

كأنهم على رؤوسهم مخالب النسور ..

وكل لحظة تدور .. كالساقية ..

تقلب الأيام في دورتها ..  تقلب الليال ..

لا شيء مثل شاعر ينبؤنا بموعد الترحال ..

لا شيء مثل رنة الأوتار توقد الخيال ..

لا شيء مثل الصبر والرحيل والضنى ..

يدون الحروف والقوافي المحلقة ..

لا شيء مثل فكر ذلك الإنسان في مواسم العزاء ..

تنسكب الأفكار كالدموع النائحات ..

ينسكب الغزل ..

وموجة من الحنين والأسى ..

تشق بحر الشعر من شاطئه الرحيب ..

لتغزل المساء أرجوحة للحب والسمر ..

وتنسج الغروب زورقا من المرجان ..

وليس مثله من يسكب الزمان في فنجانه ..

يمزجها بالقهوة السمراء ..

يرشفها على مهل كقبلة الشفاه ..

ما أروع الشاعر في بيادر الرحيل ..

والعناء والأمل ..

غدا يعود نجمه إلى الغناء ..

مرتديا سحائب المطر ..

غدا يستيقظ النهار والوجوه التائهة ..

فالدرب هاهنا أبوابه تدار ..

والحب هاهنا برفقة الشعر وكل الشعراء ..

يبنون للزمان موطنا ..

للحب ، والغناء ، والقوافي المبحرة ..

دون شراع …

 32 total views,  2 views today