د. جاسم العلوي

أرادَ ديكارت أنْ يتحصَّل على اليقين ليجعل منه القاعدة التي يبني عليها فلسفته. كان ذلك بعد أنْ سَاوَرَه الشكُّ في كلِّ شيء. تحرَّكتْ في ذهنه الأسئلة حول مَدَى اليقين فيما يعلمه الإنسان، فما الذي يَجْعَل ما نعلمه يتمتَّع بدرجة عالية من الصدق؟ وما هُو الأساس الذي لا يعتريه الشكُّ، ويتمتَّع بدرجة عالية من الصِّدق، ومنه يبني الإنسان فلسفته ومعرفته بالأشياء من حوله؟ واكتشفَ أنَّ مُمارسة الإنسان للتفكير أمرٌ لا شكَّ فيه ولا يزيد الإنسان الشك في أنَّه يُفكِّر إلا مزيدا من اليقين والطمأنينة بحقيقة ممارسته للتفكير. ولمَّا كان التفكيرُ حقيقةً، فإنَّ التفكيرَ يحتاج لمُفكِّر، فتقرَّر لديه أنَّ وُجُوْده حقيقة وليست وهمًا (استدلَّ ديكارت على وُجوده بواسطة فكره، والحقيقة أنَّه تعرف على ذاته قبل أن يتعرَّف على فكره). وبعد أنْ تقدَّم هذه الخُطوة تَرَاجع خطوتيْن إلى الوراء، وتساءل حول ما إذا كَان وراء ما نعتقدُ أنَّه يقين وحقيقة لا شك فيه أنَّ قوةً تسيطر على أذهاننا، وتُضللنا وتُوهِمنا بذلك اليقين. فما الذي يَضْمن صوابنا في اليقين الذي يُشكِّل القاعدة التي يبني عليها الإنسان المعرفة. أراد ديكارت لهذه القاعدة أنْ تكُوْن متينة وصلبة، وليس في مقدور أحد أن يَصْنَع بها صدعًا؛ لأنَّ ذلك يعني أنَّ أفق المعرفة قد أقفل، وليس في مقدورنا أن نصل إلى الحقائق دون أن تكتسي لباسَ الشك. لكنَّه وَضَع ثقته في الله -الذي جعله الضامن لصحة الأسس اليقينية التي يعلمها الإنسان- فالله الخالق لا يُمكن أن يُضلِّلنا أو يَخْدَعنا، وقاده ذلك إلى أنَّ الله أوْدَع في فطرة الإنسان معارفَ يقينية أوَّلية، وبها أرادَ الله له أنْ يُمارس التفكير ليبني على ضَوْئه المعارف والعلوم. هُنا يتَّضح هذا البُعد الخفي في الفلسفة العقلية لديكارت، البُعد الميتافيزيقي الذي يختبئ وراء الرُّؤية الفلسفية لديكارت. لن نُناقش المشكلة المنطقية التي وقَّع فيها الكوجيتو الديكارتي لإثبات الوجود من خلال الفكر؛ فما يهمُّنا هو تلك الجذور اللاهوتية التي تختبئ داخل الأرض لتنمو شجرة المعرفة، وتعلو بكل ثبات من تلك الجذور الضاربة في أعماق الأرض. لقد صوَّر ديكارت نفسه في كتابه المبادئ الفلسفة بالشجرة التي تحملها الميتافيزيقا. وقد تجَّلى التأثيرُ الواضحُ للفلسفة الديكارتية بأساسها الميتافيزيقي في فلسفة تلامذته، وبالأخص مالبرانش وبسكال وليبنتز. وكان تأثيرُ فلسفة ديكارت على مالبرانش كبيراً؛ حيث اعتبر الأخير الله ليس الضامن للحقيقة فقط، بل هو أصل ومنبع الحقيقة. وأنَّ المعرفةَ مَصْدَرها الله وما دور النفس إلا الاستعداد لتلقي المعرفة من مصدرها (1). إذن؛ من الثابت عند ديكارت أنَّ هناك عالماً قائماً له حقيقة ساطعة كالشمس، ومن وحي أشعته نتزود نور المعرفة بممارسة التفكير.

تهدفُ هذه الورقة إلى بَيَان بعضٍ من نظرية العقل عند الفلاسفة، ووضعها في السياق الذي يخدم الفكرة المحورية في هذه الورقة، وهي أنَّ المعرفة تنمو وتتطوَّر من أصلها الميتافيزيقي. ويستند هذا الأصل أولاً إلى أنَّ الميتافيزيقا حقيقة ساطعة، ولايعني تواريها إلى ما وَرَاء الحس أنَّها غير موجودة، أو أنها خُرافة كما هو عُنوان كتاب الفيلسوف الدكتور زكي نجيب محمود -رحمه الله- “خرافة الميتافيزيقا”، الذي أضطر بعد ذلك لتغيير عُنوانه بعد النقد الكبير الذي واجهه إلى “الموقف من الميتافيزيقا”. وما مُحاولات المدارس المادية المختلفة لنفي هذا البُعد عن الوجود المستتر عن حواسنا إلا دليل يُضاف إلى الأدلة المثبتة لحقيقة وجوده، كما سيتضح في طيَّات هذه الورقة.

تحتلُّ الميتافيزيقا في سُلَّم الوجود حيزاً وجوديًّا كبيراً؛ بحيث أننا نقارب الصَّواب إذا قلنا بأنَّ العالم المادي -الفيزيقا- يُشكِّل جزيرة صغيرة جدًّا في مُحيط عباب زاخر بفضاءاته المعرفية المتنوعة. ويستندُ هذا الأصل ثانياً إلى كَوْن العقل قوة من قوى النفس مُفارقه للجسم، بل إنَّها مرتبة من مراتب العقل كما يرى بعض الفلاسفة يكون مُفارق للنفس الإنسانية وليس جزءاً منها. وهنا؛ نكون أمام مُفارقة مركبة. وثالثا: صحيح أنَّ المعرفة البشرية تبدأ من مُفردات الحس الخاصة، وتتحرك صعوداً نحو المعرفة العقلية الكلية المجردة، لكن ليس كل التصورات التي تتوافر لدى النفس هي تصوُّرات مُستمدة من العالم المحسوس؛ إذ ليس صحيحاً تماماً ما يُقال عن أنَّ دنيا الذهن هي انعكاس لدنيا الخارج. وإنَّما هُناك تصوُّرات تحصُل عليها النفس من خلال شهود النفس لذاتها وآثارها وأفعالها، وهذا الشهود يتمُّ بواسطة حضور ذات واقعية المعلوم وآثاره لدى النفس. ومن بَعْد هذا الشهود تكون القوة المدركة للإنسان صورًا لهذه الواقعية بعد سلب الآثار عنها، وفي هذه المرحلة يتمُّ استبدال المعرفة الحضورية بالمعرفة الحصولية. المعارف البشرية جميعها لابد أنْ تنتهي إلى المعارف التصديقية الأولية التي هي فرع لهذا الشهود.

مُفارقة العقل للمادة وتجرُّد المعرفة
ثمَّة ثنائية حقيقية بين العقل والمادة، وكل المحاولات التي سعت لردِّ الحياة العقلية للإنسان إلى ما هُو فيزيقي؛ لتغدو هذه الثنائية وهماً لم تصمد أمام النقد. هذه الثنائية تعني أنَّ العقل ينتمي إلى عالم محكوم بظواهر وقوانين تختلف عن عالم المادة. هذه الحقيقة -أي ثنائية العقل والمادة- يُؤكدِّها كَوْن العقل لا يخضع للمقاييس المادية؛ فليس للعقل وزن أو امتداد. الإنسانُ كما هو جلي يحملُ الاستعداد والقوَّة لكي يكون عالماً بالأشياء، وهذا الاستعداد هو استعداد العقل نفسه في المرحلة الأولى للإدراك لتقبُّل الصور الحسية. وهذه الصور الحسية غير مادية؛ لأنها غير مُقيَّدة بالزمان والمكان، وكل مُتحرِّر عن مُقيَّد الزمان والمكان هو مُجرَّد عن المادة. هذه المرتبة من التعقُّل التي يكون فيها العقل بالقوة يعني محض استعداد لتقبل الصور المجردَّة تسمى بـ”العقل الهيولاني”. وبعد أنْ تنطبع فيه هذه الصور يكون العقل في مرتبة الفعل. ليس العقل في هذه المرتبة غير المعقول، والمعقولات لها صُور مُجرَّدة، فإذنْ العقل علة لهذه الصور؛ إذ لا يُمكن أنْ تكون هذه الصور في النفس من ذاتها؛ لأنَّ النفس -كما قلنا- كانت فاقدة لها، وليست علتها أمرا ماديا؛ لأنه لا يمكن للمادة أن تمنح الوجود لشيء؛ فهذا يقود للقول بأنَّ العقل الذي هو عِلَّة لهذه الصور المجردة لا بد أن يكون جوهراً مجرَّداً في ذاته وفي فعله. هذا البرهان على تجرُّد العقل ومُفارقته للمادة ذاتا وفعلا يقوم كما أوضحنا على أنه علة لصور حسية لا تنطبق عليها خواص المادة؛ من حيث أنَّها لا تقبل الانقسام، وخارجة عن ظرف الزمان والمكان. إنَّ تجرُّد العقل يقتضي تجرُّد المعرفة؛ وبالتالي تتجلى حقيقة هذا البُعد الميتافيزيقي للمعرفة.

يُمكن أنْ نهتدي إلى هذه المفارقة بالنظر إلى أنَّ حركة الفكر عند الإنسان -التعقُّل- من لحظة التصوُّر حتى إصدار الحكم تنحو مسارًا تتجلَّى فيها مجموعة من الملكات يحتاجها العقل مجتمعة في عملية التفكير، والتي بذاتها ليست من مُعطيات الحس وهي غير قابلة للقياس الكمي على النحو الذي نقيس به المواد. هذه الملكات هي ضرورات تكوينية للعقل حتى يتمكن من ممارسة نشاطه، وبدونها لا يُمكن له أنْ يدرك أي شيء؛ فالعقل يحتاج إلى ملكة الإرادة، وهي تعبير عن رغبة في اتخاذ موقف فكري من قضية ما، ولا سبيل لنفيها عن العقل لأنَّ ذات النفي هو تأكيد على وجودها. أنْ تُثبت أو تَنْفِي أو أنْ تتَّخذ مَوْقفًا فكريًّا من قضية ما، يحتاج العقل لملكة المقايسة والمفاضلة بين الأشياء والأفكار، وهي ما تُسمَّى “ملكة الاستنتاج”. كما أنَّ العقلَ حتى يقايس ويفاضل بين الأشياء والأفكار يحتاج إلى ملكة الحافظة، وهي التي تحفظ تجربة الإنسان الفكرية والحسية، ويتم استدعاء هذا المخزون المعرفي عند عملية الاستنتاج. والاستنتاج بالمقايسة يزيد من مخزون الحافظة، لكنها لا تكفي لنمو معارف الإنسان، وإنما يحتاج العقل لملكة الإدراك التي بها يقوم العقل بإصدار أحكامه. ولكي تتمكَّن ملكة الإرادة من الحكم تحتاج لملكة يتمكَّن العقل بها من استدعاء مخزون الحافظة، وهي ملكة الذاكرة. هذه الملكات العقلية الخمسة ضرورات الحياة العقلية. وهذه الملكات لا تعني أنَّ العقل مُركَّب على نحو المركب الكيميائي، بل إنَّ العقلَ بسيط لا يُمكن تجزئته أو تفكيكه، وما هذه الكثرة إلا كثرة في واحد (2). يُؤكد دافيد هيوم مثلا -وهو الفيلسوف المادي- على حقيقة أنَّ العقل غير المادة؛ إذ لَيْس العقل من الظواهر المنطبعة في حواسنا، ولكنه اتخذ من ذلك دليلا على إنكار العقل. ما يهمُّنا هي النتيجة التي توصَّل إليها دايفيد هيوم، وهو الفيلسوف المادي الذي لا يَرَى الوجودَ إلا في دائرة المادة، أنَّ العقل يقع خارج هذه الدائرة. إذن؛ العقلُ ينتمي إلى فضاء وجودي مُفارِق للمادة.

وهنا.. يجدر بنا للأهمية أنْ نستبين هذه المفارقة بين العقل والجسم من أقوال كبار الفلاسفة، وسنخُص منهم أرسطو وابن رشد. وقبل أن نستعين بأقوالهما، علينا أن نوضِّح للقارئ الكريم أنَّنا عندما نشير هُنا إلى العقل، فإننا نقصد العقل في ذاته، وليس العقل باعتباره أداة للمعرفة، نعني بذلك العقل في بُعده الأنطولوجي. ونذكر مثلا أنَّ أرسطو لم تكن له نظرية واضحة في العقل، كما يؤكد هو بنفسه على ذلك، إلا أنَّنا نَرَاه يتحدَّث عن العقل النظري باعتباره نوعًا من قوى النفس المفارقة للجسم. يقول أرسطو في الجزء الثاني من كتابه عن النفس “ولكن فيما يخص العقل والقوة النظرية ليس الأمر واضحا بعد، غير أنَّه يبدو أنَّ ها هنا نوعًا من النفس مختلفاً، وأنَّها يُمكن أنْ تفارق الجسم كما يفترق الأزلي عن الفاسد” (3). يُبيِّن هذا النص أنَّ العقل النظري -كما يُظهر أو يرجح أرسطو- نوع من قوى النفس المفارقة للجسم. لكنَّ أرسطو في نص آخر يتحدَّث عن العقل الفعال، وهو أحد مراتب العقل، ويرى أنَّه رُبما يكون مفارقًا للنفس. وأقول هنا ربما لأنَّه وَقَع اختلافٌ بين شراح أرسطو فيما إذا كانت هذه المفارقة مُركَّبة أو لا. وأقصد بالمفارقة المركبة أنَّ هناك مستويين من المفارقة، مُفارقة العقل للجسم ومفارقة العقل للنفس. العقلُ الفعَّال هو أحد مراتب العقل التي يتحدَّث عنها الفلاسفة، وهو الذي يصير المعقولات التي بالقوة إلى معقولات بالفعل. وقد اختلف الفلاسفة فيما بينهم حول ما إذا كان العقل الفعال جزءاً من النفس الإنسانية، أم أنَّه خارج النفس الإنسانية وبالتالي يفارقها. الفلاسفة -وعلى رأسهم أرسطو- يفرِّقون بين العقل الذي هو مُجرَّد استعداد لإدراك مَعَاني الأشياء وصورها، ويسمى بالعقل الهيولاني وبين العقل الفعَّال الذي هو صورة لهذا العقل الهيولاني، وينتزع المعاني فعلا. دَعُوْنا نستعرضُ نصَّ أرسطو الذي أحْدَث مَوْجَة من الجدل الفلسفي حول معنى مفارقة العقل الفعَّال. ذكر أرسطو في كتابه النفس ما نصه “وهذا العقل هو المفارق اللامنفعل غير الممتزج، من حيث أنَّه بالجوهر فعل؛ لأنَّ الفاعلَ دائماً أسمى من المنفعل، ولا نستطيع أن نقول إنَّ هذا العقل يعقل تارة ولا يعقل تارة أخرى، وعندما يفارق فقط يصبح مختلفا عما كان بالجوهر، وعندئذ فقط يكون خالدا وأزليا” (4). يتحدَّث النصُّ عن مرتبتين من مراتب العقل؛ هما: العقل المنفعل -الهيولاني- الذي هو مادة، وصورته عقل أسمى منه لامنفعل بل فاعل، وعندما يفارق يصبح خالدا وأزليا.

… إنَّ الغموضَ الذي لفَّ نظرية أرسطو في العقل، دفع بشراح أرسطو لسد النقص، وهو ذاته الأمر الذي دفع ابن رشد الفيلسوف الإسلامي الكبير أحد كبار شراح أرسطو في وضع نظرية متكاملة عن العقل تعتبر أشد فلسفته ابتكاراً وتمايزاً عمَّن سبقه من الفلاسفة. يُقيم ابن رشد نظريته في العقل بالتحديد الدقيق لمعنى العقل؛ فالعقل عنده هو ذات المعقول من جهة كونه معقولا، وينصُّ في كتابه “تهافت التهافت” على هذا المعنى؛ فيقول: “وكان العقل ليس شيئاً كثيراً من إدراك المعقولات” (5)، ويُعلَّل هذا التحديد لمعنى العقل عنده على أساس أنَّ الموجود الذي ليس بجسم هو ذاته عقل؛ فيقول: “والسبب في ذلك أنَّ العقل عندما يُجرد صور الأشياء المعقولة من الهيولى، ويقبلها قبولا غير هيولاني، يعرض له أن يعقل ذاته؛ إذ كانت ليست تصير المعقولات في ذاته من حيث هو عاقل بها على نحو مباين؛ لكونها معقولات أشياء خارج النفس” (6). ومعنى هذا النصُّ أنَّ العقل -باعتباره مفارقًا للمادة- يقوم بتجريد صور المحسوسات المادية، وهو بهذا التجريد يعقلها؛ لأنها أصبحتْ مفارقة للمادة. فإذا كانت الصور المادية بالتجريد تصير عقلا وعلما، فإنَّ من كانت حقيقته مُجرَّدة أوْلَى أن يكون بالتعقل عقلاً وعلمًا. يقول ابن رشد في كتابه “تهافت التهافت” -تأكيدا على هذا المعنى- “ولمَّا كانت معقولات الأشياء هي حقائق الأشياء، وكان العقل ليس شيئا أكثر من إدراك المعقولات، كان العقل منا هو المعقول بعينه من جهة ما هو معقول… فإنْ ألفى شيئاً في غير مادة فالعقل منه هو المعقول من جميع الجهات، وهو عقل المعقولات” (7).

ويترتَّب على هذه الثنائية أنَّ الفكر -بما هو مُفارق للمادة- هو الصانع لمسيرة الإنسان في التاريخ؛ فهناك إذن دائرة أكبر من الوجود تُحيط بدائرة الوجود المادي، وتقف خلف حركة الإنسان التاريخية على الأرض. إذن؛ عالم الفيزيقا تحمله الميتافيزيقا المتوارية عن الحس، كما يقول ديكارت، والتي نستيقن حقيقتها بالتعقل. إذ إنَّ الأحكامَ الذي يُصدرها العقل هي لون من النشاط الذهني التي لا ترد إلى الذهن عن طريق الحواس. كما أنَّ التفكير في الفكر نفسه؛ حيث يكون طرفا القضية الموضوع والمحمول، ليسا من الوقائع الحسية هو أحد دلائل الصدق على ثنائية العقل والمادة.

وتؤكِّد نظرية المعرفة عند بعض الفلاسفة الأوربيين، وكذلك عند فلاسفة الإسلام، أنَّ النفسَ هي محض استعداد، وأن الإدراكات الجزئية الحسية سابقة على الإدراك العقلي الكلي. وأنَّ العقل يصوغ مفاهيمه الكلية من خلال الصور الحسية. يَرَى الحكماء الإسلاميون أنَّ العقل ينتزع من هذه الصور الحسية مفاهيم كلية يسمونها المعقولات الأولية كالإنسان، الشجرة، الحيوان…إلخ. ثم يقومُ بعملية انتزاعية ثانية ينتزع بها من هذه المعقولات الأولية معقولات ثانية تشكل معظم مقولات الفلسفة والمنطق كالوحدة، الكثرة، العلية، الإمكان…إلخ (8). هذا يعني أنَّ العلاقة بين دائرتي الوجود المادية وغير المادية -الفيزيقا والميتافيزيقا- لا تسير في اتجاه واحد، بل إنَّ هناك علاقة وثيقة ومتبادلة بينهما يُشكل العالم الفيزيقي فيها المادة الأولية للفكر.

الوضعية المنطقية الجديدة.. ومحاولة حذف الميتافيزيقا
المدرسة الوضعية التي أسَّس لها أوجست كونت، في القرن التاسع، اعتبرت أنَّ البشرية قد تجاوزتْ مرحلة الميتافيزيقا كليًّا، بعد أنْ وصلت إلى المرحلة الوضعية أو العلمية. أما الوضعية المنطقية الجديدة، أو التجريبية المنطقية -كما أسماها كارناب، أحد أبرز رواد هذا التيار الفكري- ترى أنَّ العلمَ يحملُ في طياته مشكلات ميتافيزيقية. لذلك؛ يجب العمل على تطهير العلوم من هذه القضايا الميتافيزيقية التي تتسرَّب إليها من خلال الفحص المنطقي الدقيق للغة العلوم المستخدمة. وتقصر هذه المدرسة المعارف المشروعة إلى العلم الرياضي والعلم الطبيعي. التجربة في الرُّؤية الفلسفية لهذه المدرسة هي المصدر الوحيد للمعرفة، لكن ما يُميِّز هذه المدرسة عن التجريبيين الإنجليز هو قولها بإمكان بلوغ اليقين في الميدان العلمي والفلسفي. وهذا الإمكان قائم إذا ما التزمنا التقيد الصارم بالمنطق الصوري.

المدرسة الوضعية الجديدة، واستمراراً للتيار الفلسفي الحسي، جعلتْ الحس وكل ما يدخل في نطاق الخبرة الحسية الحد الذي يفصل العلوم عن الميتافيزيقا (9). وهذا الحدُّ قائمٌ على أساس أنَّ الميتافيزيقا كلام فارغ خالية من المعنى؛ فالكلام إمَّا يكون صادقا أو كاذبا وعندما لا يكون الكلام لا هذا ولا ذاك، فهو كلام لا معنى له.

والميتافيزيقا تُنتج كلاماً لا يُمكن الحُكم عليه بالصدق أو الكذب، وبهذا تكون خالية من المعنى. والكلام الذي يحمل معنى هو ما يُمكن أن نتحقق منه بواسطة التجربة، أو هو الكلام المبني على فروض العلم الرياضي. ورغم أنَّ المنهجية العلمية في الرياضيات تختلف عنها في العلوم الطبيعية، إلا أنَّ كلًّا منهما يُمكن التحقق من صحة القضايا التي يشتغلون بها. فبالإمكان التحقُّق من صحة القضية في العلم الطبيعي بواسطة التجربة وبصحة القضية الرياضية، بواسطة الرجوع إلى الفروض الأولى، والتأكد من سلامة وتماسك بنائها المنطقي. وبهذا؛ تحصر الوضعية المنطقية المعرفة الإنسانية في العلم الرياضي والعلوم الطبيعية على أساس أنها تعطي مفاهيم ذات معنى. لقد حصرت الوضعية المنطقية وظيفة الفلسفة في التحليل اللغوي للقضايا العلمية، وجعلتْ مهمة الفلسفة في التأكد من أنَّ الصيغة التي تكتب بها هذه العلوم تحمل مَعَاني يُمكن الحكم عليها بالصدق أو الكذب. وليس من وظيفة الفلسفة الحكم على الأشياء بالإيجاب أو السلب، فتلك وظيفة العلوم في التحقق من صدق القضايا أو كذبها. ما يهمُّ الفلسفة هو البناء المنطقي للغة العلوم؛ بحيث يتمكَّن العالم من الحكم. فنحن عندما نقول على سبيل المثال “إنَّ الحديد يتمدَّد بالحرارة”؛ فهذه عبارة ذات معنى؛ لأنَّها تدخل دائرة المحسوسات، ويُمكن الحكم عليها بالصدق أو الكذب بالتجربة. العبارة الرياضية مبنيَّة على فروض رياضية وهذه الفروض تنتهي إلى نتائج رياضية، وعندما يتأكد الرياضي من دقة الالتزام بهذه الفروض، فإن في مقدوره الحكم بصدق أو كذب هذه العبارة. لكن إذا قلنا على سبيل المثال: “الخير غاية الوجود”؛ فهذه -كما يدعي أصحاب هذا التيار- ليست جُملة نتمكَّن من الحكم عليها سلباً أو إيجاباً؛ لأننا لا نمتلك وسائل التحقق من صحتها. فهي لا تحوي مضموناً حسيًّا حتى نتحقَّق منه بإقامة التجربة وليست ذات مضمون رياضي حتى نردها لفروضها الأولى التي أنتجتها. وبذلك تكون جُملة خالية من المعنى، وبهذا تصبح الميتافيزيقا خرافة.

لقد حَاوَل “كانت” في كتابه “نقد العقل الخالص” أنْ يَضَع الشروطَ التي تجعل من الميتافيزيقا علماً يُوازي العلم الرياضي والعلم الطبيعي. لكنَّه انتهى به التحليل إلى أنَّ الميتافيزيقا تعمل خارج حُدود العقل النظري. ومن هنا، لا يُمكن الحكم عليها. ولكن لا يَعْني ذلك عدم القدرة على إسباغ الحكم عليها أنَّه لا يُمكن الحديث عنها. وهنا يفترق “كانت” عن الوضعية المنطقية في أنَّ الأخيرة تنفي إمكانية الحديث في الموضوعات المتعلقة بالميتافيزيقا؛ لأنَّ الحديثَ عنها لا يتَّسم بالصدق أو الكذب. يَرَى “كانت” أنَّ الميتافيزيقا تستعصي على العقل النظري أن يفهمها ولو تغيَّر هذا العقل كأن أصبح لديه القدرة على فهم الموضوعات الخارجة عن دائرة العلم الرياضي والطبيعي، فلم يعُد مُستحيلا عليه إدراكها. أمَّا المنطق الوضعي، فيرى الاستحالة استحالة منطقية؛ ذلك لأنَّ البنية المنطقية للغة المستخدمة خالية من المعنى. وأرادَ أصحابُ هذا الاتجاه تفسير مهمة الفلسفة في التاريخ حَصْرا في التحليل اللغوي. إذ لم تُعط الفلسفة على طول التاريخ حكماً سلبيًّا أو إيجابيًّا في مُختلف القضايا(10).

… إنَّ هذا التفسير يتنافى مع الثوابت التاريخية لحركة الفكر الفلسفي؛ فالفلسفة قد تطرَّقت إلى النفس كجوهر، وتناولت مسألة خلودها كما تطرَّقت للعقل ومراتبه، وعن المعرفة الإنسانية وقضايا كثيرة، وكانت مُهمتها الكشف عن الحقيقة فيما يتعلَّق بهذه القضايا. ولم تكن وظيفة الفلسفة على الإطلاق محصورة في ضبط العبارة اللغوية ضبطاً صوريًّا حتى تغدو ذات معنى ثم يترك الحكم بصدقها وكذبها ليس على الفيلسوف، بل على علماء الطبيعة والرياضيات. لقد مارستْ الفلسفة في التاريخ دوراً رياديًّا في مُحاولة فهم العالم وبيان حقيقة الوجود. وكانت اللغة بالنسبة للفلسفة ذات وظيفة أداتية يتم استخدامها لتوصيل معنى الحقيقة ووسيلة للتعبير عن فكر الفيلسوف. لقد قلبتْ الوضعية الجديدة المهام، وأضحتْ مُهمة الفلسفة كنشاط إنساني مارسه الإنسان منذ آلاف السنين أن تكون أداة ضبط لغوي، ولا علاقة لها بالحقيقة من قريب أو بعيد. إنَّ الحقيقة عند المنتمين لهذا التيار بما هي كاشفة عن الواقع ليس ذات أهمية؛ لأنَّ المهم هو كيف نتحدث عن العالم بواسطة اللغة.
يرفض كارل بوبر أنْ تختزل قضايا الفلسفة في مُشكلات لغوية، أو في تحليل العبارات المنطقية. ويَرَى هذا الفيلسوف أنَّ الفلسفة التي تهتم بمشكلات اللغة هي فلسفة تهتم بأشباه المشكلات، يعني أنَّها تهتم بمشكلات غير حقيقية. لقد اهتمَّ هذا التيارُ الوضعيُّ بالبحث عن الكلمات التي تعطي معنى دقيقا وصارما؛ وذلك من أجل تعريف المفهوم باستخدام هذه الكلمات ذات المعنى الدقيق. وينظرُ بوبر إلى عدم جدوى هذه المحاولات؛ لأنَّ تعريف أي مفهوم يحتاج إلى ألفاظ جديدة هي بدورها تحتاج إلى تعريف، وقد أطلق على هذه العملية عملية “التراجع النهائي” (11). إنَّ بوبر يَرَى أنَّ وُضُوح المفاهيم، ورفع الغموض عنها، ليس مبدأ علميًّا ومعرفيًّا، بل هو مبدأ أخلاقي. لقد قدَّم كارل بوبر نظرية أداتية في اللغة، رافعا عن الفلسفة مهمتها توضيح الألفاظ ومتمسكا بدورها في بيان الحقيقة. يقول كارل بوبر: “أنا لا أرى الفلسفة هي الألغاز اللغوية، ولو أنَّ إزالة سوء الفهم قد تكون أحيانا مهمة أولى وضرورية… إنَّ المفاهيم أو الكلمات مُجرَّد أدوات لصياغة القضايا والافتراضات الحدسية والنظريات؛ فالمفاهيم أو الكلمات لا يُمكن أن تكون صحيحة في ذاتها، إنَّها تخدمُ لغتنا الوصفية والجدلية أو الحجاجية. لا يجُوْز أنْ يكون هدفنا هو تحليل المعاني، وإنَّما البحث عن حقائق مثيرة ومهمَّة، أي عن نظريات حقيقية” (12).

كارل بوبر والأساس الميتافيزيقي لتطور العلوم
إحدى أكبر الإشكالات الفلسفية عند كارل بوبر تتمثَّل في الحد الذي يُمكن أن نرسمه، ونفصل به العلوم عن الميتافيزيقا. المدرسة التجريبية عالجتْ هذا الأمر بناءً على إيمانها بأنَّ المصدر الوحيد للمعارف البشرية هي التجربة؛ فكل ما يَخْضَع للتجربة يُمكن أنْ نستمدَّ منه المعرفة، وكل ما لا يخضع للتجربة يخرج عن دائرة المعرفة، بل ودائرة الوجود. ومن هُنا، يسهُل أنْ نستنتج على ضوء ما تقرِّره هذه المدرسة أنَّ الميتافيزيقا -وكل المعارف المتعلقة بها- يكون مصيرها العدمية واللامعنى. فليس ثمَّة عالم يزخر بالمعارف والحقائق خارج نطاق العالم الفيزيقي القابل للرصد والقياس. فالمدرسة الحسية-التجريبية تنفي وجودَ عالم وراء هذا العالم المادي لأنَّ معرفته لا تتوسَّل التجربة طريقا. يُؤرِّخ كارل بوبر لهذه المشكلة المتمثلة في فضاءين من المعرفة: فضاء تحل فيه العلوم التجريبية، وفضاء آخر من المعرفة ربما لا معنى له، تحل فيه الميتافيزيقا إلى زمن الفيلسوف بيكون. ويَرَى بوبر أنَّ الرأيَ السائدَ والمجمع عليه من قبل التيار الحسي من المعرفة أنَّ العلوم تعتمد على المشاهدة والمنهج الاستقرائي، بينما تعتمد الميتافيزيقا على التوقعات العقلية (13).

الواقعُ أنَّ مُعظم النظريات العلمية لم تؤسَّس على المنهجية القائمة على الملاحظة، ثم الفروض العلمية، فالتجربة، وأخير التعميم. إنَّ تاريخ العلوم يبيِّن أنَّ عدداً محدوداً جدًّا من النظريات قد تأسَّس على هذه المنهجية. كما أنَّ النظريات -كما يَرَى بوبر- التي تقوم بناءً على تعميمات استقرائية لا تملك التبرير الكافي لصدقها. كارل بوبر يُميِّز بين نوعين من القضايا: القضايا الشخصية، والقضايا الكلية. الاستقراء يعمل على اختبار عدد معين من القضايا الشخصية، ومن ثم التعميم، فالوصول لقضايا كلية. ويَرَى بوبر أنَّه لا يُمكن لأي عددٍ من القضايا الشخصية أن تنقذ الاستدلال على القضايا الكلية. فليست القضايا الشخصية عنده دليلا على صِدْق القضايا الكلية، بل العكس أن أقصى ما تفعله القضايا الشخصية هو تكذيب القضية الكلية.
فالنظريات العلمية من هذا المنطلق، لا يُمكن إثباتها، أو البرهنة عليها، بل يُمكن لنا رفضها بالبحث عن قضايا شخصية تكذِّب قيمتها الكلية. إنَّ البحثَ في القضايا الكلية التي هي مُهمَّة العلوم، يتقدَّم لا من خلال استقراء القضايا الشخصية المثبتة لها، بل من خلال حذف القضايا الكاذبة. ووِفْق هذه المعالجة لمشكلة الاستقراء، فإنَّ بوبر يُميِّز بين العلم والميتافيزيقا؛ فالميتافيزيقا عِنْده تقدِّم لنا قضايا كلية لا يُمكن تكذيبها بقضايا شخصية وصفية. إذن؛ يعتقد بوبر أنَّ الحد الفاصل بين العلوم والميتافيزيقا هو قابلية النظريات العلمية للتكذيب؛ فمبدأ التكذيب هو ما يُؤسِّس للفصل بين العلوم والميتافيزيقا، ولا يعني ذلك أنَّ الميتافيزيقا لا معنى لها؛ فالقابلية للتكذيب لا تجعل من العالم غير المحسوس فضاءً معرفيًّا فارغاً، بل إنَّ المقصود أنَّ النظرية العلمية تقبل الاختبار، وبكل الوسائل المتاحة على امتداد الزمان؛ وبالتالي فإنَّ قدرتها على الصمود أمام مُختلف الاختبارات هو ما يمنحها القيمة العلمية. ويُؤكِّد بوبر على القيمة المعرفية للميتافيزيقا وأهميتها للعلوم. فمعظم الأفكار العلمية تنطلقُ من رؤية ميتافيزيقية كليَّة، ثم بالتدريج تتحول إلى قضايا علمية يتمُّ البحث عمَّا يُكذبها من خلال فحص القضايا الشخصية. يقول كارل بوبر -في منطق الكشف العلمي- “أنَّه من الحقائق المسلم بها أنَّ الأفكار الميتافيزيقية البحتة -ومن ثمَّ الأفكار الفلسفية- ذات أهمية قصوى للكوزمولوجيا؛ فمن طاليس إلى آينشتين، ومن الذرية القديمة إلى تأملات ديكارت عن المادة، ومن تأمُّلات جلبرت ونيوتن وليبنتز وبسكوفيك عن القوى، إلى تأملات فارادي وآينشتين عن مجالات القوى، أضاءتْ الأفكار الميتافيزيقية معالم الطريق” (14).

لم يقفْ بوبر عند الميتافيزيقا، وهو عالم له معنى ويُشكِّل أهمية لنمو المعرفة العلمية -كما سُنفصِّل في هذا الأمر ربما في مقال مستقل- بل يَرَى أنَّ الأساطير التي تنتمي لعالم اللامعنى يُمكن أن تتضمَّن عناصر قابلة للاختبار، وتكون مُفيدة للعلوم.

العقل في الفضاء المعرفي للميتافيزيقا
ما هي الفضاءات المعرفية التي يُمكن للعقل أن يُصدر أحكاما فيها؟ هذه صيغة مُختلفة لسؤال مركزي في نظرية المعرفة؛ وهو: ما هي حدود المعرفة البشرية؟ لكنَّني فضَّلتُ أنْ أستخدم الأسلوب الرياضي في التعبير عن قدرة العقل على إصدار أحكامه في حقل معرفي خاص لقضايا؛ منها ما هو مادي ومنها ما هو غير مادي. ففي الرياضيات والفيزياء يعمل العقل منضبطا ببنية رياضية معينة في الموضوعات الرياضية والفيزيائية المختلفة. ويطلق على هذه البنيات الرياضية فضاءً؛ ففي الرياضيات مثلا يوجد فضاء المتجهات الذي يُحدِّد خصائص هذه المتجهات، وعلى ضوء هذا الفضاء الخاص بها يُصدر العقل أحكامه التصديقية على مختلف القضايا المتعلقة بها. والنظرية الكمية في الفيزياء قائمة على فضاء خاص يُسمَّى “فضاء هيلبرت”، ويقوم العقل بمعالجة القضايا الكمية المختلفة على ضوء هذا الفضاء. إذن؛ العقل يتحرَّك في القضايا الرياضية والفيزيائية، في إطار البنية الرياضية الأساسية، التي تمَّ تثبيتها كأساس ومُنطلق تنمو منه هذه المعارف وتتطور. ويُمكن تطبيق هذه البنيات باعتبارها فضاءات للعقل على الوجود. فالوجودات المادية وغير المادية تُشكِّل فضاءات معرفية خاصة بتلك الموجودات، بما فيها فضاء العقل نفسه. ومن هُنا، يأتي هذا السؤال المركزي: هل يُمكن للعقل أنْ يُعطي حُكما تصديقيًّا في هذه الفضاءات غير المادية؟ وهل يُمكن الثقة بهذه الأحكام؟

العقلُ البشريُّ يُصنِّف الفضاءات المعرفية، ويتحرك لكل فضاء معرفي بطريقة مختلفة. فهو في العلوم يستخدم الحس والتجربة، إضافة لمقدِّمات تصديقية خارجة عن التجربة كمبدأ عدم التناقض. وفي عالم الميتافيزيقا حيث الفضاء المعرفي الأكبر والأرحب، وحيث دائرة الوجود الكبرى المحيطة بعالم الفيزيقا، يعمل وفق مُقتضيات الواقع المفارق للحس باستخدام التصديقات الأولية للعقل، وعلى ضَوْئها ينمي معرفته بهذا العالم تدريجيًّا بطريقة القياس التي يستلزم صدق النتيجة فيها صدق المقدمة الكبرى، وكذبها كذب تلك المقدمة. وقيمة المعرفة تنبع من مَدَى الالتزام بتطبيق هذه المعارف التصديقية الأولية. ومن هنا، يُمكن للعقل أن يصدر أحكاما موثوقة في الميتافيزيقا كما في الرياضيات، على ضوء هذه المعارف الأولية. أمَّا في العلوم الطبيعية، فيتوقف الحصول على المعرفة الطبيعية بتطبيق هذه المعارف الأولية على التجربة (15). وفي الميتافيزيقا لا يتوقَّف التطبيق على شرط التجربة، بل يتم بصورة مستقلة عن التجربة. ومن هنا، فإنَّ النتائج في الميتافيزيقا تأتي قطعية عندما يعمل العقل في فضائها المعرفي. يقول السيد محمد باقر الصدر: “وهذا هو السبب في أنَّ نتائج الميتافيزيقا والرياضيات نتائج قطعية في الغالب، دون النتائج العلمية في الطبيعيات. فإنَّ تطبيق الأسس الأولية في الطبيعيات -لما كان مُحتاجا إلى التجربة- هيأ شروط التطبيق، وكانت التجربة في الغالب ناقصة وقاصرة عن كشف جميع الشروط، فلا تكون النتيجة القائمة على أساسها قطعية” (16).

وإذا كان بمقدور العقل إصدار الحكم التصديقي الموثوق لقضايا الميتافيزيقا بالاعتماد على هذه المعارف التصديقية الأولية، وحيث يُمكن للمعرفة أن تنمو وتتطوَّر بحسب دقة التطبيق لهذه المعارف على المقدِّمات المنطقية التي تهيئ النفس لإصدار أحكامها. فكيف يتوافر لذهن المعرفة بهذه المبادئ التصديقية الأولية؟!

سنُحاول الإجابة بصورة مُقتضبة على ضوء الحكمة المتعالية، والتفصيل ربما نُؤجله إلى مقال مستقل إن شاء الله تعالى. القوة المدركة عند الإنسان هي جزءٌ من قوى النفس وليس لها وجود مستقل. وفي البداية، لا يمتلك الذهن أي تصوُّر عن الأشياء، وتقوم القوة المدركة بتصوير الواقعيات الخارجية -واقعيات العالم الخارجي- بعد الاتصال المباشر به، وكذلك واقعيات العالم الداخلي النفسي للإنسان. وهذا التصوير هو مُجرَّد صورة لهذه الواقعيات، ولا يبرهن على المعرفة الموضوعية. لكن يتم نسج هذه الصور بعد الاتصال الوجودي للنفس بهذه الواقعيات. إذن؛ الشرط الأساس لظهور صور هذه الأشياء هو اتصال النفس بها اتصالا وجوديًّا. والاتصال الوجودي للنفس بالواقع يعني أنَّ النفسَ تحصل أولا على المعلوم دون توسط الصور الذهنية، بل إنَّ واقعَ المعلوم هو عَيْن واقع العلم. وبذلك؛ تتوافر النفس على عَيْن الواقع بالعلم الحضوري الذي ملاكه الاتصال الوجودي به. ثم تقوم القوَّة المدركة بتبديل العلم الحضوري إلى العلم الحصولي عن طريق تكوين صور للواقع الذي كان حاضرا بذاته لدى النفس، ثم حفظ هذه الصور في الحافظة؛ فالعلوم الحصولية مسبوقة بالعلم الحضوري. يقول السيد مُحمَّد حسين الطباطبائي -رضوان الله عليه- “على أساس مرآتية وكاشفية العلم والإدراك، يصبح الوصول إلى الواقع أمرا ضروريا، يعني أنَّ هناك علما حضوريا في مورد كل علم حصولي. إذن؛ على أساس هذا المنظار يُمكن توسعة دائرة البرهان والحصول على نتيجة أكثر عمومية، فنقول: حيث إنَّ لكل علم وإدراك سمة الكشف والحكاية عن الخارج، وهو صورة له يلزم أن يتوافر على سمة الارتباط مع خارجة، وأنْ لا يكون منشأ الآثار. ومن هُنا، يلزم أن تنتهي إلى واقع تنشأ منه الآثار، ويتطابق مع العلم المفترض. أي عين الواقع الذي نشهده بالعلم الحضوري، ثم يؤخذ منه العلم الحصولي مباشرة (عين المعلوم الحضوري مع سلب منشأية الآثار)، أو يؤخذ منه من خلال تصرف القوة المدركة فيه” (17). يفهم من هذا النص أن النفس تشهد عين واقعية المعلوم وآثاره، وذلك بحضوره الجمعي لدى النفس، ومن بعد هذا الشهود تقوم القوة المدركة في الإنسان بصنع صورة لهذا المعلوم بعد سلب الآثار عنه. إنَّ المعارف البشرية الفلسفية أو العلمية إنما قامتْ على قانون العلية، والذي تشهده النفس وهو فرع شهوديتها لذلتها، وهذا الشهود يعطي هذه القانون -العلية- اليقين الذي لا يقبل الشك. يقول الأستاذ محمد رضا اللواتي “بهذا البيان الوجداني، عرفنا أنَّ لنا اطلاعا على أنفسنا وحالاتها الباطنية، ومن اطلاعنا هذا اكتشفنا نموذجا للعلية في أعماقنا من جهة كيفية تعلق حالاتنا بأنفسنا وتوقفها عليها” (18).

وأخيرا.. إذا كان لنا أنْ نُشبِّه الوجود بالطيف الضوئي، فإنَّ العالمَ الماديَّ يُشكِّل جزءا صغيرا جدًّا من طيف الوجود الأكبر غير المادي. تماماً كما أنَّ الطيف المرئي من الضوء هو جزء صغير جدًّا بالقياس للطيف غير المرئي من الضوء. لذلك فإنَّه -أي العالم غير المادي- يُشكِّل حافزاً للعقل للتحرك في فضائه الواسع؛ من أجل استكشاف خباياه ومعرفة أسراره. إنَّه المجهولُ الذي يُحفِّز العقلَ للعمل والنشاط، وإنَّ الصيرورة التاريخية للعقل تؤكد هذه الدافعية الساكنة في أعماق الإنسان التي حَاوَل العقل عبر مسيرته في التاريخ عبور حاجز الحس والتجربة، محاولا الوصول إلى حقائق هذه الفضاءات المعرفية المختلفة المنتمية لعالم الميتافيزيقا.

—————————————————-

الهوامش:
1- د. راوية عبدالمنعم عباس، “مالبرانش والفلسفة الإلهية”، دار النهضة العربية، ص:9-12.
2- عبدالجبار الوائلي، “وحدة الوجود العقل”، دار النضال، ص:11-16.
3- غيضان السيِّد علي، “الفلسفة الطبيعية والإلهية: النفس والعقل عند ابن باجة وابن رشد”، التنوير، ص:10.
4- المصدر السابق، ص:222.
5- المصدر السابق، ص:281.
6- المصدر السابق، ص:281-282.
7- المصدر السابق، ص:282.
8- السيِّد مُحمَّد حسين الطباطبائي، “أصول الفلسفة والمذهب الواقعي”، تقديم وتعليق مرتضى المطهري، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، ص:309-310.
9- Karl Popper, Conjectures and Refutations, Routledge, p. 341 .
10- د.زكي نجيب محمود، “موقف من الميتافيزيقا”، دار الشروق، ص:28-34.
11- “الفلسفة واللغة: نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة”، دار الطليعة، بيروت، ص:97.
12- المصدر السابق، ص:97.
13- المصدر 9، ص:344-345.
14- كارل بوبر، د. ماهر عبد القادر محمد علي، “منطق الكشف العلمي”، دار النهضة العربية، ص:33.
15- السيِّد مُحمَّد باقر الصدر، “فلسفتنا”، دار التعارف للمطبوعات، ص:142.
16- المصدر 8، ص:339-344.
17- “كبريات المشكلات العقلية: المعرفة والألوهية في الفلسفة الإسلامية والمدارس الفلسفية الأخرى، دار المعارف الحكمية، ص:69.

2,456 total views, 2 views today