د. سمر علي زليخة
كاتبة وباحثة


مَن هُوَ فريدُ الدِّين العطَّار؟
هُوَ، بِتَعْرِيفِ مُترجِمِ دِيْوانهِ إلى العربيَّة، فريد الدين محَمَّد بن ابراهيم النَّيْشابوري 537-627 ه، المَعْرُوفُ بالعَطَّار؛ لِعَمَلِهِ بالمُداواة بالأعشاب، وَهِيِ مِهْنَةُ الطِّبِ آنَذاك، وَهُوَ شيخٌ كَبيرٌ وعارِفٌ مُتَصَوِّفٌ، وَشاعِرٌ إلهيٌّ عالي القدر، يُعَدُّ عَلَماً مِنْ أَكابِرِ أَعلامِ الشِّعْرِ العِرْفانيّ، سَبَقَ الآخَرين، الَّذينَ أَتَوا بَعْدَهُ، وَكُلُّهُمْ أخَذَ عَنْه، شِعْرُهُ نَفيسٌ، عالي مَرتَبَةِ النَّظْم، لَطِيْفُ المعاني، وَهُوَ كثيرُ الآثار،  يُنْسَب له  ما يربو على150كتاباً، أَشهَرُها: كِتاب إلهي، كِتاب الأسرار، كِتاب منطِق الطَّير أو مقامات الطُّيُور، كتاب المُصِيْبَة، والكِتاب المَعروف بالدِّيوان.

العَطَّارُ شاعِرٌ مُبْدِعٌ، نَقَلَ أفْكارَهُ الجَمِيْلَةَ بالشِّعْر، كانَ مُؤمِناً بِوَحْدَةِ الوُجُود؛ فالعَيْنُ والجَدْوَلُ والبِئْرُ والبَحْرُ ماء، والمَدُّ والجَزْرُ واحِدٌ، والقَطْرَةُ والبَحْرُ واحِدٌ، كما اسْتَثْمَرَ معارِفَهُ الطِّبِّيَّةَ في شِعْرِهِ لِإيصالِ فِكْرِه: (قَلْبُ العَطَّارِ عالِيْهِ سافِلُهُ)، وهذا صَحِيْحٌ في الطِّبِّ؛ فالقَلْبُ الصَّحِيْحُ مَنْكُوسٌ، ورأْسُ القَلْبِ الصَّحِيْحِ في الأَسْفَل، وفي شِعْرِهِ نَقْدٌ اجْتِماعِيٌّ لاذِعٌ:

مَزَّقْتَ جِلْدَ الثَّعْلَبِ المِسْكِيْنِ كالكَلْب   مِنْ أَيْنَ تَنْسجُ كالعَنْكَبُوتِ بُرْدَةَ الأبرارْ
أهْلُكَ والجارُ جِياعٌ وَأَنْتَ مِنَ الطَّمَع       لا تَبِيْعُ لِشَخْصٍ الغِلالَ في الأنبارْ
لا تَرْحَمُ الضُّعَفاءَ بِقُرْصٍ مِنَ الشَّعِيْر     وَمِنَ الدَّلالِ أنتَ كالغَزالِ والطَّيْرِ طَيَّارْ

العطَّارُ بُلْبُلٌ عاشِق:

في عِشْقِكَ، أمْهَرَ مِنَ العَطَّار   ما طارَ مِنَ العُشِّ طائِرٌ ثان

وفي شِعْرِهِ ذِكْرٌ لِمِحْنَتِهِ كعاشِق: لا شَخْصَ احْتَرَقَ مِثْلَ العَطَّار، سُمُّ هَجْرِكَ قَتَلَ العَطَّار، ظَهْري انْحَنى كالقَوْس.

والعِشْقُ عِندَ العطَّارِ بَحْرٌ بلا شُطْآن، وصَحْراءٌ بلا نِهاية، ولا يُشْرًحُ بالكلامِ، ولا يُخَطُّ بالقَلَمِ، ولا يُنْطَقُ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْ عالَمِ العِبارة، وسِرُّهُ خارِجٌ عَنِ الكُفْرِ والدِّيْن، وطَرِيْقُهُ التُّرابُ والدَّمُ والنَّارُ واللَّهَب، وفيهِ الفَناءُ والمَحْوُ والسُّكْرُ والجُنُون، ولا دواءَ للعاشِقِ سِوى الألم، ومَذْهَبُ العِشْقِ التَّضْحِيَةُ بالنَّفس: إذا أرَدْتَ أنْ تَكُونَ عاشِقاً عَلَيْكَ التَّضْحِيَةُ بالرَّأْسِ أوَّلاً.

العَطَّارُ شاعِرُ السَّفَر الرُّوحانِيّ، بِشهادَةِ كِتابَي: المُصِيْبَة ومَنْطِقِ الطَّيْر،  وَالسَّفَرُ الرُّوحانِيُّ هُو السَّفَرُ في داخِلِ النَّفْسِ إلى الرُّوح، وَهُوَ السَّفَرُ المُجْدِي، على الرَّغْمَ من أنَّ الطَّريقَ بِعِيْدٌ، والبَحْرَ بلا قرارٍ ولا شُطْآنٍ، ولَمْ يَصِلْ إلى نِهايَتِهِ شَخْصٌ، ولا حافَّةَ لَهُ مِنَ اليابِسَة، بالمُقابَلَةِ مَعَ السَّفَرِ الآفاقِيّ الواقِعِ في العالَمِ الخارِجِيّ الحِسِّيّ، وَهُوَ غَيْرُ مُجْدٍ عِنْدَ العَطَّارِ: (أنتَ لَسْتَ بالفَوْقِ ولا الآفاقِي).

العَطَّارُ شاعِرُ الرُّمُوز:
شِعْرُ العَطَّارِ مَلِيْءٌ بالرُّموزِ والكِنايات، كَنَّى باللَّعْلِ عَنِ الشَّفَة، وباللُؤلُؤِ عَنِ الأَسْنان، وبالفُسْتُقَةِ عَنِ الفَم، وَرَمَزَ بالصَّحراءِ للوَحْدَة، وبالمَدِيْنَةِ للكَثْرَة، وَشَبَّهَ الحاجِبَ بالقَوْس، والعَيْنَ بالنَّرْجِسِ، والهَدَبَ بالسَّهْم، وكم في شِعْرِهِ مِنَ الإحْساسِ بالطَّبيعَةِ؛ فالنَّرْجِسُ سَكْرانٌ أَلقى الرَّأْسَ، يَمِيْلُ كُلَّ لَحْظَةٍ لِيَقَعَ مِنْ شِدَّةِ السُّكْر، لَقَدْ سَكِرَ مِنْ رُؤيَةِ عَيْنِ الحَبيبِ السَّكْرى، والبُرْعُمُ مُغْلَقُ الشَّفَةِ، والنِّسْرِيْنُ مُقَطَّعُ القَلْب، والشَّقائقُ تَحْتَ الدَّمِ وفي النَّار، وحُمْرَةُ الشَّقائقِ دَمُ قُلُوْبِ أَعِزَّةٍ تَحْتَ التُّراب، وَكَفَنُ الشَّقائِقِ مِنَ الدَّمِ، والرَّوْنَقُ واللُّطْفُ لِأوراقِ الياسَمِيْن، والبَنَفْسَجُ طِفْلٌ مَحْنِيُّ الظَّهْرِ مِنَ الغَمّ.

منطِقُ الطَّير:
يُعَدُّ كِتابُ مَنْطِقِ الطَّيرِ الإشارَةَ المَرْجِعِيَّةَ الأولى إذا ذُكِرَ العَطَّار، وَلَمْ تَحْظَ مَنْظُومَةٌ أَدَبِيَّةٌ عالَمِيَّةٌ بالشُّهْرَةِ الَّتي حَظِيَتْ بِها هذِهِ المَنْظُومَة، وَهِيَ مَنْظُوْمَةٌ بالفارِسِيَّةِ في الأَصْل، وتُرْجِمَتْ إلى العَرَبِيَّةِ عَنِ الفَرَنْسِيَّةِ مِن قِبَل الدُّكتور بَديع محمّد جَمْعَة، وَلَسْتُ بِصَدَدِ نَقْدِ التَّرْجَمَةِ المَذْكُورة، بَلْ أنا بِصَدَدِ تَسْلِيْطِ الضَّوْءِ على تَرْجَمَةٍ جَدِيْدَةٍ لِمَنْطِقِ الطَّيرِ مِنْ قِبَلِ الدُّكْتُور علي عبَّاس زَلِيخة تَصْدُرُ عَنْ دارِ التَّكْوين، وَهِيَ تَرْجَمَةٌ عَنِ الأَصْلِ الفارِسِيّ، وإذا كانَ لا بُدَّ لِمُتَرْجِمِ الشِّعْرِ أَنْ يَكُونَ شاعِراً، فلا بُدَّ لِمُتَرْجِمِ شِعْرِ العَطَّارَ خاصَّةً أنْ يَكُونَ شاعِراً ماهِراً، وَأنا إذ أكْتُبُ عَنْ هذِهِ التَّرْجَمَةِ الجَدِيْدَةِ لِمَنْطِقِ الطَّيْر؛ إنَّما أَكْتُبُ بِمُقْتَضى: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِهافَمُتَرْجِمُها شاعِرٌ مُبْدِعٌ، وَهُوَ فارِسُ هذا المَيْدان، وَقَدْ تَرْجَمَ مِنْ قَبْلُ دِيْوانَ العَطَّار إلى العَرَبِيَّةِ شِعْراً.

سَوْفَ أُقَدِّمُ هذِهِ التَّرْجَمَةَ الجَدِيْدَةَ بِمُفْرَداتٍ أخِذَتْ بِمُعْظَمِها مِنْها، بَدَأَ العَطَّارُ الكِتابَ على عادَتِهِ بالثَّناءِ على الخالِق، خالِقِ السَّماءِ كالخَيْمَةِ، والأنْجُمِ كالخَرَزِ،  والنَّمْلَةِ دَقِيْقَةِ الخَصْرِ كالشَّعْرَة، ثُمَّ ذَكَرَ مَصائِبَ الأنبياء إلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ الأَنْبياءِ ودَلِيْلِ الأصْفياءِ والأولياء، وَذَكَرَ فَضائلَ الأَصْحابِ الأَرْبَعَة. بَعْدَها كانَتْ بِدايَةُ الكِتاب، وَهُوَ كِتابُ سَفَرٍ رُوحانِيّ، هُوَ في الصُّورَةِ سَفَرٌ ظاهِرِيٌّ للطُّيُور إلى مَلِكِها السِّيْمُرغ؛ خُلاصَةُ صُورَةِ القِصَّةِ: أنَّ الطُّيُورَ عَمِلَتْ اجْتِماعاً، تَقَدَّمَ الهُدْهُدُ بالحَدِيْثِ، وَذِكْرِ فضائلِ النَّفْسِ، وَأنَّهُ على عِلْمٍ بِمَلِكِ الطُّيُورِ السِّيْمُرْغ، السَّاكِنِ في أَقصى بلادِ الصِّيْن، في أعلى جَبَلِ قاف العَظَمَةِ والمهابَةِ، وَأنَّ للطُّيُورِ نَسَباً صَحيحاً إلى ذلِكَ المَلِك، وَصِلَةً بِتِلْكَ الحَضْرَة، بَلْ إنَّ صُوَرَ الطُّيُورِ في العالَمِ كانَتْ مِنْ ظِلِّ السِّيْمُرغ، فَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ مِئَةُ أَلْفِ ظِلٍّ على التُّراب حِيْنَ رَفَعَ عَنِ الوَجْهِ النِّقاب، عِلْمُ الطُّيُورِ بِذلِكَ جَعَلها راغِبَةً بالسَّفَرِ إلَيْهِ، إلَّا أنَّ مِشَقَّةَ الطَّريقِ جَعَلَ كَثِيْرَاً مِنْها يَعْتَذِر، فَقَدِ اعْتَذَرَ البُلْبُلُ أنْ لا طاقَةَ لي بـ السِّيْمُرغ، وكذلِكَ الطُّوْطِيُّ ذُو اللِّباسِ الفُسْتُقِيّ والطَّوقِ الذَّهَبِيّ، والطَّاووسُ ذُو الرِّيْشِ الذَّهَبِيّ، والبَطُّ المُتباهِيْ بالطَّهارَةِ والكَرامَةِ وأنَّ سجَّادتَهُ على الماءِ دائِماً، والحَجَلُ ذُو المِنْقارِ الأحْمَرِ وعاشِقُ الجَوْهَر وَجَمِيْلُ السَّيْر، وطائرُ الهَما زائِدُ الهِمَّةِ؛ الَّذي إذا وَقَعَ ظِلُّهُ على شَخْصٍ صارَ مَلِكاً، والبازُ رافِعُ الرَّأْسِ المُتَفاخِرُ بإمْرَةِ الجَيْش، ومالِكُ الحَزينُ المَشْغُولُ بِغَمِّ النَّفْسِ وَجَلِيْسُ شَفَةِ البَحْر، والبُومُ ساكِنُ الخَرابَةِ، والعُصْفُورُ ضَعِيْفُ القَلْبِ نَحِيْلُ البَدَنِ، وتَقَدَّمَتْ طُيُورٌ أُخرى بِأَعْذارِها، كُلٌّ يَعْرِضُ فَضْلَهُ وَيَذْكُرُ عُذْرَه، ثُمَّ قالَتِ الطُّيُورُ، مَنْ عَزَمَ على السَّفَرِ مِنْها: يَجِبُ لنا الدَّليلُ المُعْتَبَرُ قَبْلَ السَّفَرِ لِيَعْبُرَ بنا البَحْرَ والصَّحْراءَ والجَبَل، تَجِبُ القُرْعَةُ لاخْتِيارِ حاكِمٍ لنا، مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ صارَ رَئيساً لَنا، وَقَعَتِ القُرْعَةُ على الهُدْهُدِ العاشِق، فقالوا لَهُ: الحُكْمُ لَكَ، وَأجْلَسُوهُ على الكُرْسِيِّ، وَوَضَعُوا على رَأْسِهِ التَّاج، وقالَتْ لَهُ الطُّيُور:ُ أنتَ دَلِيْلُنا، فَأنتَ كُنْتَ على بِساطِ سُلَيْمانَ، وكَثيراً ما طُفْتَ في العالَم، أنتَ لنا الآنَ إمامُ الحَلِّ والعَقْد، وسارَتِ الطُّيُورُ تَطوي المراحِلَ، وتقطَعُ المنازِل بالرُّوحِ مِنَ الشَّوقِ بِهِدايَةِ ورِعايَةِ الهُدْهُد، ظَهَرَتْ لها بالطَّريقِ وِديانٌ، في أوَّلِ الأمْرِ كانَ: وادِي الطَّلَب، مِنْ بَعْدِ ذاكَ كانَ: وادِي العِشْقِ لَيْسَ فيهِ سِوى النَّار، ثُمَّ ذاكَ الوادي الثَّالِثُ: وادي المَعْرِفَةِ العَميقُ بلا قرار، ثُمَّ الوادي الرَّابِعُ: وادي الاِسْتِغْناء لَيْسَ فِيْهِ دَعْوى ولا مَعْنى، فالوادي الخامِسُ: وادي التَّوْحِيْد مَنْزِلُ التَّفْريدِ والتَّجْريد، ثُمَّ الوادي السَّادِسُ: وادي الحَيْرَةِ المَملُوءُ بالألَمِ والحَسْرَة، وأخيراً الوادي السَّابِعُ: وادي الفَقْرِ والفَناء، هُنا انتهى السَّيْر، مِنْ بَعْدِ هذا لا وَجْهَ للسَّيْر، عالَمٌ مِنَ الطُّيُورِ أخَذَ الطَّريقَ للسِّيْمُرغ،  بَعضٌ مِنْها غَرِقَ في البحر، والبَعْضُ ماتَ على البَرّ، وَبَعضٌ احْتَرَقَ ريشُهُ مِنَ الحَرّْ، وآخرُ ماتَ مِنَ القَرّ، وَبَعْضٌ اخْتَطَفَهُ الأَسَدُ والنَّمْر، وَبَعْضٌ بِكَفِّ الضَّواري الأُخرى، وَبَعْضٌ ماتَ في الصَّحْراءِ مِنَ اللَّأواء ظامِئَ الشَّفَة، .. لَمْ يَصِلْ إلى مَحْضَرِ السِّيْمُرغ إلَّا ثلاثونَ طائراً، وَصلتْ بلا ريشٍ وَلا جَناحٍ، بِآلامٍ شَديدَةٍ وقُلُوبٍ مَكْسُورَةٍ وأرواحٍ والِهَةٍ وأَبْدانٍ مُهَدَّمَةٍ، حِيْنَ وَصَلَتْ وَعايَنَتِ الحَضْرَةَ بلا وَصْفٍ وَلا صِفَة، وَأَعلى مِنْ إدراكِ العَقْلِ والمَعْرِفَة، لَمَعَ بَرْقُ الاِسْتِغْناء؛ فاحْتَرَقَ مِنْهُ مِئَةُ عالَمٍ بِلَحْظَة، مِئَةُ أَلْفِ شَمْسٍ احْتَرَقَتْ، مِئَةُ أَلْفِ قَمَرٍ وَنَجْمٍ احْتَرَقَ، صارَتِ الطُّيُورُ مَحْواً، صارَتْ عَدَماً، طَلَعَ نَقيبُ العِزَّةِ فَجْأةً، رأى الثَّلاثينَ طَيْراً والِهَةً عاجِزَةً، بلا جَناحٍ ولا ريش، قالَ: أَيْ قَومُ؛ مِنْ أَيَّةِ مَدينَةٍ جِئْتُم وما مُرادُكُمْ؟ قالوا: جَميعاً جِئْنا لِيَصِيْرَ السِّيْمُرغ مَلِكاً عَلَيْنا، نَحْنُ والِهُونَ بِأعتابِهِ، نَحْنُ هائمُونَ بلا قَرار، أمْضَيْنا عُمراً حَتَّى قَطَعْنا الطَّريق، لَمْ يَصِلْ مِنَّا غَيْرُ ثلاثين، عسى المَلِكُ يَقْبَلُنا وَمِنْ لُطْفِهِ يَنْظُرُ إِلَيْنا، قالَ النَّقيبُ: أي والِهُونَ غارِقُونَ بالدَّمِ؛ هُوَ مَلِكٌ مُطْلَقٌ خالِدٌ، كُنْتُمْ أمْ لَمْ تَكُونوا، مِئَةُ ألْفِ عالَمٍ مَملوءَةٍ بالجُيُوشِ لَيْسَتْ غَيْرَ نَمْلَةٍ ببابِ هذا السُّلْطان، ما انتِفاعُنا مِنْكُم! ارْجِعُوا؛ أَيْ حَفْنَةً مِنَ التُّراب، قالُوا: على الرَّغْمَ أنَّكُم مُسْتَغْنُونَ عنَّا لا غِنى لنا عَنِ البقاءِ في خِدْمَتِكُم، اِسْمَحُوا لَنا بالبقاءِ في المَحْضَر، قالَ: أنتُم غَيْرُ قادِرينَ على تَحَمُّلِ كَشْفِ عَظَمَتِنا، عُودُوا أدراجَكُم، قالُوا لِأنْفُسِهِم: الآنَ تَمَّتْ المُصِيْبَةُ لنا! وَصاروا مِنَ الألَمِ وَفَقْدِ الأمَلِ كالمَوتى، واسْتَعَدُّوا وَهَيَّأوا النَّفْسَ للمَوت، وتَرَكُوا كُلَّ أمَلٍ وصارُوا طاهِرينَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، آنَذاكَ جاءَتْهُمْ رِسالَةُ المَلِك، (لا تَقْنَطُوا)، على الرَّغْمَ من عَدَمِ حاجَتِنا لَكُمْ رَحْمَتُنا قَبِلَتْكُم، بِما أنَّكُم رَأَيْتُم اسْتِغْناءَنا وَعَظَمَتَنا، فَقَدْ صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّيْنَ لِرَحْمَتِنا، لأنَّ هذا البِلاطَ بِلاطٌ لأهْلِ الاِفْتِقارِ والاِضْطِرار، جاءَ حاجِبُ اللُّطْفِ وَفَتَحَ لهُمُ الباب، وَوَجَدُوا الرُّوحَ مِنْ نُورِ الحَضْرَةِ جَميعاً.

هذه لمحةٌ عن منطق الطَّيرِ بالعرّبية، وهو من الكُتب الصوفيّة المعرِفيَّةِ الفذّة.

Hits: 93