سمية السليمانية
استشارية في مناهج العلوم الإنسانية


تتغير الأحداث في مسيرة الحياة عبر مشاهد متوالية حتى يفتح الستار على آخر مشهد من بين النهايات المختلفة ويحبذ الكثير منا أن تكون النهاية سعيدة ومبهجة وأن يقدر الكاتب مشاعر القارىء أو المشاهد فلا يبالغ في مأساة الأحداث حد موت الأبطال. ومن الطبيعي أن تتغير المواقف وردات الفعل ما دامت الأحداث تتغير، لكن التغير في القيم والأخلاق أمريولد خوفاً أعظم،  لأن التعاملات بين البشر في ظل غياب القيم قد يشوبها انحراف عن الفطرة وهذا ما اشتغل عليه معظم الفلاسفة والمفكرين عبر العصور والأزمنة.

ما يحدث الآن من وجهة نظري فرصة وأظنها ستتكرر في السنوات القادمة ولكن في صور مختلفة، وأرى أن اغتنام الفرص في حينها هي سنة تنظيمية غاية في الأهمية على المستوى الشخصي أو المجتمعي ولن أخوض في الفرص الشخصية لأنها كثيرة وتبقى فيها مجالات الإبداع ما لن تستطيع مقالتي الإيفاء بها ولذا سأخوض بعض الشيء في الفرص على مستوى المجتمع وخصوصاً؛ التعليم والتنمية الاجتماعية.

هناك اليوم فرص كثيرة في مراجعة كل أنظمة العمل في السلطنة الحبيبة نحو الأفضل؛ فالشدائد تفتح مغاليق الأمور وتؤتي بثمار الحصاد الوفير في المواسم المختلفة مهما هبت العواصف وتطايرت الأغبرة وتراكمت الأتربة ويبقى الإنسان هو المحرك الحقيقي في ذلك باستثمار إمكانات العقل البشري والشد على سواعد العطاء وتثبيت القيم والأخلاق الأصيلة.

هناك اليوم فرصة ذهبية في بناء الوعي القانوني لأبناء المجتمع في الأحوال المختلفة. وفي حالة تأزم الأحداث ووقوع الجوائح وظهور الكوارث أصبح ذلك أكثر أهمية، قس على ذلك حالتنا الآنية واندماج كل شرائح المجتمع العماني وضيوفه من المقيمين والوافدين بل الدنيا بأسرها في جائحة مشتركة تلقي بظلالها على فكرة الوعي بالإنسان وللإنسان.

وهناك اليوم فرصة في مراجعة بنود الرقابة الصحية على الموانىء والسياح بصفة خاصة قبل مخالطة أبناء الشعب البسطاء، فأنين مطرح وجاراتها كان موجعاً بعدد ذكريات كل خطوة في سوقها العتيق، ثم فرصة الموانىء العمانية التي شهد لها التاريخ عبر الأزمنة والعصورفي تسجيل دور تاريخي جديد في مدونات البحار والمحيطات الكبيرة.

وهناك اليوم فرصة سانحة لتسجيل تجربة السلطنة في السيطرة على مقاليد الأمور التي تكشفت عن شفافية مسؤولي السلطنة في اطلاع المجتمع على يوميات كورونا واحترامهم للشراكة الحقيقية مع أبنائه في الحد من تفشي الجائحة من جهة  وفرصة مستقبلية نحو استثمار خبرات الأطباء العمانيين في الإعلام العماني في مختلف القطاعات الإعلامية السمعية والبصرية ووسائل التواصل الاجتماعي بحلل جديدة وبرامج مفيدة باعتبارهم قادة الوعي الصحي من جهة ثانية.

  ومن أجمل الفرص التي اقتنصت في هذه الفترة تشجيع المبتكرين وأصحاب الألباب من المخترعين وتصفية الساحة لهم ليغوصوا في أعماق قدراتهم وذكاءاتهم، وهو اهتمام توليه القيادة الحكيمة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – اهتماما كبيراً. فالرجاء كل الرجاء أن يدرك الجميع أن أسرار طاقاتهم الخيرة ستكون لهم ولنا وللبشرية جمعاء.

ولعل أعظم الفرص هي تجلي القيمة الكبرى لأهمية العلم وفتح المدارس وساحات التعلم ولو كانت افتراضية. إن سعي المؤسسات التعليمية إلى استمرار التعليم في أحضان المنازل وافتتاح المنصات التعليمية وتطبيق نظام التعليم عن بعد رغم عدم جاهزية النظام التعليمي في استقبال هذه الجائحة مثله في ذلك مثل بقية الأنظمة الأخرى يلقي الضوء إلى فرصة نشوء التعليم المنزلي في الأحوال الاستثنائية. إن أشكال التعليم في هذه الأحوال قد تتغير ومحاور التعليم الثلاث – الطالب والمعلم  والمنهج – قد تحتاج إلى إعادة صياغة ضمن فلسفة تعليمية جديدة بحيث تكون الأسرة هي المحور الرابع في عمليتي التعليم والتعلم. ولقد سجلت وزارة التربية التعليم في ذلك سابقاً محاولات جديرة بالاحترام غير أن استجابة الأسرة لهذا الدور لم تكن على سبيل الفرض كما هو حادث الآن، حيث تولد الفرض الحالي بشكل ذاتي من الوالدين من أجل اغتنام ساعات مكوث الأبناء في البيت قدر المستطاع. وفي تقديري سيتضاعف دور الوالدين مستقبلاً وخاصة الأم بما يكفل تحقق الأهداف التعليمية الكبرى.

إن تغير المجتمعات في تفاصيل تكوينها في أدق ما يمكن وصفه من حيث المأكل والمشرب والملبس وطرق المعيشة وطرق التفكير والمعاملات بين الناس والعلاقات بينهم، تغير حاصل لا مناص ولكنه قد لا يكون ملحوظاً حتى تتراكم التغيرات الصغيرة؛ ليتكشف بعدها الواقع على آخر الرتوش.  وعندما تنشأ الأزمات وتأتي الجوائح يكون هذا التغير أسرع بطبيعة الحال، ويصبح المرفوض مسموح. ولعل فرصة دراسة النظام الأسري العماني عامة وفي ظل الأحوال الاستثنائية على وجه الخصوص ربما تحقق ضمانات أوفر في فهم أنماط  تفكيرالإنسان العماني وتمكين أفراد الأسرة من أدوارهم والحد من الظواهر السلبية على اختلاف أنواعها ودرجاتها والانتقال من الوعي الأسري إلى الوعي المجتمعي والنهوض به، وآمل أن يسهم علماء الاجتماع في هذه الدراسة وبناء هذا الانتقال.

وهنا سأكشف الستار عن المشهد الأخير الذي سيكون قريباً -بإذن الله- حسب ظني. إنه مشهد جلاء الوباء وتفشي الصحة والعافية وشفاء المرضى وعودة التعليم واستقرار الأحوال وصيام رمضان واستقبال العيد بوعي جديد وفكر متجدد. وعلينا في أي حال استثنائي مهما اختلف الزمان والمكان أن نستعد روحياً ودينياً ونفسياً وفكرياً وجسدياً كما شاء الله أن نكون مسلمين ومؤمنين بأن في ذلك الخير كله.

Hits: 147