أمامة‭ ‬بنت‭ ‬مصطفى‭ ‬اللواتية

وأخيراً‭ ‬انتشل‭ ‬أبي‭ ‬لعبتي‭ ‬حيث‭ ‬ألقت‭ ‬بها‭ ‬أمي‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬ساحة‭ ‬القاذورات،‭ ‬تلك‭ ‬الساحة‭ ‬بالتحديد‭ ‬التي‭ ‬يُلقي‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬الجيران‭ ‬قمامتهم‭. ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬ألقت‭ ‬أمي‭ ‬بلعبتي‭ ‬الباهتة‭ ‬التي‭ ‬مضى‭ ‬عليها‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭. ‬تقول‭ ‬أمي‭ ‬أن‭ ‬الفتاة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬منتصف‭ ‬قاعدة‭ ‬المسرح‭ ‬الزجاجي‭ ‬الدائري‭ ‬قد‭ ‬توقفت‭ ‬عن‭ ‬الغناء،‭ ‬وأن‭ ‬المفتاح‭ ‬الذي‭ ‬نستخدمه‭ ‬لإدارتها‭ ‬والذي‭ ‬ترقص‭ ‬مع‭ ‬تحريكه‭ ‬الفتاة‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬عكس‭ ‬اتجاه‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يدور‭ ‬معها‭. ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬استعادتها‭ ‬مجددا‭ ‬اجتاز‭ ‬أبي‭ ‬عدة‭ ‬تلال‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬الطعام‭ ‬المتعفن‭ ‬وقشور‭ ‬الفاكهة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬كالأشجار‭ ‬اليابسة‭ ‬المُلقاة‭ ‬في‭ ‬روث‭ ‬حيوانات،‭ ‬وبعض‭ ‬العلب‭ ‬المفتوحة‭ ‬جزئيا‭ ‬ذات‭ ‬الحواف‭ ‬الحادة،‭ ‬والتي‭ ‬تركت‭ ‬بعض‭ ‬الجروح‭ ‬المتفرقة‭ ‬في‭ ‬ذراعه‭. ‬لكن‭ ‬والدي‭ ‬قال‭ ‬مستغربا‭: ‬لماذا‭ ‬يأكل‭ ‬الناس‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الطعام‭ ‬المعلب؟‭ ‬لم‭ ‬يشاهد‭ ‬أبي‭ ‬كيف‭ ‬تتسابق‭ ‬القطط‭ ‬على‭ ‬طعام‭ ‬القمامة،‭ ‬بعضه‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬بقايا‭ ‬عظام‭ ‬وشوك‭ ‬الأسماك‭ ‬وأحيانا‭ ‬رؤوسها‭ ‬التي‭ ‬تلمع‭ ‬فيها‭ ‬عينا‭ ‬السمكة‭ ‬الميتة،‭ ‬لكن‭ ‬القطط‭ ‬توزع‭ ‬لعابها‭ ‬بشكل‭ ‬فوضوي‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬تلك‭ ‬الأسماك،‭ ‬أمي‭ ‬لا‭ ‬تلقي‭ ‬برؤوس‭ ‬الأسماك‭ ‬الطازجة‭ ‬التي‭ ‬نشتريها،‭ ‬لأن‭ ‬أبي‭ ‬يحبها‭ ‬مقلية‭ ‬وأحيانا‭ ‬مغموسة‭ ‬في‭ ‬حساء‭ ‬السمك‭ ‬الأصفر‭ ‬بالكركم‭ ‬والليمون‭ ‬والفلفل‭ ‬الحار‭. ‬

قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بوقت‭ ‬طويل‭ ‬رأيت‭ ‬القطة‭ ‬الصفراء‭ ‬ذات‭ ‬الرأس‭ ‬الكبير‭ ‬تحاول‭ ‬بشراسة‭ ‬فتح‭ ‬قدرٍ‭ ‬متوسط‭ ‬الحجم‭ ‬كان‭ ‬مغلقا‭ ‬بإحكام،‭ ‬وفي‭ ‬داخله‭ ‬لمحتُ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأرز‭ ‬وقطع‭ ‬اللحم‭ ‬الشهية،‭ ‬رأيت‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬غرفتي‭. ‬نشب‭ ‬العراك‭ ‬بين‭ ‬فريق‭ ‬القطط‭ ‬وفريق‭ ‬الغربان،‭ ‬القطط‭ ‬تزمجر‭ ‬مواء،‭ ‬مواء،‭ ‬والغربان‭ ‬تصرخ‭ ‬بلا‭ ‬توقف‭ ‬فأغمض‭ ‬عيني‭ ‬وأسد‭ ‬أذني‭. ‬تركتُ‭ ‬القطط‭ ‬والغربان‭ ‬المزعجة‭ ‬تلعق‭ ‬الطعام‭ ‬من‭ ‬القدر،‭ ‬ثم‭ ‬التقطته‭ ‬لاحقا،‭ ‬وأحكمتُ‭ ‬وضعه‭ ‬على‭ ‬قدميّ‭ ‬وهرعت‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬أمي‭ ‬وأنا‭ ‬أضحك‭ ‬مسرورة‭: ‬أمي‭ ‬إليك‭ ‬قدرا‭ ‬أكبر‭! ‬حين‭ ‬أخبرت‭ ‬أمي‭ ‬بقصة‭ ‬القِدر‭ ‬ومعركة‭ ‬القطط‭ ‬والغربان،‭ ‬ضربت‭ ‬بكفها‭ ‬على‭ ‬جبينها‭ ‬حتى‭ ‬أني‭ ‬شاهدت‭ ‬شكل‭ ‬أصابعها‭ ‬وقد‭ ‬انطبعت‭ ‬على‭ ‬جبهتها،‭ ‬وأخذت‭ ‬تحوقل‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تضرب‭ ‬كفا‭ ‬بكف‭ ‬وهي‭ ‬تقول‭: ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬كيف‭ ‬يشتري‭ ‬الناس‭ ‬قدورا‭ ‬ملونة‭ ‬كهذه‭ ‬القدور‭! ‬

كان‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬أبي‭ ‬لعبتي،‭ ‬فمنذ‭ ‬أن‭ ‬ألقت‭ ‬بها‭ ‬أمي‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬القاذورات‭ ‬أصبتُ‭ ‬بحمى‭ ‬شديدة‭ ‬ويبدو‭ ‬كما‭ ‬سمعت‭ ‬من‭ ‬أمي‭ ‬أني‭ ‬غبتُ‭ ‬عن‭ ‬الوعي،‭ ‬كنت‭ ‬أحسب‭ ‬أني‭ ‬نائمة‭ ‬ولم‭ ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الفرق،‭ ‬شعرتُ‭ ‬بالسرور‭ ‬لأن‭ ‬أبي‭ ‬لم‭ ‬يقل‭ ‬إنه‭ ‬سيجلب‭ ‬لعبة‭ ‬جديدة،‭ ‬لأن‭ ‬محل‭ ‬الألعاب‭ ‬بعيدٌ‭ ‬جدا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬ساحة‭ ‬القاذورات‭ ‬تقع‭ ‬تماما‭ ‬وراء‭ ‬المنزل،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬أشاهد‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬غرفتي‭ ‬المواجهة‭ ‬للساحة‭ ‬أين‭ ‬ألقت‭ ‬أمي‭ ‬باللعبة‭. ‬نظرت‭ ‬أمي‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬الاستغراب‭ ‬إلى‭ ‬اللعبة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتقد‭ ‬أنها‭ ‬باهتة،‭ ‬فهناك‭ ‬صلصة‭ ‬طماطم‭ ‬متجمدة‭ ‬على‭ ‬قدمي‭ ‬الفتاة‭ ‬الراقصة،‭ ‬وهناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخردل‭ ‬وبعض‭ ‬حبات‭ ‬الزيتون‭ ‬الأسود‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬أزلته‭ ‬حتى‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬بعضه‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬ذبابات‭ ‬مسكينة‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬فجأة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬ساحة‭ ‬القمامة‭. ‬انبعثت‭ ‬الموسيقى‭ ‬أخيرا‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭ ‬الزجاجية‭ ‬لكن‭ ‬المفتاح‭ ‬كان‭ ‬يدور‭ ‬عكس‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة‭!‬

‭ ‬أهداني‭ ‬جدي‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬حين‭ ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬الخامسة‭ ‬من‭ ‬عمري،‭ ‬كنت‭ ‬مريضة‭ ‬ولا‭ ‬أستطيع‭ ‬الركض‭ ‬مع‭ ‬الفتيات‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬بوقتٍ‭ ‬قصير‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يرحل‭ ‬جدي‭ ‬بعيدا‭. ‬أمي‭ ‬تقول‭ ‬إنه‭ ‬لن‭ ‬يعود‭ ‬قبل‭ ‬فترة‭ ‬طويلة،‭ ‬وأن‭ ‬علينا‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬لنتمكن‭ ‬من‭ ‬رؤيته‭. ‬أصبح‭ ‬صوتها‭ ‬خافتا‭ ‬دامعا‭: ‬يا‭ ‬صغيرتي‭ ‬لا‭ ‬تتركيني‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬جدك‭. ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬أحاول‭ ‬تذكر‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬جدي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يرحل‭: ‬أديري‭ ‬المفتاح‭ ‬كاملا‭ ‬مع‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة،‭ ‬ثم‭ ‬أغلقي‭ ‬عينيك،‭ ‬واستمعي‭ ‬للموسيقى‭ ‬وستركضين‭ ‬سريعا‭ ‬مع‭ ‬الفتيات‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭. ‬كان‭ ‬جدي‭ ‬محقا،‭ ‬كنت‭ ‬أرقص‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬في‭ ‬المنزل،‭ ‬عند‭ ‬النافذة‭ ‬حيث‭ ‬تتوقف‭ ‬القطط‭ ‬والغربان‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬القاذورات‭ ‬عن‭ ‬العراك،‭ ‬وتقف‭ ‬تحت‭ ‬نافذتي‭ ‬تستمع‭ ‬إلى‭ ‬موسيقى‭ ‬الفتاة‭ ‬المصنوعة‭ ‬بالكامل‭ ‬من‭ ‬الخزف‭ ‬الملون‭.‬

كانت‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬بالضبط‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬رويتها‭ ‬لجارتنا‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬لزيارتنا‭ ‬مع‭ ‬ابنها‭ ‬الصغير‭. ‬وقد‭ ‬اعقبت‭ ‬جارتنا‭ ‬محرجة‭: ‬أنا‭ ‬آسفة‭ ‬لأن‭ ‬ابني‭ ‬أسقط‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتقدم‭ ‬هذا‭ ‬الاعتذار‭ ‬المهذب‭ ‬لولا‭ ‬أنها‭ ‬شعرت‭ ‬بالحرج،‭ ‬فأنا‭ ‬لم‭ ‬أهرع‭ ‬لاستقبالها‭ ‬عند‭ ‬دخولها‭ ‬لزيارة‭ ‬منزلنا‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭.  ‬كنت‭ ‬أجلس‭ ‬على‭ ‬الكرسي‭ ‬الخشبي‭ ‬بجوار‭ ‬النافذة‭ ‬وقتئذٍ،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬بوسعي‭ ‬فعل‭ ‬الكثير‭. ‬كان‭ ‬علي‭ ‬الاعتذار‭ ‬عن‭ ‬قلة‭ ‬تهذيبي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬استطيع‭ ‬التصرف‭ ‬بعكسها،‭ ‬كما‭ ‬أني‭ ‬شعرتُ‭ ‬بضرورة‭ ‬إخبار‭ ‬الجارة‭ ‬بهذه‭ ‬القصة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تشعر‭ ‬بالأسف،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ابنها‭ ‬المذنب‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬اللعبة‭ ‬أُصيبت‭ ‬ببعض‭ ‬الضرر‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬استعدناها‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬القمامة‭ ‬فأصبحت‭ ‬تعمل‭ ‬بالشكل‭ ‬المعكوس،‭ ‬كنت‭ ‬أقول‭ ‬هذا‭ ‬وأنا‭ ‬أتأمل‭ ‬بحزن‭ ‬القدم‭ ‬المكسورة‭ ‬للفتاة‭.‬

لعشر‭ ‬سنوات‭ ‬مضت‭ ‬ومنذ‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬الفتاة‭ ‬ترقص‭ ‬ضد‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬الكثير،‭ ‬بضعة‭ ‬تغييرات‭ ‬لكن‭ ‬نافذة‭ ‬الغرفة‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬مطلقا‭. ‬ساحة‭ ‬القاذورات‭ ‬أصبحت‭ ‬حديقة‭ ‬صغيرة،‭ ‬وأطفال‭ ‬صغار‭ ‬يركضون‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬مساء‭ ‬بعد‭ ‬عودتهم‭ ‬من‭ ‬المدرسة،‭ ‬ربما‭ ‬كانوا‭ ‬يركضون‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬أيضا،‭ ‬وفي‭ ‬منازلهم‭ ‬أيضا،‭ ‬وربما‭ ‬يركضون‭ ‬في‭ ‬طريقهم‭ ‬من‭ ‬المنزل‭ ‬إلى‭ ‬الحديقة‭ ‬أيضا‭. ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أعرف‭ ‬أين‭ ‬أصبحوا‭ ‬يلقون‭ ‬بالقاذورات‭ ‬الآن،‭ ‬فقد‭ ‬أزيلت‭ ‬ساحة‭ ‬القاذورات‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬رحيل‭ ‬أمي،‭ ‬كنت‭ ‬مسرورة‭ ‬لأن‭ ‬والدي‭ ‬جلب‭ ‬بعض‭ ‬الأزهار‭ ‬الفواحة،‭ ‬ومجموعة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬شتلات‭ ‬الريحان‭ ‬لنزرعها‭ ‬بجوار‭ ‬قبر‭ ‬أمي‭. ‬قالت‭ ‬أمي‭: ‬عند‭ ‬المساء،‭ ‬أغلقي‭ ‬عينيك‭ ‬ودعي‭ ‬الفتاة‭ ‬على‭ ‬القاعدة‭ ‬الزجاجية‭ ‬ترقص،‭ ‬لا‭ ‬تنسي‭.. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تديري‭ ‬المفتاح‭ ‬عكس‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة‭ ‬وسنكون‭ ‬أنا‭ ‬وجدك‭ ‬بالانتظار‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭. ‬القدم‭ ‬المكسورة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إصلاحها‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬كفتات‭ ‬الخبز‭ ‬المتناثر،‭ ‬ولكني‭ ‬وضعتها‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬طاولة‭ ‬الزينة،‭ ‬حيث‭ ‬أرى‭ ‬قدمها‭ ‬المكسورة‭ ‬كل‭ ‬يوم‭. ‬لم‭ ‬أنتبه‭ ‬إلا‭ ‬مؤخرا‭ ‬أن‭ ‬فستانها‭ ‬الأزرق‭ ‬الملكي‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬باهتا‭ ‬ومجعدا‭ ‬بشدة،‭ ‬وأخذت‭ ‬الموسيقى‭ ‬التي‭ ‬تنبعث‭ ‬منها‭ ‬تخفت‭ ‬تدريجيا،‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬الفتاة‭ ‬عن‭ ‬الدوران‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

قال‭ ‬أبي‭ ‬يوما‭: ‬يا‭ ‬للفتاة‭ ‬المسكينة،‭ ‬فستانها‭ ‬الأزرق‭ ‬الملكي‭ ‬بحاجة‭ ‬حقا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يُغسل‭! ‬ما‭ ‬رأيك‭ ‬أن‭ ‬نذهب‭ ‬غدا‭ ‬للبحر‭ ‬ونغسل‭ ‬قدميها‭ ‬وربما‭ ‬قدميك‭ ‬بماء‭ ‬البحر‭ ‬الدافئ؟‭ ‬ضحكتُ‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬أبي،‭ ‬ينظر‭ ‬إلي‭ ‬وأنا‭ ‬أجلس‭ ‬بجوار‭ ‬النافذة‭ ‬الواسعة‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬فينسى‭ ‬كم‭ ‬مرت‭ ‬من‭ ‬السنوات،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يحملني‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬كنت‭ ‬طفلةً‭ ‬صغيرة‭ ‬إلى‭ ‬سرير‭ ‬النوم،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يركض‭ ‬بي‭ ‬بين‭ ‬أزقة‭ ‬القرية‭ ‬وأنا‭ ‬أخبئ‭ ‬رأسي‭ ‬من‭ ‬الخجل،‭ ‬لكني‭ ‬أضحك‭ ‬لأن‭ ‬الرياح‭ ‬تدغدغني‭ ‬وأنا‭ ‬أطير‭ ‬بين‭ ‬يديه،‭ ‬وحين‭ ‬يدفن‭ ‬قدمي‭ ‬الضامرتين‭ ‬في‭ ‬رمال‭ ‬الشاطئ،‭ ‬أحتّج‭ ‬بصوت‭ ‬عالي‭ ‬حتى‭ ‬يُطلق‭ ‬ساقي‭ ‬للريح‭ .. ‬أخرجُ‭ ‬من‭ ‬الرمال،‭ ‬أشيرُ‭ ‬إلى‭ ‬قدمي‭ ‬وأقول‭ ‬له‭: ‬ها‭ ‬هما‭ ‬سمكتان‭ ‬صغيرتان‭ ‬وجدتهما‭ ‬تطفوان‭ ‬على‭ ‬السطح،‭ ‬كانتَ‭ ‬مستسلمتين‭ ‬تماما‭ ‬للأمواج‭. ‬تنهمر‭ ‬الدموع‭ ‬غزيرة‭ ‬من‭ ‬عيني‭ ‬أبي،‭ ‬فيقول‭: ‬يا‭ ‬لهذا‭ ‬التراب‭ ‬المُشاكس‭ ‬الذي‭ ‬يقتحم‭ ‬عيني‭ ‬عنوة‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الصباح‭ ‬حملني‭ ‬أبي‭ ‬أنا‭ ‬وفتاة‭ ‬الخزف‭ ‬إلى‭ ‬السيارة،‭ ‬قال‭ ‬أبي‭ ‬أنه‭ ‬يرغب‭ ‬أن‭ ‬يطير‭ ‬بالسيارة‭ ‬قليلا‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬حتى‭ ‬نسابق‭ ‬النوارس‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬بالظهور،‭ ‬أخذ‭ ‬يردد‭ ‬نغما‭ ‬قديما‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭ ‬تغنيه‭ ‬حين‭ ‬تشعر‭ ‬بالسرور‭..‬

يا‭ ‬صبح‭ ‬الصابحين
قلبي‭ ‬بحر‭ ‬كبير
فيه‭ ‬شط‭ ‬ورمل
وشمس‭ ‬وحورية
وحكاية‭ ‬بلدية
عن‭ ‬حورية‭ ‬عشقانة
وصبي‭ ‬بيرقص‭ ‬كل‭ ‬ليلة
وهي‭ ‬حيرانة
شو‭ ‬تعمل‭ ‬بحالها
قلبي‭ ‬بحر‭ ‬كبير
بس‭ ‬أنا‭ ‬بدي‭ ‬الأمير
بس‭ ‬أنا‭ ‬بدي‭ ‬الأمير

أردد‭: ‬ قلبي‭ ‬بحر‭ ‬كبير،‭ ‬بس‭ ‬أنا‭ ‬بدي‭ ‬الأمير،‭ ‬فيبدو‭ ‬البحر‭ ‬قريبا،‭ ‬قريبا‭ ‬جدا‭. ‬يصمت‭ ‬أبي‭ ‬فجأة‭ ‬ويصرخ‭ ‬برعب،‭ ‬أتشبث‭ ‬بكرسي‭ ‬كما‭ ‬فعلتُ‭ ‬أغلب‭ ‬حياتي،‭ ‬لكني‭ ‬أدرك‭ ‬أني‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أغادره‭ ‬الآن‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اضطررتُ‭ ‬إلى‭ ‬بتر‭ ‬ساقي‭. ‬أبي‭ ‬الهادئ‭ ‬جدا‭ ‬يصرخ‭ ‬بهستيرية‭: ‬افتحي‭ ‬الباب‭ ‬اخرجي‭ ‬اخرجي‭. ‬أدفعُ‭ ‬الباب‭ ‬بكل‭ ‬قوة،‭ ‬أدفعهُ‭ ‬بقوة‭ ‬شديدة‭ ‬وعدة‭ ‬مرات‭ ‬حتى‭ ‬فقدت‭ ‬الاحساس‭ ‬بيدي،‭ ‬ثم‭ ‬وأنا‭ ‬أتهاوى‭ ‬من‭ ‬السيارة،‭ ‬معلقة‭ ‬بين‭ ‬الأرض‭ ‬والسماء،‭ ‬أبصرتُ‭ ‬الشاحنة‭ ‬التي‭ ‬دلقت‭ ‬الزيت‭ ‬على‭ ‬الشارع،‭ ‬أُبصرُ‭ ‬سيارتنا‭ ‬على‭ ‬الجسر‭ ‬وهي‭ ‬تدور‭ ‬بعنفٍ‭ ‬حول‭ ‬نفسها‭ ‬مرات‭ ‬متتالية،‭ ‬أسقطُ‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬متحررة‭ ‬من‭ ‬كرسيّ،‭ ‬يومض‭ ‬الشارع‭ ‬ويصطخب‭ ‬بصوت‭ ‬هائل‭ ‬حين‭ ‬تصطدم‭ ‬سيارة‭ ‬أبي‭ ‬بالشاحنة‭ ‬وتتطاير‭ ‬قطعها،‭ ‬يبتلعني‭ ‬ماء‭ ‬البحر‭ ‬المالح‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا،‭ ‬القاعدة‭ ‬الزجاجية‭ ‬تصدر‭ ‬نغما‭ ‬جميلا‭ ‬شديد‭ ‬البهجة‭ ‬والسكون،‭ ‬وفتاة‭ ‬الخزف‭ ‬الصغيرة‭ ‬انفصلت‭ ‬الآن‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬قاعدتها‭ ‬الذهبية‭ ‬بقدمها‭ ‬المكسورة،‭ ‬لكن‭ ‬فستانها‭ ‬الأزرق‭ ‬الملكي‭ ‬يلمع‭ ‬تحت‭ ‬الماء،‭ ‬أمدُ‭ ‬إليها‭ ‬يدي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يجذبها‭ ‬التيار‭ ‬بعيدا،‭ ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬تيار‭ ‬آخر‭ ‬يجذبني‭ ‬بكل‭ ‬قوة‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬وبشكل‭ ‬متواصل،‭ ‬أصوات‭ ‬وصراخ‭ ‬وبشر‭ ‬يرددون‭: ‬الحمد‭ ‬الله،‭ ‬الحمد‭ ‬الله‭. ‬أجهش‭ ‬بالألم،‭ ‬بالنواح،‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬ابتعد‭ ‬عن‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬تتفقدني،‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أجري،‭ ‬اتذكر‭ ‬أني‭ ‬بلا‭ ‬كرسيٍ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬أتحرك،‭ ‬لكني‭ ‬أشعر‭ ‬بثقلٍ‭ ‬عجيب‭ ‬في‭ ‬قدمي،‭ ‬يرعبني‭ ‬الإحساس‭ ‬بقدمي‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬السنوات،‭ ‬تياراتٌ‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬والدم‭ ‬تجبراني‭ ‬على‭ ‬الوقوف،‭ ‬أقف‭ ‬وأحدق‭ ‬في‭ ‬قدمي‭ ‬بذهول،‭ ‬أبكي‭ ‬وأقول‭: ‬آهٍ‭ ‬يا‭ ‬أبي‭ ‬قد‭ ‬غسلتُ‭ ‬قدمي‭ ‬بالبحر‭ ‬أخيرا‭.. ‬الحورية‭ ‬التي‭ ‬منحتني‭ ‬القدمين‭ ‬قد‭ ‬رحلت‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬البحر‭.‬

263 total views, 2 views today