انتصار‭ ‬بنت‭ ‬مُحمَّد‭ ‬السنانية


الصَباح‭ ‬كَان‭ ‬كفيلًا‭ ‬لإسبات‭ ‬كُل‭ ‬جُنون‭ ‬حَدث‭ ‬ليلة‭ ‬أمس‭.. ‬أمدُّ‭ ‬يدي‭ ‬المثقلة‭ ‬وأنا‭ ‬المتكوِّر‭ ‬داخل‭ ‬ذلك‭ ‬الغطاء‭ ‬لأغلق‭ ‬ساعة‭ ‬التنبيه‭.. ‬لم‭ ‬أَنَم‭!!‬

أو‭ ‬رُبما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬مَحض‭ ‬حلم‭ ‬مُزعج‭.. ‬لا‭ ‬أذكُر‭ ‬شيئًا‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬جسدي‭ ‬ثقيل‭ ‬جدا،‭ ‬وكأنني‭ ‬أحملُ‭ ‬جَسَداً‭ ‬آخر‭. ‬أرسلُ‭ ‬أطرافي‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬مادًّا‭ ‬إياها‭ ‬بكل‭ ‬قوة،‭ ‬والتي‭ ‬تيبسَّت‭ ‬بفعل‭ ‬التكوُّر‭.‬

قمتُ‭ ‬مُتثاقلا‭ ‬أجرُّني‭ ‬جرًّا،‭ ‬باحثًا‭ ‬في‭ ‬زوايا‭ ‬الغرفة‭ ‬بعينين‭ ‬شبه‭ ‬مُغلقتين‭ ‬عن‭ ‬مَكان‭ ‬الحقيبة‭.. ‬بعد‭ ‬مُدَّة‭ ‬اكتشفت‭ ‬أنَّني‭ ‬ربما‭ ‬نسيتها‭ ‬عند‭ ‬مدخل‭ ‬النُزل‭.. ‬أو‭ ‬ربما‭!!‬

قَطَع‭ ‬تفكيري‭ ‬صَوْت‭ ‬طرقٍ‭ ‬واهنٍ‭..‬

نهضتُ‭ ‬لأفتح‭.. ‬كانتْ‭ ‬العجوز‭ ‬صاحبة‭ ‬النُّزل‭.. ‬وجه‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنني‭ ‬أحبُّ‭ ‬رؤيته‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬الصباح‭ ‬الأولى‭.‬

اطلَّت‭ ‬بوجهها‭ ‬العَابس‭.. ‬قُلت‭ ‬مُلَاطِفاً‭: “‬أهلا،‭ ‬صباح‭ ‬الخيـ‭..”.‬

‭”‬لقد‭ ‬نسيت‭ ‬حقائبك‭” – ‬قاطعتني‭.‬

‭”‬أعتذر‭ ‬يا‭ ‬سيدة‭ ‬زينب‭ “‬

‭”‬يا‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬بائس‭” – ‬أردفت‭ ‬بهدوء‭ ‬وانصرفت‭.‬

قاومت‭ ‬رغبة‭ ‬مُلحَّة‭ ‬في‭ ‬لكمها‭.. ‬سيدة‭ ‬مُستَفِزَّة‭ ‬بكلِّ‭ ‬ما‭ ‬تحمل‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معنى‭!‬

مُنذ‭ ‬دخولي‭ ‬ليلة‭ ‬أمس،‭ ‬وهي‭ ‬تُشعرني‭ ‬بأنها‭ ‬مُجبرة‭ ‬على‭ ‬استضافتي‭.‬

تبعتها‭ ‬عبر‭ ‬الممر‭ ‬المؤدِّي‭ ‬إلى‭ ‬بهو‭ ‬النُّزل‭.‬

الممرُّ‭ ‬كان‭ ‬يزدان‭ ‬بنقوش‭ ‬كلاسيكية‭ ‬جميلة‭.‬

ينتابُني‭ ‬شعورٌ‭ ‬بأنني‭ ‬المستأجِر‭ ‬الوحيد‭ ‬فيه‭.‬

المكانُ‭ ‬هادئ‭ ‬جدًّا،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬ليلة‭ ‬أمس؛‭ ‬كانت‭ ‬صاخبة‭ ‬جدًّا‭.‬

وصلتُ‭ ‬للبهو،‭ ‬أخذتُ‭ ‬حقائبي،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬أغادر‭…‬

‭”‬عفوا‭ ‬يا‭ ‬سيدة،‭ ‬هل‭ ‬تعرفين‭ ‬شخصاً‭ ‬يُدعى‭ ‬صافي‭ ‬محمود؟‭”.‬

رمقتني‭ ‬بنظرة‭ ‬حادة،‭ ‬وأومأت‭ ‬برأسها‭ ‬أن‭.. ‬لا

يااه،‭ ‬كم‭ ‬يلزمني‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬لأحتمل‭ ‬فظاظة‭ ‬هذه‭ ‬العجوز؟‭!!!‬

حين‭ ‬عُدت‭ ‬إلى‭ ‬الممر‭ ‬الذي‭ ‬يفضِي‭ ‬إلى‭ ‬غرفتي،‭ ‬بدا‭ ‬وكأنه‭ ‬مُختلف‭ ‬تماما‭.. ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬تميُّز‭ ‬الاختلاف‭ ‬جيدًا،‭ ‬لكنني‭ ‬أشعرُ‭ ‬به‭.‬

تابعتُ‭ ‬المسير‭ ‬وأنا‭ ‬أفكِّر‭ ‬في‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬ألتقيه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القرية

الغرفة‭ “‬ب‭ ‬12‭”.‬

أخيرًا‭ ‬وصلت‭.. ‬أدخلتُ‭ ‬الحقائب،‭ ‬تحسَّستُ‭ ‬جيبَ‭ ‬البنطال‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬هاتفي‭ ‬المحمول،‭ ‬أخرجتُه‭ ‬لأجد‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬صافي‭ ‬محمود‭:‬

‭- “‬هل‭ ‬وصلت؟‭”.‬

بشكل‭ ‬آلي‭ ‬ضغطت‭ ‬رد‭:‬

‭- ” ‬نعم،‭ ‬أين‭ ‬تقطن؟‭ ‬أو‭ ‬بالتحديد‭ ‬أين‭ ‬أجدك؟

وضعتُ‭ ‬الهاتف،‭ ‬ودلفتُ‭ ‬إلى‭ ‬الحمام‭ . ‬وما‭ ‬إنْ‭ ‬فتحت‭ ‬صنبورَ‭ ‬الاستحمام‭ ‬حتَّى‭ ‬مرَّ‭ ‬شريطُ‭ ‬ليلة‭ ‬أمس‭ ‬سريعاً‭.‬

وجوه‭ ‬هلامية‭ ‬كانت‭ ‬تحُوم‭ ‬حولي،‭ ‬لوهلةٍ‭ ‬ظننت‭ ‬أنني‭ ‬ثَمِل،‭ ‬وأصوات‭ ‬مُرعِبة‭ ‬تتصاعَد،‭ ‬حتى‭ ‬أصابتني‭ ‬بالشلل‭ ‬والصمم،‭ ‬ثم‭ ‬كأنني‭ ‬فقدتُ‭ ‬الوعي‭ ‬وأنا‭ ‬متكوِّر‭ ‬تحت‭ ‬الغطاء‭.‬

ما‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬الغريب؟‭!!‬

أغلقتُ‭ ‬الصنبورَ،‭ ‬وخرجتُ‭ ‬وأنا‭ ‬ألفُّ‭ ‬المنشفة‭ ‬حول‭ ‬خصري،‭ ‬انتبهتُ‭ ‬إلى‭ ‬هاتفي‭ ‬وهو‭ ‬يُومِض‭ ‬بوميضٍ‭ ‬خافت‭.‬

لابد‭ ‬أنه‭ ‬رد‭ ‬أخيراً‭:‬

‭- ‬أنا‭ ‬أسكن‭ ‬نُزُلا‭ ‬كبيرا‭ ‬عند‭ ‬مدخل‭ ‬القرية،‭ ‬يُدعَى‭ ‬نزل‭ ‬السيدة‭ ‬زينب،‭ ‬تحديدا‭ ‬الغرفة‭ “‬ب‭ ‬12‭”.‬

أكلتني‭ ‬الدهشة‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ‭ ‬هذه‭ ‬العِبارة‭:‬

‭- ‬عفوا،‭ ‬هل‭ ‬يُوجَد‭ ‬نُزُل‭ ‬آخر‭ ‬يحمل‭ ‬نفس‭ ‬المسمى‭.‬

‭- “‬هههه‭.. ‬لا،‭ ‬لا‭”.‬

أحسستُ‭ ‬بدوار،‭ ‬وقدمي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحملُني‭.. ‬استيقظتُ‭ ‬على‭ ‬صوتٍ‭ ‬مألوفٍ‭:‬

‭”‬مُحمَّد،‭ ‬لماذا‭ ‬تنام‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الغرفة‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬الغريب‭.. ‬أمي‭ ‬والجميع‭ ‬ينتظرون‭ ‬في‭ ‬الخارج‭”.‬

‭- “‬أين‭ ‬صافي‭ ‬محمود؟‭”.‬

‭- “‬أووف‭.. ‬عُدت‭ ‬لهلوساتك‭”.‬

‭….‬

لم‭ ‬تَكُن‭ ‬هلوسة‭.. ‬جسدي‭ ‬يُغَادِر‭ ‬فعلا‭.‬

208 total views, 5 views today