د. سمر روحي الفيصل

أعتقدُ أنَّنا صِرْنَا لفظيين، نُنَادي بالحفاظ على لُغتنا العربية؛ لأنها وِعَاء أفكارنا وأحاسيسنا وآمالنا وتراثنا وعقيدتنا وأدبنا وهُويتنا وانتمائنا. فيرتاحُ ضميرُنا العقدي والقومي لهذا النداء، ويجلسُ ينتظر فرصةً أخرى لإظهار حَمَاسته اللغوية. لقد صِرْنا لفظيين: أقوالنا كثيرة، وأفعالنا قليلة. كلَّما بَرَزت أزمة في الأمة العربية، بَرَز حديثنا عن اللغة، وعن ضرُوْرَة الحفاظ عليها. ونحن، الآن، في أزمتنا العربية الراهنة، نخاف على هُويتنا، ونعتقد أنَّ حاضرَ اللغة العربية يحتاج لحوار موضوعي حول القضايا والظواهر والمفاهيم اللغوية المرتبطة بالإنسان العربي، وبينها ثلاثة أمور أرغب في الحديث عنها؛ هي: العامية، وتعليم اللغة العربية، ولغة الأدباء الشبان.
أولاً: العامية
صوَّر الباحثون الأجانب (1) العامية -ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر- على أنَّها المنقِذ من حال التخلُّف العربية. واقترحوا هَجْر الفصيحة لصعوبتها، واعتماد اللغة الإنجليزية، أو الفرنسية، لغةَ التعليم والبحث العلمي؛ لأنهما لغتا العلم والاختراع، فضلاً عن سيادتهما ومرونتهما. وقد قُوْبِلت الدعوة إلى العامية بمواقف أجنبية وعربية مُساندة وأخرى مُناهضة، وكُتِبت حولها مئات المقالات، وأُلِّفت فيها عشرات الكتب، حتى امتلأت النفوس العربية كُرْهاً لها، واعتزازاً بالفصيحة، لكنَّ العامية بقيت حيَّة، يستعملها أعداؤها وأنصارها، وأظن أننا جميعاً نستعملها في حاضرنا، وأنها ستبقى مستعملَةً في المستقبل.
ما الشيء الذي يجعل هذه العامية، بل العاميات العربية، حيَّة لا تموت؟
أعتقدُ أنَّ حاضرنا اللغوي يحتاج إعادة تشكيل الحقيقة اللغوية الخاصة بالعامية. دعُوْنا نرجع إلى العصر الجاهلي الذي تشكَّلت من بعض اللهجات التي كانت مستعملَة فيه (لغة مشتركة)، كانت السيادة فيها للهجة قريش، ومعها بعض اللهجات الأخرى (2)؛ كلهجة قيس وتميم وبكر وتغلب. وبقيت لهجات أخرى لقبائل عربية في شرقي الجزيرة العربية وجنوبيها لم تكن لها مشاركة في اللغة المشتركة، أو كانت مشاركتها ضعيفة فيها؛ لعُزلتها وابتعادها عن مكة: حاضرة التجارة والحج، وملتقى القبائل واللهجات قبل الإسلام.
لقد كُتِب الأدبُ الجاهلي بهذه اللغة المشتركة، كما نَزَل بها نفسها القرآن الكريم. والقرآن نفسه دليل على وجود هذه اللهجات الأخرى؛ إذ إنَّ رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- أقرأ صحابته بها توسعة لهم ومراعاة لقدراتهم اللغوية. وقد حَفِظ الصحابة عنه هذه اللهجات، وأقرؤوا بها المسلمين، ونقلوها إلى التابعين بعدهم، ودققوا في سندها، وموافقتها الرسم العثماني، ووجوه العربية، وصاروا يُعرفون بالقراء، وصارت قراءاتهم تُعرَف بالقراءات القرآنية السبع، أو العشر، وهي كلها قراءات متصلة السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك قراءة الجمهور: (فوَلِّ وجهكَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ” (3)، وقراءة ابن أبي عبلة: “فول وجهكَ تِلقاءَ المسجدِ الحرام”، وقراءة ابن مسعود “كالصوف المنفوش” في قوله تعالى “كالعهن المنفوش” (4). ثمَّ رسخت القراءات فأصبحتْ عِلْماً، له أصحابه العارفون بدقائقه، القادرون على تمييز القراءة المقبولة من القراءة المردودة، وضابط السند من ضابط الرسم، والموافقة الصريحة الظاهرة من الموافقة المحتملة أو المقدرة (5)، دون أنْ يُؤثِّر ذلك في قراءة المصحف بالرسم العثماني.
يهمُّني من لغة القرآن الكريم ولغة القراءات شيء واحد، هو توافر أمريْن لغوييْن في وقت واحد؛ هما:
– اللغة المشتركة التي اصطُفيت طوال العصر الجاهلي، وكُتِب بها الأدب الجاهلي، ونزل بها القرآن الكريم.
– اللهجات العربية الأخرى التي كانتْ القبائل تستعملها، وليس لها وجود في القرآن، أو وجود ضعيف فيه، دون أن يكون استعمالها لها عائقاً حال دون تواصل أصحابها مع اللغة المشتركة وفهمهم لها. فقد استعملتْ إحدى القبائل “أَقْبِلْ” وفهمت “هلُم” و”تعالَ”، كما استعملتْ قبيلة أخرى “شَطْرَ” وفهمت “تِلقاءَ”، ويمكنها أن تفهم (نَحْوَ) في لهجة كندة.
وفي هذه المرحلة من عُمْر اللغة العربية كانت “اللغة” تعني “اللهجة”، ولم يكن وَصْف اللغة العربية بـ”الفصيحة” و”الفصحى” مستعمَلاً؛ لأنَّ اللغة المشتركة واللهجاتِ العربيةَ كلها -ما استُعمِل منها في القرآن وما لم يُستعمَل- شكلتْ ما سُمي بعد ذلك باللغة العربية الفصيحة، وهي كلها تُدعَى -بحسب المصطلح القرآني- “اللسان العربي”.
لقد خَرَج العربُ من الجزيرة العربية -في مَوْجَة الفتوحات الإسلامية- وهم يحملون معهم لغة القرآن المشتركة ولهجاتهم المختلفة. وسبقتهم إلى الهجرة من الجزيرة العربية موجات بشرية قديمة، اتجهت إلى الشمال غالباً، وإلى الجنوب أحياناً. وقيل إن الزمن بين كل موجة من الموجات المتعاقبة هو ألف سنة؛ أي أنَّ هناك لهجات عربية قديمة رافقت موجات الهجرة السابقة، وهي نفسها، أو هي أخواتها وبناتها، اللهجات التي صحبت لغة القرآن في الفتوحات الإسلامية؛ فالهجرات السابقة من الجزيرة العربية هي التي شكلت دولتي المناذرة والغساسنة في العراق والشام، وقبلهما دولة الأنباط وتدمر؛ لذلك عُزِيتْ سرعة انتشار اللغة العربية في العراق والشام ومصر والمغرب في أيام الفتوحات إلى أنَّ اللغات السريانية والآرامية والمصرية القديمة والليبية القديمة شقيقات للعربية.
وأقول ثانيةً إنَّ الفاتحين العرب حملوا معهم لغة القرآن، ولهجات القبائل العربية. استعملوا الأولى في قراءة القرآن، والثانية في تواصلهم في الحياة اليومية، فبدأ يتشكل لديهم مستويان تعبيريان: مستوى رسمي هو لغة القرآن، ومستوى وظيفي هو اللهجات المختلفة للقبائل التي حافظت -حين خرجت من الجزيرة العربية- على تكوينها القبلي، فقد وحَّدها الإسلام دون أنْ يلغي انتماءاتها القَبلية التي ساعدتها على التماسك أثناء الفتوحات.
والمعروف أنَّ الفاتحين العرب لم يُواجهوا في بداية الأمر أيَّ عائق لغوي؛ لأنَّ الهجرات القديمة من الجزيرة العربية مهَّدتْ لهم الأرض اللغوية. لكن الفتوحات اتسعت إلى أراض لم تصل إليها الهجرات العربية القديمة، ودخل الإسلامَ غيرُ العرب من الأعاجم، وتغلغلت الجواري في المنازل، وكثرت السراري، فبدأ اللحن يظهر في قراءة القرآن، وبدأت مع هذا اللحن -ونتيجة له- حركة تقعيد القواعد، وحركة جَمْع اللغة، ثم -في فترات لاحقة- بَرَز التعصُّب للعربية حتى إنها اقترنتْ بالقرآن. والظن بأنَّ فكرة اقتران العربية بالقرآن تغلغلت في نفوس المسلمين ابتداءً من هذه المرحلة؛ مرحلة التمييز بين من هو عربي، ومن هو غير عربي. وما زالت هذه الفكرة سائدة في حاضر اللغة العربية، حتى إنَّ العربي اليوم لا يقبل أن يكون هناك بين رجال الدين، رجل لا يتقن العربية، أو لا يُحسِن استعمالها. والظن أن صفة “الفصيحة” أو “الفصحى” بدأتْ تُلصَق باللغة العربية في هذه المرحلة أيضاً.
أمَّا الوسيلة اللغوية التي كان العرب الفاتحون يتواصلون بها بينهم أول الأمر، وبين سكان الأمصار المفتوحة بعد ذلك، فهي لهجات القبائل. لكن هذه اللهجات لم تبق على حالها، بل شرعت تتفاعل وتتأثر بالأعاجم أصحاب اللغات الأخرى التي حل العرب الفاتحون بينهم، أو الأعاجم الذين جاؤوا إلى الحواضر العربية الكبرى، ودخلوا الإسلام وتعلموا العربية لينالوا حظوة في العالَم الإسلامي الجديد. ومن ثَمَّ، زاد ابتعاد اللهجات العربية عن اللغة الفصيحة رويداً رُويداً حتى أصبحت بعد استقرار الفتوحات، وتسنُّم العناصر الأعجمية مقاليد السلطة في المجتمع الإسلامي الجديد، مستوى تعبيريًّا بعيداً عن اللغة الفصيحة، وصحَّت تسميتها ابتداءً من هذه المرحلة بـ”العامية”، والتي صارت عاميات أكثر بُعداً عن الفصيحة في عصور الحُكم الفارسي والعثماني والإنجليزي والفرنسي والإيطالي.
وأخلُص من الحديث السابق إلى أنَّ الحقيقة اللغوية التي تحتاج لترسيخ في أذهاننا، في حاضر اللغة العربية، هي أنَّ “العامية” أخت شرعية للغتنا العربية الفصيحة، لا نستطيع إنكارها، أو تجاهلها. كل ما نقوله عن سيئاتها مقبول، لكننا لا نستطيع تجاهل استعمالنا لها في حياتنا اليومية، بل من العبث الاعتقاد بأنها ستزول في يوم من الأيام، ومن الصحيح الإيمان بأنَّ استعمالها سيستمر ما استمر العرب على وجه البسيطة. ليست إخافة الجيل بعد الجيل من العامية غيرَ جهل بأصول هذه العامية ونسبها. بل إنَّ السعي للقضاء عليها وَهْم من الأوهام، وخللٌ في الفهم اللغوي للازدواجية اللغوية العربية.
وأعتقد أنَّ الحقيقة اللغوية السابقة تقودنا إلى أنَّ الهدفَ اللغويَّ للغُيُر على اللغة العربية، يجب أن يكون ذا شقَّيْن. نُنقِّي في الشق الأول العامية من الشوائب التي لحقتها في عصور الضعف والانحدار والعجز العربي، وندرس اللهجات لإبراز الألفاظ الفصيحة المستعملَة في العاميات العربية. ونُرسِّخ في الشق الثاني اللغة العربية الفصيحة.
سأتحدثُ في الفقرة القابلة عن الشق الثاني، وأرغَبُ في الإشارة، هنا، إلى أنَّ الشق الأول الخاص بالعامية لم يكن غائباً عن أذهان العرب طوال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد حدَّدوا هدفهم، وهو إعادة العامية إلى سابق عهدها وبداية أمرها، عندما كانت قريبة من الفصيحة، ليس فيها غير اللهجات العربية وما أضافه التعريب والترجمة إليها. والعمل في هذا الاتجاه اللغوي طويل شائك، بدأه مجمع اللغة العربية في القاهرة، ثم تلكأ فيه. وكتب فيه لغويون أعلام؛ من مثل: شاعر الشام شفيق جبري، في مقالاته “بقايا الفصاح” (6)، التي نشرها في مجلة اللغة العربية بدمشق، و”معجم فصاح العامية” (7) لهشام النحاس، و”معجم فصيح العامة” 8) لأحمد أبو سعد، وجهود أخرى قليلة لكنها حدَّدت هدفها بأنَّه تنقية العاميات العربية من شوائب العجمة، والبحث في لهجاتها عن الفصيح المعروف من لهجات القبائل العربية، دون أن تنسى تعزيز اللغة العربية الفصيحة.
ثانياً: تعليم اللغة العربية
يُعانِي حاضر اللغة العربية من قضية تعليم اللغة العربية، وهي قضية متعددة الوجوه، متداخلة، مركَّبة، لكنها تنطلق من فكرة رئيسية زرعها الأجانب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وصدَّقها العرب، وعملوا بوحي منها. هذه الفكرة هي “صعوبة اللغة العربية”، و”عدم صلاحيتها للتعليم” (9)؛ لأنها معنية بالأدب، بعيدة عن العِلْم ومصطلحاته ومراجعه وبحوثه. والإنجليزية هي البديل للعربية في حقل التعليم عموماً، والجامعي خصوصاً؛ لأنها لغة العِلْم ومصطلحاته ومجالاته. بل هي المصدر الوحيد للبحوث والتقنيات في العالم الحديث، فضلاً عن أنَّ اتصال الإنسان العربي بالجديد في حقل العلم يحتاج لتعلم اللغة الإنجليزية التي كُتِب بها هذا العلم، ونُشِر وترسخ وأصبح الاعتماد عليه، في عصر العولمة، أمراً بديهيًّا.
هل هذا صحيح؟
أعتقدُ أنَّه غير صحيح. فاللغات كلها صعبة، وإذا رغب الإنسان في تعلم أية لغة فإنه مطالَب ببذل الجهد والوقت. ولا تختلف اللغة العربية عن غيرها من اللغات في حاجة الراغب في تعلمها إلى الجهد والوقت، لكنها تختلف عن غيرها في أنها تملك مثلاً لغويًّا أعلى، هو القرآن الكريم، لا تملكه اللغات الأخرى. وهذا المثل الأعلى ماثل في أسماع العرب كل يوم، يُشكل ذائقتهم، ويُزودهم برصيد لغوي وأسلوبي، ويحفزهم على فهم الفصيحة وإنْ كانوا غير قادرين على الإنتاج فيها. هذه الذائقة التي تستند إلى رصيد لغوي فصيح غير قليل، وإلى كثير من قراءات القرآن وسماعه يُتلَى آناء الليل وأطراف النهار، تَجْعَل من الصعوبة الخاصة بتعلم العربية صعوبة نسبية، مقبولة، يمكن تجاوزها إذا تخلص العربي من فكرة الصعوبة التي وجهت سلوكه اللغوي، وأقنعته بأن الإنجليزية هي خلاصه الوحيد من مآزقه العصرية، فضلاً عن أنها صلته الوحيدة بمنجزات العالَم المتمدن، ووسيلة ارتقائه في عالم الحضارة والمدنية.
لقد أثبتتْ تجاربُ العرب في العصر الحديث أنَّ إتقانَ اللغة العربية مُمكن، وإنْ كان العربي يستعمل العامية في حياته اليومية. كما أثبتتْ التجاربُ نفسها أنَّ التعليم باللغة العربية أفضل بالنسبة للطالب العربي من التعلُّم باللغة الإنجليزية، وأنَّ التعلم باللغة العربية لا يمنع الطالب من إتقان اللغات الأجنبية. وهذا إيجاز يُذكِّرنا بأبرز التجارب العربية في حقل تعليم الطب.
لقد تَرْجَم العربُ الكتبَ الطبية ابتداءً من أيام الخليفة الأموي خالد بن يزيد بن معاوية، حتى إنَّ سلمان قطاية عَجِب من لغة الترجمة عند حُنين بن إسحق، فظنه مؤلف الكتب وليس مترجماً لما ألفه بقراط وجالينوس (10). الأمر نفسه تكرَّر في العصر الحديث في التجربة المعروفة بـ”تجربة أبي زعبل” عام 1827 في زمن محمد علي باشا. إذ درس الطلاب الطب باللغة العربية، وكانت الفرنسية لغة إضافية لم ينخفض مستواها عندهم. فقد ذهبوا إلى فرنسا، وتعلموا بالفرنسية، وترجموا اثنين وخمسين كتاباً. وحين عادوا إلى مصر أنشأوا مدرسة القصر العيني عام 1837. لكنَّ الاحتلال الإنجليزي لمصر أجهض هذه التجربة عام 1882، ونقل تعليم الطب إلى الإنجليزية ابتداءً من العام 1889.
قُل مثل ذلك في التجربة اللبنانية؛ فقد أُنشئت في بيروت كليتان للطب في الكلية السورية البروتستانتية (هي التي سُميت بعد ذلك بالجامعة الأمريكية) عام 1866، وفي الجامعة اليسوعية (هي التي سُميت بعد ذلك بجامعة القديس يوسف) عام 1883. فقد كانت العربية لغة تعليم الطب في هاتين الكليتين، تخرَّج فيهما أطباءُ أَكْفاءُ، ألفوا بالعربية، وترجموا عن الفرنسية، وبَقِي أمرهم على هذه الحال إلى أن احتلَّ الفرنسيون لبنان عام 1920، وحوَّلوا تعليم الطب إلى الفرنسية.
أمَّا التجربة السورية، فلافتة للنظر. إذ أنشأت الحكومة العربية الفيصلية المعهد الطبي العربي عام 1919 في دمشق، وجعلتْ العربية لغة التعليم فيه. ولما احتلَّ الفرنسيون سوريا، حاولوا جَعْل التعليم فيه بالفرنسية، لكنهم واجهوا مقاومة شديدة من القائمين عليه، فقبلوا بإضافة الفرنسية إلى العربية. لكنَّ الفرنسية أُلغيتْ عندما انتهى الانتداب الفرنسي، ورجع تعليم الطب إلى العربية، دون أن يتدنَّى مُستوى الطلاب في الطب وفي اللغة الإنجليزية التي صارت، بعد ذلك، لغة إضافية بالنسبة إليهم. ثم حاول القائمون على إنشاء كلية الطب الثانية في حلب عام 1967 التعليم بالإنجليزية، لكنهم أخفقوا في ذلك، فرجعوا إلى العربية، وسارت كليات الطب المحدَثة بعد ذلك على النهج الراسخ، وهو تعليم الطب -بل المواد الجامعية كلها، في المساقات والبرامج والكليات العلمية والأدبية- باللغة العربية ليس غير.
وتُشِير التجاربُ العربية السابقة إلى أنَّ صُعوبة اللغة العربية خرافة اخترعها أناسٌ لا يُريدون الخير للغتنا وأمتنا. والدليل على ذلك تلك التجارب القديمة والحديثة في تعليم الطب؛ فقد أثبت الطلاب العرب الذين تلقوا تعليمهم الطبي باللغة العربية تفوقَّهم في الطب، وقدرتهم على إبداع المصطلحات الخاصة به، وتأليف الكتب الطبية، وإتقان اللغات الأجنبية في الوقت نفسه. ثم إنَّ الطالب الذي يتعلم باللغة الأجنبية يترجم في دماغه ما سمعه أو قرأه إلى اللغة العربية كي يفهمه. وهذا يهدر وقته، ويُطيل أمد تعلمه، إضافة إلى أنه يحتاج إلى وقت إضافي يقضيه الطالب في إتقان اللغة الأجنبية قبل الإقدام على التعلم بها. أمَّا الطالب الذي يتلقى تعليمه بلغته العربية، فهو يفهم مُباشرة فيختصر الوقت. وإذا كان الطالب غير مجيد للغته العربية، فإنَّ الأمر لا يختلف؛ لأنَّ الإنسان العربي يفهم لغته وإن لم يكن قادراً على الإنتاج فيها. ويُمكنني التذكير -قبل ذلك وبعده- بأنَّ الإبداع في أية أمة لا يمكن أن يحصل بغير لغتها القومية.
لماذا إذاً أهْمَلتْ بعض الدول العربية تعليمَ أبنائها باللغة العربية، وزَّجتْ بهم في أتون اللغة الإنجليزية؟
ليس لديَّ إجابة مُقنعة لما يجري في مدارسنا وجامعاتنا، لكنَّني أعرف أنَّ التبعية للغرب تنبع من تعلم لغة هذا الغرب، وأنَّ نمو الهوية العربية مرتبط باختيار اللغة العربية. فإذا كان لدينا قرار حازم باختيار العربية لغة للحياة عامة، وللتعليم خاصة، فإنَّنا مُطالبون بمتابعة تنفيذ هذا القرار، وغرس الثقة في نفوس الطلاب بأن إتقانهم العربية أساس إبداعهم، وأنَّ النجاح في اللغة يجب أن يحصل دون أية مساعدة. وعلينا في الوقت نفسه أنْ نُدرك أنَّ مُعلِّم اللغة العربية الذي يواجه التردي اللغوي يحتاج الآن لنوعين من المساعدة:
* نوع داخلي يتعلق بإلغاء قرارات الامتحان الخاصة بالنجاح الآلي، ومعها إلغاء مقولة “يسِّروا ولا تُعسروا”. والمبادرة لتوظيف المناهج الكفيلة بإتقان مهارات اللغة العربية، وعدم التركيز على الجانب التربوي وحده، وتكاتف مدرسي المواد الأخرى مع مدرس العربية.
* نوع خارجي يتعلَّق بإسهام وسائل الإعلام الإخبارية والفنية في تشجيع اللغة، بدلاً من توهينها بالغرق في استعمال العاميات المحلية، وترجمة النصوص الدرامية بالعامية بدلاً من الفصيحة.
إنَّ النتيجة الواضحة في المدارس العربية هي تردِّي المستوى اللغوي للطالب. ولعلَّ ذلك عائد إلى عدم مبالاة هذا الطالب باللغة؛ فلا أحد يلومه أو يعاقبه على تقصيره. وقد ترجع الأسباب إلى مرونة القوانين المدرسية والامتحانية، أو ترجع إلى سيادة التأثُّر بفكرة عدم الحاجة للعربية في زمن العولمة وانتشار التقنيات الحديثة، أو إلى عدم وجود ضغوط اجتماعية، أو إلى ضعف الرقابة الأسرية، أو إلى فقدان عادة المطالعة، أو إلى سيادة الحفظ على الفهم، أو إلى أمور أخرى، كاستعمال العامية داخل قاعات الدرس، وعدم الاهتمام بإتقان المهارات اللغوية الوظيفية…وغير ذلك من الأمور التي تُفضي إلى عدم احترام قيمة اللغة، وعدم تجسيد هذه القيمة في السلوك اللغوي العام والخاص.
ثالثاً: لغة الأدباء الشبان
لقد انتهى الزمن الذي كان الأديب فيه إماماً في اللغة والأسلوب. انتهى زمن طه حسين، وعباس محمود العقاد، ومحمد كرد علي، وبديع حقي، وأصبحتْ مُؤلفات هؤلاء الرواد تُقرَأ ولا تُقلد؛ لأن لغة الأدب مالت إلى السهولة والوضوح والتلاؤم مع طبيعة الأجناس الأدبية، كما هي حال اللغة في مؤلفات: محمد المر، وزكريا تامر، وفاضل السباعي، وغازي القصيبي.. وهذا شيء طبيعي؛ لأنَّ المفاهيم التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين عن الأديب، هي أنَّه سيِّد اللغة ومعلمها وحافظها والمبتكر في أساليبها وأفانين القول فيها. لكنَّ هذه المفاهيم تلاشت في الربع الأخير من القرن العشرين، وحلَّ محلها سلامة لغة الأديب، وقدرتها على تصوير المواقف وسرد الحوادث في النثر، وإبداع الصور في الشعْر.
بَيْد أنَّنا في السنوات الأخيرة، بدأنا نلاحظ تراجعاً واضحاً في المستوى اللغوي للأدباء الشبان الجدد؛ تجلَّى هذا التراجع في كثرة الأخطاء اللغوية والنحْوية والإملائية والأسلوبية في نصوصهم، وفي ضَعْف تعبيرهم عن المعاني التي يرغبون في تقديمها للمتلقي؛ ومن ذلك: قَوْل إحداهن في رواية صدرت حديثاً: “لا يجب أن تُعممي”، فنفت الوجوب الذي أرادت التعبير عنه، وقدمت الجواز الذي يعكس ما رغبتْ فيه. إذ كانت ترغب في القول: “يجب ألا تُعممي”، لكنها قالت: “يجوز أن تُعممي”.
إنَّني لا أشكُّ في أن هذا التردي اللغوي عند الأدباء الشبان خاص بأصحابه، ولا يُمكن تعميمه على الأدباء الشبان كلهم، بل إنَّني أستطيع القول بأنَّ الكثرة الكاثرة منهم حرصت على الابتعاد عن ظاهرة التردي، وتجنَّبت الأخطاء ما أمكنها ذلك، وهذا ما حفَّزني إلى التذكير بأن الأديب لا يستطيع الإبداع بغير إتقان لغة التعبير، فضلاً عن أن الأديب العربي سيبقى مُطالَباً بالمحافظة على اللغة وإنْ تلاشت مفاهيم زعامته في أساليبها، وتوليد الألفاظ الجديدة فيها. لقد قُلنا وردَّدنا كثيراً: إنَّ المحافظة على اللغة فَرْض أدبي ووطني وقومي، بل إنه “فرض واجب” إذا تذكَّرنا مقولة ابن تيمية القائلة “إنَّ فهم الكتاب فرض، ولا يُفهَم إلا بفهم العربية، وما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب”.
هل هُناك أسباب مُقنعة للضعف اللغوي عند بعض الشبان الأدباء؟
أعتقد أنَّ هذه الظاهرة تحتاج إلى إنعام نظر. فهؤلاء الشبان مُخْرَج من مُخْرَجات التربية الحديثة التي اهتمَّت في العقديْن الماضيين بشكل اللغة دون جوهرها ومهاراتها، وحرصتْ على تنمية الذاكرة وهي من المهارات العقلية الدنيا، وأهملت النقد والاستنتاج والمقارنة والتعليل وهي من القدرات العقلية العليا. قد تكمُن أسباب الضعْف اللغوي في اللامبالاة التي بدأنا نراها عند بعض الشبان. وقد ترجع الأسباب إلى أن الأديب في وطننا العربي لم يخضع لأي إعداد. فهو وحده الذي قرَّر أن يُصبح أديباً، فكتب ونشر وبدأ يقاوم النقد الذي يُوجه إليه. أعانته على ذلك سهولة طباعة كتابه، وافتقار بعض القائمين على دور النشر إلى قيمة اللغة، ومن ثَمَّ كان كتاب الأديب الشاب يُطبَع دون أن يراه مدقق لغوي، ودون أن يراقِب مستواه اللغوي ناصحٌ أمينٌ، أو موظف في دار النشْر عارف باللغة وأساليب القول فيها. والنتيجة هي بروز ظاهرة التردي اللغوي في مؤلفات الشبان، واتساع خرقها على الراقع، دون أن تبقى مقتصرة على الأخطاء الشائعة.
ما العمل؟
أعتقدُ أنَّ ظاهرة التردي اللغوي ستترسَّخ في السنوات القابلة، وستضيف دلالة سلبية أخرى على أننا لا نهتم بلغتنا، ولا نبذل الجهد ولا المال في سبيل المحافظة عليها. لستُ صاحب قرارٍ؛ لذلك أكتفي بالتساؤلات الآتية: هل ندعو إلى الرقابة اللغوية على الكتب قبل السماح بنشرها وتوزيعها ونحن نكره الرقابة بأشكالها وألوانها كلها؟ هل نفرض على دور النشر تعيين مدققين لغويين؟ هل نُعدِّل قوانين قراءة المخطوطات المُعدة للنشْر؟ هل نفكر في تشكيل هيئات ومؤسسات أدبية تُدرِّب الأديب الناشئ على استعمال لغة الكتابة والعناية بها؟ هل نُنفِّذ الأوامر الحكومية الخاصة بالمحافظة على اللغة العربية؟ هل نَغْرِس قيمة احترام اللغة في الأسرة والمدرسة حتى ينشأ عليها الطفل وتُصبح جزءاً من سلوكه؟ لا بد من إنعام النظر في هذه الظاهرة، وإلا فإنَّ الأدباء الشبان سيفقدون الأداة الوحيدة لتعبيرهم عمَّا يرغبون فيه.

—————————————————-

الإحالات:

يُمكن الاطلاع على المؤلَّفات الآتية للحصول على تفصيلات وافرة حول الباحثين الأجانب الذين قادوا حركة الدعوة إلى العامية:
– نفوسة زكريا سعيد (د)، “تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر”، دار المعارف، القاهرة، 1964م.
– سمر روحي الفيصل (د)، “المشكلة اللغوية العربية”، دار جروس برس، طرابلس، لبنان، 1992م.
– سمر روحي الفيصل (د)، “اللغة العربية الفصيحة في العصر الحديث”، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1993م.
– سمر روحي الفيصل (د)، “قضايا اللغة العربية في العصر الحديث”، مركز زايد للتراث، العين 2007م، (ط2/ وزارة الثقافة، دمشق 2010م).
– مجمع اللغة العربية الأردني، ندوة “الازدواجية اللغوية في اللغة العربية”، عمَّان، 1988م.
– عبده الراجحي (د)، “اللهجات العربية في القراءات القرآنية”، دار المعارف، القاهرة، 1969م.
– (البقرة: 143).
– (القارعة: 5).
للتفصيل حول تعريف القراءات وانتشارها وأنواعها، انظر:
* عبده محمد رمضان (د)، “التوجيهات النحوية والصرفية للقراءات القرآنية في تفسير البيضاوي”، جامعة الأزهر، رسالة دكتوراه، كلية اللغة العربية، 2006م.
* شفيق جبري، “بقايا الفصاح”، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق.
* هشام النحاس: “معجم فصاح العامية”، مكتبة لبنان، ناشرون، بيروت، 1997م.
* أحمد أبو سعد: “معجم فصيح العامة”، بيروت 1990م.
وللتفصيل أيضًا، انظر قضية التعليم باللغات الأجنبية في:
× سمر روحي الفيصل (د)، “قضايا اللغة العربية”، (ص:75 وما بعد)، وزارة الثقافة، دمشق 2010م.
× سلمان قطاية (د)، “اللغة العربية والطب”، مجلة شؤون عربية، العدد 30، تونس، 1983م.

143 total views, 2 views today