محمود‭ ‬حيدر
مفكر‭ ‬وباحث‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬والإلهيات‭ – ‬رئيس‭ ‬مركز‭ ‬دلتا‭ ‬للأبحاث‭ ‬المعمّقة

مُهمَّة‭ ‬هذه‭ ‬الأملية‭ ‬مُعَايَنة‭ ‬التحوُّلات‭ ‬المعرفيَّة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬المعاصِرة‭ ‬لجِهَة‭ ‬عَوْدَة‭ ‬سؤال‭ ‬الدِّين‭ ‬ليتخذ‭ ‬مَسَاره‭ ‬المستأنَف‭ ‬فيما‭ ‬سُمِّي‭ ‬بزمن‭ ‬الحداثة‭ ‬الفائضة‭ (‬1‭). ‬وما‭ ‬من‭ ‬رَيْب‭ ‬في‭ ‬أنَّ‭ ‬مُعاينة‭ ‬كهذه‭ ‬ترتِّب‭ ‬مُتَاخمة‭ ‬نظريَّات‭ ‬العلمنة‭ ‬في‭ ‬صِلتها‭ ‬بالدين‭ ‬والآثار‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬سَحابة‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬أزمنة‭ ‬الحداثة؛‭ ‬فلقد‭ ‬ظَهَرت‭ ‬العلمنة‭ ‬كحاصل‭ ‬احتدام‭ ‬مَرِير‭ ‬مع‭ ‬المَسْألة‭ ‬الدينية‭. ‬وتبعاً‭ ‬لهذه‭ ‬الحال،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لينفسِح‭ ‬الضباب‭ ‬عن‭ ‬ماهية‭ ‬العلمانية،‭ ‬بمَنأى‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭. ‬بل‭ ‬ثمَّة‭ ‬من‭ ‬يمضي‭ ‬إلى‭ ‬مطارح‭ ‬أبعد‭ ‬ليبيِّن‭ ‬أنَّ‭ ‬العلمنة‭ ‬الغربية‭ ‬وُلِدت‭ ‬من‭ ‬الرحم‭ ‬الحار‭ ‬للديانتين‭ ‬اليهودية‭ ‬والمسيحية؛‭ ‬لهذا‭ ‬لم‭ ‬يستطَع‭ ‬نُظَّار‭ ‬العلمانية‭ ‬ومفكروها‭ ‬أن‭ ‬يُعربوا‭ ‬عن‭ ‬مُنجزهم‭ ‬المعرفي‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬بيِّن،‭ ‬إلا‭ ‬ضِمن‭ ‬حكاية‭ ‬كان‭ ‬للدين‭ ‬فيها‭ ‬مكانة‭ ‬محورية‭.‬

يَفْتَرِض‭ ‬بحثنا‭ ‬في‭ ‬سِياق‭ ‬اشتغاله‭ ‬الى‭ ‬إشكاليَّة‭ ‬رُجوع‭ ‬الدِّيني‭ ‬إلى‭ ‬محراب‭ ‬الغرب،‭ ‬أنَّ‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬ابتنتْ‭ ‬عليه‭ ‬الحداثة‭ ‬مُنجزاتها‭ ‬العُظمى‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬قادراً‭ -‬وبأدواته‭ ‬المعرفية‭ ‬المألوفة‭- ‬على‭ ‬مُواجهة‭ ‬عالم‭ ‬مُمتلئ‭ ‬بالخشية‭ ‬واللَّايقين‭. ‬كذلك‭ ‬ما‭ ‬عادتْ‭ ‬العلمنة‭ ‬التي‭ “‬قدَّست‭”‬‭ ‬مسالكها،‭ ‬ونعوتَها،‭ ‬وأسماءَها،‭ ‬بقادرة‭ ‬على‭ ‬مُوَاصلة‭ ‬مشرُوعها‭ ‬التاريخي‭ ‬إلا‭ ‬عَبر‭ ‬استئناف‭ ‬المناظرة‭ ‬مع‭ ‬النمو‭ ‬المتعاظم‭ ‬لسؤال‭ ‬الدين‭.‬

حَاصِل‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭ ‬المركبة‭ ‬نُشوء‭ ‬مَطارح‭ ‬تفكير‭ ‬مُستحدثة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بنقد‭ ‬الأنوار‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فِعل‭ ‬إيمانويل‭ ‬كانط،‭ ‬وإنَّما‭ ‬انصرفتْ‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬جذري‭ ‬عميق‭ ‬لمُجمل‭ ‬الموروث‭ ‬الميتافيزيقي‭ ‬الذي‭ ‬قامتْ‭ ‬عليه‭ ‬الحَدَاثة‭ ‬منذ‭ ‬أفلاطون‭ ‬وإلى‭ ‬يَوْمنا‭ ‬هذا‭. ‬حتى‭ ‬ليجُوز‭ ‬القول‭ ‬إنَّ‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬انعطف‭ ‬فيها‭ ‬العالم‭ ‬نحو‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬هي‭ ‬لَحظة‭ ‬توفَّرت‭ ‬على‭ ‬تُربة‭ ‬خَصبة‭ ‬لاستنبات‭ ‬مُرَاجعات‭ ‬جذريَّة‭ ‬مع‭ ‬حَداثات‭ ‬فاضتْ‭ ‬عن‭ ‬حاجتها،‭ ‬وجاوزتْ‭ ‬شريعتها‭ ‬الأولى‭.‬

الدِّيني‭ ‬كحُضور‭ ‬أصِيل‭ ‬في‭ ‬الحَدَاثة
مرَّ‭ ‬تاريخٌ‭ ‬كاملٌ‭ ‬استحلَّت‭ ‬فيه‭ ‬عبارةُ‭ “‬إزالة‭ ‬السحر‭ ‬عن‭ ‬العالم‭” (‬désenchantement‭) ‬عقلَ‭ ‬الحداثة‭ ‬الغربية‭ ‬برُمته‭. ‬كان‭ ‬الدين‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الحصر‭ ‬هو‭ ‬المقصود‭ ‬من‭ ‬العِبارة‭ ‬التي‭ ‬تحوَّلت‭ ‬مع‭ ‬تقادُم‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُشبه‭ ‬الأيقونة‭ ‬الأيديولوجية‭. ‬وخلال‭ ‬قرون‭ ‬متواترة‭ ‬من‭ ‬اختبارات‭ ‬الحداثة،‭ ‬لم‭ ‬يُفَارِق‭ ‬الدين‭ -‬بجناحيْه‭: ‬اللاهوتي‭ ‬المؤسسي،‭ ‬أو‭ ‬الإيماني‭ ‬الفردي‭- ‬التساؤل‭ ‬الذي‭ ‬يَسْري‭ ‬بخفر‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬التفكير‭. ‬وإذا‭ ‬كانتْ‭ ‬أيقونة‭ “‬إزالة‭ ‬السِّحر‭” ‬قد‭ ‬آلت‭ ‬إلى‭ ‬مخزن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الغربية،‭ ‬فإنَّ‭ ‬آثارها‭ ‬وتداعياتها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مُحَايثة‭ ‬للفضاء‭ ‬النخبوي‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬عبر‭ ‬استظهارات‭ ‬شتى‭. ‬تارة‭ ‬بالدَّعوة‭ ‬إلى‭ ‬الإصلاح‭ ‬الديني،‭ ‬وطوراً‭ ‬بفصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬وثالثة‭ ‬عبر‭ ‬التنظير‭ ‬إلى‭ ‬العلمنة‭ ‬الشاملة‭ ‬والتحديث‭ ‬وتوطين‭ ‬التقنية‭.‬

سِوَى‭ ‬أنَّ‭ ‬مُنقلباً‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬المفاهيم‭ ‬سيُقيم‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬العلمنة‭ ‬والدين‭ ‬على‭ ‬مَنشأ‭ ‬آخر؛‭ ‬فلم‭ ‬يكد‭ ‬القرن‭ ‬العشرون‭ ‬يطوي‭ ‬سجله‭ ‬المكتظَّ‭ ‬بالأفكار‭ ‬والأحداث‭ ‬والحروب‭ ‬الكبرى،‭ ‬حتى‭ ‬قَفَل‭ ‬الغرب‭ ‬عائداً‭ ‬إلى‭ ‬أسئلة‭ ‬بَدئية‭ ‬كان‭ ‬طَوَاها‭ ‬سِحر‭ ‬الحَداثة‭ ‬وضَجِيجها‭. ‬من‭ ‬أظهر‭ ‬تلك‭ ‬الأسئلة،‭ ‬ما‭ ‬عكسته‭ ‬مناخات‭ ‬الجدل‭ ‬المستحدَث‭ ‬فِيما‭ ‬أَسْمُوه‭ “‬رجوع‭ ‬الدينيّ‭” ‬ليتبوَّأ‭ ‬مكانته‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬التفكير‭ ‬الغربي‭. ‬وعلى‭ ‬غالب‭ ‬التقدير،‭ ‬فقد‭ ‬بدا‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الغرب‭ ‬المثقلة‭ ‬بعَلمانيتها‭ ‬الحادة،‭ ‬قضية‭ ‬معرفية‭ ‬وحضارية‭ ‬تَحْظَى‭ ‬بعناية‭ ‬وازِنَة‭. ‬لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬لم‭ ‬يُفَارق‭ ‬أرض‭ ‬الحداثة‭ ‬سَحابة‭ ‬القرون‭ ‬الخمسة‭ ‬من‭ ‬عُمْرِها‭ ‬المديد‭. ‬كذلك‭ ‬لم‭ ‬يُغَادر‭ ‬الدينيُّ‭ ‬هواجس‭ ‬الغرب‭ ‬وتعقُّلاته،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬حَداثته‭ ‬الأولى،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬أطواره‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬حداثية‭. ‬كأنما‭ ‬قدرٌ‭ ‬قضى‭ ‬أن‭ ‬يظلّ‭ ‬الدين‭ ‬باعثَ‭ ‬الحراك‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬والفكر‭ ‬والثقافة‭ ‬والاجتماع،‭ ‬حتى‭ ‬لقد‭ ‬بَدَا‭ ‬أشبه‭ ‬بمِرآة‭ ‬صقيلةٍ‭ ‬يَظهر‭ ‬على‭ ‬صفحتها‭ ‬الملساء‭ ‬حُسنُ‭ ‬الحداثة‭ ‬المزعوم‭. ‬فالدين‭ -‬على‭ ‬ما‭ ‬يُبَيِّن‭ ‬فلاسفة‭ ‬التنويرـ‭ ‬لم‭ ‬يكُف‭ ‬عن‭ ‬كَونه‭ ‬وظيفة‭ ‬أبدية‭ ‬للروح‭ ‬الإنساني‭. ‬لهذا؛‭ ‬راحوا‭ ‬يُنبِّهون‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬ألَّا‭ ‬تتنازل‭ ‬الفلسفة‭ ‬يوماً‭ ‬عن‭ ‬حقّها‭ ‬في‭ ‬بحث‭ ‬المشكلات‭ ‬الدينية‭ ‬الأساسية‭ ‬وحلِّها‭. ‬هكذا‭ ‬سيَرى‭ ‬فيلسوف‭ ‬الدين‭ ‬الروسي‭ ‬نيقولا‭ ‬برديائيف،‭ ‬ثم‭ ‬يمضي‭ ‬ليبيِّن‭ ‬أن‭ ‬لليقظات‭ ‬الفلسفية‭ ‬دائماً‭ ‬مصدراً‭ ‬دينيًّا‭ (‬2‭). ‬ولقد‭ ‬نال‭ ‬من‭ ‬كلامه‭ ‬هذا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬النعوت‭ ‬المذمومة‭ ‬مِمن‭ ‬جايَلَهم‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الماركسية‭ ‬وفلاسفتها‭. ‬لكنَّه‭ ‬رغم‭ ‬سَيْلِ‭ ‬الانتقادات‭ ‬التي‭ ‬انهمرتْ‭ ‬عليه،‭ ‬ظلَّ‭ ‬على‭ ‬قناعته‭ ‬بأن‭ ‬جهلاً‭ ‬مطبقاً‭ ‬ضرب‭ ‬العقل‭ ‬الأوروبي‭ ‬حيال‭ ‬الدين‭. ‬كان‭ ‬برديائيف‭ ‬يدعو‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬إلى‭ ‬التبصُّر‭ ‬بالإيمان‭ ‬الديني‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬حالة‭ ‬فوق‭ ‬تاريخية،‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬العقل‭ ‬العلماني‭ ‬أن‭ ‬يقاربها‭ ‬بيُسر‭. ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬سيمضي‭ ‬في‭ ‬مطارح‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬مُساجلاته‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬فقد‭ ‬أعرب‭ ‬عن‭ ‬اعتقاده‭ ‬بأن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭ ‬عموماً،‭ ‬والألمانية‭ ‬خصوصاً،‭ ‬هي‭ ‬أشد‭ ‬مسيحية‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬العصر‭ ‬الوسيط؛‭ ‬حيث‭ ‬نفذت‭ ‬المسيحية‭ -‬برأيه‭- ‬إلى‭ ‬ماهية‭ ‬الفكر‭ ‬نفسه‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬فجر‭ ‬عصور‭ ‬الحداثة‭.‬

لم‭ ‬تكُن‭ ‬التنظيرات‭ ‬التي‭ ‬استهدفتْ‭ ‬تظهير‭ ‬الدين‭ ‬كحاضر‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬سوى‭ ‬أحد‭ ‬تعبيرات‭ ‬المَلْحَمة‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬واجهتها‭ ‬الحداثة‭ ‬تِلْقَاء‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬الديني‭. ‬صحيح‭ ‬أنَّ‭ ‬العلمنة‭ ‬الحديثة‭ ‬لم‭ ‬تقدر‭ ‬على‭ ‬استئصال‭ ‬البُعد‭ ‬الروحاني‭ ‬للإنسان،‭ ‬لكنها‭ ‬تمكنت‭ -‬نظير‭ ‬ذلك‭- ‬من‭ ‬استنزاله‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مَرَاتب‭ ‬الاهتمام‭ ‬الأخلاقي‭. ‬وما‭ ‬ذاك‭ ‬إلا‭ ‬لشغفها‭ ‬بليبرالية‭ ‬المجتمع‭ ‬المفتوح،‭ ‬واستغراقها‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬الذات‭ ‬الفردية،‭ ‬وسعيها‭ ‬للاستقلال‭ ‬المفرط‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬معيارية‭ ‬أخلاقية‭ ‬تنظم‭ ‬الاجتماع‭ ‬البشري‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الرحمانية‭ ‬والعدل‭. ‬أما‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬أدَّت‭ ‬إليها‭ ‬أفعال‭ ‬العلمنة،‭ ‬فكانت‭ ‬فقدان‭ ‬العقل‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬تحكيم‭ ‬الجدالات‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬وعدم‭ ‬قبول‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬معياري‭ ‬خارج‭ ‬التحكيم‭ ‬الشخصي‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬التي‭ ‬يصفها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الكندي‭ ‬المعاصر‭ ‬تشارلز‭ ‬تايلور‭ (‬3‭) ‬بـ‭”‬أيديولوجية‭ ‬انشراح‭ ‬الذات‭” (‬épannouissement de soi‭) ‬شديدة‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬الحديثة‭. ‬وللبيان،‭ ‬فإنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬استمدَّت‭ ‬قوَّتها‭ ‬من‭ ‬عَصر‭ ‬الأنوار،‭ ‬وآمنت‭ ‬بمحورية‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الكون،‭ ‬سوف‭ ‬تتمدَّد‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬لتصير‭ ‬الفردانية‭ ‬معها‭ ‬عقيدة‭ ‬صمَّاء‭ ‬لحداثة‭ ‬فالتة‭ ‬من‭ ‬عقالها‭.‬

فالفردانية‭ (‬INDIVIDUALISME‭) ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الحداثة‭ ‬تعني‭ -‬كما‭ ‬هو‭ ‬شائع‭ ‬عنها‭- ‬إنكار‭ ‬أي‭ ‬مبدأ‭ ‬يعلو‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬الفردية‭ (‬individualite‭)‬؛‭ ‬لذا‭ ‬فلن‭ ‬يعود‭ ‬مُستغرباً‭ ‬ذاك‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬تختزل‭ ‬فيه‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬مجالاتها‭ ‬كلها،‭ ‬بالعناصر‭ ‬الإنسانية‭ ‬المحض‭. ‬ولأن‭ ‬الفردانية‭ ‬امتداد‭ ‬للمفاهيم‭ ‬السابقة‭ ‬عليها،‭ ‬فهي‭ ‬أيضاً‭ ‬تدل‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬على‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تدل‭ ‬عليه،‭ ‬كلمة‭ “‬إنسانوية‭” (‬humanism‭) ‬في‭ ‬عصر‭ ‬النهضة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬المفكر‭ ‬الفرنسي‭ ‬رينيه‭ ‬جينون‭ ‬بـ‭”‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬الدنيوية‭” ‬التي‭ ‬أسَّست‭ -‬برأيه‭- ‬للانحطاط‭ ‬الراهن‭ ‬للغرب‭. ‬يذهب‭ ‬غينون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإنسانوية‭ ‬والفردانية‭ ‬نزعتان‭ ‬شكَّلتا‭ ‬محرك‭ ‬التطور‭ ‬الحصري‭ ‬للإمكانيات‭ ‬السفلى‭ ‬للإنسانية،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬توسعهما‭ ‬تدخل‭ ‬أي‭ ‬عنصر‭ ‬فوق‭ ‬بشري؛‭ ‬لأنهما‭ ‬يتموضعان‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬النقيض‭ ‬لأي‭ ‬روحانية‭ ‬وأي‭ ‬عقلانية‭ ‬حقيقية‭. ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬مرتكزها‭ ‬الميتافيزيقي‭ ‬تنكر‭ ‬الحدس‭ ‬العقلي؛‭ ‬كون‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬ملكة‭ ‬فوق‭ ‬فردية‭ (‬supra-individuelle‭)‬،‭ ‬يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬إنكارها‭ ‬مرتبة‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬المجال‭ ‬الخاص‭ ‬بهذا‭ ‬الحدس،‭ ‬أي‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬بمعناها‭ ‬الحقيقي‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقصده‭ ‬الفلاسفة‭ ‬المُحدَثون‭ ‬بهذه‭ ‬التسمية‭ ‬نفسها‭ “‬للميتافيزيقا‭”‬،‭ ‬ليس‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬الحقيقية‭ ‬أي‭ ‬قاسم‭ ‬مشترك،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مجرد‭ ‬بناءات‭ ‬عقلية‭ ‬أو‭ ‬فرضيات‭ ‬خيالية،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬تصورات‭ ‬فردية‭ ‬محض،‭ ‬ويتعلق‭ ‬أغلبها،‭ ‬بكل‭ ‬بساطة،‭ ‬بالمجال‭ ‬الفيزيائي‭ ‬الطبيعي‭ ‬للحياة‭ ‬البشرية‭ (‬4‭).‬

لم‭ ‬تلبث‭ ‬العلمانية‭ -‬وهي‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭- ‬حتى‭ ‬تحوَّلت‭ ‬إلى‭ “‬لاهوت‭ ‬أرضي‭”‬،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأبين‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬تُلهِم‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والمؤسسات‭. ‬من‭ ‬أجل‭ ‬هذا،‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬مجتمعات‭ ‬الحداثة‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬ما‭ ‬يطمْئنها‭ ‬إلى‭ ‬علمنة‭ ‬تحوَّلت‭ ‬في‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬سُلطة‭ ‬لاهوتية‭ ‬قهرية‭ ‬تُصدِر‭ ‬أحكامها‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭. ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬آنتْ‭ ‬ثورة‭ ‬النقد‭ ‬تهافت‭ ‬يقينها،‭ ‬وآل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬لديها‭ ‬إلى‭ ‬حضرة‭ ‬الشك‭. ‬حتى‭ ‬قال‭ ‬الذين‭ ‬اكتووا‭ ‬برمضاء‭ ‬الخيبة‭: “‬علمانية‭ ‬التنوير‭ ‬ماتت،‭ ‬الماركسية‭ ‬ماتت،‭ ‬وكذلك‭ ‬حركة‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭. ‬أما‭ ‬المثقف‭ ‬فبات‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام،‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬أوشك‭ ‬على‭ ‬الموت‭”. ‬تبدو‭ ‬الصورة‭ ‬على‭ ‬أتمِّها‭ ‬حين‭ ‬تُنقد‭ ‬العلمنة‭ ‬من‭ ‬أهلها‭. ‬ولسوف‭ ‬نجد‭ ‬أنَّ‭ ‬فلاسفة‭ ‬التنوير‭ ‬المستحدث‭ ‬هم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬افتتح‭ ‬مغامرة‭ ‬النقد‭ ‬ونزع‭ ‬الغطاء‭ ‬عن‭ ‬مثالب‭ ‬الحداثة‭ ‬ومعاثرها‭.‬

فرويد‭ ‬سينبِّه‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬العقدة‭ ‬وهو‭ ‬يستطلع‭ ‬اللوحة‭ ‬السيكيولوجية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬للغرب‭ ‬إثر‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬ورأى‭ ‬أن‭ “‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬سقطنا‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬المستويات‭ (‬عبر‭ ‬قتل‭ ‬بعضنا‭ ‬البعض‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬لم‭ ‬نرتقِ‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نظن‭”. ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬تمدَّد‭ ‬الزمن‭ ‬ليظهر‭ ‬عالم‭ ‬جيوسياسي‭ ‬ثقافي‭ ‬جديد‭ ‬أمام‭ ‬الملأ‭. ‬تحت‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬بمقدور‭ ‬التسمية‭ ‬القديمة‭ ‬للغرب‭ ‬أن‭ ‬تلبي‭ ‬تعريفه‭ ‬البَدْئي‭ ‬عن‭ ‬نفسه،‭ ‬فقد‭ ‬ذوى‭ ‬التنوير‭ ‬تحت‭ ‬سطوة‭ ‬التمدد‭ ‬الكولونيالي‭.. ‬انتهى‭ ‬حادث‭ ‬الأنوار‭ ‬إلى‭ ‬حداثة‭ ‬مكتظة‭ ‬بالعيوب،‭ ‬غاب‭ ‬مع‭ ‬الحداثة‭ ‬الفائضة‭ ‬عن‭ ‬مرآة‭ ‬الفكر‭ ‬والقلب‭.‬

مارتن‭ ‬هايدغر‭ ‬سيَمْضِي‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يقدر‭ ‬عليه‭ ‬الأوَّلون‭ ‬من‭ ‬قبله‭. ‬عنده‭ ‬الحداثة‭ ‬لم‭ ‬تُفلح‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬ما‭ ‬يتجاوز‭ ‬ميتافيزيقا‭ ‬الإغريق،‭ ‬وأن‭ ‬اليونان‭ ‬مذ‭ ‬حدَّدوا‭ ‬الخطوط‭ ‬الأساسية‭ ‬لفهم‭ ‬الوجود،‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬خطوة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الفضاء‭ ‬الذي‭ ‬ولجوه‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭. ‬وعلى‭ ‬غالب‭ ‬الظن،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هايدغر‭ ‬لينحو‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬بلغ‭ ‬نقده‭ ‬للحداثة‭ ‬حدًّا‭ ‬بات‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬بما‭ ‬انتهى‭ ‬إليه‭ ‬مشروعها‭ ‬من‭ ‬صدوع‭ ‬لا‭ ‬ينفع‭ ‬معها‭ ‬نقدٌ‭ ‬ذاتي،‭ ‬أو‭ ‬تبريرٌ‭ ‬أيديولوجي‭. ‬سيذهب‭ ‬هايدغر‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬ليحكم‭ ‬على‭ ‬ميتافيزيقا‭ ‬الحداثة‭ ‬بعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬مباشر‭ ‬لحالة‭ ‬العالم‭ ‬الراهنة‭. ‬وهذا‭ ‬–برأيه‭- ‬لا‭ ‬يصدق‭ ‬على‭ ‬الفلسفة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المحاولات‭ ‬والتأملات‭ ‬الإنسانية؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬حدا‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬سنواته‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬القول‭: “‬إن‭ ‬الله‭ ‬وحده‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬بإمكانه‭ ‬إنقاذنا‭”. ‬ويضيف‭: “‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الإمكانية‭ ‬الأولى‭ ‬الباقية‭ ‬للخلاص‭ ‬هي‭ ‬التحضير‭ ‬للجهوزية؛‭ ‬أي‭ ‬التفكير‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ظهور‭ ‬الإله‭. ‬فنحن‭ ‬ببساطة‭ ‬لا‭ ‬نمُوت‭ ‬مِيتات‭ ‬بلا‭ ‬معنى،‭ ‬لكننا‭ ‬عندما‭ ‬ننحدر‭ ‬فإننا‭ ‬ننحدر‭ ‬بسبب‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬الإله‭” (‬5‭).‬

سَوْف‭ ‬ينطلق‭ ‬هايدغر‭ ‬ليتواجه‭ ‬مع‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬بداهة‭ ‬وحضوراً‭ ‬وبساطة،‭ ‬والأعمق‭ ‬غوراً‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬عينه‭: “‬لماذا‭ ‬كان‭ ‬وجود‭ ‬الموجودات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬العدم؟‭”.. ‬إنَّه‭ ‬سؤالُ‭ ‬الأسئلة‭ ‬كلها‭ ‬كما‭ ‬سمَّاه‭. ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬الفضاء‭ ‬اللاهوتي‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬الإيمان‭ ‬بالخلاص‭ ‬الإلهي‭.‬

من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك،‭ ‬دَعَا‭ ‬إلى‭ ‬التهيُّؤ‭ ‬لتحصيل‭ ‬النشاط‭ ‬العقلي‭ ‬الكافي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحويل‭ ‬السؤال‭ ‬كله‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬الارتكاز‭ ‬التي‭ ‬ابتدأ‭ ‬بها،‭ ‬وهي‭ ‬الـ‭”‬لماذا‭”. ‬تلك‭ ‬الكلمة‭ ‬الدهرية‭ ‬المسكونة‭ ‬بظمأٍ‭ ‬آدميٍّ‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭ ‬المتوازية‭ ‬خلف‭ ‬الانسحار‭ ‬بالحداثة‭ ‬وتقنياتها‭. ‬رَاهَن‭ ‬هايدغر‭ ‬على‭ ‬كلمة‭ “‬لماذا‭” ‬لتؤدِّي‭ ‬مُهمَّة‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬عليها‭ ‬أحدٌ‭ ‬سواها‭. ‬إذ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أداء‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬يتمُّ‭ ‬اكتشاف‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬المميز‭ ‬يمتلك‭ ‬أساسه‭ ‬فيما‭ ‬يُسمّى‭”‬النقلة‭ ‬المفاجئة‭”. ‬حين‭ ‬يتوغَّل‭ ‬المرء‭ ‬بعيداً‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الأحكام‭ ‬المسبقة‭ ‬لحياته؛‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬حقيقية‭ ‬أو‭ ‬متخيَّلة‭.‬

مَا‭ ‬كان‭ ‬هايدغر،‭ ‬وهو‭ ‬ينقد‭ ‬الميتافيزيقيا‭ ‬الحديثة‭ ‬وينعتها‭ ‬بـ‭”‬نسيان‭ ‬الوجود‭”‬،‭ ‬بغافلٍ‭ ‬عمَّا‭ ‬اقترفته‭ ‬العلمنة‭ ‬حِيَال‭ ‬البُعد‭ ‬المتعالي‭ ‬في‭ ‬الكائن‭ ‬الإنساني‭. ‬فإذا‭ ‬كانتْ‭ ‬مُهمَّة‭ ‬هايدغر‭ ‬الأولى‭ ‬مُجاوزة‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬بداعي‭ ‬انئخاذها‭ ‬بالموجود،‭ ‬وغفلتها‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأصلية‭ ‬لوجوده؛‭ ‬فمثل‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬حتى‭ ‬تتضاعف‭ ‬تحيُّراً،‭ ‬حين‭ ‬تعلم‭ ‬أنَّ‭ ‬تلك‭ “‬الغافلة‭ ‬عن‭ ‬أصلها‭”‬؛‭ ‬أي‭ ‬الحداثة‭ ‬المغمورة‭ ‬بعلمانيتها‭ ‬الصماء‭ ‬لمَّا‭ ‬تزل‭ ‬تحتل‭ ‬مساحة‭ ‬العالم‭ ‬وتقرر‭ ‬مصائر‭ ‬أهله‭. ‬ذاك‭ ‬أنَّ‭ ‬نقد‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬والدعوة‭ ‬لمجاوزتها‭ ‬نحو‭ ‬المتسامي،‭ ‬كان‭ ‬يتمُّ‭ ‬بصَوت‭ ‬خفيض‭ ‬أمام‭ ‬ضوضاء‭ ‬التقنية‭ ‬وسيطرتها‭ ‬المطلقة‭. ‬يُعلن‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬عبر‭ ‬استشعاره‭ ‬للخطر‭. ‬وهذا‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬سيطلق‭ ‬عليه‭ ‬هايدغر‭ ‬اسم‭ “‬الدازاين‭”‬،‭ ‬أو‭”‬الكائن‭ ‬الإنساني‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬سر‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬العالم‭”. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حَاول‭ ‬هايدغر‭ ‬التفكير‭ ‬فيه‭ ‬تفكيراً‭ ‬خاصُّا‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬سمَّاه‭ ‬الإيرأيغنيس‭ (‬Ereignis‭) ‬أو‭ “‬الانبثاق‭ ‬الكبير‭”.‬

في‭ “‬الكينونة‭ ‬والزمان‭”‬،‭ ‬أشار‭ ‬هايدغر‭ ‬إلى‭ ‬الغفلة‭ ‬التامة‭ ‬عن‭ ‬الوجود،‭ ‬ولاحظ‭ ‬أنَّ‭ ‬الإنسان‭ ‬يغفل‭ ‬عن‭ ‬وُجوده‭ ‬لأنَّه‭ ‬ينظُر‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬الموجود‭. ‬وللوصول‭ ‬إلى‭ ‬حقيقةِ‭ ‬الوجود،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الخُروج‭ ‬من‭ ‬الدَّائرة‭ ‬الموجودانية‭ ‬والتعالي‭ ‬عنها‭. ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التعالي‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الرَّهبة‭ ‬والحِيرة‭: ‬في‭ ‬الرهبة‭ ‬يخرج‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الغفلة‭ ‬عن‭ ‬وجوده،‭ ‬وفي‭ ‬الحيرة‭ ‬يبدأ‭ ‬التفكُّر‭. ‬وبيْن‭ ‬هاتين‭ ‬الحالتين‭ ‬تناظر‭ ‬وتشابه‭ ‬وامتداد،‭ ‬لكن‭ ‬الفارق‭ ‬بينهما‭ ‬أن‭ ‬العدم‭ ‬سبب‭ ‬الرهبة،‭ ‬والوجود‭ ‬أساس‭ ‬الحيرة‭. ‬وبناءً‭ ‬عليه،‭ ‬فالرهبة‭ ‬وحدها‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬ينعتق‭ ‬من‭ ‬إسار‭ ‬الموجودات،‭ ‬ومتى‭ ‬تكشَّف‭ ‬لنا‭ ‬فقر‭ ‬الموجودات‭ ‬استيقظنا‭ ‬من‭ ‬غمِّ‭ ‬العدميّة،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬نلبث‭ ‬حتى‭ ‬نقع‭ ‬مُجدداً‭ ‬في‭ ‬الحيرة،‭ ‬التي‭ ‬بفضلها‭ ‬وحدها؛‭ ‬وبعد‭ ‬انكشاف‭ ‬العدم،‭ ‬ينطلق‭ ‬لساننا‭ ‬بالسؤال‭ “‬لماذا‭” (‬6‭).‬

حتى‭ ‬لقد‭ ‬أوشك‭ ‬هايدغر،‭ ‬وهو‭ ‬يجوب‭ ‬ساحل‭ ‬الحضرة‭ ‬الحائرة،‭ ‬أن‭ ‬يتعرض‭ ‬للحادث‭ ‬العرفاني،‭ ‬بعدما‭ ‬أرهقته‭ ‬مشقة‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬حقيقة‭ ‬الكينونة‭. ‬لقد‭ ‬بدا‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬يستعد‭ ‬لسفر‭ ‬تعرُّفي‭ ‬لم‭ ‬يألفه‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬سفر‭ ‬هو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬هجرة‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬وغايتها‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬فكر‭ ‬يتعدى‭ ‬الفقر‭ ‬الموصول‭ ‬بالماهيات‭ ‬الفانية‭. ‬هو‭ -‬على‭ ‬الأصح‭- ‬فكرُ‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬أرسطو‭ ‬فكراً‭ ‬خاصًّا‭ ‬بالله‭. ‬فكر‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الأصل،‭ ‬إلى‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬محطُّ‭ ‬السؤال‭. ‬رُبما‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬حدَا‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬يعلن‭ ‬عام‭ ‬1973‭ ‬أنه‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬فكره‭ ‬بأنه‭ “‬فينومينولوجيا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭”. ‬أي‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬يحيل‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬الظهور،‭ ‬وإلى‭ ‬الإنوِهاب‭ ‬التي‭ ‬يتلقاها‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الحضرة‭ ‬الإلهية‭. ‬ولو‭ ‬أننا‭ ‬تأوَّلنا‭ ‬التعريف‭ ‬المنصرم،‭ ‬لتناهى‭ ‬إلينا‭ ‬صدى‭ ‬الحادث‭ ‬الانبثاقي‭ ‬الموعود‭ ‬الذي‭ ‬ينتظره‭ ‬هايدغر‭. ‬في‭ ‬مفهوم‭ “‬الإرأيغنيس‭” ‬الذي‭ ‬سيوظفه‭ ‬هايدغر‭ ‬في‭ ‬انتقالاته‭ ‬المفارقة؛‭ ‬ما‭ ‬يفصح‭ ‬عن‭ ‬دخوله‭ ‬في‭ ‬التحدِّي‭ ‬الأعظم‭: ‬السفر‭ ‬بسؤال‭ ‬حقيقة‭ ‬الوجود‭ ‬ومعه‭ ‬إلى‭ ‬آخره،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يرتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬هُجران‭ ‬ما‭ ‬اقترفته‭ ‬ميتافيزيقا‭ ‬الكثرة‭ ‬من‭ ‬نسيانٍ‭ ‬وغفلةٍ‭ ‬وحجب‭. ‬ربما‭ ‬توخَّى‭ ‬هايدغر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬المنحوت‭ ‬ببراعة‭ ‬أن‭ ‬يقارب‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الدفق‭ ‬الإلهي‭ ‬على‭ ‬الكائن،‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬انجذابه‭ ‬إلى‭ ‬الغيب‭. “‬الإرأيغنيس‭” -‬كما‭ ‬انتسجه‭ ‬هايدغر‭- ‬هو‭ ‬الحادث‭ ‬السرِّي‭ ‬الخاطف‭ ‬الذي‭ ‬تُقبِلُ‭ ‬فيه‭ ‬الكينونة‭ ‬بطهارتها‭ ‬وقدسيتها‭ ‬على‭ ‬الإنسان،‭ ‬ولا‭ ‬غاية‭ ‬لها‭ ‬سوى‭ ‬الإنفاق‭ ‬بلا‭ ‬حساب‭ (‬7‭).‬

ميشال‭ ‬فوكو‭ ‬سيمضِي‭ ‬في‭ ‬نقدياته‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭ ‬عمَّا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الحداثة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تشكل‭ ‬امتداداً‭ ‬لعصر‭ ‬الأنوار،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬أحدثت‭ ‬قطيعة‭ ‬أو‭ ‬انحرافاً‭ ‬عن‭ ‬المبادئ‭ ‬الأساسية‭ ‬للقرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭. ‬وبشيء‭ ‬من‭ ‬المرارة،‭ ‬والسخرية‭ ‬يضيف‭: “‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬إن‭ ‬كنَّا‭ ‬سنُصبح‭ ‬راشدين‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭.. ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬تجربتنا‭ ‬تؤكِّد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬حادث‭ “‬الأنوار‭” ‬لم‭ ‬يجعل‭ ‬منَّا‭ ‬راشدين،‭ ‬وأننا‭ ‬لم‭ ‬نصبح‭ ‬كذلك‭ ‬بعد‭” (‬8‭)… ‬وما‭ ‬من‭ ‬ريب‭ ‬أن‭ ‬منشأ‭ ‬كلام‭ ‬فوكو‭ ‬مردُّه‭ ‬إلى‭ ‬استشعارٍ‭ ‬عميق‭ ‬للمآل‭ ‬الذي‭ ‬بلغته‭ ‬مسارات‭ ‬الحداثة،‭ ‬وبما‭ ‬يُنبئ‭ ‬عن‭ ‬تهافتٍ‭ ‬أخلاقي‭ ‬بيِّنٍ‭ ‬لقيم‭ ‬التنوير‭ ‬ومبادئه‭ ‬الكبرى‭.‬

نقد‭ ‬الحداثة‭ ‬العلمانية‭ ‬الملحدة
في‭ ‬أحقاب‭ ‬مُتأخرة،‭ ‬تطوَّرت‭ ‬الموجة‭ ‬النقدية‭ ‬لتطال‭ ‬قيم‭ ‬الحداثة‭ ‬ومعارفها‭ ‬على‭ ‬الجملة‭. ‬من‭ ‬العلامات‭ ‬الفارقة‭ ‬التي‭ ‬ميَّزت‭ ‬حركة‭ ‬النقد،‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬أنَّ‭ ‬الثقافة‭ ‬العلمانية‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬تعرضت‭ ‬لهزّة‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ “‬بنية‭ ‬المشاعر‭”‬،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬تضاؤل‭ ‬الثقة‭ ‬بالعلمنة‭ ‬كنمط‭ ‬عيش،‭ ‬أو‭ ‬كمنظومة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬الإيجابي‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬الظاهرة‭ ‬الدينية‭. ‬لقد‭ ‬حدث‭ ‬ضربٌ‭ ‬من‭ ‬تحوّل‭ ‬درامي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬المزاج‭ ‬العام‭ ‬لدى‭ ‬إنسان‭ ‬الزمن‭ ‬العلماني،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬وأساساً‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬إيمانه‭ ‬ومناهج‭ ‬تفكيره،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أنماط‭ ‬نشاطه‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والاجتماع‭ ‬والسلوك‭ ‬الفردي‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي،‭ ‬فجرت‭ ‬وقائع‭ ‬النقد‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬شديد‭ ‬الوقع‭: ‬إدانة‭ ‬عارمة‭ ‬للعقل‭ ‬المجرد،‭ ‬وكرهٍ‭ ‬عميق‭ ‬لأي‭ ‬مشروع‭ ‬يستهدف‭ ‬تحرير‭ ‬الإنسان‭. ‬الماركسية‭ ‬والعلمانية‭ ‬الليبرالية‭ -‬اللتان‭ ‬حملتا‭ ‬مشاريع‭ ‬بديلة‭ ‬للرأسمالية‭ ‬التقليدية‭- ‬لم‭ ‬تنجُوَا‭ ‬من‭ ‬سوط‭ ‬النقد؛‭ ‬فقد‭ ‬انبرى‭ ‬كثيرون‭ ‬من‭ ‬صنّاع‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬إلى‭ ‬النظر‭ ‬إليهما‭ ‬بوصفهما‭ ‬فلسفتين‭ ‬رجعيتين‭ ‬فقدتا‭ ‬رونقهما‭ ‬وعفا‭ ‬عليهما‭ ‬الزمن‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬حكماً‭ ‬كهذا‭ ‬مردُّه‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬وَسَمت‭ ‬علمنة‭ ‬عصر‭ ‬التنوير،‭ ‬ولمَّا‭ ‬تنته‭ ‬تداعياتها‭ ‬وآثارها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحداثة‭ ‬الفائضة‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬صحيحاً‭ ‬أن‭ ‬العصر‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬قد‭ ‬أتاح‭ ‬للإنسان‭ ‬تحرير‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬تقاليد‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬إصرار‭ ‬علمانيِّيِه‭ ‬على‭ ‬إحلال‭ “‬الذات‭ ‬الفردية‭ ‬محل‭ ‬المتعالي‭” ‬سيقود‭ ‬إلى‭ ‬تناقض‭ ‬ذاتي؛‭ ‬حيث‭ ‬تُرك‭ ‬العقل‭ ‬مُجرداً‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬الإلهية،‭ ‬ليتحول‭ ‬من‭ ‬ثمة‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬للتصنيع‭ ‬وإدارة‭ ‬السوق،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬هدف‭ ‬روحي‭ ‬أو‭ ‬أخلاقي‭. ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬الأخص،‭ ‬لم‭ ‬يرَ‭ ‬جمع‭ ‬من‭ ‬فلاسفة‭ ‬ونقَّاد‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬علمانيةً‭ ‬بهذه‭ ‬الصفات،‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬لتكون‭ ‬قيمة‭ ‬أخلاقية‭ ‬متسامية؛‭ ‬ذاك‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬شكَّلت‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬من‭ ‬وجوهها‭ ‬إحدى‭ ‬قيم‭ ‬العدالة‭ ‬لجهة‭ ‬دعوتها‭ ‬لحرية‭ ‬الاعتقاد‭ ‬ورعاية‭ ‬التنوُّع‭.‬

ومع‭ ‬الظهورات‭ ‬الأولى‭ ‬للحداثة‭ ‬الفائضة‭ -‬ختام‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ومبتدأ‭ ‬القرن‭ ‬الحالي‭- ‬سيأخذ‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬الدين‭ ‬وحضوره‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭ ‬مُنفسحات‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭. ‬ولقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬البيِّن‭ ‬أن‭ ‬توضع‭ ‬نظريات‭ ‬العلمنة‭ ‬وتجاربها‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬النقد‭ ‬تلقاء‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬الدين‭. ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إليه‭ ‬المفكر‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬إسباني‭ ‬خوسيه‭ ‬كازانوفا،‭ ‬حين‭ ‬يفتتح‭ ‬كتابه‭ ‬المعروف‭ “‬الأديان‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الحديث‭”‬،‭ ‬بالتساؤل‭ ‬المثير‭ ‬عمَّا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬يؤمن‭ ‬بعد‭ ‬بأسطورة‭ ‬العلمنة؟‭!.. ‬كما‭ ‬يلفت‭ ‬كازانوفا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السجالات‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬علم‭ ‬اجتماع‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تساؤله‭ -‬سالف‭ ‬الذكر‭- ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬لمباشرة‭ ‬أي‭ ‬نقاش‭ ‬يجري‭ ‬حالياً‭ ‬حول‭ ‬نظرية‭ ‬العلمنة‭. ‬ولكن،‭ ‬رغم‭ ‬إصرار‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬يسميهم‭ ‬بـ‭”‬المؤمنين‭ ‬القدامى‭” ‬على‭ ‬أن‭ ‬نظرية‭ ‬العلمنة‭ ‬تتمتع‭ ‬حتى‭ ‬الساعة‭ ‬بقيمة‭ ‬تأويلية‭ ‬لدراسة‭ ‬السيرورات‭ ‬التاريخية‭ ‬الحديثة،‭ ‬فإن‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬اجتماع‭ ‬الدين‭ ‬لن‭ ‬يعيروا‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬آذاناً‭ ‬صاغية؛‭ ‬لأنهم‭ ‬تخلوا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬مثلما‭ ‬تبّنوه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ (‬9‭).‬

هكذا‭ ‬يعود‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬اليوم‭ ‬ليتجدد‭ ‬حول‭ ‬مآلات‭ ‬العلمنة،‭ ‬بما‭ ‬لها‭ ‬وما‭ ‬عليها‭. ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬انتهى‭ ‬إليها‭ ‬وكان‭ ‬مسبوقاً‭ ‬بها‭. ‬أي‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬فيها‭ ‬العلمانية‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الدينية‭.‬

كان‭ ‬نيتشه‭ -‬وهو‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬مسراه‭ ‬الانتقادي‭ ‬لحركة‭ ‬الحداثة‭- ‬يقول‭: “‬بالمعرفة‭ ‬الكاملة‭ ‬بالأصل‭ ‬يزداد‭ ‬الأصل‭ ‬تفاهة‭”. ‬ومُراده‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬أنَّ‭ ‬الأصل‭ ‬عندما‭ ‬يَصير‭ ‬معروفاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اختباراته‭ ‬العملية‭ ‬واعتلانه‭ ‬للملأ،‭ ‬يقل‭ ‬سحره،‭ ‬وتتلاشى‭ ‬جاذبيته‭. ‬رُبَّما‭ ‬لخصَّت‭ ‬هذه‭ ‬الحكمة‭ ‬النيتشوية‭ ‬حال‭ ‬العلمنة‭ ‬التي‭ ‬اختُبِرت‭ ‬فعُرِفَت،‭ ‬ثم‭ ‬انكشف‭ ‬سَترُها‭ ‬بعدما‭ ‬بلغت‭ ‬غاياتها‭ ‬وانتهت‭ ‬إلى‭ ‬العدم‭.‬

وامتداداً‭ ‬لتأويلية‭ ‬نيتشه‭ ‬النقدية،‭ ‬سوف‭ ‬تأتي‭ ‬سُلَالات‭ ‬الحداثة‭ ‬اللاحقة،‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬حَصْر‭ ‬له‭ ‬من‭ “‬نقود‭” ‬تُقيم‭ ‬الحدِّ‭ ‬على‭ ‬الأصل‭ ‬رغم‭ ‬انتسابها‭ ‬إليه‭. ‬فالمسيحية‭ -‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭- ‬التي‭ ‬أخرجت‭ ‬الحداثة‭ ‬من‭ ‬كُمُونها،‭ ‬وكانت‭ ‬إحدى‭ ‬أبرز‭ ‬ضحاياها‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬عينه،‭ ‬ستعود‭ ‬لتحاكم‭ ‬الحداثة‭ ‬البَعدية‭ ‬بأسئلتها‭ ‬البَدئية‭. ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنَّها‭ ‬تُسائلها‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬بمقدورها‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬دون‭ ‬العودة‭ ‬للإيمان‭ ‬المسيحي،‭ ‬والاغتذاء‭ ‬من‭ ‬آفاقه‭ ‬الأنطولوجية‭ ‬المتعالية‭.‬

ومما‭ ‬له‭ ‬دلالة،‭ ‬أنَّ‭ ‬الإيمان‭ ‬المسيحي‭ ‬لم‭ ‬يرَ‭ ‬العلمنة‭ ‬كخصم‭ ‬أنطولوجي‭ ‬ينبغي‭ ‬محاسبته‭ ‬عمَّا‭ ‬اقترفت‭ ‬يداه‭ ‬بحقِّ‭ ‬المؤسسة‭ ‬اللاهوتية،‭ ‬بل‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬استيعابها‭ ‬وإجراء‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الجوهرية‭ ‬تتلاءم‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬الحداثة‭.‬

ومن‭ ‬البيِّن،‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬جاءت‭ ‬به‭ ‬الموجة‭ ‬الإلحادية‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬محاجَّات،‭ ‬فإنما‭ ‬من‭ ‬تضخُّم‭ ‬الذات‭ ‬التي‭ ‬أسلمتْ‭ ‬نفسها‭ ‬لعَلْمنةٍ‭ ‬دارتْ‭ ‬جلُّ‭ ‬أسئلتها‭ ‬مدار‭ “‬الطبيعانية‭” ‬الصمَّاء‭. ‬ولسوف‭ ‬يجد‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التضخم‭ ‬حقله‭ ‬الخصيب‭ ‬عند‭ ‬منعطفات‭ ‬الانزياح‭ ‬التام‭ ‬إلى‭ ‬العقل‭ ‬الخالص‭ ‬والعلم‭ ‬المكتفي‭ ‬بذاته‭. ‬ها‭ ‬هنا‭ ‬سنشهد‭ ‬على‭ ‬الإلحاد‭ ‬كحادث‭ ‬تاريخي‭ ‬تمثّل‭ ‬بـ‭”‬العِلموية‭” ‬و‭”‬الهيمنة‭”‬،‭ ‬وهما‭ ‬الفرضيتان‭ ‬اللتان‭ ‬لاَزَمتا‭ ‬حركة‭ ‬الحداثة‭ ‬الغربية‭ ‬سحابة‭ ‬سبعة‭ ‬قرون‭ ‬متصلة،‭ ‬ولا‭ ‬تزالان‭ ‬تستحكمان‭ ‬بمقالتها‭ ‬الفلسفية‭ ‬ومسلكها‭ ‬الحضاري‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭:‬

‭- ‬فَرضَية‭ ‬العِلْموية‭: ‬ترى‭ ‬أنَّ‭ ‬العلم‭ ‬والتفكير‭ ‬العلمي‭ ‬قادران‭ ‬وحدهما‭ ‬أن‭ ‬يحدِّدا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتقبله‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬حقيقي‭. ‬فرضيةٌ‭ ‬تقرر‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬لقوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬والكيمياء‭ ‬والبيولوجيا،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬فرع‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬فروع‭ ‬العلم‭. ‬أما‭ ‬الروحانيات،‭ ‬وحتى‭ ‬الشعور‭ ‬بالجمال‭ ‬والحدس‭ ‬والعاطفة‭ ‬والأخلاقيات،‭ ‬فقد‭ ‬اختزلتها‭ ‬النظرة‭ ‬العقلانية‭ ‬في‭ ‬مجرد‭ ‬متغيرات‭ ‬في‭ ‬كيمياء‭ ‬الدماغ‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬الميكرو‭-‬بيولوجية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتطوُّر‭ ‬الإنسان‭. ‬نتصوُّر‭ ‬نبؤاته‭ ‬عن‭ ‬الانحداثارات‭ ‬المنتظرة‭ ‬التي‭ ‬ستصيب‭ ‬حداثة‭ ‬فقدت‭ ‬معناها‭ ‬ونزلت‭ ‬إلى‭ ‬العدم‭. ‬لذا؛‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يمضي‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬الناقصة‭ ‬إلى‭ ‬حدِّ‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬مَوْت‭ ‬الإله‭. ‬وما‭ ‬ذاك‭ ‬الإعلان‭ ‬الذي‭ ‬ستُوظفه‭ ‬العلمانية‭ ‬تضليلاً‭ ‬وبهتاناً‭ ‬لترسيخ‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬المتساهي‭ ‬في‭ ‬الشخصية‭ ‬الإنسانية‭. ‬كان‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنيتشه‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المتسامي‭ ‬نفسه؛‭ ‬أي‭ ‬عن‭ ‬البُعد‭ ‬الإلهي‭ ‬المغيَّب‭ ‬عن‭ ‬دنيا‭ ‬الحداثة‭.‬

‭- ‬فرضية‭ ‬الهيمنة‭ ‬والاستحواذ‭: ‬تقرِّر‭ ‬أنَّ‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬العلم‭ -‬حسب‭ ‬فرانسيس‭ ‬بيكون‭- ‬هو‭ ‬التحكُّم‭ ‬بالعالم‭ ‬الخارجي‭ ‬واستغلال‭ ‬الطبيعة،‭ ‬والسعي‭ ‬الحثيث‭ ‬لجلب‭ ‬المنافع‭ ‬أنَّى‭ ‬وُجِدَت‭.‬

كان‭ ‬التأثيرُ‭ ‬الباهر‭ ‬للثورة‭ ‬الكوبرنيكية‭ ‬جليًّا‭ ‬على‭ ‬مجاليْ‭ ‬العلم‭ ‬والفلسفة،‭ ‬إلا‭ ‬أنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬سينتهي‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬وجد‭ ‬فيه‭ ‬الغرب‭ ‬نفسه‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬يقطن‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬بارد‭ ‬لا‭ ‬هدف‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬غاية،‭ ‬وأن‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬فيه‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬ظاهرة‭ ‬عارضة‭ ‬للمادة،‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬مُصَادفة‭ ‬كونية،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬وجودٍ‭ ‬ينتظمه‭ ‬تقديرٌ‭ ‬إلهي‭. ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك،‭ ‬سيكشف‭ ‬مسار‭ ‬الحداثة‭ ‬الفائضة‭ ‬عن‭ ‬خراب‭ ‬مبين‭ ‬في‭ ‬اليقين‭ ‬الجمعي،‭ ‬سيُعرِّفُهُ‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الألماني‭ ‬دوركهايم‭ ‬بـ‭”‬هيكل‭ ‬الشرك‭ ‬الحديث‭”. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬ما‭ ‬تستجليه‭ ‬عقيدة‭ ‬الفرد‭ ‬وشخصانيته‭ ‬المطلقة‭. ‬فالشكل‭ ‬العبادي‭ ‬للشرك‭ ‬الحديث‭ -‬كما‭ ‬ألمحَ‭ ‬دوركهايم‭- ‬ليس‭ ‬الوثنية‭ ‬بل‭ ‬النرجسية‭ ‬البشرية،‭ ‬لمَّا‭ ‬بلغ‭ ‬تضخم‭ ‬الذات‭ ‬لديها‭ ‬منزلة‭ ‬الذروة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬العلمنة‭ ‬المطلقة؛‭ ‬حتى‭ ‬لقد‭ ‬أمست‭ ‬عِبادة‭ ‬الفرد‭ ‬آنذاك،‭ ‬دين‭ ‬الحداثة‭ ‬الفائضة‭ ‬وديدنها‭ (‬10‭).‬

الإنسان‭ ‬بوصفِه‭ ‬كائنًا‭ ‬دينيًّا
جَرَى‭ ‬التأسيس‭ ‬الفلسفي‭ ‬لحضارة‭ ‬الفرد‭ ‬مجرى‭ ‬الحداثة‭ ‬بأطوارها‭ ‬المتعاقبة‭. ‬ولنا‭ -‬على‭ ‬سبيل‭ ‬التمثيل‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭- ‬أن‭ ‬نتأمَّل‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬شهادات‭ ‬بعض‭ ‬النظّار‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬انصرفوا‭ ‬إلى‭ ‬دحض‭ ‬النظام‭ ‬الرسمي‭ ‬للكنيسة‭ ‬والتنظير‭ ‬لـ‭”‬لدين‭ ‬الفرد‭”: “‬إنَّ‭ ‬دين‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الهياكل‭ ‬والمذابح‭ ‬والطقوس‭” (‬روسو‭)‬،‭ “‬أنا‭ ‬بحد‭ ‬ذاتي‭ ‬فرقة‭ ‬دينية‭” (‬توماس‭ ‬جيفرسون‭)‬،‭ “‬فكري‭ ‬هو‭ ‬كنيستي‭” (‬توماس‭ ‬باين‭)‬؛‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الشهادات‭ ‬شكلت‭ ‬تعبيرات‭ ‬مقتضبة‭ ‬عمَّا‭ ‬اصطلح‭ ‬على‭ ‬تسميته‭ ‬بـ‭”‬التديُّن‭ ‬الفردي‭”. ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬إلى‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬أنحاء،‭ ‬ستظهر‭ ‬معالم‭ ‬الأطروحة‭ ‬الإلحادية‭ ‬في‭ ‬تفكير‭ ‬الغرب‭ ‬الحديث‭. ‬ومؤداها‭ ‬على‭ ‬الإجمال‭ ‬نسيان‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬حَجْب‭ ‬كلِّ‭ ‬ما‭ ‬يتوارى‭ ‬خلف‭ ‬فيزياء‭ ‬الحواس‭ ‬الخمس‭. ‬فالذي‭ ‬أنتجته‭ “‬الحداثة‭ ‬العِلْمَوية‭”‬،‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬المختلفة‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬ضَاعَف‭ ‬من‭ ‬تشيوُّء‭ ‬الكائن‭ ‬الإنساني،‭ ‬وحَكَم‭ ‬ببطلان‭ ‬بُعده‭ ‬الروحاني‭ ‬وأُفقِهِ‭ ‬الغيبي‭.‬

لقد‭ ‬ظَهَر‭ ‬في‭ ‬اختبارات‭ ‬الحداثة‭ ‬وامتداداتها‭ ‬المعاصرة‭ ‬أن‭ ‬ليس‭ ‬للمقدس‭ ‬لدى‭ “‬العِلْموية‭” ‬بصيغتها‭ ‬الإلحادية‭ ‬من‭ ‬محل‭. ‬وهنا‭ -‬على‭ ‬وجه‭ ‬الضبط‭-‬‭ ‬تكمُن‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬خاصِّيات‭ ‬التهافت‭ ‬في‭ ‬الفكرة‭ ‬الإلحادية‭. ‬نعنِي‭ ‬بذلك‭ ‬نظرها‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬كشيء‭ ‬زائل‭ ‬ككل‭ ‬الموجودات‭ ‬الزائلة؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬المتعالي‭ ‬الإلهي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها‭ ‬غير‭ ‬وَهْم‭ ‬محض‭.‬

كان‭ ‬عَالِم‭ ‬الإنتروبولوجيا‭ ‬ومُؤرِّخ‭ ‬الأديان‭ ‬ميرسيا‭ ‬إلياد،‭ ‬ينفي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المقدَّس‭ ‬مجرد‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬الوعي‭ ‬البشري،‭ ‬بل‭ ‬يعتبره‭ ‬عنصراً‭ ‬مكوِّناً‭ ‬لبنية‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭. ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬فإنه‭ ‬يعتبر‭ ‬وجود‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬حصيلة‭ ‬جدلية‭ ‬لتجليِّ‭ ‬المقدس‭ ‬وظهوره‭. ‬وكان‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬أقدم‭ ‬صورة‭ ‬لعلاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بعالمه‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬المشبَّعة‭ ‬بالمقدس‭ ‬الذي‭ ‬يفيض‭ ‬بمعانيه‭ ‬على‭ ‬كينونة‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتكون‭ ‬ممارسته‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬عملاً‭ ‬دينيًّا‭ (‬11‭).‬

إنَّ‭ ‬هذا‭ ‬التأصيل‭ ‬الجوهري‭ ‬لمكانة‭ ‬المقدس‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية،‭ ‬يفضي‭ ‬لحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ -‬بوصفه‭ ‬إنساناً‭- ‬هو‭ ‬كائن‭ ‬ديني‭. ‬والتنظير‭ ‬الفلسفي‭ ‬منذ‭ ‬بداياته‭ ‬الأولى‭ ‬كان‭ ‬ممتلئاً‭ ‬بسيلٍ‭ ‬وافر‭ ‬من‭ ‬الدلالات‭ ‬والرموز‭ ‬والمعاني‭ ‬ذات‭ ‬المغزى‭ ‬الديني‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬العيش‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ذي‭ ‬معنى؛‭ ‬فالإنسان‭ ‬المتدِّين‭ -‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭- ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬توقاً‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬محاريب‭ ‬القدسي،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة‭ ‬نحوها‭ ‬بلا‭ ‬كلل‭. ‬وما‭ ‬ذاك‭ ‬إلا‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المتسامي‭ ‬الذي‭ ‬يستمد‭ ‬جاذبيته‭ ‬من‭ ‬الغيب،‭ ‬هو‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمتديِّن‭ ‬عالمه‭ ‬الواقعي‭ ‬والحقيقي‭. ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يمنحه‭ ‬الأمل‭ ‬بالآتي،‭ ‬وبالسعادة‭ ‬التي‭ ‬ينتظرها‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تأتِه‭ ‬بعد‭. ‬ولأنَّ‭ ‬المتديِّن‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬إلَّا‭ ‬في‭ ‬محل‭ ‬ممتلئ‭ ‬بجلال‭ ‬المقدس‭ ‬وجماله،‭ ‬فمن‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يفتتح‭ ‬بهذه‭ ‬الإقامة‭ “‬البرزخية‭” ‬سبيلاً‭ ‬إلى‭ ‬السكن‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الألوهية‭ ‬الفائض‭ ‬باللطف‭ ‬والأمن‭ ‬ولذة‭ ‬القرب‭. ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬يرجو‭ ‬الخاتمة‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬الأعلى‭ ‬طُهراً‭ ‬وتقدسُّاً،‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬كائناً‭ ‬طهرانيًّا‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الله‭ ‬وحضرته‭ ‬المقدسة‭ (‬12‭).‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬الادعاء‭ ‬الأكثر‭ ‬رواجاً‭ ‬في‭ ‬الاحتجاج‭ ‬الإلحادي،‭ ‬كامناً‭ ‬في‭ ‬شُبهة‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬والعقل‭. ‬وهذا‭ ‬عَيْن‭ ‬ما‭ ‬صوَّبت‭ ‬عليه‭ ‬العلمنة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أزمنة‭ ‬الحداثة‭ ‬بُغية‭ ‬إقصاء‭ ‬الدين،‭ ‬وإحلال‭ ‬التصوُّر‭ ‬العِلْمويِّ‭ ‬المحض‭ ‬كمعيار‭ ‬نهائي‭ ‬لفهم‭ ‬الكون‭: ‬إنساناً،‭ ‬وطبيعة‭.‬

تلقاء‭ ‬هذه‭ ‬الشبهة،‭ ‬يُطرح‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬تُستعمل‭ ‬فيه‭ ‬كلمة‭ “‬عقل‭” ‬حين‭ ‬تُواجَه‭ ‬بالإيمان؟‭ ‬هل‭ ‬المقصود‭ ‬بها‭ -‬كما‭ ‬هي‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬اليوم‭- ‬أن‭ ‬تُقال‭ ‬بمعنَى‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي،‭ ‬والصرامة‭ ‬المنطقية،‭ ‬والحساب‭ ‬التقني،‭ ‬أم‭ ‬أنَّها‭ ‬تُستعَمل‭ -‬كما‭ ‬كانت‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭ ‬البشرية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭- ‬بمعنى‭ ‬منبع‭ ‬المعنى،‭ ‬والبنية،‭ ‬والمعايير‭ ‬والمبادئ؟

جاءتْ‭ ‬أطروحة‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والإيمان‭ ‬الديني‭ ‬كتمثيل‭ ‬بيِّن‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬التنوير‭ ‬الذي‭ ‬افتتحته‭ ‬الحداثة‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬عمرها‭. ‬وسيأتي‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬الغرب‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬يُساجل‭ ‬أهل‭ ‬الأطروحة‭ ‬ليُبيِّن‭ ‬أن‭ ‬الإيمان‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬نقيضاً‭ ‬للعقل‭ ‬لكان‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬نزع‭ ‬الصفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭. ‬فالإيمان‭ ‬الذي‭ ‬يدمِّر‭ ‬العقل‭ ‬يدمِّر‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬نفسه،‭ ‬ويدمِّر‭ ‬إنسانية‭ ‬الإنسان‭. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬سوى‭ ‬كائن‭ ‬يمتلك‭ ‬بنية‭ ‬العقل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لديه‭ ‬هم‭ ‬أقصى‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شغوفاً‭ ‬بالله‭ ‬والإنسان‭ ‬في‭ ‬آن؛‭ ‬وذلك‭ ‬إلى‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬يؤول‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬الشغف‭ ‬إلى‭ ‬تخطِّي‭ ‬الثنائية‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬تَصْنَع‭ ‬القطيعة‭ ‬بين‭ ‬طرفيها‭. ‬وحدُه‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬ملكة‭ “‬العقل‭ ‬الخلاَّق‭” -‬أي‭ ‬العقل‭ ‬الجامع‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬بالله‭ ‬والإيمان‭ ‬بالإنسانية‭- ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يفلح‭ ‬بفتح‭ ‬منفذٍ‭ ‬فسيح‭ ‬يصل‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬الفيزيائي‭ ‬للإنسان‭ ‬وحضـور‭ ‬المقـدس‭ ‬في‭ ‬حياته‭. ‬وما‭ ‬نعنيه‭ ‬بالعقل‭ ‬الخلاَّق‭ ‬هو‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬يُشكِّل‭ ‬البنية‭ ‬المعنوية‭ ‬للذهن‭ ‬والواقع،‭ ‬لا‭ ‬العقل‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬تقنية‭ ‬بحتة‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬يصير‭ ‬العقل‭ ‬شرطاً‭ ‬تأسيسياً‭ ‬للإيمان‭: ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬الإيمان‭ ‬هو‭ ‬الفعل‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬به‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬نشوته‭ ‬الانجذابية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬ذاته؛‭ ‬أي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬أنانيته‭ ‬التي‭ ‬يتجاوزها‭ ‬بالإيثار‭ ‬والعطاء‭ ‬والجود‭ ‬والغيرية‭. ‬بتوضيح‭ ‬آخر‭: ‬عقل‭ ‬الإنسان‭ ‬مُتناهٍ‭ ‬ومحدود،‭ ‬ويتحرك‭ ‬داخل‭ ‬علاقات‭ ‬متناهية‭ ‬ومحددة‭ ‬حين‭ ‬يهتم‭ ‬بالعالم‭ ‬وبالإنسان‭ ‬نفسه‭. ‬ولجميع‭ ‬الفعاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬يتلقى‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬عالمه‭ ‬هذه‭ ‬الخاصية‭ ‬في‭ ‬التناهي‭ ‬والمحدودية‭. ‬لكن‭ ‬العقل‭ ‬ليس‭ ‬مقيداً‭ ‬بتناهيه،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬يعيه،‭ ‬وبهذا‭ ‬الوعي‭ ‬يرتفع‭ ‬فوقه،‭ ‬وعندها‭ ‬يجرب‭ ‬الإنسان‭ ‬انتماءً‭ ‬إلى‭ ‬اللاَّمتناهي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬جزءاً‭ ‬منه‭ ‬ولا‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬متناوله،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الاستحواذ‭ ‬عليه‭. ‬وحين‭ ‬يستحوذ‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬يصير‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬همًّا‭ ‬لا‭ ‬متناهياً‭ ‬أي‭ ‬مُقدَّساً‭ ‬ونبيلاً‭. ‬وحين‭ ‬يكون‭ ‬العقل‭ ‬بهذه‭ ‬الصيرورة‭ ‬مسلّمة‭ ‬للإيمان،‭ ‬يكون‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬تحققاً‭ ‬للعقل‭. ‬ومقام‭ ‬الإيمان‭ ‬بوصفه‭ ‬حالة‭ ‬هم‭ ‬أقصى،‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬مقام‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬نشوته‭ ‬الانجذابية‭. ‬والنتيجة‭ ‬أنْ‭ ‬لا‭ ‬تناقض‭ ‬بين‭ ‬طبيعة‭ ‬الإيمان‭ ‬وطبيعة‭ ‬العقل،‭ ‬بل‭ ‬يقع‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الآخر‭ (‬13‭).‬

رُجوع‭ ‬الدِّيني‭ ‬تراجُع‭ ‬العَلْمَاني
هل‭ ‬يَعْنِي‭ ‬عَودة‭ ‬القضية‭ ‬الدينية‭ ‬إلى‭ ‬المجتمعات‭ ‬العالمية،‭ ‬والمجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬غياب‭ ‬العلمانية‭ ‬أو‭ ‬انكفاءها‭ ‬عن‭ ‬حضورها‭ ‬التاريخي؟‭ ‬الجواب‭ ‬الابتدائي‭ -‬كما‭ ‬تشير‭ ‬إليه‭ ‬صُورة‭ ‬النقاش‭ ‬بين‭ ‬النُّخب‭ ‬الغربية‭ ‬نفسها‭- ‬لا‭ ‬تقر‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة؛‭ ‬لذا‭ ‬ستأخذ‭ ‬حلقات‭ ‬التفكير‭ ‬مساراً‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬قانون‭ ‬النفي‭ ‬والإثبات،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬سعي‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬وسطى‭ ‬تؤسس‭ ‬لتسوية‭ ‬المشكلة‭.‬

لا‭ ‬رَيْب‭ ‬أن‭ “‬رجوع‭ ‬الديني‭”‬،‭ ‬هو‭ ‬عنوان‭ ‬إشكالي‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬آثاره‭ ‬البيِّنة‭ ‬على‭ ‬المفاهيم‭ ‬والأفكار‭ ‬والقيم‭ ‬التي‭ ‬تجتاح‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬اليوم‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الآثار‭: ‬ما‭ ‬ينبري‭ ‬إلى‭ ‬تداوله‭ ‬جمعٌ‭ ‬من‭ ‬فلاسفة‭ ‬ومفكري‭ ‬الغرب‭ ‬سعياً‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬منظور‭ ‬معرفي‭ ‬يُنهي‭ ‬الاختصام‭ ‬المديد‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والعلمنة‭. ‬والذي‭ ‬تسالَمَ‭ ‬عليه‭ ‬الجمعُ‭ ‬فيما‭ ‬عُرف‭ ‬بنظرية‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭”‬،‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬النوافذ‭ ‬المقترحة‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭.‬‭ ‬وما‭ ‬يُعزز‭ ‬آمال‭ ‬القائلين‭ ‬بهذه‭ ‬النظرية‭ ‬أن‭ ‬أوروبا‭ ‬الغنية‭ ‬بالميراثين‭ ‬العلماني‭ ‬والديني،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إبداع‭ ‬صيغة‭ ‬تناظر‭ ‬تجمع‭ ‬الميراثين‭ ‬معاً‭ ‬بعد‭ ‬فِرقة‭ ‬طال‭ ‬أمدها‭. ‬ربما‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬لأجله‭ ‬ذهب‭ ‬بعض‭ ‬منظِّري‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭” -‬ومنهم‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬يورغن‭ ‬هابرماس‭- ‬إلى‭ ‬وجوب‭ ‬تخصيص‭ ‬إطار‭ ‬مرجعي‭ ‬يحضن‭ ‬أهل‭ ‬الديانات‭ ‬وأتباع‭ ‬العلمنة؛‭ ‬سواء‭ ‬بسواء،‭ ‬بُغية‭ ‬العيش‭ ‬المتناغم‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬تعددية‭.‬

شَغَف‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬صيرورة‭ ‬الاحتدام‭ ‬الديني‭ ‬العلماني‭ ‬ومآلاته،‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬المفرق،‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬منحى‭ ‬آخر‭ ‬تترجمه‭ ‬المحاورات‭ ‬الهادئة‭ ‬بين‭ ‬اللاَّهوت‭ ‬والفلسفة‭. ‬واللقاء‭ ‬المثير‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬قبل‭ ‬بضعة‭ ‬أعوام‭ ‬البابا‭ ‬بينيدكتوس‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬الفيلسوف‭ ‬هابرماس‭ (‬14‭)‬،‭ ‬شكَّل‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬منعطفات‭ ‬التحاور‭ ‬الخلاّق‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬الديني‭ ‬والعلمنة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬اللقاء‭ ‬لم‭ ‬يسفر‭ ‬يومئذٍ‭ ‬عمَّا‭ ‬يُمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬ميثاقاً‭ ‬أوليًّا‭ ‬للمصالحة‭ ‬بين‭ ‬التفكير‭ ‬اللاهوتي‭ ‬والتفكير‭ ‬العلماني،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أطلق‭ ‬جدلاً‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬مستقر‭ ‬في‭ ‬الأمد‭ ‬المنظور‭.‬

اللقاء‭ ‬الفريد‭ ‬بين‭ ‬الرجلين،‭ ‬أَظْهَر‭ ‬المسلَّمات‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬الأخذ‭ ‬بها‭ ‬لتحصين‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬بلغت‭ ‬فيه‭ ‬اختبارات‭ ‬الحداثة‭ ‬حدَّ‭ ‬التهافت‭. ‬وجد‭ ‬هابرماس‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬العملي‭ ‬لـ‭”‬الفكر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الميتافيزيقي‭ ‬العلماني‭” ‬نافذة‭ ‬نجاة،‭ ‬بينما‭ ‬وجده‭ ‬البابا‭ ‬بنيديكتوس‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬كمخلوق‭ ‬إلهي‭. ‬يومها‭ ‬اعترف‭ ‬هابرماس‭ ‬باستعداد‭ ‬الفلسفة‭ ‬التعلُّم‭ ‬من‭ ‬الدين‭. ‬كان‭ ‬لسان‭ ‬حاله‭ ‬يقول‭: ‬ما‭ ‬دام‭ ‬العقل‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الوحي‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬علماني،‭ ‬فليهتم‭ ‬الفيلسوف‭ ‬بالإيمان‭ ‬عوضًا‭ ‬عن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬معه‭. ‬ثم‭ ‬أصرَّ‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬تولِي‭ ‬الدولة‭ ‬المشرِّعة‭ ‬للقوانين‭ ‬كل‭ ‬الثقافات‭ ‬والتمثُّلات‭ ‬الدينية‭ ‬عنايتها،‭ ‬وأن‭ ‬تعترفَ‭ ‬لها‭ ‬بفضاء‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬بالوعي‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانيّ‭” ‬للمجتمع‭. ‬أما‭ ‬إجمالي‭ ‬ما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬البابا،‭ ‬فهو‭ ‬دعوته‭ ‬إلى‭ ‬تحصين‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬عبر‭ ‬خمس‭ ‬ركائز‭: ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬العقل‭ ‬والإيمان،‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الإنسان،‭ ‬فكرة‭ ‬الحق‭ ‬الطبيعي‭ ‬كحق‭ ‬عقلي،‭ ‬التعدُّد‭ ‬الثقافي‭ ‬كفضاء‭ ‬لارتباط‭ ‬العقل‭ ‬والإيمان،‭ ‬العقل‭ ‬والإيمان‭ ‬مدعوان‭ ‬لتنظيف‭ ‬وإشفاء‭ ‬بعضهما‭ ‬البعض‭ (‬15‭).‬

لو‭ ‬كان‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬عبرةٍ‭ ‬تُستخلَصُ‭ ‬مما‭ ‬دار‭ ‬بين‭ ‬اللاهوتي‭ ‬والفيلسوف،‭ ‬لقلنا‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬هو‭ ‬أشبه‭ ‬بإجراء‭ ‬ينبئ‭ ‬عن‭ ‬انصرام‭ ‬تاريخ‭ ‬غربي‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬المزمن‭ ‬حول‭ “‬بِدعة‭” ‬الاختصام‭ ‬بين‭ ‬الوحي‭ ‬والعقل‭. ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬افترضنَا‭ -‬بِناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬مرَّ‭- ‬أنْ‭ ‬تكون‭ ‬صنيعة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭ ‬هي‭ ‬منطقة‭ ‬التوسط‭ ‬الفضلى‭ ‬بين‭ ‬نقيضين،‭ ‬شكلا‭ ‬محور‭ ‬اهتمام‭ ‬مثل‭ ‬سواهما‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬استحدثتها‭ ‬الحداثة،‭ ‬يجري‭ ‬القول‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭” ‬مجرى‭ ‬البدايات‭ ‬والنهايات‭. ‬أي‭ ‬على‭ ‬بَدءٍ‭ ‬جديد‭ ‬يلي‭ ‬انتهاءات‭ ‬مضت‭. ‬والأحاديث‭ ‬عن‭ ‬موت‭ ‬المفاهيم‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الغرب‭ ‬عمرُها‭ ‬عمرُ‭ ‬الحداثة‭.‬‭ ‬أحاديث‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬سَيلُها‭ ‬منذ‭ ‬أول‭ ‬نقدٍ‭ “‬لتنويرٍ‭” ‬مالت‭ ‬شمسُه‭ ‬إلى‭ ‬المغيب‭ ‬مع‭ ‬المنعطف‭ ‬الميتافيزيقي‭ ‬الذي‭ ‬قاده‭ ‬كانط،‭ ‬وهو‭ ‬يُعَاين‭ ‬معاثر‭ ‬العقل‭ ‬المحض‭ ‬وعيوبه‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شغف‭ ‬العقل‭ ‬الحداثي‭ ‬بختم‭ ‬المفاهيم‭ ‬والإعلان‭ ‬عن‭ ‬نهايتها،‭ ‬إلا‭ ‬رغبة‭ ‬ببدءٍ‭ ‬جديد‭. ‬فالتاريخ‭ ‬ليس‭ ‬حركة‭ ‬انتقال‭ ‬من‭ ‬الخواء‭ ‬إلى‭ ‬الملأ،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬امتدادٌ‭ ‬جوهريٌّ‭ ‬بين‭ ‬الما‭ ‬قبل‭ ‬والما‭ ‬بعد‭. ‬فكل‭ ‬مقالة‭ ‬عن‭ ‬نهاية‭ ‬أمرٍ‭ ‬ما،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬ضربٌ‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬مضمر‭ ‬عن‭ ‬بَدءٍ‭ ‬لأمر‭ ‬تالٍ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحكم‭ ‬عليه‭ ‬بالبطلان‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شَبَهٌ‭ ‬بنسبة‭ ‬ما‭ ‬مع‭ ‬تنظير‭ ‬هايدغر‭ ‬حول‭ ‬نهاية‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬ليُظهر‭ ‬أن‭ ‬إنهاءها‭ ‬هو‭ ‬التملُّك‭ ‬الفعلي‭ ‬لها،‭ ‬وليس‭ ‬نبذها‭ ‬أو‭ ‬الإطاحة‭ ‬بها‭. ‬فالانسحاب‭ ‬والتواري‭ ‬داخل‭ ‬السلالة‭ ‬الواحدة،‭ ‬لا‭ ‬يدلُّ‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬فعليْن‭ ‬متناقضيْن‭ ‬يُريد‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهم‭ ‬نفي‭ ‬نظيره‭ (‬16‭).‬

لذا؛‭ ‬فإن‭ ‬المسرَى‭ ‬الامتدادي‭ ‬بين‭ ‬الما‭ ‬قبل‭ ‬والما‭ ‬بعد‭ ‬لا‭ ‬ينشط‭ ‬على‭ ‬سياق‭ ‬آليٍّ،‭ ‬كأنْ‭ ‬يتحرك‭ ‬من‭ ‬النقطة‭ ‬ألف‭ ‬إلى‭ ‬النقطة‭ ‬ياء‭ ‬دون‭ ‬أخذ‭ ‬وعطاء؛‭ ‬فذلك‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬المسرى‭ ‬الذي‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬صدده،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬فاعلية‭ ‬متضمَّنة‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ‭ ‬التي‭ ‬تتأبَّى‭ ‬على‭ ‬الانقطاع‭ ‬والفراغ‭.‬

الأمرُ‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمفاهيم‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬النشأة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬الفهم؛‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬أدواتٌ‭ ‬معيارية‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬الأحداث؛‭ ‬فالحدث‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يُنشئ‭ ‬للمفهوم‭ ‬محرابه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الفكر،‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬الفكر‭ ‬ليؤلفه‭ ‬على‭ ‬نشأة‭ ‬أخرى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أضحى‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحدث‭. ‬ربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬راح‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬فرانز‭ ‬فون‭ ‬بادر‭ (‬1756-1841‭) ‬يركز‭ ‬على‭ ‬الوقائع‭ ‬الحيَّة،‭ ‬ويطمِئن‭ ‬معاصريه‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يقولون‭ ‬بضرورة‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭ ‬الجاهز،‭ “‬أن‭ ‬المصطلحات‭ ‬والتعاريف‭ ‬لا‭ ‬تتخذ‭ ‬مسارها‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬مستقيم،‭ ‬بل‭ ‬تشكل‭ ‬دائرة‭ ‬تروح‭ ‬فيها‭ ‬المفاهيم‭ ‬وتجيء‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬التكرار‭ ‬والتفاعل‭ ‬والتجدُّد‭. ‬فليس‭ ‬المهم‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬يبدأ‭ ‬المرء،‭ ‬إنما‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬توصلنا‭ ‬تلك‭ ‬المفاهيم‭ ‬إلى‭ ‬المركز‭”.. ‬إلى‭ ‬الغاية‭ (‬16‭). ‬مِثْلَما‭ ‬وُلدت‭ ‬الحداثة‭ ‬الفائضة‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬المراجعات‭ ‬التي‭ ‬عصفت‭ ‬بالحداثة‭ ‬الأولى‭ ‬وما‭ ‬بعدها،‭ ‬كذلك‭ ‬وُلدت‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭” ‬كمجاوزة‭ ‬لما‭ ‬اقترفته‭ ‬العلمنة‭ ‬من‭ ‬معايب،‭ ‬ظهرت‭ ‬قرائِنُها‭ ‬صورةً‭ ‬إثر‭ ‬صورةٍ،‭ ‬وحدثاً‭ ‬إثر‭ ‬حدث‭.‬

ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭ ‬كتوسُّط‭ ‬بين‭ ‬ضِدَّين
قد‭ ‬تكون‭ ‬فكرة‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭” ‬كأطروحَة‭ ‬تُخرج‭ ‬الثنائية‭ ‬الضدية‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬الديني‭ ‬والعلمنة‭ ‬من‭ ‬كُهوفها‭ ‬المغلقة،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأطروحات‭ ‬التي‭ ‬تحفر‭ ‬مجراها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسفي‭ ‬والسوسيولوجي‭ ‬في‭ ‬الغرب‭. ‬فما‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الأطروحة؟‭ ‬وإلى‭ ‬أيِّ‭ ‬حدٍّ‭ ‬سيكون‭ ‬لها‭ ‬فضل‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬لاهوت‭ ‬الأرض‭ ‬ولاهوت‭ ‬السماء؟‭!‬

لم‭ ‬تتحوَّل‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭” ‬إلى‭ ‬مقالة‭ ‬سارية‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬إلا‭ ‬بعدما‭ ‬أُشْبِعَت‭ ‬العلمنةُ‭ ‬جدلًا‭ ‬واختبارًا،‭ ‬حتى‭ ‬أوشكت‭ ‬أن‭ ‬تُهجر‭ ‬أو‭ ‬تُرمى‭ ‬في‭ ‬النسيان‭. ‬والعلمانية‭ ‬شأن‭ ‬نظائرها‭ ‬الأخرى‭ -‬كالأيديولوجيا،‭ ‬والديمقراطية،‭ ‬والحداثة،‭ ‬والرأسمالية‭ ‬الليبرالية‭… ‬وسواها‭- ‬راحت‭ ‬تحفر‭ ‬السبيل‭ ‬إلى‭ ‬الما‭ ‬بعد‭ ‬قصد‭ ‬التجدُّد‭ ‬والديمومة‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬ليتسنى‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬المنفسح‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬كفَّت‭ ‬عن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬وظائفها‭ ‬الكبرى‭. ‬لكنَّ‭ ‬القولَ‭ ‬بوصول‭ ‬العلمانية‭ ‬إلى‭ ‬خاتِمتها،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬الحكم‭ ‬بموتها؛‭ ‬فالختم‭ ‬هنا‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬نهاية‭ ‬جيل‭ ‬تاريخي‭ ‬أدَّت‭ ‬العلمنة‭ ‬في‭ ‬خلاله‭ ‬مُجمل‭ ‬إجراءاتها،‭ ‬وصار‭ ‬عليها‭ ‬أنْ‭ ‬تتهيَّأ‭ ‬لتغيير‭ ‬وظائفها‭ ‬بما‭ ‬يُناسب‭ ‬الزَّمن‭ ‬الذي‭ ‬حلَّت‭ ‬فيه‭.‬

من‭ ‬أجل‭ ‬ذلك،‭ ‬سينبري‭ ‬بعض‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع،‭ ‬بعدما‭ ‬أضناهم‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تعريف‭ ‬مُطابق‭ ‬لمصطلح‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭”‬،‭ ‬أن‭ ‬ينظروا‭ ‬إليها‭ ‬كحلقة‭ ‬مُستأنَفة‭ ‬تتصلُ‭ ‬بما‭ ‬سبقها،‭ ‬وتنفصل‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬عينه‭. ‬هكذا‭ ‬سيلغي‭ ‬منطق‭ ‬عمل‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭” ‬صُوَرَ‭ ‬التتالي‭ ‬الهندسي‭ (‬قبل‭-‬بعد،‭ ‬تغيير‭ ‬محافظة،‭ ‬حركة‭ ‬سكون‭)‬،‭ ‬ويعرِّف‭ ‬نفسه‭ ‬بوصفه‭ ‬حالة‭ ‬وعي‭ ‬معاصر،‭ ‬تتعايش‭ ‬فيه‭ ‬الرُّؤى‭ ‬الكونية‭ ‬للدين‭ ‬مع‭ ‬الرؤى‭ ‬العلمانية‭ ‬للكون‭ (‬18‭).‬

وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬تكُون‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭” ‬نفيًا‭ ‬للعلمانية،‭ ‬وإنما‭ ‬استئنافًا‭ ‬لها‭ ‬بوسائط‭ ‬وشرائط‭ ‬وأنساق‭ ‬مختلفة‭. ‬فلا‭ ‬يصحُّ‭ ‬أن‭ ‬ينسلخ‭ ‬التاريخ‭ ‬عمَّا‭ ‬قبله‭ ‬وعمَّا‭ ‬يليه‭ ‬انسلاخًا‭ ‬قطعيًّا؛‭ ‬فهذا‭ ‬مُحَال؛‭ ‬لأن‭ ‬الما‭ ‬قبل‭ ‬امتدادٌ‭ ‬للما‭ ‬بعد‭ ‬وتأسيسٌ‭ ‬له‭. ‬فلن‭ ‬تكتسبُ‭ ‬حقبةُ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭ ‬واقعيتَها‭ ‬التاريخية‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُقِرَّ‭ ‬بنَسَبِها‭ ‬الشرعي‭ ‬لميلادها‭ ‬الأول‭. ‬فلو‭ ‬لم‭ ‬تكُن‭ ‬العلمانية‭ ‬حاضِرة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحي‭ ‬لحداثة‭ ‬الغرب،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بعدها‭. ‬الحاصل‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬ضربًا‭ ‬من‭ ‬جدليَّة‭ ‬استتارٍ‭ ‬وكُمُون‭ ‬وانقشاع،‭ ‬تَظْهَر‭ ‬فيها‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭” ‬كمحصولٍ‭ ‬لتلك‭ ‬الجدلية‭ ‬المركَّبة‭.‬

مِنْ‭ ‬سِمَات‭ ‬ما‭ ‬بَعد‭ ‬العلمانية‭ ‬مجاوزةُ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قديم‭ ‬وراهن،‭ ‬بمُحَدَثٍ‭ ‬تقتضيه‭ ‬ضرورات‭ ‬الزَّمان‭ ‬والمكان‭. ‬ومن‭ ‬صفات‭ ‬المجاوزة‭ ‬وأفعالها‭: ‬تموضُع‭ ‬المولود‭ ‬المتجدِّد‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬وسطى‭ ‬ينبني‭ ‬نظامها‭ ‬على‭ ‬الوصل‭ ‬والفصل‭ ‬دون‭ ‬إقصاءٍ‭ ‬أو‭ ‬إبطال‭. ‬فالفصلُ‭ ‬شرطٌ‭ ‬للتجاوز،‭ ‬والوصلُ‭ ‬ضروريٌ‭ ‬للاستمداد‭ ‬مما‭ ‬تقدم‭ ‬فعله‭ ‬وحضوره‭.‬

وفي‭ ‬حالة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية،‭ ‬تنمو‭ ‬أسئلةٌ‭ ‬غير‭ ‬مَسْبُوقة‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬اقترفتها‭ ‬العلمنة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أربعة‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬اختباراتها‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭. ‬ومثلما‭ ‬استهلَّت‭ ‬العلمنة‭ ‬رحلتها‭ ‬التاريخية‭ ‬بمقولتها‭ ‬العجول‭ “‬إزالة‭ ‬السحر‭ ‬عن‭ ‬العالم‭”‬،‭ ‬استهلَّت‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭” ‬مسارها‭ ‬بمقولة‭ ‬معاكسة‭: “‬إزالة‭ ‬العلمنة‭ ‬عن‭ ‬العالم‭”. ‬وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬القصد‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ “‬إزالة‭”‬؛‭ ‬سواء‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬إستراتيجية‭ ‬تطبيق‭ ‬أو‭ ‬كتوصيفٍ‭ ‬لواقع،‭ ‬يظلُّ‭ ‬حَصَاد‭ ‬التنظير‭ ‬واحدًا‭.‬

معنى‭ “‬إزالة‭ ‬العلمنة‭ ‬من‭ ‬العالم‭”‬،‭ ‬كما‭ ‬استعمله‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬التسعينيات‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الأمركي‭ ‬بيتر‭ ‬بيرغر‭ (‬Peter Berger‭)‬،‭ ‬هو‭ ‬عودة‭ ‬الدين‭ ‬ليحتل‭ ‬مكانته‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬العلمانية‭. ‬واللاَّفت‭ ‬أن‭ ‬بيرغر‭ -‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مدافعًا‭ ‬قويًّا‭ ‬عن‭ ‬أطروحة‭ ‬العلمنة‭- ‬كان‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬أقر‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬مُخطئًا‭ ‬عندما‭ ‬لم‭ ‬يعترف‭ ‬بأنَّ‭ “‬العالم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬شديدَ‭ ‬التديُّن‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭”. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬قَلِقًا‭ ‬من‭ ‬هَجمة‭ ‬الأصوليين‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الحديث،‭ ‬وعودة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحداثة‭ ‬إلى‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭. ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬ثمَّة‭ ‬من‭ ‬قطع‭ ‬شوطًا‭ ‬أبعدَ‭ ‬ليرى‭ ‬أن‭: “‬إزالة‭ ‬العلمنة‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬عودة‭ ‬الدين‭ ‬تُسقط‭ ‬ركناً‭ ‬تكوينيًّا‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الحداثة؛‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الحداثة‭ ‬والدين‭ ‬متناقضان‭ ‬ولن‭ ‬يجتمعا‭ ‬أبدًا‭…” (‬19‭).‬

على‭ ‬الأكيد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬لم‭ ‬يُضِف‭ ‬شيئًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬عمَّا‭ ‬درجت‭ ‬الحداثة‭ ‬عليه‭ ‬لمَّا‭ ‬أمسكتْ‭ ‬بحضارة‭ ‬الغرب‭. ‬لكنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬لعودة‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬يبدُو‭ ‬محدودًا‭ ‬جدًّا‭. ‬وهو‭ ‬يترجم‭ ‬على‭ ‬الإجمال‭ ‬حالات‭ ‬تنتسب‭ ‬إلى‭ “‬رجعيات‭ ‬علمانية‭” ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التحوُّلات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬المجتمع‭ ‬الغربي‭. ‬فلقد‭ ‬تبيَّن‭ ‬من‭ ‬معظم‭ ‬الدراسات‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تعارض‭ ‬بين‭ ‬المسيحية‭ ‬الغربية‭ ‬والحداثة،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنَّ‭ ‬المسيحيةَ‭ ‬جزءٌ‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬الحداثة،‭ ‬وأنَّ‭ ‬الحداثةَ‭ ‬وليدٌ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬للفلسفة‭ ‬المسيحية‭ ‬الحديثة‭. ‬لذا؛‭ ‬يذهب‭ ‬التنظير‭ “‬الما‭ ‬بعد‭ ‬علماني‭” ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وضعية‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ “‬بعد‭ ‬علماني‭”‬،‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ “‬قبل‭ ‬علماني‭”. ‬وعودة‭ ‬الدين‭ ‬ليستْ‭ ‬رجوعًا‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬حضور‭ ‬جديد‭ ‬اتَّخذ‭ ‬سبيله‭ ‬إثرَ‭ ‬رحلة‭ ‬شاقة‭ ‬ومديدة،‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬الإصلاح‭ ‬البروتستانتي،‭ ‬ولم‭ ‬تنته‭ ‬مع‭ ‬الانعطافة‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬التي‭ ‬أجراها‭ ‬المجمع‭ ‬الفاتيكاني‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

المُشكِلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لمجتمعات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية،‭ ‬لا‭ ‬تكمُن‭ ‬في‭ ‬الفصلِ‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الثنائيات‭ ‬المتضادَة‭ ‬بين‭ ‬المقرَّر‭ ‬اللاهوتي‭ ‬والقوانين‭ ‬الوضعية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التعدُّدية‭ ‬التي‭ ‬يعترف‭ ‬فيها‭ ‬الكلُّ‭ ‬بحاضرية‭ ‬الكل‭. ‬لهذا؛‭ ‬رأى‭ ‬المشتغلون‭ ‬على‭ ‬المُصطلح‭ ‬أنَّ‭ ‬الحديثَ‭ ‬عن‭ ‬مَا‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭ ‬منطقيٌّ،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يُدخلُ‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬موضوع‭ ‬التعددية،‭ ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬التعيين‭ ‬حضور‭ ‬الأديان‭ ‬الأخرى‭ -‬الإسلام،‭ ‬والأرثوذوكسية،‭ ‬واليهودية‭… ‬وغيرها‭- ‬لتكون‭ ‬سواءً‭ ‬بسَواء،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬البروتستانتية‭ ‬والكاثوليكية‭. ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تتغيَّر‭ ‬أوروبا‭ ‬فعلاً‭: ‬هنالك‭ ‬حُضُور‭ ‬كبير‭ ‬للإسلام،‭ ‬ومنذ‭ ‬سقوط‭ ‬الشيوعية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية،‭ ‬صَار‭ ‬أيضًا‭ ‬للمسيحية‭ ‬الأرثوذوكسية‭ ‬دور‭ ‬كبير‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬الأوروبي،‭ ‬فهناك‭ ‬تطوُّر‭ ‬مطرد‭ ‬نحو‭ ‬قبول‭ ‬النظام‭ ‬التعددي‭.‬

مع‭ ‬أن‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬العلمنة‭” (‬Securalization theory‭) ‬دخلتْ‭ ‬ضِمن‭ ‬أعمال‭ ‬تعُود‭ ‬إلى‭ ‬خمسينيات‭ ‬وستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬فإنّ‭ ‬تتبُّعَ‭ ‬الجذور‭ ‬الأصلية‭ ‬لفكرتها‭ ‬الأساسية‭ ‬مُتصلٌ‭ ‬بعصرِ‭ ‬التنوير‭ ‬الأوروبي‭. ‬الفكرة‭ ‬كانتْ‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬غَاية‭ ‬البساطة‭: “‬إنَّ‭ ‬التوجُّه‭ ‬نحو‭ ‬الحداثة‭ ‬يُؤدِّي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬تراجُع،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬انهيار،‭ ‬الدين؛‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬الأفراد‭. ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬تحديدًا‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬ثبُت‭ ‬خطؤها‭ ‬كما‭ ‬يلمِّح‭ ‬كثيرٌ‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬وعلماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬المعاصرين‭. ‬فلا‭ ‬شك‭ ‬أنَّ‭ ‬الحداثة‭ ‬ترافقتْ‭ ‬مع‭ ‬توجُّهات‭ ‬واضحة‭ ‬نحو‭ ‬العلمنة،‭ ‬وفي‭ ‬أماكن‭ ‬مُعيَّنة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضًا‭ ‬استفزَّت‭ ‬حركات‭ ‬قوية‭ ‬مُضَادة‭ ‬للعلمنة‭. ‬وإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنَّ‭ ‬العلمنة‭ ‬على‭ ‬مُستوى‭ ‬المجتمع‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬العلمنة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الإدراك‭ ‬الفردي‭. ‬لقد‭ ‬خَسِرت‭ ‬بعضُ‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬قوتها‭ ‬وتأثيرها‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المجتمعات،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬استمرَّت‭ ‬مُعتقدات‭ ‬قديمة‭ ‬وبرزت‭ ‬مُعتقدات‭ ‬جديدة‭ ‬لتلعَب‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأفراد،‭ ‬مُتَّخِذة‭ ‬أشكالًا‭ ‬مُؤسَّساتية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬ومُؤدِّية‭ ‬إلى‭ ‬تفجُّرات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الحماس‭ ‬الديني‭.‬

ما‭ ‬بَعْد‭ ‬العلمانية‭ ‬كنقدٍ‭ ‬للحداثَة‭ ‬الفائِضَة
ضِمْن‭ ‬دائرة‭ ‬الجَدل‭ ‬المُستحدث‭ ‬حول‭ ‬العلمانية‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني،‭ ‬يُميِّز‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬بين‭ ‬ثلاثة‭ ‬مفاهيم‭ ‬حول‭ ‬العلمانية‭:‬
‭- ‬الأول‭:‬‭ ‬العلمانية‭ ‬كحِياد‭ ‬بالنسبة‭ ‬لجميع‭ ‬الأديان‭ ‬ووجهات‭ ‬النظر‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬
‭- ‬الثاني‭:‬‭ ‬العلمانية‭ ‬كمنظور‭ “‬علماني‭” ‬بديل‭ ‬عن‭ ‬المعتقدات‭ ‬الدينية‭.‬
‭- ‬الثالث‭:‬‭ ‬العلمانية‭ ‬كنقدٍ‭ -‬أو‭ ‬حتى‭ ‬معارضة‭ ‬ونقض‭- ‬للأديان‭.‬
إنَّ‭ ‬مُعَاينة‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬الثلاثة،‭ ‬والتمييز‭ ‬فيما‭ ‬بَيْنِها،‭ ‬سوف‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬وتظهير‭ ‬السمات‭ ‬المميزة‭ ‬للمجتمعات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭.‬
لقد‭ ‬كَان‭ ‬لنقدِ‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬التنوير‭ ‬ثلاثة‭ ‬أبعاد‭ ‬مُتمايزة‭ ‬بوضوح‭: ‬بُعد‭ ‬معرفي‭ ‬مُوجَّه‭ ‬ضد‭ ‬الأفكار‭ ‬السائدة‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬وفوق‭ ‬الطبيعية؛‭ ‬وبُعد‭ ‬عملي‭-‬سياسي‭ ‬مُوجَّه‭ ‬ضِد‭ ‬المؤسسات‭ ‬الكنسية؛‭ ‬وبُعد‭ ‬ذاتي‭ ‬تعبيري‭-‬جمالي‭/‬أخلاقي‭ ‬مُوجَّه‭ ‬ضد‭ ‬فِكرة‭ ‬الله‭ ‬نفسها‭. ‬وهذه‭ ‬الثلاثية‭ ‬النقدية‭ ‬شكَّلت‭ ‬الأركان‭ ‬الأساسية‭ ‬لنظرية‭ ‬المعرفة،‭ ‬التي‭ ‬اعتمدها‭ ‬خِطَاب‭ ‬العلمنة‭ ‬حيال‭ ‬الدين‭ ‬سحابة‭ ‬قرون‭ ‬متعاقبة‭.‬

في‭ ‬زمنِ‭ ‬الحداثة‭ ‬الفائِضَة‭ ‬لم‭ ‬تتبدَّد‭ ‬هذه‭ ‬الثلاثية،‭ ‬لكنَّها‭ ‬فقدت‭ ‬الكثيرَ‭ ‬من‭ ‬جاذبيتها‭ ‬العلمية‭ ‬ووظائفها‭ ‬الأيديولوجية‭. ‬الآن،‭ ‬لم‭ ‬تعُد‭ ‬نظرية‭ ‬كوبرنيكس‭ -‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭- ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬مسيحية‭ ‬ما‭ ‬بَعد‭ ‬الحداثة‭. ‬مع‭ ‬ذلك؛‭ ‬فإنَّ‭ ‬الصِّدام‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والدين‭ ‬ما‭ ‬بَرح‭ ‬يكمُن‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭. ‬ذلك‭ ‬أنَّ‭ ‬المعتقدات‭ ‬الجزئية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الكنيسة‭ ‬التخلِّي‭ ‬عنها‭ ‬ليس‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ضروري‭ ‬للدين،‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ضروري‭ ‬هو‭ ‬مَوْقِف‭ ‬مُعيَّن‭ ‬يُطلِق‭ ‬عليه‭ ‬فيلسوف‭ ‬الأخلاق‭ ‬الأمريكي‭ ‬والتر‭ ‬ستيس‭ (‬Waltter Stace‭) “‬النظرة‭ ‬الدينية‭ ‬للعالم‭”. ‬ولقد‭ ‬عبَّرت‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭ ‬بثلاثة‭ ‬اعتقادات‭:‬
‭* ‬هناك‭ ‬موجود‭ ‬إلهي‭ ‬خلق‭ ‬العالم‭.‬
‭* ‬هناك‭ ‬خطة‭ ‬كونية‭ ‬أو‭ ‬غرض‭ ‬كوني‭.‬
‭* ‬العالم‭ ‬يُمثِّل‭ ‬نظاماً‭ ‬أخلاقيًّا‭.‬
هذه‭ ‬الاعتقادات‭ -‬حسب‭ ‬ستيس‭- ‬لا‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬المعتقدات‭ ‬الدينية‭: ‬لا‭ ‬عِلم‭ ‬الفلك‭ ‬عند‭ ‬كوبرنيكس،‭ ‬ولا‭ ‬أية‭ ‬مُكتشَفَات‭ ‬علمية‭ ‬أخرى‭ ‬مُبكِّرة،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬أية‭ ‬مُكتشَفات‭ ‬علمية‭ ‬قد‭ ‬تَظْهر‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬أعاجيب‭ ‬تُدْهِش‭ ‬الألباب‭ ‬في‭ ‬المقبل‭ ‬المنظور‭ ‬وغير‭ ‬المنظور‭ (‬20‭). ‬حتى‭ ‬أكثر‭ ‬الفلاسفة‭ ‬تشدُّداً‭ ‬في‭ ‬دنيويته‭ ‬كالفيلسوف‭ ‬الهولندي‭ ‬سبينوزا‭ ‬سيعود‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬صفاء‭ ‬وتأمُّل‭ ‬إلى‭ ‬الإقرار‭ ‬بحقيقة‭ ‬التلازم‭ ‬بين‭ ‬الدنيا‭ ‬والدين‭. ‬فلطالما‭ ‬خَبِرَ‭ ‬سبينوزا‭ ‬العالم‭ ‬كمقدس‭. ‬كانت‭ ‬رؤيا‭ ‬الله‭ ‬ملازمة‭ ‬للواقع‭ ‬الدنيوي‭ ‬الذي‭ ‬مَلأهُ‭ ‬بالرَّهبةِ‭ ‬والعجب‭. ‬وكان‭ ‬يحس‭ ‬أنَّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬والفكر‭ ‬هما‭ ‬شكلَان‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الصلاة‭.‬

أمَّا‭ ‬فيلسوف‭ ‬التاريخ‭ ‬الإيطالي‭ ‬جانباتيستا‭ ‬فيكو‭ (‬Giambattista Vico‭) (‬1668-1744‭) ‬الذي‭ ‬شكَّلت‭ ‬أفكاره‭ ‬حالة‭ ‬انعطافية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الحداثة؛‭ ‬فقد‭ ‬استشعر‭ ‬بكشوفاته‭ ‬المعمقَّة‭ ‬العالم‭ ‬الما‭ ‬بعد‭ ‬علماني‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرون‭ ‬خلت‭.‬

بدا‭ ‬فيكو‭ ‬ناقداً‭ ‬في‭ ‬الصميم‭ ‬للمنطق‭ ‬المادي‭ ‬المحض‭ ‬في‭ ‬استقراء‭ ‬العملية‭ ‬التاريخية‭. ‬لقد‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬شأن‭ ‬الخالق‭ ‬وشأن‭ ‬المخلوق،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفصِل‭ ‬بينهما‭ ‬فَصْلاً‭ ‬مُطلقاً‭. ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬العناية‭ ‬الإلهية‭ ‬كحقيقة‭ ‬تاريخية‭. ‬وعند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬المفصلية‭ ‬بالذات،‭ ‬سوف‭ ‬نراه‭ ‬يُميِّز‭ ‬بين‭ ‬نوعيْن‭ ‬من‭ ‬الاعتناء‭ ‬الإلهي‭ ‬بالتاريخ‭ ‬البشري‭:‬

‭‬النوع‭ ‬الأول‭: ‬العناية‭ ‬الإلهية‭ ‬المتعالِية‭ ‬المُباشرة،‭ ‬والتي‭ ‬عبَّرت‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬تاريخية‭ ‬خاصة‭ ‬وفريدة‭. ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الأنبياء‭ ‬والرسل؛‭ ‬حيث‭ ‬خصَّهم‭ ‬الله‭ ‬بعطاءات‭ ‬وقدرات‭ ‬وأفعال‭ ‬لا‭ ‬تُمنح‭ ‬لسواهم‭ ‬من‭ ‬البشر‭.‬

‭‬النوع‭ ‬الثاني‭: ‬العناية‭ ‬الإلهية‭ ‬الباطنية،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬والتي‭ ‬تعمل‭ ‬وِفق‭ ‬قوانين‭ ‬مُوحَّدة،‭ ‬وتستخدم‭ ‬وسائل‭ ‬طبيعية‭ ‬وبسيطة؛‭ ‬مثل‭: ‬العادات‭ ‬البشرية‭ ‬نفسها،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تمتلكه‭ ‬كل‭ ‬الأمم‭ (‬21‭).‬

لا‭ ‬تنَأى‭ ‬فلسفة‭ ‬فيكو‭ ‬في‭ ‬تدخُّل‭ ‬الله‭ ‬واعتنائه‭ ‬بتاريخ‭ ‬الإنسان‭ ‬عمَّا‭ ‬أخذت‭ ‬بها‭ ‬الفلسفة‭ ‬المسيحية‭ ‬عبر‭ ‬القدِّيسين‭ ‬أوغسطين‭ ‬وتوما‭ ‬الأكويني،‭ ‬في‭ ‬حديثهما‭ ‬عن‭ ‬المدائن‭ ‬الإلهية؛‭ ‬حيث‭ ‬تتعايش‭ ‬فيها‭ ‬الكَثْرة‭ ‬والاختلاف‭ ‬على‭ ‬نصاب‭ ‬الانسجام‭ ‬والخيرية‭. ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬الرُّؤية‭ ‬سيكون‭ ‬لها‭ ‬الأثر‭ ‬اللاحق‭ ‬على‭ ‬ظُهُور‭ ‬رُؤى‭ ‬جديدة‭ ‬تمهد‭ ‬لـ‭”‬علمنة‭ ‬بَعدية‭” ‬مُتحرِّرة‭ ‬من‭ ‬واحديتها،‭ ‬ومتجهة‭ ‬نحو‭ ‬تعدُّدية‭ ‬ينفسح‭ ‬فيها‭ ‬التلاقي‭ ‬بين‭ ‬البعدين‭ ‬المادي‭ ‬والمعنوي‭ ‬لحضور‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الكون‭.‬

ومَا‭ ‬مِن‭ ‬شك‭ ‬أنَّ‭ ‬الشواهد‭ ‬المقتضبة‭ ‬التي‭ ‬مرَّت،‭ ‬كانت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الولادات‭ ‬الأولى‭ ‬للحداثة‭. ‬بل‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أسَّست‭ ‬لـ‭”‬المَا‭ ‬بعد‭”‬،‭ ‬وإنْ‭ ‬احتجبت‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬رُدهة‭ ‬الانتظار‭. ‬أما‭ ‬وقد‭ ‬برز‭ ‬الكلام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭ ‬كسبيل‭ ‬لإخراج‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬من‭ ‬أسرِ‭ ‬الاختصام‭ ‬المديد‭ ‬بين‭ ‬الديني‭ ‬والدنيوي؛‭ ‬فسنكون‭ ‬كَمَن‭ ‬يطل‭ ‬على‭ ‬بَدْء‭ ‬جديد،‭ ‬أو‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬حَقْل‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬ميتافيزيقي،‭ ‬يتآخى‭ ‬فيه‭ ‬العقل‭ ‬والوحي،‭ ‬ليُنتجا‭ ‬معاً‭ ‬حقائق‭ ‬واحدة؛‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬والوحي‭ ‬يُؤدِّيان‭ ‬الحقائق‭ ‬نفسها‭ ‬أنَّى‭ ‬اختلفت‭ ‬تجليَّاتها،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬يصح‭ ‬القول‭ ‬إنَّ‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تناقِض‭ ‬الحقيقة‭.‬

ما‭ ‬بَعد‭ ‬العلمانية‭ ‬إذن،‭ ‬تجربة‭ ‬مُستجدَّة‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬الغربي‭ ‬بشقَّيه‭: ‬العلماني،‭ ‬واللاهوتي‭. ‬تجربةٌ‭ ‬تَتغيَّا‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬للاحتراب‭ ‬المديد‭ ‬بين‭ ‬خطين‭ ‬متعاكسين‭: ‬إمَّا‭ ‬الإيمان‭ ‬المطلق‭ ‬بقوانين‭ ‬اللَّاهوت‭ ‬وسلطاته‭ ‬المعرفية،‭ ‬وإمَّا‭ ‬الإيمان‭ ‬بمُطلق‭ ‬العقل‭ ‬المحض،‭ ‬وما‭ ‬يُقرِّره‭ ‬من‭ ‬أحكام‭ ‬لا‭ ‬دينية‭ ‬لفهم‭ ‬العالم‭.‬

لقد‭ ‬قِيْل‭ ‬إنَّ‭ ‬أوروبا‭ ‬أصبحتْ‭ ‬أكثرَ‭ ‬علمانيَّة‭ ‬عبر‭ ‬السنين،‭ ‬كما‭ ‬قيل‭ ‬إنَّ‭ ‬العلمانية‭ ‬وصلتْ‭ ‬إلى‭ ‬نهايتها،‭ ‬وأنَّ‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭. ‬وعلى‭ ‬رَأي‭ ‬يورغن‭ ‬هابرماس‭ ‬فإنَّ‭ ‬تأثيرَ‭ ‬الدين‭ ‬بات‭ ‬يلعب‭ ‬دوراً‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬عادَ‭ ‬إلى‭ ‬صُلب‭ ‬المجتمع‭ ‬الحديث‭.‬

إذن،‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمنة‭ ‬مفهومٌ‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فِكرة‭ ‬مركزية؛‭ ‬مُفادها‭ ‬أنَّ‭ ‬العلمانية‭ ‬قد‭ ‬تكُون‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬نهايتها،‭ ‬وكما‭ ‬يُجَادل‭ ‬يورغن‭ ‬هابرماس‭ ‬فإنَّ‭ ‬مصطلح‭ “‬المجتمع‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭… ‬لا‭ ‬يشير‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬أنَّ‭ ‬الدين‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬توكيد‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬تزداد‭ ‬في‭ ‬علمانيتها،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً،‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يضم‭ ‬نِسَباً‭ ‬وازنة‭ ‬من‭ ‬المجموعات‭ ‬الدينية‭” (‬22‭).‬

لكنَّ‭ ‬الشيء‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬فكرة‭ “‬المجتمع‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭” ‬هو‭ ‬المجهود‭ ‬المبذول‭ ‬باتجاه‭ ‬التضييق‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬في‭ ‬الغرب‭. ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬الدَّارسين‭ ‬يُلَاحِظون‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬قد‭ ‬تُصبح‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬الإسلامية‭ ‬بما‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬أساسها‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭ (‬23‭). ‬يقول‭ ‬هابرماس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭: ‬إن‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭ ‬لا‭ ‬ينطبق‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬الثرية،‭ ‬أو‭ ‬بلاد‭ ‬مثل‭ ‬كندا‭ ‬وأستراليا‭ ‬ونيوزيلندا؛‭ ‬حيث‭ ‬استمرَّ‭ ‬اختفاء‭ ‬الروابط‭ ‬الدينية‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬بشكل‭ ‬دراماتيكي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭”. ‬يُمكِننا‭ ‬تطبيق‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أيضاً،‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ “‬رأس‭ ‬حربة‭ ‬الحداثة‭”. ‬في‭ ‬الفكر‭ “‬الهابرماسي‭” ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لما‭ ‬بَعد‭ ‬الحداثي‭ ‬مع‭ ‬الأصولية،‭ ‬كما‭ ‬حاول‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬أن‭ ‬يجمعوا‭ ‬بين‭ ‬المصطلحين‭ ‬دون‭ ‬نجاح‭. ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬هابرماس،‭ ‬فإنَّ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬ظواهر‭:‬

أ‭ – ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬النزاع‭ ‬الديني‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬الصراعات‭ ‬الدولية‭.‬
ب‭ – ‬اعتقاد‭ ‬أنَّ‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬تلعب‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬دور‭ “‬مجتمعات‭ ‬تفسيرية‭” ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬العامة‭ ‬للمجتمعات‭ ‬العلمانية‭.‬
ج‭ – ‬واقع‭ ‬هجرة‭ “‬العمال‭ ‬الزوار‭” ‬واللاجئين،‭ ‬خاصة‭ ‬أولئك‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬لها‭ ‬خلفيات‭ ‬ثقافية‭ ‬تقليدية‭ (‬24‭).‬

لذلك؛‭ ‬فهابرماس‭ ‬يَدْعَم‭ ‬فكرة‭ ‬أنَّ‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وحتى‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬الشرقية،‭ ‬لا‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬علمانية‭. ‬أو‭ ‬بتعبير‭ ‬أدق،‭ ‬فإنَّ‭ ‬هابرماس‭ ‬يستثني‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬ملاحظاته؛‭ ‬نظراً‭ ‬لطبيعة‭ ‬الإسلام‭ ‬كدين؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يتيح‭ ‬المجال‭ ‬للتحوُّل‭ ‬السَّهل‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬العلمانية‭ ‬رغم‭ ‬تزايد‭ ‬أصوات‭ ‬المثقفين‭ ‬الليبراليين‭ ‬الذين‭ ‬يدعُون‭ ‬إلى‭ ‬تجديد‭ ‬الشريعة؛‭ ‬بحيث‭ ‬يسهُل‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فهو‭ ‬يستثني‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬الشرقية‭ ‬من‭ ‬ملاحظاته،‭ ‬ويرى‭ ‬أنَّه‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬وُجُود‭ ‬بعض‭ ‬الشروط؛‭ ‬مثل‭: ‬دعوة‭ ‬المجتمعات‭ ‬الدينية‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تحترم‭ ‬القيم‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وأن‭ ‬تعي‭ ‬حقيقة‭ ‬أنها‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬عام‭ ‬تعدُّدي‭.‬

الما‭ ‬بَعد‭ ‬علماني‭ ‬كمُقترح‭ ‬لتعدُّدية‭ ‬الحداثة‭ ‬الفائِضَة
بقَطْع‭ ‬النَّظر‭ ‬عمَّا‭ ‬ذَهب‭ ‬إليه‭ ‬هابرماس‭ ‬في‭ ‬حَصْر‭ ‬المقترح‭ “‬المَا‭ ‬بعد‭ ‬علماني‭” ‬بالغرب‭ ‬الأوروبي،‭ ‬واستثنائِه‭ ‬لمُجتمعات‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ -‬وهذا‭ ‬بالطَّبع‭ ‬يستلزم‭ ‬نِقاشاً‭ ‬مُعمَّقاً‭ ‬في‭ ‬مورد‭ ‬آخر‭- ‬فإنَّ‭ ‬السِّمة‭ ‬الأساسية‭ ‬للعصر‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭ ‬الهابرماسي‭” ‬هو‭ ‬التعدُّدية‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تعايش‭ ‬مختلف‭ ‬الأديان‭ ‬والتقاليد‭ ‬والأفكار‭ ‬الفلسفية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬زمنية‭ ‬واحدة،‭ ‬وفي‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬الزمنية‭ ‬تكُون‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مجتمع‭ ‬غربي‭. ‬يذكُر‭ ‬عالِم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الإيطالي‭ ‬ومحلل‭ ‬الفكر‭ ‬هابرماس‭ ‬ماسيمو‭ ‬روزاتي‭: ‬أنَّ‭ “‬مجتمعاً‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬علماني‭ ‬هو‭ ‬مجتمع‭ ‬متعدد‭ ‬الأديان؛‭ ‬حيث‭ ‬تُوضع‭ ‬التقاليد‭ ‬الأصيلة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬مع‭ ‬المجتمعات‭ ‬الدينية‭ ‬المهاجرة‭ ‬إليها‭. ‬بكلمات‭ ‬أخرى،‭ ‬فإنَّ‭ ‬التعددية‭ ‬الدينية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الظروف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمجتمع‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭” (‬25‭). ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬يُحاول‭ ‬هابرماس‭ ‬أنْ‭ ‬يفتح‭ ‬حواراً‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والعلمانية،‭ ‬مُحَاوِلاً‭ ‬حل‭ ‬النزاع‭ ‬بين‭ ‬التعددية‭ ‬الراديكالية‭ ‬والعلمانية‭ ‬الراديكالية،‭ ‬مُقترحاً‭ ‬إقامة‭ ‬حوار‭ ‬يتعلق‭ ‬بإدماج‭ ‬الأقليات‭ ‬الأجنبية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬وتشجيع‭ ‬أعضاء‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬الفعالة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭” (‬26‭).‬

من‭ ‬المُهم‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أنَّ‭ ‬أحد‭ ‬أوجه‭ ‬سُوْء‭ ‬فَهْم‭ ‬التنظير‭ ‬الهابرماسي،‭ ‬هو‭ ‬حقيقة‭ ‬أنَّه‭ ‬حين‭ ‬يستخدم‭ ‬مصطلحات‭ ‬ما‭ ‬بَعد‭ ‬العلمانية،‭ ‬لا‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬علماني،‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬التغيرات‭ ‬المقابلة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬فيه‭ (‬27‭). ‬لهذا؛‭ ‬فهو‭ ‬يُشِير‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬ظواهر‭ ‬تتسبَّب‭ ‬في‭ ‬تحولات‭ ‬الوعي‭ ‬المتعلق‭ ‬بما‭ ‬أسماه‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلماني‭”‬؛‭ ‬الأولى‭: ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تَسِم‭ ‬فيها‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العالمية‭ ‬المواضيع‭ ‬الدولية‭ ‬بسمة‭ ‬دينية‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتوليد‭ ‬الصراعات‭ ‬والمصالحات‭. ‬الثانية‭: ‬الوعي‭ ‬المتزايد‭ ‬بالكيفية‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬وتوجِّه‭ ‬المعتقدات‭ ‬الدينية‭ ‬للرأي‭ ‬العام؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تدخلاتها‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬العام‭. ‬والثالثة‭: ‬هي‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬بها‭ “‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬بنقلتها‭ ‬المؤلمة‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬استعمارية‭ ‬تحوي‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬بعد‭” (‬28‭).‬

لَئِن‭ ‬دلَّ‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬شَيء،‭ ‬فعلى‭ ‬تحوُّل‭ ‬غير‭ ‬مَسْبُوق‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ “‬الما‭ ‬بعد‭ ‬حداثي‭” -‬بجناحيه‭: ‬الديني،‭ ‬والدنيوي‭- ‬مثلما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬مُنفسحات‭ ‬معرفية‭ ‬ذات‭ ‬وزن‭ ‬داخل‭ ‬البيئة‭ ‬الغربية،‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬ترى‭ ‬بهدوء‭ ‬موقعية‭ ‬الإيمان‭ ‬الحاسمة‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الأفراد‭ ‬والحضارات‭. ‬لقد‭ ‬أسفرت‭ ‬هذه‭ ‬المنفسحات‭ ‬عن‭ ‬أمرٍ‭ ‬ذي‭ ‬دلالة‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭: ‬أن‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬تضادًّا‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬في‭ ‬طبيعته‭ ‬الحقيقية،‭ ‬والعقل‭ ‬في‭ ‬طبيعته‭ ‬الحقيقية‭. ‬وأنْ‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬صراع‭ ‬جوهري‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬بالوحي‭ ‬والوظيفة‭ ‬الإدراكية‭ ‬للعقل‭. ‬ومتى‭ ‬فُهِمَ‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الأتمّ،‭ ‬ظهرتْ‭ ‬الصِّراعات‭ ‬السابقة‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬والعلم‭ ‬في‭ ‬ضوءٍ‭ ‬مُختلف‭ ‬تماماً‭. ‬فالصراع‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬لم‭ ‬يكُن‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬والعلم،‭ ‬بل‭ ‬بَيْن‭ ‬إيمانٍ‭ ‬وعلمٍ‭ ‬لا‭ ‬يَعِي‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهما‭ ‬بُعده‭ ‬الحقيقي‭. ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬المثال‭ ‬غير‭ ‬الحصري‭: ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الصِّراع‭ ‬الشهير‭ ‬بين‭ ‬نظرية‭ ‬التطوُّر‭ ‬الداروينية،‭ ‬ولاهوت‭ ‬بعض‭ ‬الطَّوائف‭ ‬المسيحية،‭ ‬صراعاً‭ ‬بين‭ ‬العلم‭ ‬والإيمان،‭ ‬بل‭ ‬صِراع‭ ‬بين‭ ‬علمٍ‭ ‬يجرد‭ ‬إيمان‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬إنسانيته،‭ ‬وإيمان‭ ‬حوَّله‭ ‬لاهوت‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬أيديولوجيا،‭ ‬ومن‭ ‬ثَمَّ‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬العقل‭.‬

لقد‭ ‬سَرَى‭ ‬سؤال‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬مَسْرَى‭ ‬خُطبة‭ ‬الحداثة‭ ‬من‭ ‬مبتدَئِها‭ ‬إلى‭ ‬خبرها‭. ‬فلو‭ ‬عاينَّا‭ ‬قليلاً‭ ‬منها،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الفلسفي‭ ‬والسوسيولوجي،‭ ‬لعثرنا‭ ‬بيُسر‭ ‬على‭ ‬أصْلِها‭ ‬الديني‭. ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كَان‭ ‬من‭ ‬أمرِ‭ ‬الحداثة‭ ‬حين‭ ‬أرادت‭ ‬تظهير‭ ‬غايتها‭ ‬الكبرى،‭ ‬أنْ‭ ‬تتَّخذ‭ ‬لنفسها‭ ‬صِفةَ‭ ‬مُتَعالية‭. ‬ربما‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬نُظِرَ‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬الحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭ ‬كظاهرة‭ ‬ميتافيزيقيّة‭ ‬رغم‭ ‬دنيويتها‭ ‬الصَّارمة‭. ‬فالحداثة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تشرَع‭ ‬سيُوفها‭ ‬شرَعت‭ ‬أسئلتَها‭. ‬وهي‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬سألت،‭ ‬ساءَلَت‭ ‬الكنيسة‭ ‬المسيحية‭ ‬كخصيم‭ ‬لها‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭. ‬لكنها‭ ‬حين‭ ‬مضت‭ ‬في‭ ‬السؤال‭ ‬لتمنح‭ ‬نفسها‭ ‬بعض‭ ‬اليقين،‭ ‬هبطت‭ ‬إلى‭ ‬عُمق‭ ‬الزمان‭ ‬الديني‭. ‬لم‭ ‬تفعل‭ ‬الحداثة‭ ‬ما‭ ‬فعلت‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬أمر‭ ‬متأصِّل‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭. ‬فقد‭ “‬استفرغتْ‭” ‬ما‭ ‬يعربُ‭ ‬عن‭ ‬سيرتها‭ ‬الضاجَّة‭ ‬بالكامن‭ ‬الديني‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬انصرفتْ‭ ‬إلى‭ ‬المسيحية‭ ‬لحَاجتِها‭ ‬إلى‭ ‬مُتَعالٍ‭ ‬يُضفي‭ ‬على‭ ‬أزمنتها‭ ‬فضائل‭ ‬القدسيِّ‭ ‬ومزاياه‭… ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬لأنها‭ ‬بحثت‭ ‬عن‭ ‬اعتلائها‭ ‬الأرضي‭ ‬فلم‭ ‬تجده‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الدين‭. ‬لذا؛‭ ‬كان‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تُهيمِن‭ ‬على‭ ‬مَعْنَى‭ ‬المسيحية‭ ‬لتقوم‭ ‬مقامه،‭ ‬أو‭ ‬لترتدي‭ ‬بواسطته‭ ‬لبوس‭ ‬الفضيلة‭. ‬لهذا‭ ‬الداعي‭ ‬على‭ ‬غالب‭ ‬الظن‭ ‬تناهى‭ ‬لنا‭ ‬كيف‭ ‬بدتْ‭ ‬أسئلة‭ ‬الحداثة‭ ‬وأفعالها‭ ‬مَحْمُولة‭ ‬على‭ ‬أجنحة‭ ‬الميتافيزيقا‭.‬

مَنْشَأ‭ ‬المفارقَة‭ ‬التي‭ ‬سَبْق‭ ‬وتطرقنا‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬بحثنا‭ ‬هذا،‭ ‬أنَّ‭ ‬سؤال‭ ‬الحداثة‭ ‬جاءنا‭ ‬بالأصل‭ ‬من‭ ‬حقول‭ ‬المسيحية‭ ‬الواسعة؛‭ ‬فإنه‭ ‬بهذه‭ ‬الدلالة‭ ‬وليدها‭ ‬الشرعي‭. ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬سيرة‭ ‬الحداثة‭ ‬مع‭ ‬المسيحية‭ ‬كانت‭ ‬أشبه‭ ‬بديانة‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬ديانة‭ ‬عاصرتها،‭ ‬ثم‭ ‬سبقتها،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬بَعد‭ ‬أن‭ ‬ارتوت‭ ‬من‭ ‬عداوتها‭ ‬لها‭ ‬عادت‭ ‬لتحاورها،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬كيدٍ‭ ‬مُضْمرٍ‭.‬

لقد‭ ‬حطَّت‭ ‬المنازعةُ‭ ‬بين‭ ‬الحداثة‭ ‬والكنيسة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ “‬دنيوية‭ ‬العلمنة‭” ‬وجوهر‭ ‬المسيحية‭. ‬لم‭ ‬تتوقف‭ “‬العلمانية‭ ‬الحادة‭” ‬لمَّا‭ ‬نازعت‭ ‬الكنيسة‭ ‬مَقامها،‭ ‬على‭ ‬احتكار‭ ‬قيم‭ ‬السياسة‭ ‬والاجتماع‭ ‬ووضع‭ ‬نظريات‭ ‬الدولة‭. ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬تمضي‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬الرحلة‭ ‬لتنقلب‭ ‬على‭ ‬الكنيسة،‭ ‬وتُطيح‭ ‬بلاهوتها‭ ‬السياسي،‭ ‬وتحكم‭ ‬على‭ ‬ادعائه‭ ‬الحقيقة‭ ‬بالبطلان‭. ‬بل‭ ‬إنَّها‭ ‬ستذهب‭ ‬مَسَافة‭ ‬أبعد‭ ‬في‭ ‬المواجهة،‭ ‬لتفتح‭ ‬باب‭ ‬المساءلة‭ ‬على‭ ‬مُجْمَل‭ ‬ما‭ ‬أنجزته‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬صَعيدَيْها‭: ‬القيمي،‭ ‬والأخلاقي‭. ‬مثال‭ ‬لا‭ ‬حصر‭: ‬تحوَّلت‭ ‬مقولة‭ “‬الواجب‭” ‬عند‭ ‬كانط،‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ “‬طاعة‭ ‬مطلقة‭” ‬لنظام‭ ‬الدولة‭/‬الأمة‭ ‬و‭”‬أميرها‭ ‬الحديث‭”.‬

كانط‭ ‬نفسُه‭ ‬لم‭ ‬توفِّره‭ ‬سيوف‭ ‬الحداثة‭. ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬شغفُه‭ ‬بالتفكير‭ ‬النقدي‭ ‬ليفتح‭ ‬على‭ ‬مُمارسة‭ ‬فلسفية‭ ‬لا‭ ‬تُبقِي‭ ‬مُنجَزات‭ ‬التنوير‭ ‬في‭ ‬منأى‭ ‬عن‭ ‬النقد‭. ‬كانت‭ ‬غاية‭ “‬ناقد‭ ‬العقل‭ ‬الخالص‭”‬،‭ ‬موقوفة‭ ‬على‭ ‬سعيه‭ ‬إلى‭ ‬حفظ‭ ‬الأنوار‭ ‬العقلية‭ ‬بالأخلاق‭ ‬العملية‭. ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬رُؤيته‭ ‬بأنَّ‭ ‬الإنسان‭ ‬كائنٌ‭ ‬عاقلٌ،‭ ‬وبما‭ ‬أنَّه‭ ‬عاقلٌ‭ ‬فهو‭ ‬كائنٌ‭ ‬أخلاقيٌّ،‭ ‬وبما‭ ‬أنه‭ ‬أخلاقي‭ ‬فهو‭ ‬كائن‭ ‬ديِّنٌ‭.‬

لما‭ ‬انتصرتْ‭ ‬الحداثة‭ ‬على‭ ‬اللَّاهوت،‭ ‬وابتنتْ‭ ‬علمانيتها‭ ‬الحادَّة‭ ‬بعقل‭ ‬بارد،‭ ‬راحتْ‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الكنيسة‭ ‬بوصفها‭ ‬نابضَ‭ ‬إرجاع‭ ‬للزمن،‭ ‬وإلى‭ ‬المؤمنين‭ ‬بوصفهم‭ ‬كائنات‭ ‬أسطورية‭ ‬تُغرِقُ‭ ‬العالمَ‭ ‬بالظلمات‭. ‬لكن‭ ‬يبُدو‭ ‬أنَّ‭ ‬تلك‭ ‬النظرة‭ ‬طفقت‭ ‬تتهيَّأ‭ ‬لمنقلب‭ ‬آخر‭.. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الحداثة‭ ‬انتصرت‭ ‬على‭ ‬اللَّاهوت،‭ ‬لكن‭ ‬رحلة‭ ‬الاستيقاظ‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬وإن‭ ‬ببُطء‭ ‬شديد‭. ‬ولعل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬الدين‭ ‬والإيمان‭ ‬الديني‭ -‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النُّخب،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الوجدان‭ ‬العام‭- ‬هو‭ ‬تجلٍّ‭ ‬من‭ ‬تجليات‭ ‬تلك‭ ‬الرحلة‭. ‬وليس‭ ‬ما‭ ‬يدُل‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬العَوْدة‭ ‬من‭ ‬السعي‭ ‬المضني‭ ‬لتظهير‭ ‬صيغة‭ ‬الوئام‭ ‬المفتوح‭ ‬بين‭ ‬شأن‭ ‬العالم‭ ‬وشأن‭ ‬الغيب‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تقترح‭ ‬نظرية‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭” ‬توفيره‭ ‬لتحصيل‭ ‬اليقين‭ ‬المتشظي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحداثة‭ ‬الفائضة‭.‬

‭——————–‬

كَانَ‭ ‬الفرنسيون‭ ‬يقُولون‭ ‬إنَّ‭ ‬جمهوريتهم‭ ‬لم‭ ‬تنتصر‭ ‬إلا‭ ‬بدحر‭ ‬الكنيسة،‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يلبثوا‭ ‬حتى‭ ‬أدركوا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النصر‭ ‬كان‭ ‬أشبه‭ ‬بانتصار‭ ‬فرنسا‭ ‬على‭ ‬نصفها‭ ‬الآخر‭.‬
ثمَّة‭ ‬من‭ ‬شبَّه‭ ‬مآلات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬بتلك‭ ‬الصورة‭ ‬المنسوبة‭ ‬إلى‭ ‬جاهلية‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى‭. ‬وقد‭ ‬عَنِي‭ ‬بها‭ ‬تلك‭ ‬الجاهلية‭ ‬المستأنفة،‭ ‬والتي‭ ‬تأتينا‭ ‬هذه‭ ‬المرَّة‭ ‬برداءٍ‭ ‬تكنولوجيّ‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬حداثي‭”. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬قصده‭ ‬اللاهوتي‭ ‬الألماني‭ ‬ديتريش‭ ‬بونهوفر؛‭ ‬حين‭ ‬صبَّ‭ ‬جام‭ ‬نقده‭ ‬على‭ ‬حداثةٍ‭ ‬باتت‭ ‬مهووسة‭ ‬بعالمٍ‭ ‬صَار‭ ‬عبداً‭ ‬لأهوائه‭ ‬وأشيائه‭. ‬حداثة‭ ‬تحوَّل‭ ‬فيها‭ ‬سيّدُ‭ ‬الآلة‭ ‬إلى‭ ‬عبدٍ‭ ‬لها،‭ ‬وانتهى‭ ‬تحرر‭ ‬الجماهير‭ ‬إلى‭ ‬رُعب‭ ‬المقصلة‭. ‬والقومية‭ ‬انتهت‭ ‬إلى‭ ‬الحرب،‭ ‬وتفتَّحت‭ ‬مع‭ ‬الحداثة‭ ‬أبوابُ‭ ‬العدمية‭”.‬
حِيْن‭ ‬انتهتْ‭ ‬ما‭ ‬بَعد‭ ‬الحداثة‭ ‬إلى‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬الأخير‭ ‬وعن‭ ‬مَوْتِه،‭ ‬لم‭ ‬تكُن‭ ‬لتفعل‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬لتكشف‭ ‬عن‭ ‬جاذبٍ‭ ‬يقُود‭ ‬إلى‭ ‬مَعْنًى‭ ‬ما‭ ‬فوق‭ ‬ميتافيزيقي،‭ ‬بل‭ ‬رُبَّما‭ ‬عن‭ ‬رَغْبة‭ ‬كامنة‭ ‬بيومٍ‭ ‬تُستَعَاد‭ ‬فيه‭ ‬الإنسانيَّة‭ ‬على‭ ‬نشأة‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬أفق‭ ‬الألوهة،‭ ‬ودنيا‭ ‬الإنسان،‭ ‬على‭ ‬نصاب‭ ‬واحد‭.‬

‭——————–‬
المراجع‭:‬
‭ (‬1‭) ‬وجدنا‭ ‬أنْ‭ ‬نأخُذ‭ ‬بتعبير‭ “‬الحداثة‭ ‬الفائضة‭” ‬توخِّياً‭ ‬لتوصيف‭ ‬حالة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬في‭ ‬لحظتها‭ ‬القصوى‭. ‬وهي‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬بلغتها‭ ‬إثر‭ ‬تحوُّلات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬القيم؛‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بمستطاع‭ ‬العقل‭ ‬التقني‭ -‬الذي‭ ‬استظلت‭ ‬به‭ ‬الليبراليات‭ ‬الجديدة‭- ‬أن‭ ‬يُوَاجه‭ ‬أسئلة‭ ‬حجبتها‭ ‬الحداثات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬منذ‭ ‬عصر‭ ‬التنوير‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬الحاضر‭. ‬أما‭ ‬مقصودنا‭ ‬من‭ ‬تعبير‭ “‬الحداثة‭ ‬الفائضة‭”‬،‭ ‬فقد‭ ‬ارتأينا‭ ‬تقديمَه‭ ‬كمقترح‭ ‬مفهومي‭ ‬يستجيب‭ ‬لمقتضيات‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬أشرنا‭ ‬إليها،‭ ‬ويستند‭ ‬إلى‭ ‬فرضية‭ ‬أنَّ‭ ‬الحداثة‭ ‬وصلتْ‭ ‬إلى‭ ‬ختامها‭ ‬بعدما‭ ‬فاضتْ‭ ‬عن‭ ‬حاجتها،‭ ‬لتتدفَّق‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مريع،‭ ‬وتغرق‭ ‬العالم‭ ‬بفوضى‭ ‬رقمية‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الحدود‭ ‬والضوابط‭.‬

‭ (‬2‭) ‬N‭. ‬Berdyaev‭: ‬the Russian Revolution‭, ‬the uni‭.. ‬of Michigan press‭, ‬1961‭, ‬PP.11-12‭.‬

‭ (‬3‭) ‬Tocely Maclure‭/ ‬Charles Taylor‭, ‬Laïcité et Liberté de conscience‭, ‬Edition Boréal‭, ‬Canada‭- ‬2010‭ ‬P‭. ‬25‭.‬

‭ (‬4‭) ‬رينيه‭ ‬غينون،‭ “‬أزمة‭ ‬العالم‭ ‬الحديث‭”‬،‭ ‬ترجمة‭: ‬عدنان‭ ‬نجيب‭ ‬الدين‭ ‬وجمال‭ ‬عمار،‭ ‬المركز‭ ‬الإسلامي‭ ‬للدراسات‭ ‬الإستراتيجية،‭ ‬سلسلة‭ ‬الدراسات‭ ‬الغربية،‭ ‬بيروت،‭ ‬2016م،‭ ‬ص‭:‬77‭.‬

‭ (‬5‭) ‬من‭ ‬حوار‭ ‬أجرته‭ ‬مجلة‭ “‬درشبيغل‭” ‬الألمانية‭ ‬مع‭ ‬مارتن‭ ‬هايدغر،‭ ‬قبل‭ ‬رحيله‭ ‬بعشر‭ ‬سنوات،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬ربيع‭ ‬العام‭ ‬1966‭. ‬انظر‭ ‬ترجمة‭ ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬فصلية‭ “‬الاستغراب‭”‬،‭ ‬العدد‭ ‬الخامس،‭ ‬خريف‭ ‬2016م‭.‬

‭ (‬6‭) ‬مارتن‭ ‬هايدغر،‭ “‬الكينونة‭ ‬والزمان‭”‬،‭ ‬ترجمة‭ ‬وتقديم‭ ‬وتعليق‭: ‬فتحي‭ ‬المسكيني،‭ ‬دار‭ ‬الكتاب‭ ‬الجديد‭ ‬المتحدة،‭ ‬بيروت،‭ ‬2012م‭. ‬راجع‭ ‬أيضاً‭: ‬جمال‭ ‬أحمد‭ ‬مُحمد‭ ‬سليمان‭: “‬مارتن‭ ‬هايدغر‭: ‬الوجود‭ ‬والموجود‭”‬،‭ ‬إشراف‭ ‬أحمد‭ ‬عبدالحليم‭ ‬عطية،‭ ‬دار‭ ‬التنوير،‭ ‬بيروت،‭ ‬2009م،‭ ‬ص‭:‬7‭.‬

‭(‬7‭) ‬ محمود‭ ‬حيدر،‭” ‬الفيلسوف‭ ‬الحائر‭ ‬في‭ ‬الحضرة‭”‬،‭ ‬فصلية‭ “‬الاستغراب‭”‬،‭ ‬العدد‭ ‬الخامس،‭ ‬خريف‭ ‬2016م‭.‬

‭(‬8‭) ‬ ميشال‭ ‬فوكو،‭ “‬ما‭ ‬الأنوار؟‭”‬،‭ ‬دار‭ ‬الأنوار،‭ ‬بيروت،‭ ‬2003م،‭ ‬ص‭:‬25‭.‬

‭(‬9‭) ‬ خوسيه‭ ‬كازانوفا،‭ “‬الأديان‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الحديث‭”‬،‭ ‬ترجمة‭: ‬قسم‭ ‬اللغات‭ ‬الحية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬البلمند،‭ ‬المنظمة‭ ‬العربية‭ ‬للترجمة،‭ ‬بيروت،‭ ‬2005م،‭ ‬ص‭:‬25‭.‬

‭ (‬10‭) ‬Julio Olalla‭, ‬The Crisis of the western mind Oxford Leadership Hournal London‭, ‬2009‭.‬

‭ (‬11‭)‬Eliade La Nostalgie des origins‭: ‬Méthodologie et histoire des religions‭, ‬ed Gallimard 1971‭. ‬P 7‭[‬

‭ (‬12‭) ‬محمود‭ ‬حيدر،‭ “‬تدنيِّ‭ ‬الإلحاد‭”‬،‭ ‬فصلية‭ “‬الاستغراب‭”‬،‭ ‬العدد‭ ‬السابع،‭ ‬ربيع‭ ‬2017م‭.‬

‭(‬13‭) ‬ بول‭ ‬تيليتش،‭ “‬بواعث‭ ‬الإيمان‭”‬،‭ ‬ترجمة‭ ‬سعد‭ ‬الغانمي،‭ ‬دار‭ ‬الجمل،‭ ‬بيروت،‭ ‬2005م،‭ ‬ص‭:‬120‭.‬

‭(‬14‭) ‬ حصل‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬التاريخي‭ ‬بين‭ ‬هابرماس‭ ‬والبابابنيديكتوس‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬العام‭ ‬2004،‭ ‬وجرى‭ ‬تنظيمه‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬الأكاديمية‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬بمدينة‭ ‬ميونيخ‭ ‬الألمانية‭.‬

‭ (‬15‭) ‬يورغن‭ ‬هابرماس‭ ‬وجوزيف‭ ‬راتسينغر‭ ‬البابا‭ ‬بنيديكتوس،‭ ‬XVI‭ ‬جدلية‭ ‬العلمنة‭ ‬والعقل‭ ‬والدين،‭ ‬تعريف‭ ‬وتقديم‭: ‬حميد‭ ‬لشهب،‭ ‬جداول‭ ‬للنشر‭ ‬والترجمة،‭ ‬بيروت،‭ ‬2013م،‭ ‬ص‭:‬33‭-‬43‭).‬

‭(‬16‭) ‬ محمود‭ ‬حيدر،‭ “‬ما‭ ‬بعد‭ ‬العلمانية‭: ‬منطق‭ ‬الحدث‭ ‬وفتنة‭ ‬المفهوم‭”‬،‭ ‬فصلية‭ “‬الاستغراب‭”‬،‭ ‬صيف‭ ‬2014م‭.‬

‭(‬17‭) ‬Franz von Baader‭, ‬Revision der Philosopheme der Hegelschen Suhule Besiiglich auf das Christentum‭, ‬in www‭, ‬noormags‭. ‬Ir Franz von Baader’s Criticism of Modern Rationalism‭: ‬A brief Overview 21‭ ‬SW‭, ‬VOL‭. ‬IX‭, ‬P‭, ‬118‭.‬

‭(‬18‭) ‬Kristina Stoekl‭, ‬Defining The postcular‭, ‬Http‭://‬Synergio-Isa.ru/wp-Content/uploads/201202‭//‬Stoekl-en‭. ‬Pdf‭.‬

‭(‬19‭)‬Peter Berger‭, ‬The Desecularization of the World‭ ‬زوال‭ ‬العلمنة‭ ‬من‭ ‬العالم

‭(‬20‭) ‬ ولتر‭ ‬ستيس،‭ “‬الدين‭ ‬والعقل‭ ‬الحديث‭”‬،‭ ‬ترجمة‭ ‬وتعليق‭ ‬وتقديم‭: ‬إمام‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬إمام،‭ ‬دار‭ ‬التنوير،‭ ‬بيروت،‭ ‬2009م،‭ ‬ص‭:‬49‭.‬

‭(‬21‭) ‬ د‭. ‬عطيات‭ ‬مُحمد‭ ‬أبو‭ ‬السعود،‭ “‬فلسفة‭ ‬التاريخ‭ ‬عند‭ ‬جامبا‭ ‬تيستا‭ ‬فيكو‭”‬،‭ ‬دار‭ ‬الفارابي،‭ ‬دار‭ ‬التنوير،‭ ‬بيروت،‭ ‬2006م،‭ ‬ص‭:‬23‭.‬

‭(‬22‭)‬J‭. ‬Habermas‭, (‬2006‭) ‬“On the Relations between the Secular Liberal State and Religion”‭. ‬In H‭. ‬de Vries‭ – ‬Lawrence S‭., ‬eds‭. ‬Political Theologies‭: ‬Public Religions in a Post-Secular World‭, ‬251‭ -‬260‭. ‬New York‭: ‬Fordham‭ ‬University Press‭, ‬p‭. ‬258‭.‬

‭ (‬23‭) ‬أنظر‭:‬B‭. ‬S‭. ‬Turner‭, (‬2012‭) ‬“Post-Secular Society‭: ‬Consumerism and the Democratization of Religion”‭. ‬In P‭. ‬S‭. ‬Gorski‭, ‬D‭. ‬K‭. ‬Kim‭, ‬J‭. ‬Torpey‭ & ‬J‭. ‬van Antwerpen‭, ‬eds‭. ‬Post secular in Question‭: ‬Religion in Contemporary Society‭. ‬135-158‭. ‬New York-London‭: ‬New York University Press‭.‬

‭(‬24‭)‬J‭. ‬Habermas‭, (‬2008‭) ‬“Notes on a post-secular society”‭ (‬originally text in German in Blätter für deutsche und internationale Politik‭, ‬April 2008‭). ‬Politics and Society‭ [‬online‭]‬

Available at http‭://‬www.signandsight.com/features/1714‭.‬html‭ [‬Accessed 14‭ ‬March 2012‭].‬

‭(‬25‭) ‬R‭. ‬Massimo‭, (‬2011‭) ‬“Longing for a Postsecular condition‭: ‬Italy and the Postsecular”‭. ‬In Politics‭, ‬Culture and Religion in the Post‭ – ‬secular society‭. ‬May 13‭ ‬2011‭. ‬Bologna University‭, ‬Faenza‭.‬

‭(‬26‭) ‬B‭. ‬S‭. ‬Turner‭, (‬2012‭) ‬“Post-Secular Society‭: ‬Consumerism and the Democratization of Religion”‭. ‬Opp‭. ‬cit‭., ‬p‭. ‬144‭ -‬147‭.‬

‭(‬27‭)‬E‭. ‬Mendieta‭, (‬2010‭) ‬“A Post Secular World Society‭? ‬On the Philosophical Significance of Postsecular consciousness and the multicultural world society‭: ‬an interview with Jurgen Habermas”‭. ‬Translated by Matthias Fritsch‭. ‬In The Immanent Frame‭, ‬Social Science Research Council‭, ‬3‭ ‬February 2010‭, ‬p.3‭. ‬Available at http‭://‬blogs.ssrc.org/tif/2010/02/03‭/‬a-postsecular-world-society‭/.‬

‭(‬28‭)‬J‭. ‬Habermas‭, (‬2009‭) ‬‘What is Meant by‭ ‬“Post-Secular Society”‭? ‬A Discussion on Islam in Europe’‭. ‬In Habermas‭, ‬J‭., ‬ed‭. ‬Europe‭: ‬The Faltering Project‭. ‬Cambridge‭: ‬Polity Press‭, ‬p‭. ‬65‭.‬