fatima-ihsan

فاطمة إحسان

تُعدُّ العلاقة بين الفروق الجنسية وسلوك الإنسان مَوْضِع اهتمام الباحثين منذ زمن؛ حيثُ بدأتْ بتساؤلات وآراء من قبيل أنَّ الاختلاف في حَجْم الدماغ بين الجنسين يُؤدِّي إلى فروق في نسب الذكاء بين الجنسين، وهي آراء مُشابِهَة لما كان يُشاع عن علاقة الذكاء بالعِرْق والجِنْس في القرون الماضية، بينما هُنالك أسبابٌ عِدَة لدحض مثل هذه الآراء؛ منها: الحاجة إلى دماغ أكبر للتحكُّم في الجسم الأكبر، وعدم وجود فروق مُتعلقة بالجنس في نسب الذكاء، لكن -وفي الوقت ذاته- سيكون من الخطأ تجاهل الفرضيات التي تقول بوجود فروق جنسية في أجزاء من الدماغ.

يُظهر عدد من الأبحاث الجديدة في علم الأعصاب وجود اختلافات واضحة في تركيب دماغ كلٍّ من الرجل والمرأة، وترى أنَّها اختلافات أشدُّ عُمقاً مما يبدو عليه الأمر في الظاهر؛ فمنذ البداية يتَّجه دماغ الرجل ليكون أكبر حجماً ويحتوي على عدد أكبر من الخلايا، بينما يكون النسيج الضام الذي يربط بين فصي الدماغ (الأيمن والأيسر) أشد سمكاً لدى المرأة؛ وذلك ما يساعدها على إيجاد التكامل السريع بين التفكير والتعاطف، على الرغم من أن حجم الدماغ لديها يكون أقل بالتناسب مع حجم الجمجمة والرأس.
مع أنَّه ليس من الواضح حتى الآن أثر الملاحظات السابقة على نوع الذكاء لدى كلا الجنسين، إلا أنَّه من الجلي مِقْدَار كَوْن هذه الاختلافات فطرية أو مشروطة اجتماعيًّا؛ فجميعنا نلاحظ -على سبيل المثال- أنَّ المرأة تُسجِّل نقاطاً أكثر من الرجل في الاختبارات التي تتضمَّن فقرات عن العاطفة واللغة، وتنطقُ الطفلة الأنثى قبل الطفل الذكر، مُستخدمة في كلامها تراكيب لغوية أكثر تعقيداً من تلك التي يستخدمها هو. وفي المقابل، ينزعُ الذكور في المرحلة الجامعية للحصول على درجات أعلى في اختبارات الرياضيات ومهارات الميكانيكا، وهنالك إثباتات مستمرة على هذه الاختلافات من خلال الدراسات المتعاقبة.

فيما يتعلَّق بالهرمونات الجنسية، وأثرها في هذا الصدد، وجدتْ دراسة لشيروين وآخرين أنَّ المستوى الطبيعي من الإستروجين لدى المرأة يُحفِّز استرجاع أنواع مُحدَّدة من الذكريات؛ بما في ذلك استدعاء المعلومات الواردة لفظيًّا، كما أثبت أنَّ العلاجات التي تتضمَّن الإستروجين تعزِّز الحماية ضد ألزهايمر، وهذا ما عزَّزته نتائج دراسة فيكتور هندرسون وآنلينا باغنيني من جامعة كاليفورنيا، والتي أُجريت على عينة مؤلفة من حوالي 8000 امرأة، وأظهرت أنَّ خطر الإصابة بمرض ألزهايمر ينخفض بصورة حادة في النساء اللائي تناولن العلاج ببدائل الإستروجين خلال وبعد انقطاع الطمث.

ومن وجهة نظر مغايرة، وعبر تحليل أجرته جانيت هايد شبلي -من جامعة ويسكونسن ماديسون الأمريكية عام 2005- لـ ٤٦ من التحليلات الوصفية التي أجريت خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، تمَّ التأكيد على أنَّ انعدام الفروق بين الجنسين فيما يتعلق بالقدرة المعرفية والقيادية والتواصل اللفظي وغير اللفظي، واحترام الذات، والمنطق الأخلاقي، علاوة على ذلك وجدت هايد أن الدراسات التي أثبتت فروقاً بين الجنسين في العدوانية على سبيل المثال تعتمد على السياق الذي جرى فيه قياس السلوك، وفي دراسات أخرى تهدف للقضاء على الأعراف بين الجنسين، أظهر الباحثون أن أدوار الجنسين والسياق الاجتماعي يحدِّدان تصرفات الشخص إلى حدٍّ كبير. على سبيل المثال: أخبر المشاركون في إحدى التجارب أنهم لن يصنفوا كذكور أو إناث ولم يقوموا بارتداء ما يُميِّز جنسهم، عندها لم يؤكد هؤلاء المشاركون الصورة النمطية عن أبناء جنسهم عندما منحوا الفرصة ليصبحوا عدوانيين، في الواقع فعلوا عكس ما هو متوقع، حيث كانت النساء أكثر عدوانية من الرجال، وتميل ميليسا هاينز إلى وجهة النظر هذه في كتابها جنوسة الدماغ؛ إذ تقول بأنَّ الهرمونات ليست أبداً المؤثر الوحيد المهم في سلوك الإنسان؛ فبالنبسة للقدرات الإدراكية تعدُّ المؤثرات الأخرى كالتحفيز وتوقع النجاح والتعليم، مهمة للغاية. أما بالنسبة للسلوك العدائي، فهناك عدد لا يُحصى من المؤثرات تشمل مستويات الإثارة والخبرات السابقة مع السلوك العدواني والسمات الشخصية؛ مثل: النرجسية، أو اهتزاز الثقة بالذات.

لكن ثمة ما يُعارض الفكرة السابقة والسائدة حديثاً حول عدم وجود أي فروق سلوكية تتعلق بجنس الفرد، وهو ما أشارت إليه دراسة بوبي كاروثرز وهاري ريس حول الصور النمطية لدى الجنسين؛ من خلال التمحيص في السلوكيات التي تحرِّكها الصور النمطية وتقف دافعاً من ورائها؛ مثل: لعب الجولف، وألعاب الفيديو، ومتابعة البرامج الحوارية، والاستحمام، والتحدث على الهاتف. ولا يُورِد الباحثان أي تعليق حول الدرجة التي تنجم فيها الاختلافات بين الجنسين في هذه السلوكيات عن عوامل بيولوجية أو بيئية؛ وبالتالي لا يُمكن الافتراض بأنَّ الصور النمطية المتسبِّبة بظهور هذه الاختلافات هي ناتج العوامل البيئية وحدها.

رُبَّما علينا أن نتوقَّع أنَّ أدمغة الرجال والنساء مُركَّبة من مزيج من التشابهات والاختلافات، على الأقل فيما إذا كنا نعتقد بالتطور كما وصفه تشارلز داروين، وهو الذي لم يعتقد بأنَّ التطور قد اقتصر على الانتقاء الطبيعي؛ حيث إنَّ الانتقاء الطبيعي وحده قد فشل في شرح عدد كبير من الظواهر (وأشهرها ذيل الطاووس الذكر). ما قاله داروين في الواقع هو أنَّ التطوُّر قد سار إلى حدٍّ كبير من خلال آليتين متميزتين: الانتقاء الطبيعي والانتقاء الجنسي، والانتقاء الجنسي هو القوة التي تحتم على الذكر أن يتصرف كذكر وعلى الأنثى أن تتصرف كأنثى، وهي ذاتها القوة التي تنتج الفروق الجنسية بين الأدمغة، وهكذا إذا كنا نعتقد بالتطور كما شرحه داروين، فينبغي لنا الاعتقاد بأنَّ عقول الرجال والنساء هي مزيج مُعقَّد من التشابهات والاختلافات التي تتباين في عُمقها وشدتها.

ومع الأسف، فإنَّ الحال في مجال البحوث والطب في العالم ككل -عدا عن الوضع الاجتماعي- لا تتم مُعاملة الرجال والنساء بعدالة؛ إذ تُعامَل النساء كما لو كُنَّ مُشابهات للرجال تماماً. بينما نحتاج لإحراز تقدُّم حقيقي في المجالات الصحية والاجتماعية، إلى بحوث إضافية في علم الأعصاب وعلم النفس؛ للتعامل مع افتراض زائف مُفاده أنَّ العدالة هي التشابه أو المساواة، بينما هي في الواقع استجابة للقابليات المختلفة لدى الجنسين على أسس علمية صحيحة.

1,157 total views, 5 views today