حسن سلمان الحاجي

لَا تَكْتَمل زِيَارة مدينة أمستردام، دُوْن التوجُّه والصلاة في الحضرة المقدسة الـ”ميكروبـيا” (Micropia Amsterdam).. كيف لا، وهي أول حديقة في العالم تحتوي على ميكروبات، بل وتضم في جنباتها أول مخلوقات حيَّة على وجه الكرة الأرضية، والتي استوطنت الأرض قبل الإنسان بمليارات السنوات!! فلولاها، ربما لما وُجِد الإنسان، بل لولاها لما وُجِدت الحياة بجميع أشكالها، ولولا وجودها حالياً لتوقفت الحياة، ولانقرضت الحيوانات والنباتات والبشر معاً!!
“ميكروبـيا”.. حديقة حيوانات، ولكن لكائنات غير مرئية؛ فهي أول متحف للميكروبات والميكروبيولوجي في العالم، تمَّ افتـتاحها في سبتمبر عام 2014م؛ لتوعية الناس بأهمية الميكروبات، وأثرها على الصحة الجسدية والنفسية للإنسان والحيوان والنبات، كيف لا، وهي أول ما يتلقفه الإنسان في الدقائق الأولى حين خروجه من رَحِم أمه إلى عالم الدنيا وقت ولادته، وكذلك عندما يتناول المولود ثدي أمه فإن ثُلث مكونات حليبها عبارة عن ميكروبات، وهي ضرورية لتساعده على تكوين وضبط جهاز المناعة؛ لذلك مواليد عملية القسطرة أو المعتمدين على حليب آخر، تكون مناعتهم أقل من المواليد الذين وُلِدوا بطريقة طبيعية ويرضعون رضاعة طبيعية، وهذه المناعة كافية لتحصينهم من الإصابة بكثير من الأمراض البكتيرية والفيروسية، حتى لو كانت الأم مصابة بها.

إنْ كُنت تعتقد أنك تعيش بمفردك، وألا يشاركك مخلوق آخر في جسدك وقراراتك، وحالتك النفسية، فقد حان الوقت للتخلي عن هذه العقيدة؛ فعدد المخلوقات الحيَّة الموجودة في أمعائك أكثر من نجوم درب التبانة، بل أكثر من حبات الرمل على شواطئ البحار؛ فأمعاؤك تحتوي على 100 مليار ميكروب في كل ملليلتر واحد، كما أنها تحتوي على أكثر من 400 نوع من البكتيريا.

هَذِه المَيكرُوْبات ليست مسؤولة فقط عن هضم الطعام وضبط جهاز المناعة ومقاومة الأمراض، أو التسبب في الأمراض أحياناً، بل مسؤولة عن مزاجك وحالتك النفسية؛ فإذا أصابها الجوع أرسلت إشارات عبر الرابط العصبي بين المعدة والدماغ لتُغيِّر مزاجك وتدفعك للبحث عن الطعام، وإذا شبعت أرسلت إشارات للتوقف، بل لها دور كبير في تحديد نوعية الطعام التي ترغب هي فيه.. فهل أنت حرٌّ في اختيار نوعية طعامك، أم أنَّ هناك من يشاركك هذا القرار؟
هَذِه المَيكرُوْبَات مسؤولة عن السمنة وبعض أمراض السرطان، كسرطان القولون، والسكر، والقلب، والالتهابات…وغيرها، بل إن لها علاقة ببعض الأمراض النفسية كمرض التوحُّد؛ فكثير من إصابات التوحد تأتي أثناء الحمل، عندما تُصاب الأم بالإنفلونزا، أو بعض الأمراض التي تقضي على أنواع معينة من الميكروبات داخل المعدة والأمعاء، وهذه الميكروبات لها علاقة بتحديد السلوك الاجتماعي للإنسان، والآن هناك تجارب جديدة في إرجاع هذه الميكروبات لمرضى التوحد، وقد بدأت تعطي نتائج إيجابية في تحسين السلوك، هذه التجارب تعتمد على ما يسمى بـ”بروبايتك” (Probiotics)، وهي عبارة عن متمِّمات غذائية من البكتيريا الحية أو الخمائر تستخدم لإعادة التوازن البكتيري؛ فهي مواد حيوية تضاف للجسم، وظيفتها معاكسة للمضادات الحيوية، والتي تقتل البكتيريا النافع منها والضار.

المَيكرُوْبَات المَوْجُودة في الأمعاء تختلف عن ميكروبات الوجه واليدين والرجلين والفم والأسنان؛ فكلُّ جزء من جسم الإنسان يحتوي على أعداد كبيرة من الميكروبات، وهي المسؤولة عن روائح الجسم؛ فالإبطان لهما روائح تختلف عن الكفين والقدمين والفم، وعندما يذهب الإنسان لمكان ما يترك بصماته الميكروبية فيه، فيترك ميكروباته على الكرسي والسرير ومساكات الأبواب والأواني والأجهزة الذكية وفرش الأسنان. ومن هنا، يُنصح بتبديل فرشاة الأسنان كل شهرين لتراكم الميكروبات عليها؛ ففي ثلاثة شهور يتراكم 7 ملايين ميكروب على الفرشاة وحدها؛ فالإنسان يأخذ ويعطي الميكروبات الضارة منها والنافعة؛ لذلك يوجد في متحف “الميكروبيا” جهازٌ لقياس عدد الميكروبات التي يتبادلها الإنسان خلال القبلات لتوضيح هذا المعنى.

يَضُمُّ متحف “الميكروبيا” العديد من الميكروسكوبات الحديثة، المزودة بعدسات تكبير مضاعفة؛ ليتمكن الزائر من رؤية هذه المخلوقات العجيبة. ومع كل جهاز، هناك شرح مفصَّل عن نوعية الميكروب ووظائفه وبيئته، فلا يوجد مكان على الأرض إلا وفيه ميكروبات حتى في الظروف المناخية القاسية، كالبرودة الشديدة أو الحرارة الحارقة، وتحت ضغطٍ عالٍ جدًّا في أعماق المحيطات، أو ضغطٍ منخفض في طبقات الجو العليا.

الاكتشافات الحَدِيثة في عالم الميكروبات تُبشِّر بفتح علمي كبير في العلاجات المستقبلية لكثير من الأمراض والمشاكل الصحية؛ كالسمنة مثلاً، وسيكون للميكروبات دور في الصناعات المستقبلية كصناعة البلاستيك الحيوي والوقود الحيوي، وستلعب دوراً مهمًّا في عالم الزراعة.
أَحَد أهدافِ متحف “الميكروبيا” هو تصحيح المفاهيم الخاطئة عند عامة الناس بأنَّ جميع الميكروبات ضارَّة؛ فمع الحياة الحديثة والاهتمام المفرط في النظافة، هناك اندفاع هائل عند البشر للتخلص من الميكروبات؛ لذلك تستغل الشركات التجارية هذا الفهم لتنتج مواد كيميائية كثيرة للتعقيم والقضاء على الميكروبات، بينما وجودها ضروري للحياة؛ فهي تساعد على تقوية جهاز المناعة، وهي التي تخلق توازنا بيئيا في كل أركان الكرة الأرضية.
فَلَوْلَا الميكروبات، لما استطعت قراءة هذا المقال؛ لأن نصف الأكسجين الذي تنفسته خلال القراءة هو من إنتاج الميكروبات!

* لقد وُلِدتَ ومعك ميكروبات لتضبُط لك جهاز المناعة، وسوف تعيش معك طوال حياتك لتهضم لك الطعام وتقيك من الأمراض، وسوف تأكلك بعد الممات فترفَّق بها وأحسن صُحبتها.

—————————————————-

المصادر:
١- كتاب I Contain Multitudes للكاتب Ed Yong
٢- ملصقات ومنشورات متحف مايكروبيا في أمستردام، هولاندا.
٣- موقع www.webmd.com
٤- مقال “كيف يهندس حليب الأم مايكروبات الرضيع” في موقع ناشيونال جيوغرافي
http://phenomena.nationalgeographic.com/2014/02/03/how-breast-milk-engineers-a-babys-gut-and-gut-microbes/
٥- مقال “رضاعة المايكروبايوم”
https://www.google.com/amp/s/www.newyorker.com/tech/elements/breast-feeding-the-microbiome/amp.

158 total views, 2 views today