سمية السليمانية
استشارية في مناهج العلوم الإنسانية


منذ الصباح وبعد أن تصلي الفجر، تبدأ في أداء مهامها وأولها توفير الأمن الغذائي وتفتيش البراد وما فيه من خضروات وفواكه وتوافر؛ الدقيق والسكر والملح والزيت و……الخ. وأحياناً إن تعدى الأمر إلى شراء بعض المستلزمات لصنع طبق جديد، لا تتوانى في الطلب عبر التطبيقات أو “تطريش” الأولاد الكبار. وتجند نفسها لإنهاء مرحلة الذهاب والإياب من دون تردد في إعادة تعليمات وزارة الصحة مراراً وتكراراً على المكلف بشراء مستلزمات البيت كاملة؛ لا تنسوا لبس القفازات والكمامة وقبل الدخول بللوا أيديكم بالمعقم وعند الوصول اذهبوا مباشرة لغسل اليدين، و… و……الخ. فهي سريعة التعلم ودقيقة التنفيذ.

غير أن مهمة ثانية تترقبها بلهفة، فما أن يفتح الصبي أو الفتاة عينيهما حتى تنادي فيهما “يالله غايتها الدراسة”. وتبدأ بفتح الحقائب وتصفح آخر درس في الخطة، وتنتقل بهما كالفراشة من مادة دراسية لأخرى، وفي أحيان كثيرة يغار الصغير من أخويه فتشغله ببعض الألعاب، وأما الرضيع فتكون قد جهزته ليشرب رضاعته وينام. فهي تحب العلم وتعليم الأبناء.

ما زالت لديها مهمة الطبخ، فقد استنزفت طبخات كتاب “منال العالم” ولم يعد يقدم إليها الجديد، ولكن لا بأس فهناك الكثير من الأطباق التي تتقافز في الواتس أب والانستجرام وقد تسعفها صديقتها بوصفة جديدة طبقتها في السناب شات. وللأمانة فإنها تلجأ أحيانا إلى مصادر عتيقة غير مصرح بها. وفي أيام كهذه تظهر مهارات العجن والخبز، ولعلها ستكون أجمل ما مر على الطوبج الذي احتر بعد برودة أعوام. فهي تتقن الطبخ العماني والخليجي والعربي وغير العربي.

يأتي الآن تشمير السواعد، وتبدأ لجنة التنظيف بالعمل في استخراج محتويات المطبخ والمخزن وإعادة تنظيفها وتنظيمها، ولا تتوانى عن إدراك خزانات الملابس قبل أن تنفجر فتسبغ عليها رعاية ونظافة أكثر في لحظات الفراغ، ويشتم البخور بأصابع العود وعلب أخرى من العنبر والمسك في تبخير الملابس، ويتعتق البيت بروائح اللبان العماني، ويهنأ أصحاب البيت في كل زوايا البيت السعيد وهم يقرأون القرآن الكريم معاً أو يتدارسون مهارة جديدة باستخدام الانترنت والبرمجيات الجديدة. فهي منظمة ونظيفة حد الوسواس في بعض الأحيان.

وفي لحظة انتباه تبتسم لزوجها وتعتذر لأنها نسيت سؤاله عن الطبق الذي يحب وأنها أنهت شراء المستلزمات عنه. يستغرب هو من استعدادها وسرعتها في إعداد كل شيء بل وتنفيذه. ولكنها مع ذلك تحبذ أن تترك له مهمة استيقاظ الأولاد والإشراف على أدائهم للصلاة ، وكم يسعد قلبها عندما يؤم زوجها العائلة ويجتمعون في الدعاء بقلب واحد ونفس واحد. فهي إدارية من الدرجة الأولى.

وعندما تلزم مكانها متشبثة بأريكتها الهزازة بعد إنهاء عملية المسح اليومي وحصر المتطلبات، وكأنها استقرت على أرض بعد زلزال، ترسم من جديد تفاصيل اليوم التالي بين دقيق التخطيط وملح المشاركة وزيت الحماسة وسكر العائلة. تعلن بأنها ليست الوحيدة في البيت وأن الجميع مسؤول وتبدأ في الإشراف ولا تترك شاردة ولا واردة إلا غطتها بروحها المرحة ونقدها البناء. فهي قائدة ماهرة وتتميز بالدقة.

تقضي بعض الساعات في ممارسة هواياتها، وتشرك أطفالها في حل الألغاز التي تستهويها، وتقرأ كتابها الجديد، وتعتني بنفسها وتدللها. ترتدي ملابسها الجميلة ولأنها تحب الجمال تختار ألواناً زاهية و قد تفاجىء من حولها في قدرتها المذهلة على التغيير والانتقاء. وإن كانت ممن تحب الملابس العمانية فلا بد أن تحضر كراز الدَقة وتمغي المحلب وترش الميورد “الماء ورد” ؛ لتصبح سعادة جدتها غامرة عند رؤيتها. فهي تحب الأناقة والجمال.

هي في هذه الفترة، أشبه بطائر حط من عل، وتَغَطى في عشه من وجه الشمس الحارقة وغبار الأنواء الماطرة. تتعرف على أجزاء كينونتها وتنبش تفاصيل ماهيتها، وتبدأ في إعادة جدولة أهدافها، فالحياة تتطلب منها البقاء وصنع السعادة من أجلها ومن أجل غيرها. إنها جزء من أرض ثابتة وسماء صافية ، إنها المرأة.

Hits: 133