Nasir Kindi

ترجمة: ناصر الكندي

لماذا نعقدُ مُقارنة بين هايدغر ودوستويفسكي في حين أنَّ هذين العقلين يبدوان مُتباعديْن تماما عن بعضهما من حيث الزمان والمكان؟ يُمكن في الحقيقة سد الفجوة بينهما.. وفي هذه الورقة، سأعرضُ هايدغر من خلال تفكيره الوجودي، كيف طوَّر مفتاح المفاهيم للفلسفة السردية لدوستويفسكي. لقد رسم بواسطة رؤية دوستويفسكي في روسيا عن مفهومه للشعب الألماني ومصيره التاريخي. بفضولٍ كافٍ، كان دوستويفسكي الكاتب غير الألماني الوحيد الذي جذب انتباه هايدغر. لقد كان معروفا -على سبيل المثال- أنَّ مارتن هايدغر كان لديه صورة لدوستويفسكي في مكتبه، كان دوستويفسكي مهمًّا جدًّا لبدايات هايدغر. ذكر الفيلسوف الألماني في مذكراته عام 1958 أنه وضع دوستويفسكي ضمن قائمة قصيرة من المؤلفين الذين قرأ لهم بشغف عام 1910. وإضافة إلى نيتشه، وكيركجارد، وهيجل، وشيلنغ، وريلكه، وتراكل، وديلتاي، يظهر دوستويفسكي ضمن القليلين الذين اصطفاهم هايدغر بالاختيار الأكبر. عندما عُيِّن هايدغر بروفيسوراً في جامعة فايبرج, عَقَد أهمية كبيرة على شراء مكتبة الجامعة للأعمال الكاملة لدوستويفسكي على الإصدار المشهور لـ(Moeller van den Brucks). وفي رسالة لزوجته عام 1920، أوْضَح هايدغر أنَّ دوستويفسكي هو المؤلف الذي أضاء له أن بعض البشر يعيشون -بحالة خاصة- في العلاقات، وأنهم فقدوا أرض أسلافهم ومرُوْجها وحقولها. وفي مُحاضرته عن العدمية -التي قدَّمها في بداية الحرب العالمية الثانية، بجامعة فايبرج- اقتبس هايدغر كثيرا من كتاب دوستويفسكي “أقوال بوشكين”، وهو يُشير كليًّا إلى تحليل الكاتب لشخصية الروسي السلبية: إنَّه الرجل المتهور الذي لن يكون سعيدا مع النظام القائم، والذي لا يؤمن بتربة الوطن أو قِواها، والذي يُنكر روسيا ونفسه، والذي لا يريد أن يشارك أي شيء بشكل عام مع أصدقائه”. بالمصادفة، هايدغر نفسه لم يعقد العزم على مغادرة مروجه وحقوله، لقد رفض مرتين العرض المقدم من جامعة “هامبولت” في برلين للعمل فيها، أكبر المؤسسات الأكاديمية في ألمانيا بذلك الوقت، وفضل المكوث في موطنه الأصلي في إقليم (Black Forest).

ما هو الجوهر في قلق هايدغر مع دوستويفسكي؟ وَجَد الفيلسوف الألماني نوعا من الالتقاء الروحي مع الكاتب الروسي؛ لأنَّ الاثنين اتبعا قضايا مصيرية، واتجها إلى تشخيص حاسم للوضع الحالي في أمتيهما، وتمنيا أن كتابتهما سوف تحمل بعضا من العلاج لنظامي حكمهما البائس. وكان هايدغر ودوستويفسكي يهدفان لربط جدلهما بفلسفة التاريخ، وأخيرا الإتيان بحل سياسي لتوجهاتهما الفكرية. إنَّ هذه المقارنة تحلل مواقف كلا المؤلفين تجاه دولتيهما القوميتين، والتي تساعد على شرح ولاء هايدغر لهتلر ودوستويفسكي للقيصر.

1- تشخيص الأزمات:

الاثنان -هايدغر ودوستويفسكي- يحاولان فهم الثقافة في زمنيهما.. فروايات دوستويفسكي الأخيرة أُعِدت للعصر التي كتبت فيها، كلها تعطي إجابات سردية لسؤال دوستويفسكي المركزي: هو مُقتنع بأنَّ روسيا هي المكان المقدس؛ حيث سيظهر المسيح مرة أخرى. ولكن: لماذا أخذ وقتا طويلا للظهور؟ إجابة دوستويفسكي واضحة تماما: روسيا لا يُمكن أن تتعافي إلا إذا تحولت إلى الأرثوذوكسية، وفي ظلِّ قومية موحَّدة ينبغي عليهم أن يتركوا خلافاتهم المتناحرة مثل: المال والسلطة والجنس. هذه التوضيحات السردية في هذه المواضيع يمكن إيجادها في كل رواياته الكبيرة التي عقبت عودة دوستويفسكي من سيبيريا.

كذلك، بدأ هايدغر من نقده المقوض للمجتمع الحديث؛ حيث الـ”هم” هو المهيمن. وفقا لهايدغر: الوجود نفسه -الوجود هو المفهوم المركزي في فلسفة هايدغر- فُقد في الممارسات الثقافية التي تغطي على الوجود الحقيقي.

وفي محاضرة بتاريخ 1929، نَحَت هايدغر المفهوم “السأم العميق”؛ باعتباره النفسية الأساسية في تلك الفترة. ووفقا له، أصبح الوجود مملاً لإنسان هذا اليوم، السأم يُسبِّب حنيناً للفيلسوف، وهايدغر مُوجَّهٌ باتجاه الوجود والذي يتمنى أن يجده في أرض أسلافه.

وفي محاضرة عن “هولدرلين”، أوضح هايدغر أنَّ الوجود وأرض الأسلاف كانا شيئا واحدا، ويجب أن يعودا لبعضهما مرة أخرى.. “أرض الأسلاف هي الوجود ذاته”؛ حيث الوجود يُحمل ويُوضع معا منذ بداية تاريخ الشعب الذي هو وجود الشعب. وعلى كلٍّ، لم يكن هايدغر مُستعدا لمنح الشعب الألماني تلك الحالة الرفيعة من الوجود. وفي محاضرة بتاريخ 1934، مَكَث طويلا في السؤال: هل الوطن الألماني هو في الحقيقة الذي يُمكن أن يكونه؟ السؤال: هل نحن الشعب الذي نكونه؟ لا يبدو أنَّ السؤال له معنى حين يبدو في اللمحة الأولى، السؤال: هل نحن الشعب الذي نكونه؟ ربما هو مُهم وضروري في أعلى المستويات، وجودنا لذاته هو غريب تماما؛ إذن نحن -كوننا أنفسنا- لسنا نحن. يتَّضح بالتالي عند هايدغر أنه على الناس أن يقرِّروا أن يكونوا هم.

… إنَّ اتخاذ هذا القرار حاسم جدًّا لهايدغر. لا يعلم هايدغر ما هو محتوى هذا القرار، لكنه قرَّر تغيير الوضع الراهن. من الممكن وَضْع هذه الحجة بصراحة: الحَسْم، لهايدغر، في هذا الوضع أكثر أهمية من القرار المتصلب: في حسمه، يُوضع الإنسان في إجراءات المستقبل، الحسم نفسه مُناسَبة تحدِّد هذا الإجراء بتوقعه المستمر.

لكليهما -هايدغر ودوستويفسكي- تُعتبر ثقافة بلادهما مهدَّدة بتطوُّر ما سمياه بالإجماع “العدمية”. حتى أفضل الطبائع يمكن إفسادها بالعدمية.. “راسكولينيكوف” هو حالة لهذه النقطة، و”ستافورين” أيضا، والاختلاف بينهما يكمُن في حقيقة أن راسكولينيكوف يعود إلى رحم روسيا، ويجد موقفا جديدا تجاه أصدقائه في سيبيريا، بينما ينوي ستافورين الهجرة إلى سويسرا، وفي الأخير يعمد إلى الانتحار.. هذان هما الحلان المأسويان المتعادلان لهذه الحالة الاستئصالية.

كرَّس هايدغر كلَّ سلاسل مُحاضراته حول مُشكلة العدمية، تعريفه عن العدمية انطلق من رؤية إيجابية للحقيقة: إنَّ الصيرورة، حيث العالم القائم بما فوق الحواس (الله، القانون الأخلاقي، سلطة العقل، التقدم، سعادة المال) يفقد فيها قوته، هي العدمية، عندها يظهر انعكاسها على جوهر العدمية؛ إذ يجب أن تعني نفس الانعكاس للحقيقة؛ حيث الوجود يقف على كل شيء.

العدمية تؤدي إلى السيطرة على التكنولوجيا التي استعبدتْ الإنسان وأدت به إلى الغفلة وفقدان الأمل في وجود معزول، واستنكر دوستويفسكي “قصر الكريستال” في لندن بأنَّه تجسيدٌ لخطر التكنولوجيا، وحذَّر هايدغر من خبث حلقة الإنتاجية التقنية؛ حيث الإنتاج التقني يخدم فقط القدرة المطلقة للإنتاج في كل شيء. وفي محاضرة عام 1930، انتقد حقيقة أنَّ الإنسان أصبح “قِرداً” لمخترعاته.

وعلاوة على ذلك، يتَّفق دوستويفسكي وهايدغر على جذر هذا التطور الخطر، إنها الطبيعة اللاتينية. تحت هذا المفهوم، جَمَع دوستويفسكي كلا من: الإلحاد، والاشتراكية، والكاثوليكية والعقلانية كتعبير عن مبدأ واحد مُؤذٍ يصرف الإنسان عن “الخلاص”، إنَّ أكثر صياغة واضحة لهذا الموضوع يُمكن إيجاده في البيان الختامي للأمير “ميتشكين” في روايته الأبله: “الكاثوليكية الرومانية من وجهة نظري أكثر سوءا من الإلحاد نفسه، هذا هو رأيي. الإلحاد يُبشِّر فقط النفي، أما الرومانية فإنها تذهب أكثر من ذلك؛ فهي تبشِّر بمسيح مشوَّه، إنها تبشِّر بنقيض المسيح، أؤكد لكم ذلك وأقسم عليه! في رأيي أنَّ الديانة الرومانية الكاثوليكية ليست إيمانا، إنها ببساطة امتداد للإمبراطورية الرومانية، وكلُّ شيء محاط بهذه الفكرة، البداية مع الإيمان، امتلك البابا الأراضي والعرش الأرضي، ولقد امتلكها بالسيف، ولم يضف ذلك السيف سوى الكذب والمكر والخديعة والتعصب والخرافة والسفالة، لقد عَبَثوا بأقدس عواطف البشر وأنقاها وأكثرها سذاجة وبراءة وحماسة وحرارة، لقد باعوا كلَّ شيء بالمال، كل شيء لأجل تلك السلطة الزمنية الحقيرة؛ فكيف لا تكون هذه العقيدة نقيضَ المسيحية؟ وكيف لا تكون الكاثوليكية سببَ الإلحاد؟ لقد خَرَج الإلحاد من الكاثوليكية الرومانية نفسها، وباتباع الكاثوليكية بدأ الإلحاد: هل كان يمكنهم أن يُصدِّقوا أنفسهم؟ الاشتراكية هي ثمرة الكاثوليكية والروح الرومانية؛ فالاشتراكية كأخيها الإلحاد، إنما وُلدت من اليأس، إنها ردٌّ على الكاثوليكية، إنها تريد امتلاك السلطة الروحية التي فقدها الدين، تهدف إلى إرواء الظمأ الشديد الذي يحرق الإنسانية، وهي تنشدُ السلام لا في المسيح، بل في العنف”.

كان هايدغر مُقتنعا بأنَّ الثقافة الجرمانية تُستمد مُباشرة من اليونان القديمة، وكان يجب أن يتم الدفاع عنها ضد امتداد النفوذ الخبيث للعالم اللاتيني. في السادس عشر من يونيو عام 1957، كتب هايدغر إلى “إريش كاستنر”: اليونان لا تزال حلما، وكل محاولة جديدة للتفكير تعيش فيها. فقط في العام 1962 تجرَّأ هايدغر بوطء الأرض المقدسة اليونانية بقدميه، كان خائفا ألا تتماهى تلك الحقيقة الكبرى مع توقعاته الكبيرة.

2- فهم التاريخ

رسَّخ كلٌّ من هايدغر ودوستويفسكي تاريخَ شعبيهما في ذلك الإطار الكبير من الخلاص، لاحظ دوستويفسكي سرعتيْن اثنتيْن في التطور التاريخي: أوروبا الغربية وصلتْ إلى قمَّة الحضارة الحديثة والتكنولوجية بخطوة هائلة، بينما كانت روسيا لا تزال تتلمس طريقها. إنَّ الجدلَ الأساسيَّ عند دوستويفسكي هو أنَّ أوروبا قد تكون أسرع، ولكنها ذاهبة للضلال. وفي عينيه، إنَّ تخلُّف روسيا تحديدا يعطيها الفرصة للوصول إلى برِّ الأمان في التقدُّم المستقبلي. على سبيل المثال، يشرح دوستويفسكي الجوهر في روايته “الشياطين” في سياق الرؤية التاريخية الصوفية لروسيا إلى وريث العرش “ألكسندر إكسندروفيتش”: إنَّه لشيء مخجل ومخيف تلك الحقيقة في تخلفنا عن أوروبا من ناحية التطور العقلاني والعلمي، لقد نَسِيْنا أنَّ لدينا أنفسنا، رسالة روسيا الروحية. كروسيين، نملك القدرة على حمل مشعل نور جديد للعالم، إذا التزمنا فقط بأصالة تطورنا، لقد نسينا في نشوة استنكارنا الذاتي القانون الثابت للتاريخ أنه بدون هذه الغطرسة بشأن أهميتنا العالمية كشعب، لن نكون أبدا ذلك الشعب العظيم الذي يترك خلفه شيئا أصيلا لخدمة البشرية.

مثل هايدغر، أبقى دوستويفسكي بعض الغُموض بخصُوص التصميم العنيد لفكرة الخلاص، الهدف لكليهما يكمُن في الأدوات: يجب أن تتمسك روسيا بأصالتها لبلوغ أصالتها المنشودة.

وفي الإصدار الأول لمجلة “الزمن”، كتب دوستويفسكي: “لقد أصبحنا مُقتنعين، على الأقل بأننا وطنيون لأنفسنا، أصيلون لأقصى درجة، وهدفنا إنشاء شكل جديد لأنفسنا، من أكثرنا وطنية، مأخوذ من تربتنا الوطنية، مأخوذ من روح ومبادئ شعبنا”. وعند إصدار “يوميات كاتب” عام 1876، ذهب دوستويفسكي أبعد من ذلك؛ إذ كتب: “في الأرض، في التراب، هنالك شيء مقدس”.

أكد دوستويفسكي على ذلك، حين اعتبر القيصر تجسيدا للقيم الروسية. وبالنسبة إليه، كان على الروس أن يدركوا روسيتهم عبر القيصر، قال دوستويفسكي في كتابه “مذكرات كاتب” في العام 1881: “القيصر للناس ليس قوة خارجية، ليس قوة لبعض المنتصرين، لكنه قوة الناس جميعا، هو كل القوى متحدة للناس، الفرد الذين غذوا قلوبهم به وأحبوه، الفرد الذين يعانون لأجله، لأن استلامهم من أرض مصر كان عن طريق هذه السلطة الوحيدة، القيصر للشعب تجسيدٌ لأنفسهم، لكل أفكارهم، آمالهم ورؤاهم.

يقتربُ دوستويفسكي كثيرا من حجة هايدغر؛ حين يرى أنَّ الشعب الألماني لا يزال مقيدا لأن يكون الشعب الحقيقي.

كان لهايدغر فهما جبريا تماما للتاريخ، في خطابه، سيئ السمعة، الذي أجراه بمناسبة اختياره رئيسا لجامعة فايبرج في 1933، تكلم عن المهمة الروحية التي تجبر مصير الشعب الألماني إلى خصائص تاريخه: “بكلمة أخرى، التاريخ ليس معناه أن يحدث، بالأحرى، هو التعبير الكافي للمهمة الروحية التي توجه الناس المختارين نحو اتجاه معين.

وفي مُحاضرته عن الوجود والحقيقة عام 1933، تكلَّم هايدغر عن عظمة اللحظة التاريخية؛ حيث الشعب الألماني بأكمله ينساق إليها، يجدون قيادتهم. وفي هذه الحالة، الناس يتطوَّرون إلى أمة. مرة أخرى، هايدغر يركز على هذه الحقيقة، إن الشعب الألماني لديه هاجس مصيره، لكن المحتوى الدقيق غير موجود.

“كل القيادة الجوهرية تعيش من سلطة العظمة، ولكنها في الأساس وجهة مخفية، وهذه الوجهة هي في الأول والأغلب المهمة الروحية الشعبية؛ ذلك المصير الذي حُفظ للأمم. من الضروري أن نوقظ وأن نؤصل المعرفة بخصوص هذه المهمة في قلب وإرادة الشعب والأفراد”.

ويتذكَّر الفيلسوف الألماني “كارل لافيت” كيف التقى هايدغر في إيطاليا عام 1936، وسؤاله عمَّا إذا كانت فلسفته هي السبب في انحيازه للنازية، وأكد هايدغر ذلك وأضاف أنَّ فهمه للتاريخية كان الأساس لالتزامه السياسي.

كلاهما -دوستويفسكي وهايدغر- يجدان نفسيهما في مُعضلة ليست بالبعيدة عن معضلة الفلسفة الماركسية للتاريخ: إذا كان تطوُّر التاريخ يملك اتجاها واضحا، ما هو دور وأهمية العمل الفردي في هذا الإطار؟ هل ينبغي دفع التاريخ للأمام أم تركه وحيدا؟!

دوستويفسكي وهايدغر يُؤكِّدان على حقيقة القيادة، إلا أنَّهما وضعا القادة خارج هذا الحقل. فالبرامج السياسية لألكسندر الثاني أو هتلر غير مهمة لهما؛ إذ كلاهما يريان أنَّ القادة السياسيين هم تجسيدٌ لإرادة الشعب. سأل “كارل ياسبرز” مرة هايدغر عن إمكانية حكم رجل خشن كهتلر لألمانيا؟ أجاب هايدغر: إنَّ الثقافة غير مُهمة، أنظر إلى يديه الرائعتين! بالنسبة لهايدغر، السياسة والفلسفة هما حرفة، ويمكن تشبيههما بعمل الفلاح.

يبدو أنَّ دوستويفسكي وهايدغر يتبنيان نفس الحل، منذ أن قالا بأن مجرى تاريخ الشعوب معد من قبل القدر.. النقطة الجوهرية ليست دفع التاريخ نحو أهدافه، بل مساعدة الشعب لفهم أهدافهم؛ إذ بمجرد إدراك الشعب أنَّ هذا التوجه هو التوجه الصحيح، سيأخذ التاريخ مجراه، ويحول مصير الشعب إلى وجود تاريخي.

دور المؤلف

دوستويفسكي ليس كاتبا نقيًّا مثلما أنَّ هايدغر ليس فيلسوفا نقيًّا.. فدوستويفسكي يستخدم الأدب لتعزيز أيديولوجيا واضحة، بينما يُؤمن هايدغر بأنَّ الحقيقة الفلسفية تحت رحمة اللغة. بكلمة أخرى، دوستويفسكي أقرب إلى الفيلسوف كقرب هايدغر إلى الكاتب.

المؤلفان مُلتزمان برفع رؤية قرَّائهم إلى مستوى وعيهم؛ فقد كرَّس دوستويفسكي الكثير من وقته وطاقته في مشاريعه العمومية، وحاول السيطرة على القراء بطريقتين: تغذيتهم برواياته الممتعة وتعليمهم بمقالاته.

وفي مقالته المشهورة المعنونة بـ”حديث بوشكين”، يُشيد دوستويفسكي ببوشكين كقائد روحي للأمة الروسية، وبوشكين بالطبع يُعتبر بالكاد ركيزة في تطلعات دوستويفسكي الخاصة، ليست فقط بالفخر، ولكن مع الرضا العميق للنبي الناجح الذي يعزو إليه دوستويفسكي بالانجرار نحو الوحشية خلال دعوته العالمية لوحدة العقل البشري، (رسالة إلى زوجته).

وبالمثل، حاول هايدغر توسيع الحدود الضيقة للتعليم الجامعي، وفي مخيمات الطلاب المنظمة؛ حيث حاول التأثير في طلابه وتقوية تجمعهم، كتب في رسالة عام 1933م: “في منتصف الطريق خلال المخيم كان عليَّ رفض 20 شخصا لم يكونوا مناسبين، مثل هذا المخيم هو امتحان كبير وخطر لأي شخص، في البداية كانت هناك مقاومة كبيرة ضدي من طلاب من جامعات أخرى، ولكني احتويتهم في النهاية”، كان هايدغر مشغولَ البال في درجة تأثيره، أيضا في العام 1933، تأمَّل هايدغر قبوله في الأستاذية بجامعة ميونخ؛ لأنه كان يتأمَّل حضورا كبيرا هناك، ولكن أقصى طموحاته هي خطته في تأسيس أكاديمية لجماعة من المحاضرين للتأثير في الطلاب من خلال مدرسيهم.

وفي محاضرة من العام 1934/1935، قال هايدغر: حقيقة الناس هي تجلي الوجود في الكل.. حقيقة الناس هي تجلي الوجود في الانتقال ممَّا يعرفه الناس فيما يريدونه تاريخيا بالإرادة ذاتها، إلى الإرادة في أن تكون ذاتها.. إنَّ حقيقة وجود الناس تنبعث من الشاعر، ولكن الحقيقة الناصعة للوجود مفهومة وهيكلية، وهي تنفتح من خلال المفكر”. في المحاضرة ذاتها، يربط هايدغر بين الشعر والفلسفة لخلق دولة، ويبيِّن أنَّ واحدا من ثلاثة جوانب تسود في أزمنة مختلفة. بلا شك، آمن هايدغر بأنَّ الفيلسوف يقف في مركز المشروع القومي عام 1930م، يعلق “ياسبرز” على بيان هايدغر الشهير بأنه أراد قيادة القائد.

وفي النهاية، الاثنان -هايدغر ودوستويفسكي- ذوَّبا السياسة في الفن.. يتساءل هايدغر عن أن عمل الفن هو طرْق الحقيقة، والتي بدورها تطرق التاريخ، فقط بالمظهر الفني تكون الحقيقة مفهومة، وبمجرد ما تكون حقيقة الوجود قد كشفت نفسها بمساعدة المفكر الفنان لا يستطيع ساعتها أي أحد الصمود أمامها!

وبالمثل، يُقارب الصواب عند دوستويفسكي؛ فالجمال عنده هو الجودة النهائية للحقيقة، والذي يسود على المنطق العقلاني. عندما يكون الجمال مُتجليًّا، فإنَّ كل شخص سيخضع لهذه القوة المتناهية: من الواضح أنَّ الإرادة الذاتية العليا هي تنازل لإرادة الفرد، تتكوَّن إرادتي بعدم ملكيتها لإرادة، للمثالية هي جميلة”.

… إنَّ المقارنة بين دوستويفسكي وهايدغر تبيِّن أنَّ كليهما لا يعبد القائد السياسي الخارج من العَمَى أو المنطق الانتهازي، الاثنان يُؤمنان بالمهمة التاريخية للشعب. بالمقارنة مع عظمة الشعب، فإنَّ بروز القائد غير ملحوظ، وتكمن الحاجة للقائد في التركيز على ضمير الشعب، وهذا هو موضوع المؤلف في مساعدة الشعب بإدراك عظمتهم وضرورتها، لمصير مجهول.

5,393 total views, 2 views today