عائشة الدرمكي

يعتبر موضوع الهجرة من أكثر الموضوعات أهمية في الأدب الإنساني بشكل عام ، سواء في القديم أم في الحديث ، المدوَّن منه والشفوي . فالهجرة ظاهرة إنسانية ضاربة في القدم ، حيث ارتبطت الشعوب والأقوام بها منذ هجرة آدم وحواء ، فـ (الواقع الاجتماعي في أصله قيمة ثقافية خرجت إلى حيز التنفيذ) ؛ هكذا يرى مالك بن نبي عندما يحدثنا عن الثقافة بوصفها الناقل والممثل لأفكار الشعب ، وأفكار القادة معاً ، فهما عنصران يغذيان عبقرية الحضارة القائمة على المنهج الأخلاقي والذوق الجمالي والصناعة والمنطق العملي ؛ ولعل من أهم مؤثرات تلك الثقافة والذي سيدخل في تشكيلات تلك الحضارة وتشاكلاتها المتعددة هو (الهجرة) ؛التي تقوم على النقل الثقافي عبر الفرد أو الجماعات التي تنتقل من مكان إلى آخر والذي يمثل قدر الأمم على مر العصور.

ولقد أسهمت ظاهرة الهجرة في إعمار الأرض ، وكان لها عبر الحقب الزمنية المتعددة فضل كبير في نقل الخبرات والتجارب الإنسانية ، وقامت على إثر ذلك جسور التواصل والتعارف وتبادل المعارف والثقافات ، وعليه سنجد أن البناء الثقافي الجامع بين الأمم قام في الأصل على تلك الهجرات .

الهجرة إذن ظاهرة قديمة يتجدد النظر إليها بتجدد القضايا والإشكلات التي تطرحها ، وهي تظهر على المستوى الثقافي بشكل خاص ؛ لأنها تدل على نقل الثقافة والفكر وبالتالي التراث الثقافي كله المتمثل في الأذهان البشرية الذي يشكل الموسوعة الثقافية من بلد إلى آخر أو من مجتمع ثقافي إلى آخر ، وعلى الرغم من الإشكالات المتعددة التي تحيط بالهجرة وتأثيراها على الثقافة ، والمجتمع والاقتصاد والسياسة ، إلا أننا سنطرحها هنا بوصفها مؤثرا على التراث الثقافي وتطوره وهويته .

لقد تحدث الكاتب (دينس كوش) في معرض حديثه عن ( دراسة العلاقات بين الثقافات وتجديد مفهوم الثقافة) عن دراسة الثقافات المفردة ودراسة المبادئ الكونية للثقافة ، فيما أسماه (صيرورات تثاقف) ؛ إذ اهتم علماء الأنثروبولوجيا الانتشاريون بظواهر الاقتراض وتوزيع السمات الثقافية انطلاقا من (بؤرة) ثقافية مفترضة ، غير أن أعمالهم كانت تعتني بنتيجة الانتشار الثقافي ولم تكن ـ كما يقول كوش ـ تصف إلا الحال النهائي لتبادل يُتصور في اتجاه واحد ، بالإضافة إلى أن الانتشار هنا لم يكن يفرض تماساً بين الثقافة المتلقية والثقافة المانحة .

إن المفارقة التي يقدمها مفهومي (الهجرة) و(الهُوية) تعكس المأزق الذي تقع فيه المجتمعات التي تعاني من الهجرات – سواء أكان منها أو إليها – ؛ ذلك لأنها تصبح مجتمعات تتماس ثقافتها مع الثقافات الواردة إليها بحيث تبحث كل ثقافة من تلك الثقافات عن خاصيتها المطلقة التفرد ، وهي من ذلك ستنظر إلى الثقافات الأخرى بأنها مفسدة لـ (نقاوتها) الأصيلة ، ومن هنا سنجد أن تلك الثقافات إما أن تبتعد الواحدة عن الأخرى بحيث تتحاشى الاختلاط ، وإما أن تتفاهم مع بعضها تفاهم لا يخل ولا يسقط الخصائص المميزة لكل منها ، وإما أن تندمج مع بعضها بحيث تتماهى تلك الخصائص على مر الأزمنة ويتلاشى ذلك الحد الفاصل بينها .

ولعل الندوة الإقليمية للتراث الثقافي غير المادي التي عقدت في مسقط خلال سبتمبر الحالي والتي عقد بعدها المؤتمر الخليجي الأول للتراث الثقافي والتاريخ الشفاهي في أبو ظبي تكشفان معاً كيف أن ظاهرة الهجرة في المنطقة العربية والخليجية بشكل خاص لها أثر كبير في تشكُل (الهُوية) الوطنية ، ففي منطقة الخليج العربي ظواهر مهمة للتآلف الثقافي بين السكان (الأصليين) والثقافات التي استوطنت المنطقة منذ زمن يطول أو يقصر ، وهي ظواهر مؤثرة على المستوى الثقافي ومن الأهمية دراستها وتحليلها ؛ ذلك لأن (الهجرة) واحدة من الظواهر التي انشغل بها العلماء والدارسون ، لما تمثله من إشكال قد يفترض البعض أنه إشكال مرتبط بهوية المجتمعات التي تعاني الهجرة ؛ وهذه الهوية تمس الجانب الثقافي في المستوى الأول ، فهو جانب يعني الموسوعة المجتمعية التي تستند إليها في إنتاج هويتها الوطنية .

فعلى الرغم من أن المجتمعات تتأثر بالهجرة والطوائف الوافدة إليها والتي تندمج أو تحاول الاندماج في ثقافتها المحلية بحيث يكون لها أثر على الثقافة المحلية الداخلية ودينامكيتها ؛ إلاَّ أن هناك من يعتبر أن تطور المجتمع الإنساني يحصل انطلاقا من ذاته ؛ ذلك لأنه ناتج من التطور الداخلي للمجتمع ، وتبقى التغيرات المحدثة من الخارج غير ذات أثر مهم في ميزة المجتمع وخصائصه ؛ ويمكننا أن نرى أن هناك مجتمعات ترفض الاعتراف بتلك الثقافات التي وفدت إليها ، أو أن تلك الثقافات الوافدة لا تريد الاختلاط بالثقافة الأصلية أو المحلية ، وبالتالي يصبح لدينا مجموعة من الثقافات المتمايزة على المستوى الظاهر .

وفي مثل هذا الوضع سنجد أن تلك المجتمعات ستلجأ إلى تصنيف ثقافاتها بما يمكن افتراضه (نقي / غير نقي) أو (أصيل / غير أصيل ((دخيل)) ، غير أنها على المستوى القادم ستلجأ إلى تصيف مواد من تلك الثقافات تحت ذلك التصنيف ، مستغنية بذلك عن تصنيف الثقافة كلها ، وهو مؤشر مباشر نحو التآلف الثقافي الذي بدأ يتشكل بينها .

إن الإشكال الذي نعرضه هنا نابع من كون التراث الثقافي ممثل لهوية المجتمعات ، والذي يمثل الامتداد الحضاري لذلك الإرث الذي استمر عبر قنوات زمنية متعددة ؛ والسؤال الذي نطرحه مرده إلى ذلك التنازع – إن صح لنا التعبير – بين الثقافات في المجتمع الواحد وهو تنازع مشروع وصحي على المستوى المجتمعي، ولعلنا كثيرا ما نجد أن الأمم عندما تدرس أشكال التراث الثقافي ومواده على المستوى التاريخي (الماضي) ، فإنها تُعيد كل منها إلى أصله من حيث وفوده إلى المجتمع فتقول هذا من أصل فارسي أو عربي أو هندي أو غير ذلك ، على الرغم من أنها قد تطالب بانتسابه إليها على المستوى التاريخي (الحاضر) بعد أن استقر على متونها سنوات من الزمان ، مما قد يدخل المجتمعات في إشكال نسبة تلك المواد بين الموطن الأصلي والموطن المستقبل ، ولعل هذا ظاهر على مستوى المجتمعات المتجاورة أكثر من غيرها ، على الرغم من أننا قد نجده أيضا بين مجتمعات متباعدة مكانيا وحضاريا .

إن الهجرة التي نطرحها هنا هي هجرة البشر بفكرهم الوطني إلى أوطان أخرى سواء أكانت هذه الهجرة طوعية أم جبرية ، فإنها ستؤدي إلى النتائج نفسها ،لأنها ستشكل اندماجاً جديدا في الفكر المجتمعي كما هو الحال في مجتمعات الخليج العربي إذا ما أردنا تقريب الصورة ، فمجتمعاتنا تمثل مجموعة من العلاقات المجتمعية المتداخلة حضارياً وفكريا وبالتالي ثقافياً ، ومن هنا نزعم أن هذه الهجرة تفرز ظواهر ثقافية جديرة بالدراسة والتحليل لأنها مؤثرة تأثيرا مباشراً على الثقافة بشكل عام والتراث الثقافي بشكل خاص.

3,138 total views, 2 views today