Shaikha

شيخة البادي

«هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أنْ نحاول أنْ نحيا»

رضوى عاشور

عَبرَ السيرة الذاتية لرضوى عاشور تتداخل جملةٌ من الأنساق والتصورات والأحداث، فبدءًا مِن العنوان «أثقل من رضوى»([i]) والذي يقبل تأويلات متعددة، بناءً على مرجعيته وحمولاته الثقافيّة والفكريّة، وبناءً على تجربة خاصة عاشتها الكاتبة «رضوى» فأخرجتها -أي هذه التجربة وهذا الوضع- من مجرد الانضواء تحت مجموعٍ من التجارب الإِنسانيّة المكرّرة كثيرًا والمتشابهة، لتكونَ متفردة؛ كـ«رضوى» الذي في منتهى الرسوخ والصمود رغم ما أَتَى عليه من أحداث.

فلم يكن العنوان بالنسبة إلى هذا النص مجرد قيمة مضافة؛ بل ثَمَّة انشراح خاص بين «أثقل من رضوى» الجبل بكينونته الجغرافيّة من جهة ورمزيته الثقافية، ومن جهة ثانية «رضوى» الكاتبة وما واجهته من أحداث لم يتّسع لها هذا الكتاب، الذي جاء «مقاطع من سيرة ذاتية».

لرضوى -في العنوان والسيرة المكتوب منها والمحتجب- دلالة ثراية تُحِيلنا إلى أبي العلاء المعرّي في ثقل همومه:

يُهِمّ الليالي بعضُ ما أنا مُضْمِرٌ ***ويُثْقِلُ رَضْوَى دونَ ما أنا حامِل

وإلى عِزَّة حاضر حسان بن ثابت وإبائه وشموخه:

لنا حاضرٌ فعمٌ، وبادٍ كأنهُ *** شماريخُ رضوى عزة ً وتكرما

وإلى التنوخي، في بيتِ المتنبي:

ما كُنتُ آمُلُ قَبلَ نَعشِكَ أَن أَرى *** رَضوى عَلى أَيدي الرِجالِ تَسيرُ

***

قيمة هذه السيرة ونوعيتها ليست في كونها مواجهة المرض الذي شارفت بسببه الكاتبة على الموت فحسب؛ وتحريرنا من أوجاعنا بالكتابة عنه، وليس في تناولها تجربة الكفاح والصمود لمواجهة الحياة ومشقة تربية الابن «تميم» في ظلّ نفي الزوج «مريد البرغوثي» لأكثر من عشرين عامًا أيضًا، وليس في التنديد بحماقات الواقع وظلمه؛ بل في كونها أنموذجًا للإصرار في تقديس المبدأ، على رفض الانغمار في لعبة الخيانة، ورفض تبجيلها، والتنديد بتلميع تجار الذمم وكرامة الإنسان وعرضه، وأيضًا في المعادل المحتجب من حياة رضوى الكاتبة والناقدة والروائية([ii]) وفي الإرادة التي تدفعها إلى التماسك، وفي القوة الغامضة التي ظلّت تدفعها إلى عدم الاعتراف بالألم أو الخوف؛ حتى في أقسى لحظات الألم والخوف.

***

تمنح هذه السيرة قارءها التوقف على محطاتٍ بعينها من سيرةِ رضوى، فلا تروي المؤلفةُ الأحداث بطريقةٍ أفقيّة، إذ سنلحظ -ونحن تقرأ هذه السيرة- تغييبًا واضحًا لكثيرٍ من الأحداث المفترضة على مستوى التاريخ والجغرافيا، كما ستجد تركيزًا عميقًا على أحداث بعينها؛ لا سيما تلك المتصلة بالمرض، وبمصر الحرية والقيم. مصر التي أحبتها رضوى، وحين كتبت سيرتها لم تستطع إلا أن تكتبها دون غيرها!

فبعد أن تركت الكاتبة الفصل الأوّل، والذي يمرُّ شفيفًا وعاجلًا على قصّة الاسم «رضوى»، والأخ «طارق» سُمِّي فاتح الأندلس وجبل طارق، ومرض هذه الأخ ووفاته، ولحاق الأم به، وقصة مشروع كتابة هذه السيرة، لا تعود إلى الحديث عن طفولتها أو سنوات حياتها المبكرة، وذكرياتها الغضّة إلاّ بعد حوالي عشرين فصلاً، حيث سيرة البيت، واحتضانه مرحلة الحبو وتعثر الخطوات الأولى، ومرحلة التعليم المبكر، والمدرسة الفرنسيّة، وقصيدة فيكتور هوجو «الضمير» العالقة في ذهن طفلة لم تتجاوز العاشرة؛ ولذا فعلى مستوى السيرة بأكملها لا تفاصيل ذات عمق عن الطفلة «المطيورة» و«الثرثارة» و«الأنيقة» ولا عن الفتاة التي «تتكعبل» في فناء المدرسة، أو عن الشابة التي تنسى حقيبتها الصغيرة في القطار فتنتظر عودتها في محطة أخرى، أو تترك محفظتها تراود المارةَ في مكانٍ ما.

وهكذا، فبعد الفصل الأوّل تقفز بنا السيرة فوق أكثر من ستين عامًا من عمر الكاتبة، لتتحدث في الفصل الثاني «واقعة الرابع من نوفمبر 2010م» عن مشاركة الكاتبة في مواجهة قضيّة إنشاء وحدات للأمن الجامعي في جامعة عين شمس «حيث عملت رضوى في التدريس لأكثر من أربعين عامـًا» والتعبير عن رفضها لهذا الأمر، إذ يخدشُ استقلاليةَ المؤسسة التعليميّة بشكلٍ علني صارخ. ثُمَّ -وعبر هذا الفصل وفصولٍ لاحقة- تفضحُ الكاتبة تجنيد الأحزمة الاستخباراتية وكتّاب التقارير السياسية من طلاب الجامعات وغيرهم، وتطرح أسئلة وأفكارًا شائكة ومهمة عن القمع المستور والقمع المُعلن. كما تتناول مواقف من خيانة بعض المسؤولين وجبنهم، وبيعهم قيمهم وضمائرهم المسوخ قرابين وأثمانَ مناصبهم التي لم ولن تصمد أمامَ وعي الإنسان، وقوة الفكر.

***

في ظلِّ هذه المواجهة، وهذه الصراعات التي ترويها امرأة قويّة، لها صوتها الخاص والمتفرِّد، في سياقات صعبة مثل المطالبة -ضمن مجموعة من الأساتذة الجامعيين- بإقالة وزير الداخلية، ومحاكمته «على إثر قراره بإنشاء وحدات للأمن تابعة لوزارة الداخلية في الجامعات» ثم إعلان الرفض لإدارة ماجد الديب لجامعة عين شمس وهاني هلال وزير التعليم العالي ومطالبتهما باستقالتهما «لانحيازهما المكشوف للبلطجية» (ص: 18) أقول: في ظلِّ هذه «الدراما المتشابكة» والمتداخلة ثَمَّة ما كان أشدّ وَطْئًا، حيث بداية رحلة المرض والمعاناة، التجربة التي استغرقت من الكاتبة جلّ مقاطع السيرة.

هكذا البداية كما ترويها: «تورُّمٌ مزعج خلف أذني اليمنى، يبدأ بحجم حبّة لوز، ثم يكبر. نستأصله. يعاود الظهور بعد عامين أو ثلاثة. لا أعيره انتباهًا لعامين آخرين. وحين يصعب تجاهله أذهب صاغرة إلى الجرّاح. هذا هو الحال منذ ثلاثين عامًا … » (ص: 23) إلى حين إصرار زوجها وابنها -تميم البرغوثي الشاعر الذي كان يعمل آنذاك في جامعة جورج تاون بواشنطن- أنْ تسافر إلى واشنطن للفحص والعلاج، فتعرف أنَّ الأمر أعظم من أنْ يكون عاديـًّا، وأكبر من أنْ تكفيه رحلة قصيرة أرادت أنْ تكون في ثلاثة أسابيع، وأرد أنْ تطول إلى حوالي خمسة أشهر.

وبعد؛ فحوالي ست عمليات جراحيّة ما كان لها أنْ تُضْمِرَ صوت رضوى المفعَم بالمرح والأمل والقوّة والسخرية. هذا الصوت الذي يخلقُ نوعًا من القطيعة والتعارض بين هولِ الموقف، وتعامل رضوى معه، أو التعبير عنه، لتعلمنا أنَّ السخرية في وجه الألم هي السبيل للتخفيف من الألم. من ذلك حين تجيب هدى بركات عن سبب سفرها إلى أمريكا فتكتب أنّ السبب فقط: «برتقالة في رأسي» ثُمَّ حين تقترح على الأطباء في المستشفى -وكانوا قد قرروا استئصال عظمة في موضع الورم بالرأس لإصابتها بورم سرطاني- أن يستأصلوا القلب والرأس كإجراء احتياطي أيضًا، ثم سخريتها من طلب المستشفى توقيعها بتحمل التبعات المحتملة للتخدير قبل الجراحة، إذ من المحتمل أنْ يسبب الشلل أو الموت. تسأل: كيف أتحملها وأنا ميتة! (ص: 41) وتعليقها على حدث تشارك الثلاثة -هي وزوجها وابنها- النوم في غرفة واحدة على مدى خمسة أشهر في رحلة العلاج، فتبرر ذلك بـ: «إننا من بلاد طيّبة يقول المثل الشعبي فيها: «لقمة هنيّة تكفِّي مِيَّة» (ص: 47) فالمرأة التي كانت تشارك في بناء مصر، الوطن والإنسان، وتقدم لأبنائه المعرفة، وأنموذجًا في القيم والأخلاق، والضمير الحي، لم تستحق من الدولة الوقوف معها في معاناتها.

حتى حين أبدت السيدة الأمريكية الخمسينية في المستشفى استغرابها: كيف أنَّ جامعتك لا تتكفل بالعلاج؟ تعلّق رضوى على الموقف: «عيّنت نفسي تلقائيًّا وبسرعة مدافعة عن الجامعة المصرية: تتكفل الجامعة بالعلاج في مصر، أما في الخارج فيختلف الأمر، فيصبح أكثر تعقيدًا» (ص: 109) لم تجب بأنَّ السيد عميد الكلية ورئيس الجامعة لم يوافقا أصلاً حتى على إجازتها للعلاج، ثم حين غادرت، نشروا من الادعاءات ما يدينها بأنّهم أصحاب الفضل في التكفل بعلاجها وغيره، انتقامًا لمواقفها السياسية المتمرِّدة. ذلك لأنَّ الحديث في مثل هذه الأسرار وفي مثل هذا الوضع معقد وشائك!

ثم وإنَّه من الواجب أنْ يُذكر رئيس الجامعة هذا بالفضل، يكفي إنْ لم تكن له إلا هذه الحسنة التي تكتب عنها رضوى في الحديث عن معرض استقالته مرغمًا: «علينا الاعتراف أنَّ رئيس جامعة عين شمس تميّز عن بعض زملائه في جامعات أخرى، فلم يأمر بفتح خراطيم الماء وإلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة على طلاب جامعته … ولم يدهم بسيارته المُسْرِعة جَمْهَرَة من الطلاب المعترضين فيصيب مَن يصيب منهم … ولا أطلق بلطجيّة في تلك الأيام على الأقل مدجّجين بالعصيّ والسلاح الأبيض على طلابه المتجمهرين …» (ص: 157)!

وعطفًا على هذه الفكرة السابقة وللتأكيد لم تكن السيرة فرصةً لتصفية الحسابات، أو للوقوعِ في أتون الشماتة والانتقام، كما قد يُظنُّ بها حين تورد بعض الأحداث مشفوعة بأسماء أصحابِها وما اقترفوه من ظلمٍ وخيانات ومؤامرات تجاه الإنسان، وتخلٍ عن أدوارها العضوية الفاعلة، وانثواء في أردان مخابرات السُلطة، ورفع شعارات العنصريّة والتعصّب. لكنّ رواية الموقف كانت تقتضي ذلك، والتاريخ يقتضي ذلك أَيضًا، إِذ أرادت الكاتبة أنْ تكون سيرتها مدونة لبعض أحداث التاريخ، كما تشير إلى هذا في غير مرة، وأرادت لها أنْ تكون عامةً أيضًا، تتصل بالمكان، وتاريخه أكثر من اتصالها بشخص الكاتبة، وحميمية الذات.

***

وهكذا، فاستغرق الحديث عن رحلة المرض، وأحداث مصر والثورة وتداعياتها جلَّ السيرة، حتى لكأنَّ أحداثًا كثيرة أخرى لم تحضر إلا بشكل خاطف وشفيف؛ من ذلك: ظُهْر الجمعة الخالد حيث موعد اجتماعات العائلة وما يحمله من ذكريات على مدى عشرين عامًا. تميم الطفل «الابن» الذي صار شاعرًا، والدها المحامي، الإخوة؛ طارق «الذي صادف يوم وفاته ذكرى ميلاده السابع والستين» وحاتم ووائل. السيدتان اللتان علا الشيب رأسيهما تخطوان مدخل شارع الأزهر، تصعدان العمارة المحاذية، ترقبان مشهد المتظاهرين ضد الواقع المنافق والمنكمش. شهداء الثورة، الذين تكتب عنهم: «أعرف أنَّ قبورهم لن تذهب بَدَدًا، تظل رسائلها الباطنية تسري في الأرض … » (ص: 133). إعجابها الشديد بالبطل أحمد الشحّات يوم تسلق مبنى السفارة الإسرائيلية في مصر لإنزال العلم الإسرائيلي واستبداله بالعلم المصري. شعبان مكاوي، وهند، وصداقة العائلة مع محمود درويش، وناجي العلي، وجلسات الأدب والثقافة؛ جلسات الجوانيين والحداديين.

***

وفيما يخصّ اللغة، فلم يتجاوز النصُ بشكلٍ عام في لغته أرشيفَ الذاكرة والواقع، فجاءت لغتُه تسجيلية غالبًا ومباشرة. تتوسل بالدارجة المصريّة أحيانًا، وبالمثل الشعبي وغيرهما.

وهكذا، جاء هذا النص أقرب إلى اليوميات منه إلى السيرة بشكلها المألوف -مع ما ينبغي أن نتمثله من احتراس حين نفرِّق بين نوعين من الكتابةِ وانعدم الاستقرار حولهما على مفاهيم ثابتة وواضحة- كما اتسم بجنوحه إلى إيراد بعض أحداث ونصوص لا تبدو في صلب الموضوع مباشرة، فستقرأ عن أسطوانات الشمع (السيلندر) وعن قصة قصر الزعفران والقرن التاسع عشر، وجدارية بيكاسو «الغرنيكا»، والحديث عن أغنية ما، أو عن معرض فني، أو عن سحر «عيادة دافنشي» وغيره.

أما إنْ كنّا نقرأ سير الكبار أحيانًا لتلهمنا الحكمة والتجربة فأعتقد أنّ هذه السيرة تقدّم درسًا في مواجهة الألم، وفي التغلب على إحباطات الواقع.

***

رسالة صغيرة وأخيرة إلى رضوى عاشور:

يا رضوى، للأوجاع أعمارها، ولسيرتك الخلود.

وقد تؤول الرسائل إلى غير عناوينها، وقد تظلّ الطريق.

ولكنْ امرأة في أقصى الماء هناك، هناكَ بعيدًا، ستقرأ سيرتك، وستمزّق صورتها يوم باتت ليلة تنتظر خفوت هدير الخوف في داخلها لتسترقَ لحظة إغفاءة ولو قصيرة!

ذاك الخوف، وذاك الوجع، ما كان لشيء أنْ يخمده إلا سيرتك؛ وإنْ لم تمته. فاكتبي لي، فاكتبي لها!

1) صدرت بعنوان «أثقل من رضوى» مقاطع من سيرة ذاتية، دار الشروق، مصر، ط1، سنة 2013م.

2) لرضوى عاشور من الروايات «الطنطورية»، و«فرج»، و«قطعة من أوروبا»، و«حجر دافئ»، و«خديجة وسوسن»، و«سراج»، و«ثلاثية غرناطة»، و«أطياف»، ولها مجموعتان قصصيتان: «رأيت النخل»، و«تقارير السيدة راء»، ونص سيرة بعنوان: «الرحلة؛ أيام طالبة مصرية في أمريكا». هذا بالإضافة إلى جملة من الدراسات النقديّة، وإشرافها على ترجمة الجزء التاسع من موسوعة كامبريدج لتاريخ النقد الأدبي، وترجمتها مختارات من شعر مريد البرغوثي.

([i]) صدرت بعنوان «أثقل من رضوى» مقاطع من سيرة ذاتية، دار الشروق، مصر، ط1، سنة 2013م.

([ii]) لرضوى عاشور من الروايات «الطنطورية»، و«فرج»، و«قطعة من أوروبا»، و«حجر دافئ»، و«خديجة وسوسن»، و«سراج»، و«ثلاثية غرناطة»، و«أطياف»، ولها مجموعتان قصصيتان: «رأيت النخل»، و«تقارير السيدة راء»، ونص سيرة بعنوان: «الرحلة؛ أيام طالبة مصرية في أمريكا». هذا بالإضافة إلى جملة من الدراسات النقديّة، وإشرافها على ترجمة الجزء التاسع من موسوعة كامبريدج لتاريخ النقد الأدبي، وترجمتها مختارات من شعر مريد البرغوثي.

3,620 total views, 5 views today