حاتم الطائي

مقدمة

نعم .. إنها نيابة ” الشويمية ” .. هي الحكاية والأساطير واستنطاق الحجر والبحر، هنا في سلطنة عمان لن تجد أمام تلك الجغرافيا سوى الانبهار والدهشة، مثلث متساوي الأضلاع، مغلق على أسراره بينما يشع الجمال من جنباته، فتزدهر معاني الماء والصحراء والأودية الخضراء .. هذه السبيكة لمن لا يعرف، تضرب بثقافتها وعمقها التاريخي وتفردها الجغرافي نحو زمن سحيق، وقبل أن تخطفنا الجغرافيا الساحرة علينا أن ننتبه للروح الوثابة التي مزجت كل هذه العناصر لتعيش الشويمية وتهمس للباحث عن أسرارها، تلك الروح الممتدة عبر الزمن لم تكن سوى الإنسان، الذي أخلص لطبيعة بلاده فمنحته حق الخلود.

والشويمية تقع على الساحل المطلِّ على بحر العرب في محافظة ظفار، وتبعد عن مسقط 750 كيلومتراً، وعن مدينة صلالة 350 كيلومتراً تقريباً.

تناقض متداخل

نستطيع أن نقول بأن حل اللغز بالشويمية يكمن في التناقض المتداخل حيث تجمع بين عالمين كل منهما عكس الآخر فنجد تمايز مذهل في البيئة البحرية وبنفس القوة يصعد التمايز في البيئة الصحراوية، ولذلك من الطبيعي أن تجد أهل الشويمية يجمعون بين حرفتين من بيئتين مغايرتين؛ صيدُ السمك ورعي الإبل والأغنام.

على امتداد من الشريط الساحلي الواصل بين محافظة ظفار وتخوم المنطقة الوسطى، تتوزع قبيلة البطاحرة بين عدد من القرى الساحلية الصغيرة كشربثات ومنجي والصويقرة وغيرها من القرى المجاورة إلا أن الشويمية تعد العاصمة الرئيسية التي تتمركز فيها قبيلة البطاحرة. لقد كان لهذا الموقع المتفرد على الخارطة العمانية، باعتباره حلقة وصل بين الساحل والصحراء جهة، والشمال والجنوب من جهة أخرى، الأثر الرئيسي في تشكيل حساسية أبناء تلك المنطقة وثقافتهم ولغتهم وهويتهم الحضارية بصفة عامة.

وفضلا عن اللهجة البدوية السائدة في تلك المنطقة، فإن البطاحرة يمتلكون لغة خاصة بهم تعرف بالبطحرية تتشابه في بعض جوانبها مع الحرسوسية لغة قبيلة الحراسيس في منطقة جدة الحراسيس_ تلك الصحراء المحاذية لمضارب القبيلة من جهة الغرب، كما تتشابه لغتهم المتفردة أيضا مع اللهجة المهرية في الجنوب، ومبعث هذا التشابه هو تحدّر جميع هذه اللغات من سلسلة اللغات السامية القديمة.

يروي القبيلة أن تسمية القبيلة تعود إلى بيت بطحا، والبطحة هي الرمل، وهم يرجعون ذلك إلى أنهم كانوا في يوم ما من الأيام كثيري العدد كالرمل، كما كانوا_ وفقا لروايتهم_ يسيطرون على مساحة واسعة من اليابسة.. غير أن واقع الحال اليوم يشير إلى أن أعدادهم أقل بكثير جدا مما يروونه عن تعدادهم في الأيام الغابرة، وهم يعيشون على الصيد البحري والرعي، حتى إذا جاء فصل الصيف توزع العديد منهم في واحات النخيل، المجاورة في الوديان، بالاستفادة من محصول النخيل والوقاية من حرارة الجو.

وانطلاقا من تأويل البطاحرة لجذر تسميتهم القبلية، يمكن للمتتبع أن يقف على حزئية هامة تتعلق بثقافة القبيلة يتردد صداها الواضح في أشعارهم وقصصهم الشعبية وأغانيهم، ألا وهي عنفوان الاحساس بالهوية الذاتية، فكل بطحري لا يشعر بالفخر فحسب لأنه ينتمي لقبيلته، وإنما يمارس هذا الفخار في سلوكياته اليومية كضرورة أن يؤكد أن فلان بن فلان البطحري عند التعريف بنفسه فضلا عن أن البطاحرة لا ينفكون عن التغني بأبطالهم الخالدين كعلي بن حزير البطحري وشعيفيرة البطحرية وعلي بن شريم البطحري. مضافا إلى ذلك ملحمتهم الشعرية المنظومة باللغة البطحرية، المسماة بـ “قصيدة الحمسة” التي لا تصور أمجادهم وبطولاتهم فحسب، ولكن تشكيل التأويل ومما لا شك فيه أن الموقع الجغرافي للقبيلة بين الشمال والجنوب قد لعب دورا مهما في خلق روح الانتماء الحادة لدى البطاحرة، يعزز ذلك قلة أعدادهم، الأمر الذي يضاعف الاحساس بالهوية الذاتية كردة فعل لا شعورية خوف الذوبان في هوية الآخر السائد. وإذا صحا ما يرويه البطاحرة عن أعدادهم الهائلة فيما مضى، فإن ذلك يفسر بشكل واضح سيادة الرغبة في الاستمساك بالهوية الذاتية إلى أبعد مدى حفظا على أساطيرهم وبطولاتهم. أما إذا لم يثبت أن البطاحرة كانوا كثيرين العدد فيما مضى، فإن الزعم بكثرة عددهم يقف باعتباره إحدى ممارساتهم الحالية لخلق صورة ذهنية متفردة عن أنفسهم كنوع من تعميق الاحساس بالهوية الذاتية، ولغياب أية دراسات موثقة عن  البطاحرة فإن المرء لا يستطيع أن يقطع بشيء صارم في هذا الشأن، أعنى، مصداقية قولهم بكثرة تعدادهم قبل بضع مئات من السنين.

يرجع البطاحرة تناقص أعدادعم إلى البرتغاليين الذي غزوا الشريط الساحلي العماني في القرن السادس عشر الميلادي حيث تزخر حكاياتهم التي يعرفها كل طفل في القبيلة بمجموعة هائلة من قصص البطولة التي تصدوا فيها للبرتغاليين في معارك شتى، تصل هذه الحكايات أحيانا حد الخرافة وهو ما يشي بالصورة والهوية التي يحب البطاحرة أن يعرفوا بها، وهي صورة تجعلهم ممتلكين لقوى خارقة أو ما يعرف بقوى الأسرار، من استعمال السلاح، كتلك المعركة الشاطئية التي قام البطاحرة فيها بالإيحاء لسرطانات البحر لتهاجم البرتغاليين وتقضي عليهم. وثابت الأمر أنه على امتداد الشريط الذي يسكنه البطاحرة، وعلى الأخص في منطقة رأس فغارة توجد مجموعة كبيرة من المقابر تتوزع هنا وهناك وهذا ما يعزز مبدئيا ما لم يكتب في كتب التاريخ بل ما يرويه رواة البطاحرة أنفسهم، عن المعارك التي خاضوها مع المستعمرين البرتغاليين، كذا عن أن أعدادهم كانت في يوم من الأيام أكثر مما هي عليه حاليا. إن من اللافت للنظر حقا، أن يكون للبطاحرة كل هذه القصص التي تروي هويتهم، وهو الأمر الذي لا يتوافر في القبائل المجاورة التي تتشابه ظروف معيشتها معهم.

ينبغي القول هنا أن هذه المنطقة تعد من أقدم مواقع الاستيطان البشري في الجزيرة العربية، إذ وجد بها آثار تعود إلى ستة آلاف قبل الميلاد.

وعلى أية حال، فإن الملامح المتوفرة عن خلفية البطاحرة جغرافيا وديموغرافيا وحضاريا واجتماعيا، تفسر سر تمسكهم بهوياتهم الذاتية، أما ما يميز البطاحرة حقا،فهو اشتغالهم على تعزيز هذه الهوية عبر اللغة والرقص والغناء والقص وباقي أجزاء الثقافة، إذ يتميز السرد الشفاهي لدى البطاحرة عبر حكاياتهم الشفوية مثلا باحتفائه بتلك الروح العامة السائدة لديهم، أعني حدة التمسك بالهوية الخاصة بهم حيث نجد أن حكايات البطاحرة تتقد بذكر انتصارات القبيلة وخلق صورة أسطورية لمجموعة من الأبطال رجالا ونساءً كما في الحكايات التالية:

قصة علي بن حزير البطحري:

كغيره من الصبية في سن العاشرة، كان علي بن حزير البطحري يلعب مع أترابه قريبا من شاطئ الشويمية حيث يقطن ذووه من البطاحرة آنذاك. تصادف أن رست إحدى سفن القراصنة البرتغالية على ساحل الشويمية لتتزود بالمياه العذبة. وعند رحيل السفينة كان القراصنة قد اختطفوا علي البطحري تماما مثلما يحدث ذلك بين مدة وأخرى. لسنوات لاحقة عاش علي البطحري بين القراصنة، تعلم فنون القتال وحذقها حتى أصبح أحد قادة القراصنة.

إلا أنه ما إن بلغ مبلغ الرجولة حتى عاوده الحنين إلى طفولته، الحنين إلى قريته وأهله، فأضمر في نفسه أمراً.

ذات يوم أوكلت لعلي مهمة بحرية، ملأ السفينة بالقروش الذهبية ورافقه عدد من القراصنة، حتى إذا جن الليل استهدى بنجم يُعرف باسم ” نجم الياه”فيما خلد الجميع للنوم.

بعد مسافة طويلة من الإبحار، إذ يسأله كبير القراصنة:

يا علي اسمع البر.

يرد عليه علي: البر بعيد خليك نايم.

وهكذا وصل علي إلى شاطئ الشويمية، رسى بالسفينة وامتطى سيفه واستمسك بدرعه ونزل إلى البر فيما الجميع نيام. دخل علي موطيء أقدام طفولته مجددا، لكن أحدا لم يعرفه، وإذ عرّف بنفسه وسرد قصته تسنى له أن يلتقي بوالديه وبرجالات القبيلة. حينها أدار علي الجمع، نظم رجال القرية بعد أن تسلحوا، وعند الفجر هاجموا القراصنة فأبادوهم جميعاً ووزعت فيما بينهم. وعاش علي بن حزير في الشويمية بين أهله وأحبائه.

قصة شعيفيرة البطحرية/ راقصة النار:

لم يكن الشك يداخل أحداً في أن شعيفيرة كانت أجمل نساء البطاحرة، امرأة ممشوقة القوام وراقصة بارعة في فنون الرقص التي تمارسها القبيلة.

ذات نهار بعيد.. دعت مجموعة من نساء قبيلة الحراسيس المجاورة عددا من النساء البطحريات للشتراك في طقس راقص.. اشتعل التنافس بين نساء القبيلتين، غير أن امرأة حرسوسية تدعى بنت بوذيف بذت جميع نساء البطاحرة في الرقص وتغلبت عليهن، وهكذا لم يعد للبطحريات غير القابلات لمرارة الهزيمة سوى أن يستدعين شعيفيرة.

اعتذرت شعيفيرة عن الاشتراك في الرقص لأنها كانت قد أنجبت مولوداً قبل ثلاثة أيام فقط، غير أن نساء القبيلة لا يعرفن الخضوع للهزيمة فألححن عليها بشدة. لم تجد شعيفيرة بدا من الاشتراك في الرقص. تناولت شعيفيرة ثوبا ولفته بقوة حول بطنها، امتطت ناقتها واتجهت حازمة نحو الاحتفال. حيث ذاك أمرت شعيفيرة بجلب قطعة خشب صغيرة ملتهبة، وتم لها ما أرادت، لقد لفّت الخشبة الملتهبة بشعرها من الخلف. حينها وبلا إبطاء اقتحمت شعيفيرة حلقة الرقص لتنعش( ترقص هازة شعرها) ولعبت بالصف حتى كف الجميع عن الحركة ناظرين لتلك الراقصة التي كانت ترقص بعنف وفن لا مثيل لهما. وبعد دقائق من العنفوان البطحري، كانت شعيفيرة قد دمرت جميع الراقصات الأخريات لتتوج أجمل نساء القبيلتين.

علي بن شريم البطحري:

تعرضت الشويمية لغارة من قبيلة ببني كثير من الجنوب، وأسفرت عن سرقة جميع إبل البطاحرة التي اقتادها الكثيريون نحو الجنوب، كل هذا وعلي بن شريم البطحري_ بطل البطاحرة_ غائبا في رحلة قنص.

تجمع رجال البطاحرة في حدود 30 نفرا يتزعمهم مشيلح ليتابعوا القبيلة الغائرة. أوصى مشيلح النسوان بعدم إخبار علي بن شريم بالحادثة عندما يعود حتى لا يذبح كل الأعداء وتكون بداية لحرب لا نهاية لها. ومضوا بمتابعة الغزاة.

عندما عاد علي بن شريم وشاهد آثار الإبل العديدة، لاحظ على الفور آثار الإبل تملأ الرمال وتنذر بشيء، سأل أخته “قبالات” عن آثار الإبل وإثار مشيلح! فأخبرته عن الغزاة، وعن ناقته فرحةالتي سرقت مع إبل القبيلة.

كان الرجال الثلاثون قد رحلوا منذ ثلاثة أيام، ثم تابعهم علي بن شريم حتى بندر قنوت ثم تابع الطريق في وادي الشويمية حتى وصل إلى غافة كبيرة لها ظل كبير فاقتلعها وحملها على كتفه وواصل الطريق. في تلك الأثناء كان مشيلح ق بدأ التفاوض مع الكثيرين، غير أن علي بن شريم يصل فجأة، وما إن علم جماعة علي بن شريم بوصوله حتى قاموا بامساكه والتحفظ عليه تنفيذا لأوامر مشيلح بربطه بالحبال حول شجرة حتى لا يهاجم الأعداء. في تلك الأثناء كان مشيلح قد بدأ بالتفاوض مع الكثيرين، وكان الكثيرون يماطلون بعدم ارجاع البوش. عند الغروب سأل علي بن شريم مشيلح عن النتيجة، فرد مشيلح بأنهم”سيردون البوش” قال علي بن شريم ” خلوهم علي أنا، بيردوا البوش”.

عند الفجر فكوا عنه العقال الذي ترك آثاره على جسد علي بن شريم، ثم وقف علي بن شريم قائلا” لعن أمك يا مشيلح خليتني متعور من الحبال”.

أخذ علي بن شريم غافته وهاجم الأعداء الذين حملوا جميعهم عليه وهاجموه، لكن كل سيوفهم ورماحهم علقت في الغافة وضربهم هو بالغافة وقتل العديد منهم. واستعاد البوش وركب ناقته فرحة. وهو واحد غلب مئة شخص.

البيرح وبيرحات

وركض طائرا بين السماء والأرض من السرعة على ناقته فرحة، ثم وزع الغنائم على أفراد القبيلة من فضة وخناجر وسيوف.

6,282 total views, 5 views today