السيِّد قصي الخباز


في العام 1991م، قرأت كتاب “قصة الفلسفة” لول ديورت، وكان يتحدَّث عن الفلسفة والفلاسفة منذ سقراط وحتى عصر ديوي، وكان ممَّا أعجبت به شخصية فولتير الأديب والفيلسوف الفرنسي المولود في باريس عام 1778م، وخلال الأعوام السابقة كُنت قد قرأت بعض التلميحات إلى أنَّ فولتير لم يكن يؤمن بوجود الإله.

اليوم، وبعد 20 عاماً، وبعد أن تعلَّمت الفلسفة، وقع بين يدي كتاب بعنوان “قاموس فولتير الفلسفي”، ولكن قبل الدخول في أصل القضية، أود أن أبيِّن ميزات هذا الكتاب، أنه بقلم فولتير نفسه، وبترجمة جيدة من الأستاذ يوسف نبيل، ومراجعة جلال الدين عزالدين علي، ومن إصدارات مؤسسة هنداوي 2017م.

الكتاب يقع في 320 صفحة؛ ويتناول موضوعات: فلسفية، وأخلاقية، وسياسية، وقانونية من قبل المؤلف، يُمكنك أن تختار الموضوع محل اهتمامك باستقلالية تامة.

إنَّ قلم المؤلف قلمٌ أدبيٌّ، عبارته متراصة، بعيد عن التعقيد اللفظي، يأخذك نحو مزيد من التشويق للمتابعة في القراءة.

(هنا.. ينتهي الوصف الموجَز لهذا الكتاب)

تناولتُ موضوع الإلحاد؛ كأحد المواضيع التي اهتمَّ بها الكاتب، وحيث إنَّ الموضوع ليس طويلاً؛ حيث يقع في 10 صفحات مُرتبة على النحو التالي: يعرض الكتاب الموضوع، ويوضح المفاهيم حوله بأسلوب سردي قصصي، ثم يعرض أدلة كل فريق والرد عليها.

يُورِد 10 اعتراضات والرد عليها.. وإليك نموذج منها:

  • اعتراض موبرتيوس

ما نفع الجمال والتناسب في تكوين الثُّعبان؟ يقول بعض الناس إنه ربما يكون لها استخدامات نجهلها. فلنصمت على الأقل؟ ولنمتنع عن الإعجاب بحيوان لا نعرفه إلا بالضرر الذي يفعله.

ويأتي رد فولتير بكل قسوة قائلاً: ولتصمت أنت أيضاً، بما أنك لا تستطيع أن تدرك جدواه أكثر مما أستطيع، أو أن تعترف بأن كل شيء في الزواحف يثير الإعجاب في تناسقه.

بعض الزواحف سام، وأنت أيضا تنفث السم، إنما نسأل هنا عن الفن المذهل الذي شكل الثعابين، وذوات الأربع، والطيور، والأسماك، وذوات القدمين. هذا الفن في حد ذاته دليل كاف. تسأل: ماذا يؤدي الثعبان؟ ماذا عنك؟ لماذا تسبَّبت بالأذى مرارا؟ لماذا اضطهدت؟ وهذا أعظم جُرم يمكن أن يرتكبه الفيلسوف. هذا سؤال مختلف سؤالا حول آفة أخلاقية ومادية، كم تساءل المرء طويلا؟ لماذا يوجد كثير من الثعابين؟ وكثير من البشر الأشرار الأسوأ من الثعابين؟ لو كان للذباب أن يعقل لاشتكى إلى الله من وجود العناكب، لكنه كان سيُقر بما أقرت به مينيرفا عن أراكني في الأسطورة أنها تنسج شبكتها ببراعة مذهلة.

على المرء إذن أنْ يعترف بهذا الذكاء الذي لا يُوصَف الذي أقر به إسبينوزا نفسه. وعلى المرء أن يُوَافق على أن هذا الذكاء يبرق في أكثر الحشرات تفاهة كما في النجوم. أمَّا ما يتعلق بالآفات الأخلاقية والعيوب الجسدية، فماذا يستطيع المرء أن يقول؟ ماذا يستطيع أن يفعل؟ فليعزِّ نفسه بأنه يستمتع بالخير الأخلاقي والجسدي في عبادة الكائن الأبدي الذي خَلَق واحدا وسمح بالآخر.

إنَّ الإلحاد رذيلة يقترفها قلة من الأذكياء، والخرافة رذيلة الحمقى.

هكذا جاء في قاموسه، بل زاد في كيل اتهامه لهم، بينما في مورد آخر يُبيِّن فساد المذهب الحسي الذي لا يُمكنه إدراك الأمور العقلية المجرَّدة.

“الملاحدة في المقام الأول باحثون وقحون، ومُضلِّلون وفاسدو الفكر، وبما أنهم غير قادرين على فهم الخلق، وأصل الشر، وغيرها من الإشكاليات، فهم يلجؤون لفرضية أبدية الأشياء وفرضية الحتمية.

لا يملك الطموحون والحسيون الوقت لإعمال العقل، أو لاعتناق نظرية سيئة؛ فلديهم أشياء أخرى يفعلونها”.

يُمكنني أن أخلص إلى أنَّ فولتير، رغم ما قيل عنه أنه لا يعتقد بوجود الإله، وإن كان هناك كلام فليس في أصل الوجود، بل بمسائل متفرِّعة عليه، كما سأنقل لكم نص عبارته في هجومه على كهنة الكنيسة في عصر التنوير.

“لذلك؛ فإنَّ معلمينا ينسبون إلى الله سخافاتهم وسوراتهم، فالله هو عكس ما يدعون، فالله حكيم وخير بقدر ما يصورنه مجنونا وشريرا، هكذا يفسر الحكماء الأمور”.

جانب من مقال بعنوان “فولتير وخرافة الإلحاد” لزكي الميلاد، باحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة، رئيس تحرير مجلة “الكلمة”، منشور على موقع شبكة النبأ المعلوماتية: “… عُرِف فولتير واشتهر بنقده الشديد والصارم للخرافات، خصوصا تلك التي أحاطت بالدين والتصقت به، وتسمَّت باسمه، وعرفت بالخرافات الدينية؛ حيث انتعشت في عصره واشتدت، وباتتْ تمثل علامة تعرف بها وتميز المؤسسة الدينية الكنسية آنذاك، التي كانت تتاجر بهذه الخرافات وتتربح بها، وتستعملها أداة لفرض سيطرتها الدينية على الناس، وتكريس تبعيتهم العمياء لها.

الوضع الذي رفضه فولتير ولم يقبل الاستسلام له، وانخرط في مواجهته بكل ما أوتي من قوة بيانية وفكرية، وكان شرسًا في هذه المواجهة، لم يتهاون فيها، ولم يتراجع عنها، ومثلت علامة بارزة في سيرته الفكرية.

لذا؛ كان من المدهش أن يكون فولتير -الذي خاض كل تلك المعارك الشرسة، وأصبح يُكنَّى بـ”أبو التنوير” كما وصفه كارل بوبر (1902-1994م)- يأتي بعد كل ذلك ويرى أن الخرافة أفضل من الإلحاد! علمًا بأن هذا القول غير المتخيَّل من فولتير لا يراد منه على الإطلاق مدح الخرافة، ولا الاعتراف لها بشيء من الفضيلة، وإنما جاء بقصد الإيغال في نبذ الإلحاد ومقته، وزيادة ذمه وتقبيحه، والتنفير منه، إلى درجة تكون الخرافة على قبحها أفضل حالا منه!

في عصر فولتير، ارتبطت الخرافة بطبقة رجال الدين المسيحيين، وارتبط الإلحاد بطبقة الفلاسفة، والمدهش أن رجال الدين كانوا خصوم فولتير وأعداءه، والفلاسفة كانوا أصحاب فولتير وأصدقاءه، وبحكم هذه المعادلة كان من السهل على فولتير أن ينفر من الدين بسبب خصومته الحادة والطويلة مع رجال الدين، كما كان من السهل عليه أن يُصبِح ملحدًا بسبب صُحبته الحميمية والطويلة للفلاسفة، لكنه قلب هذه المعادلة، فلا الخصومة مع رجال الدين دفعته للابتعاد عن الدين، ولا الصحبة مع الفلاسفة دفعته للاقتراب من الإلحاد، مُقدِّمًا صورة مغايرة عن نفسه، متفردًا بها على أقرانه.

العارفون بسيرة فولتير يذكُرون أنَّ إيمانه بالدين ظل يتَصَاعد، وبالذات في سنواته الأخيرة، ولم يتراجع هذا الإيمان ولم ينكمش أو يتقلص، وظهر ذلك جليًّا في مجادلات فولتير المستمرة مع أقرانه الفلاسفة، مُعلِنًا تمسكه بالدين، والإيمان بوجود الله، مقدمًا نصوصًا بليغة في الدفاع عن الدين.

ومن هذه النصوص ما دوَّنه فولتير مجيبًا عن سؤال زميله بيير بايل (1647-1706م)، قائلا: “لا بد للبلد ليكون صالحًا أن يكون له دين، أريد من زوجتي وخياطي ومحامييِّ أن يُؤمنوا بالله، وبذلك يقل غشهم وسرقاتهم لي… لقد بدأت أعلق أهمية أكثر على السعادة والحياة من الحقيقة….”.