RMJ

رضا بن مهدي بن جواد اللواتي

عندما كانَ العربُ والمسلمون في أوجِّ عطائهم العلمي وإنتاجهم المعرفي، كان الغربُ غارقاً في الحروبِ الدينيَّة بين مُختلف المذاهب المسيحيَّة خاصة، في وسط أوروبا.. وامتدَّتْ هذه الحروب الطاحنة بين أبناء المسيحيَّة لقرون عديدة -امتدَّت لأكثر من خمسمائة عام- حيث لم تُبق حجراً ولا مَدراً إلا وأتت عليه. أما نتيجة هذه الحروب، فكانتْ هزيمة جيوش كبيرة -كألمانيا، وفرنسا، والنمسا، وإسبانيا (الدول الأربعة الأقوى في العصور الوسطى)- وتفككت تلك الدول إلى إقطاعيَّات مُقسَّمة حَسْب العرق والمذهب، ولم تنتهِ هذه الحروب الطويلة إلا بعد توقيع “اتفاقيَّة وستفاليا”، والتي كانت أولى ثمراتها: تأسيس كيانات جغرافيَّة -عُرفت لاحقا بالحدود الدوليَّة- ووضعتْ الاتفاقيَّة المبادئ الأوليَّة لشرعنة العولمة والعلمنة والدولة المدنيَّة، فضلا عن النتائج الأخرى على الداخل الأوروبي من تغيير في الهُويَّة الاجتماعيَّة والدينيَّة والسياسيَّة في الدول الواقعة وسط أوروبا؛ فتغيَّرت الانتماءات الدينيَّة لبعض البلدان من الانتماء إلى الكنيسة البروتستانتيَّة -بعدما كانت تتعبَّد بالكنيسة الرومانيَّة الكاثوليكيَّة- وأدَّت إلى صُعود بعض التيَّارات الدينيَّة المتشدِّدة؛ مُعارضة للتوجُّهات الإصلاحيَّة في حِيْنه. وكانتْ الحُروب الصليبيَّة الدينيَّة على المشرقِ الإسلاميِّ من النتائج المباشِرة للحروبِ الدينيَّة الداخليَّة في أوروبا؛ حيث أحجمتْ “اتفاقيَّة وستفاليا” وأطَّرتْ توسُّع الكنيسة، وقنَّنت تدخلاتها في الشأن العام؛ وأتت الحروبُ الصليبيَّة تصديرًا للأزمة الدينيَّة الأوروبيَّة إلى خارج حُدودها؛ فبدأت الكنيسة بتحريض شعوبها المتديِّنة للقضاء على أتباع غير المسيحيَّة جيلاً بعد جيل إلى يَوْمنا هذا! ويُخطئ من يعتقد أنَّ الغربَ المسيحيَّ لم يتورَّط في دماءِ اليهود؛ فإنَّ أشهر المجازر في حقِّ اليهود كانتْ من قِبَل الإصلاحيِّين البروتستانتيين ومن تولاهم، وآخرها: الحملة الشَّعواء على القضاءِ عليهم أعقاب الحربِ العالميَّة الثانيَّة؛ ولم يَكُن غَيْر المسلمين من يتحمَّل وِزْرَ غيرهم في الحروب الدينيَّة. ولَمْ يذكر التاريخ لنا يومًا أنَّ المسلمين اعتدوا يوماً على أتباع الأديان الأخرى؛ سواءً في عهد الرسول -ص- أو ما بعده؛ حتَّى عندما سَيْطر المسلمون على إسبانيا؛ عاش أتباعُ جميع الأديان في حالةٍ من الألفة والوئام التام، وشهدتْ تلك الحُقبة الزمنيَّة مُباحثات علميَّة بَيْن علماء الأديان ومُختلف الطَّوائف الاجتماعيَّة، أثمرتْ نتاجًا معرفيًّا ضخمًا، وتلاحقا فكريًّا لتلك الحالة كبيرًا. وها نحن -المسلمين- اليوم، بعدما كُنَّا القدوة في التآلف والتآخِي ونَشْر الإسلام السَّمح الأصيل، ونشر العُلوم العربيَّة والإسلاميَّة، وترجمة كامل التراث اليوناني الفلسفي والعلمي؛ أصبحنا نصِّدر الجهلَ بعدما كُنَّا نصِّدر العلم.. نصِّدر الشرَّ بعدما كُنَّا نصِّدر الخير.. نصِّدر الظلامَ بعد ما كُنا نصِّدر النور؛ هكذا كُنا وهكذا أصبحنا! ويلخِّص لنا فردريك ستار -في كتابه الصادر حديثاً عن مطبعة جامعة برنستون “عصر التنوير الضائع”، ويقصد به عَصْر التنوير الإسلامي- أنَّ المعرفة والفلسفة كانت مُتاحة للجميع؛ مُصبغة بذلك “خميرة” للبيئة الثقافيَّة المتكوِّنة من الشعراء الموهوبين والموسيقيين والفنانين؛ والذين أبدعوا في نفس الفترة وفي نفس الزمن، ولم يكونوا أقل ابتكارا من العلماء والفقهاء، والذين خلَّفوا رَوَائع وتحفًا لا تزال محطَّ تبجيل وإعجاب. (الترجمة بتصرف).

في هذا العدد سوف نقرأ عما يخطط لعالمنا العربي والإسلامي من منظري الفوضى الخلاقة التي يسعى الغرب لإحلالها في المنطقة. وسنقرأ أيضا عن أخلاق الحرب والسلام، ودور الأدب والسرد الروائي أبان مراحل الحروب وعن صناعة نظرية السلام، ومقالات أخرى في مجالات الفكر والأدب والفلسفة والعلوم. وإذ نحن على أبواب شهر رمضان المبارك، نرفع إلى المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – أسمى آيات التهاني والتبريكات سائلين المولي جلّ وعلا أن يعيد على جلالته هذا الشهر الفضيل أعواما عديدة وأزمنة مديدة كما نهنئ الشعب العماني والأمة الإسلامية جميعا بهذه المناسبة المباركة كل عام والجميع بخير.

3,964 total views, 5 views today