محمد شمشاد عالم القاسمي
متخصص في مجال أدب الأطفال – من الهند


شكّل فيروس “كورونا” أخطر وباء في الأيام الأخيرة، مما أسفر عن أن لقي أكثر من مائة وثمانين ألفًا حتفهم، وتجري محاولات جادة لمنع انتشار هذا الوباء وتفشّيه باتخاذ إجراءات صارمة للنظافة الصحية المناسبة، والحجر الصحي، وعزل المرضى، والعزلة الاجتماعية، والتباعد الاجتماعي، وتعزيز المناعة الفردية، والحذر الشديد عند تناول أية مواد ناقلة للفيروس، ولم تقتصر الوفيات والإصابات بفيروس “كورونا” على بلد واحد أو دولة واحدة؛ بل إنما شملت معظم دول العالم وأنحائه، وانتشرت فيها انتشار الحريق في الغابة، ولكن ليست هذه بأول مرة في التاريخ البشري، فقد عانى العالم من الأوبئة الطبيعية الأخرى مثل الطاعون غير مرة واحدة فيما مضى من الدهور والعصور، ففي القرن الرابع عشر الميلادي أصيب أوربا بالطاعون الذي أُطلق عليه “الموت الأسود” ((Black Death، وبلغ عدد الوفيات في أوربا حوالي خمس وعشرين مليون نسمة.

فيروس “كورونا” المستجد هو مخلوق صغير ووباء خطير لا يمكن إدراكه إلا بالمجهر الدقيق، قد عبر جميع القارات بسرعة فائقة متحديًا للأطباء البارعين والمعاهد الطبية المتطورة، والأنظمة الدولية، والحكومات القوية، فقد ترك العالم بأسره مشلولًا تمامًا، وجعل القوى العظمى الدولية الأكثر تطورًا طبيًا، متحيرة ومذهلة أمامه، وبالفعل قلّب المفاهيم رأسًا على عقب، فجعل مدينة باريس الرومانسية ومدينة نيويورك المعروفة بعدم النوم، ساكنة وهادئة، فشوارعها خالية، وطرقها غير متحركة، ونواديها الليلية وحدائقها الجميلة الجذابة ومنتزهاتها الساحرة وسواحل بحارها العاهرة وشواطئها الفاتنة ذات الفسق والفجور، كلها غير مأهولة، كأنها لم تغن بالأمس.

واقتصاديًا قد عانت كافة قطاعات الصحة والاقتصاد من الخسائر الفادحة بسببه، وكلّف العالم خسائر يندر مثيلها في التاريخ البشري، تتمثل في الانكماش الاقتصادي، وازدياد العاطلين عن العمل، وهبوط الفوائد المالية في المصارف والشركات، وتهاوي البورصات، كما يتراجع الطلب على الطاقة يومًا فيومًا، وتجاوزت خسائر قطاع السياحة 70 مليار دولار دوليًا، ومن المتوقع أن تحدث أزمة مالية عالمية.

وقد انتقلت تأثيرات فيروس كورونا من القطاعات الصحية والاقتصادية والسياحية إلى القطاع الثقافي، فأثّر على جميع قطاعات الثقافة العامة عالميًا، فحظر تجمعات واسعة النطاق، وفرض التباعد الاجتماعي، وعزل الناس أنفسهم في معظم أنحاء العالم، كل ذلك قد أدّى إلى إلغاء العديد من أكبر الأحداث الثقافية وتأجيلها، وإيقاف الحفلات والمهرجانات الكبرى عالميًا، منها “غلاستونبري”، وفي كوريا الجنوبية تم تعليق حفلات K-pop، في حين تم تأجيل حفلات “من دولة إلى دولة” وهي تقام عادة في ثلاثة مواقع منفصلة (لندن وجلاسكو ودبلن).

وأما “اليوم الأخضر” (Green Day) فقد أعلن الفنانون الموسيقيون عن تأجيل مواعيد جولاته التي كان من المقرر عرضها في سنغافورة، وتايلاند، والفلبين، وهونغ كونغ، وكوريا الجنوبية، واليابان، وكذلك أعلن “Eurovision” عن تعليق نسخة 2020 من مسابقة “البوب” المحبوبة حتى العام المقبل وذلك لأول مرة من تاريخها، وفي قطاع صناعة الأفلام نجد تأثيرات “كورونا” السلبية، فقد تم إلغاء العرض الأول الصيني لفيلم جيمس بوند الجديد “لا وقت للموت”، و “Sonic the Hedgehog”و“Little Women” و”1917 “أيضًا من بين الأفلام التي تأخرت عروضهم الصينية الأولى، كما تأثرت صناعة التلفزيون بهذا الفيروس.

وأما في عالم الرياضة فنرى تأجيل “يورو 2020م” لمدة عام، بالإضافة إلى إيقاف جميع فعاليات كرة القدم حتى إشعار آخر، وأما بالنسبة لدورة الألعاب الأولمبية التي ستُقام في “طوكيو” فلا تزال الحكومة اليابانية تصرّ على أنها ستمضي قدمًا، على الرغم من أنها تبدو أكثر موضع شك بسبب حظر السفر والحدود المغلقة.

وقد امتدّ نطاق تأثيرات كورونا إلى المهرجانات الأدبية ومعارض الكُتب عالميًا التي تُعتبر مصدرًا حيويًا للدخل للكُتاب والمؤلفين، فقد تمّ إيقافها في جل أقطار العالم، كما تمّ إلغاء “مهرجان أكسفورد الأدبي” هذا العام، إلى جانب إغلاق “معرض لندن للكتاب”، و”مكتبة ستراند” في نيويورك.

هذا، وتبدو تأثيرات كورونا سلبيًا على بعض المعارض الفنية التي تعتمد على كل من التمويل واللوحات التي يتم بيعها، فعزل الأشخاص ذاتيًا بسبب فيروس كورونا، يتسبب في انخفاض عدد أي مبيعات تذاكر أو مبيعات فنية، وفي الأيام الأخيرة قد عانى عديد من المعارض الفنية والمتاحف الشهيرة الرفيعة المستوى من إغلاق أبوابها على المستوى الدولي، منها “Welcome Trust” و”V&A” و”Tate Galleries”، وفي مدينة نيويورك، تم إغلاق جميع المتاحف – بما في ذلك معرض MOMA الفني الأسطوري – إلى أجل غير مسمى.

هذه هي نبذة من تأثيرات فيروس كورونا السلبية على قطاعات الثقافة العامة المتمثلة بالأحداث والحفلات والمهرجانات الثقافية والفنية والأدبية، وصناعة الفلام، والرياضة، والمعارض والمتاحف الفنية مما يجعلني أتوصل إلى أن كورونا قد عطّلت الثقافة العامة.

تأثير كورونا على الثقافة الخاصة (التعليم والتربية)
إن تأثيرات جائحة فيروس كورونا على قطاع الثقافة الخاصة (التعليم والتربية) هي مرئية ومنظورة دوليًا، فقد تم إغلاق أبواب الجامعات والمعاهد والكليات والمدارس ورياض الأطفال، وتوقف الحضور فيها، فتأثّر به الملايين من الطلاب والباحثين وصغار الأطفال على الصعيد الدولي، ودفعت قرارات التحكم في المخاطر هذه ملايين الطلاب إلى حالات “التعليم المنزلي” المؤقتة، وخاصة في بعض الدول الأكثر تأثرًا، مثل كوريا الجنوبية، وإيطاليا، والولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والصين، وإيران، ومن المؤكد أن هذه التغييرات قد تسببت في درجة من الإزعاج، ولكن تأثيرات كورونا على هذا القطاع لها جانب إيجابي ومشرق.

فقد دفعت في غضون أسابيع إلى التغييرات في الطريقة التي يتعلم بها الملايين في جميع أنحاء العالم، وتعطينا تلك التغييرات لمحة عن كيفية تغيير التعليم نحو الأفضل على المدى الطويل، وتبشيرًا بالابتكار العلمي؛ لأن الضرورة والحاجة أمّ الإبتكار والإبداع، ويمكن أن يكون من السابق لأوانه الحكم على كيفية تأثير ردود الفعل على كورونا على الأنظمة والمناهج والطرق التعليمية والتربوية حول العالم، ولكن تأتي إشارات تشير إلى أنها سيكون لها تأثير إيجابي مشرق دائم على مسار الابتكار في مجال التعليم والتربية، والتحولات نحو الأفضل فيه.

إن المؤسسات التعليمية ما زال أكثرها يعتمد على مناهج التدريس القائمة على المحاضرات منذ قرون على مستوى العالم، مما يُعتبر مملًا للطلاب في عصر التكنولوجيا، فمن هذه الناحية تلعب كورونا الآن دورًا مهمًا في تحفيز المؤسسات التعليمية على البحث عن حلول جديدة، وابتكارها في كافة أرجاء العالم، فبدأ الطلاب في الهند والصين وهونغ كونغ وغيرها من دول العالم التعلم من المنزل عبر التطبيقات التفاعلية مثل “Zoom” وغيرها، وكذلك يتبنى بعض المؤسسات التعليمة طريقة إرسال المواد التعليمية إلى الطلاب بالبريد الإلكتروني والواتساب، كما يحصلون عليها من خلال البث التلفزيزني المباشر إلى جانب تعزيز أدوات التعلم غير المتزامنة القياسية عبر الإنترنت (مثل مواد القراءة عبر Google Classroom) بتعليمات الفيديو المتزامنة وجهًا لوجه، كل ذلك للمساعدة في مواصلة النشاطات التعليمية واستمرارها.

وفي الأيام الحالية تنتشر تقنية G5 في الدول الأكثر تطورًا، فيمكن أن نرى في الأيام الآتية القريبة الخبراء التربويين ومقدّمي الحلول والمتعلمين حول العالم يتبنون حقًا مفهوم “التعلم في أي مكان وفي أي وقت” للتعليم الرقمي في مجموعة متنوعة من الأشكال، وكذلك سيشهد التعلم التقليدي في الفصول الدراسية ابتكار طرق تعلم جديدة أخرى مما يؤدي إلى أن يصبح التعلم عادة مدمجة في الروتين اليومي، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.

ومما تقدّم يمكن لنا أن نتوصل إلى أن تأثير فيروس كورونا السلبي على نشاطات تعليمية وتربوية أقل منه على الثقافة العامة، ولم يعطّلها تمامًا كما عطّل قطاعات اقتصادية وسياحية ومجال الثقافة العامة؛ بل أطلقت كورونا نشاطات تعليمية لحد ما.