كاظم الشبيب

خِلَال ثلاثة عُقُود ونَيْف، وعَبْر مُطَالعاتي للروايات العربيَّة والأجنبيَّة، قليلةٌ هِيَ تلك الروايات التي تشدُّني حتى الانغماس، أو تجرُّنِي حتى الالتصاق، أو تَجْذِبني حتى الذوبان.. رواية “قواعد العشق الأربعون” للكاتبة التركية إليف شافاق هي مِنَ هذا النوع المتميِّز، الذي قلَّما يصلُ إلى أيدي القرَّاء مثلها.. تهزُّ الوجدانَ، يَذُوْب المتلقِّي في مَوْضُوِعها، يَرْتَوي مِن رحيقها، يَعِيْش لحظات شخصياتها وكأنَّه شاهدُ عَيَان على مُجريات الأحداث اليوميَّة فيها.

مَنْ أرادَ أنْ يَقْرأ رواية ذات روح روائية حقيقية، مَنْ أرَادَ أن يُبْحِر في الأدب التاريخي، مَنْ يَعْشَق أدب التجلي العرفاني، مَنْ يُحبُّ إنسانية الإنسان والأدب الإنساني.. إلى كلِّ هؤلاء أقول: عليكم اقتناء وقراءة رواية “قواعد العشق الأربعون”، رواية عن جلال الدين الرومي كما جاء في عُنوان الكتاب وغلافه.

ما هي مضامين هذه الرواية التي بِيْع منها حتى العام 2012 أكثر من 600 ألف نسخة بلغات مُختلفة؟ وما هي عناصر الأدب التي أَعْطَت القوة لهذه الرواية التي صَدَرَت أول مرة باللغة الإنجليزية في فبراير عام 2010 في أمريكا، ثم صَدَرَت الطبعة الثانية في يوليو 2010 في بريطانيا؟ ما هي الرُّوح التي سَرَت في عروق هذه الرواية لتجعلها تسحر القراء بخمسمائة صفحة انتظمتْ بين دَفَّتِي الرواية التي كانت الأكثر مبيعاً عند صُدُوْرِها في تركيا وإيطاليا وفرنسا وبلغاريا؟

الراوية والرواية:
أولاً – الراوية:
تقول الكاتبة التي تكتبُ باسمها الأول “إليف” والثاني “شافاق” وهو اسم والدتها، وليس اسم والدها أو عائلتها، فقد انفصل والدها عن أمها وهي في السنة الأولى من عمرها.. تقول عن روايتها كما جاء في مُقابلة معها: “إنَّ روايتي “قواعد العشق الأربعون” تَعْرِضُ نظرةً ثاقبةً على الفلسفة القديمة القائمة على وِحْدَة جميع الأديان والشعوب”. وحقيقةً، هذه الرؤية مرجعها تراكمي لدى الكاتبة من خلال الخلفية الأكاديمية التي قبل أن تنهي فيها الدكتوراه كان موضوع رسالتها لنيل درجة الماجستير هو “الإسلام والنساء والتصوُّف”، ثم تجربتها كأستاذة محاضرة في مادة الدراسات والأجناس في جامعة أريزونا، ثم جاء دَوْر تجربتها كمطالعة وقارئة من الدرجة المتقدمة في الفلسفة والتصوُّف، وكان لاطلاعها الواسع على تجربة “شيخ الصوفية الأكبر” مُحيي الدين بن عربي، وتاريخه، أثرٌ واضحٌ في كتابة هذه الرواية. ورُبَّما كان لوالدها الفيلسوف نوري بيلجين تأثيرٌ على مسيرتها الفكرية. ثم تراكمتْ تجربتها الكتابية؛ فللكاتبة كتابات كثيرة وَضِمْنها روايات ثمانية؛ منها: “الصوفي”، و”مرايا المدينة”، و”النظرة العميقة”، و”قصر البرغوث”، و”لقيطة إسطنبول”، و”شرف”…إلخ، ولها كتاب “المد والجزر” تُنَاقِش فيه قضايا حول مكانة المرأة والرجل والجنس والذهن والأدب. أمَّا روايتها “مرايا المدينة”، فهي الوجه المكمِّل لروايتها “قواعد العشق الأربعون”؛ لأنَّ الأولى تتطرق إلى التصوُّف عند المسلمين واليهود في خلفية مُتوسطية من القرن السابع عشر الميلادي.

ثانياً – الرواية:
“الحبُّ” هو العمودُ الفقريُّ الذي ترتبط جميع خيوط الرواية فيه؛ فمسار الحبِّ البشريِّ يَتَصَاعد في آنٍ واحد مع عُرُوج الحبِّ العرفاني في مسار النقاء والارتقاء. حبُّ البشر والحجر، حبُّ الطبيعة والحقيقة، حبُّ القيم اللامحدودة، حبُّ التجلي عبر التأمل والتساؤل، حبُّ الإنسانية غير المقيدة، حبُّ الحبِّ لأنَّه غاية الغايات، حبُّ الحبِّ لأنَّه أسلك المسالك بين المحبين، فهو غاية وَمَسْلَك وقيمة. الحبُّ هنا، في هذه الرواية، هو الذي يُشكِّل رؤية المرء؛ بحيث يتلبسه الحبُّ إلى حدِّ الهيام فيقوده -الحبُّ وبالحبِّ- نحو صياغة معارفه عن كل شيء بروح الحبِّ، فتصبح خطواته في الحياة وقراراته مُجرَّد انعكاسات مُتغايرة مَصْدَرُها الحبُّ، والحبُّ فقط.. الحبُّ في هذه الرواية هو تغيير وتجدد إيجابيان دائمان، وهو العاملُ المشتركُ بين أغلب الشخصيَّات الرئيسيَّة للرواية.

لذا؛ فإنَّ الحبَّ في هذه الرواية مَصْدرٌ للرؤية، بل هو الرؤية، وهو مصدرٌ للتجديد، بل هو التجديد؛ وبالتالي فهو مَنْبع مُتدفِّق للطاقة الإيجابية، متاح للجميع، فرصة الإبحار بَيْن نسماته والارتواء من نفحاته، ومن ثمَّ بث إشعاعاته للكل (البشر، الطبيعة) بروحانية شاملة لا تمييز فيها بين سُكَّان المعمورة، ولا فَوَارق فيها بين مُجتمعات الكون قاطبة.
الحبُّ بهذه الكيفية يُصْبِح تعدادُ صوره بمقدار تعداد سكان الأرض، وتعداد المحبِّين في الكون، وتعداد حالاته وتفاعلاته وقصصه بمقدار تعداد كلِّ لحظة تنفس يعيشها ويشترك فيها المحب ومحبوبه؛ لذلك اعترف الواصفون بعجزهم عن واقع الحبِّ والمحبِّين، كما أقرُّوا بعجزهم عن شرح ماهية العلاقة الرابطة بين المحبِّين. وما قيل في ذلك ما هو إلا مُجرَّد مُحاولات لتشريح وتبيان بعض مدلولات ومضامين انعكاس الحبِّ على المحبِّين الذي يَظْهَر على تصرفاتهم واختيارهم لأنواع مُحدَّدة من مسارات الحبِّ ومقاماته؛ لذا يَصْعُب الاستسلام لتسمية “القواعد الأربعون” بـ” قواعد العشق”، بدلاً من تسميتها “قواعد الحبِّ”؛ فالتسمية الثانية أقربُ لمنطوق القواعد الأربعين ذاتها وفق النصِّ الموجود في الرواية، وترجمتها التي بَيْن أيدينا.. فالكاتبة لم تستخدم كلمة “العِشْق” إلا قليلاً داخل مَتْن نصوصِ القواعد نفسها. استخدمتْ المُفْرَدة داخل نصوص القواعد خمس مرات فقط من أصل أربعين قاعدة، وكأنَّ الأصلَ في القواعد الحبِّ وليس العشق، وإنْ اجتمعا أو افترقا في محطات ودرجات من سُلَّم الحبِّ اللامتناهي.

تمَّ استخدام مفردة “العشق” في قاعدتين (39، و40)، ومفردة “عاشق” في قاعدتين (4، و22)، ومرة واحدة استخدمت الكاتبة مفردة “عشَّاق” في قاعدة رقم (9). نعم، وردت مفردات (العشق، العاشق، العشاق…إلخ) بكثرة قبل أو بعد هذه القاعدة أو تلك، أي قبل النص أو بعده. وهنا، ينبغي العودة لنص الرواية الأصلي في اللغة الإنجليزية للتوثُّق من المفردة، أهي العشق، أم الحبُّ، أم من مشتقاتهما؟
القواعد الأربعون هي قواعد للحبِّ والمحبِّين أكثر منها قواعد للعشق والعاشقين؛ لذا نَجِد عنوانَ الكتاب باللغة الإنجليزية “قواعد الحبِّ الأربعون” (The Forty Rules of Love)، وليس (The Forty Rules of Adoration) “قواعد العشق الأربعون”.

الحبُّ في الرواية كرسالة وغاية أرادتْ الرواية إيصالها للمتلقِّي يُمكن إيجازها -من الناحية الفكرية الأدبية والإنسانية، لا من حيث الفكر الفلسفي الذي تبنته الكاتبة- في صناعة “فن التوازن” من خلال الحبِّ كرؤية والتجديد بالحبِّ؛ لأنَّ أيَّ علاقة حُبِّ قائمة بين طرفين -سواءً حبًّا روحيًّا أو ماديًّا، حبًّا إنسانيًّا أو حيوانيًّا- هي علاقة محكومة بالدوران في فلك المد والجزر، الصعود والهبوط، الارتقاء والسقوط، النقاء والعكر، الاستواء والارتباك، الذوبان والانفلات، العروج والانزلاق، التسلق والانحدار، العزم والتراجع.

وهذا صراعٌ يعيشه الإنسان العادي خلال ساعات يَوْمِه، فيجعله بين الإقبال والإدبار في علاقته مع محبوبه. هذه الحالة بين المدِّ والجزر تتفاعل كيميائيًّا في وجدان المحبِّين. هي سُنَّة طبيعية من سُنَن الحياة. أرادتْ الرواية أن تدفع المتلقي إلى أن يكون متوازناً في أحكامه وأفعاله عندما يدُوْر في فلك هذا المد أو ذاك الجزر؛ كي لا يفقد التوازن في مرحلة الارتقاء في الحبِّ، ولا يهوي إلى قاع الرَّدَى عند الانحدار إلى نقطة اللا عودة.

الحبُّ في هذه الرواية -وفق ما سبق- هو الرُّوح التي نفخت في “التراب، الماء، الهواء، النار والعدم)، وهي عناوين الفصول الخمسة للرواية، وهي العناصر التي خَلَقَ الخالق الكَوْن والحياة منها، ولولاها ما كانت الحياة ولا استمرت.. فالحبُّ نَفَخ فيها الحياة والبقاء والاستمرار. هي روايةٌ سَوْف يستمتع بقراءتها أغلب نوعيَّات المتلقين، ليس لكون التشويق قويًّا في حبكتها وشخوصها، بل لكونها قابلة للقراءة والفهم من زوايا مختلفة وعديدة.

215 total views, 2 views today