كاظم الشبيب

الحبُّ في رواية “قواعد العشق الأربعون” للكاتبة إليف شافاق، أَكْبَر وَأَشْمَل مِن عَجْز بَيْت الشعر المشهور “وللناس فيما يعشقون مذاهب”، والذي وَرَد في قصائد مجموعة من شُعَراء التراث العربي كأبي فراس الحمداني وغيره. فكلُّ نَوْع من أنواع الحبِّ، كلُّ صُوْرَة من صور الحبِّ، بما فيها الحبُّ العرفانيُّ بدرجاته المختلفة، أو الحبُّ الصوفيُّ بطرقه المتنوِّعة، كُلُّها تستظل بمظلة عريضة كالسماء اسمها “الحبُّ”.

الحب وعناصر الرواية:
مَا جَعَل الحبَّ طاغياً في كلِّ سَطر من أسطر الرواية، ومهيمناً على صفحاتها قاطبة، هو تغلغل فروع نهر الحبِّ في أعماقِ كلِّ عُنصر من عناصر الرواية الأساسية أو الفرعية (الحبكة، والشخوص، والزمان والمكان، وبيئة الرواية ومجتمعها، والأحداث، واللغة…إلخ)، وهو ما جَعَل عنصرَ التشويق ومنسوبه عالياً، يشدُّ إليه المتلقِّي حتى نهاية الرواية.. وَيُمكن مُتابعة بعض تلك العناصر والغوص فيها وفق ما يلي:
– بيئة الرواية:
هي مِنَ الروايات التي تتعدَّد مُجتمعاتها المتفرقة، لكنَّها لا تلبث أن ترتبطَ وتلتحمَ من حَيْث وحدة الإنسان، ووحدة الخلق، ووحدة الإحساس، ووحدة الألم، ووحدة الفرح.. بيئة اجتماعية وثقافية وحياتية سارتْ مُجريات أحداثها في القرن الثاني عشر الميلادي، أي قبل 800 سنة، في آسيا والشرق الأوسط، وبيئة أخرى مُختلفة جرت أحداثها وعاش أهلُها في الزَّمن الحاضر في أمريكا وأوروبا، فتتلاقى البيئتان عبر شخصياتها الرئيسية في ظلال الحبِّ.

مُجتمعٌ شرقيٌّ ومُجتمع غربيٌّ بكل الفروقات الحياتية في البيئتين. من حيث بيئة الشرق يمكن اعتبارها –الرواية- تاريخية. ولكن من حيث الغرب يمكن اعتبارها مُعاصِرة. لا يعني الفارق بين الزمانين والمكانين أنَّها رواية خيالية، بل على العكس من ذلك فهي رواية واقعية جدًّا من حيث التفاصيل السردية للأحداث والوقائع التي جرت عام 2001م، وأحداث ووقائع جرت عام 2008م. الحبُّ هو الحبُّ في البيئتين، الحبَّ العرفانيَّ أو الحبَّ الإنسانيَّ والبشريَّ، بينما الحياتان مُختلفتان. فهنا وسيلة النقل الخيل والبغال والمشي، وهناك الطائرة والسيارة، مظاهر ووسائل الحياة مختلفة ومتغيرة، بينما طبائع البشر ثابتة؛ ففي البيئتين إيمانٌ وكفر، خيرٌ وشر، صدقٌ وكذب، نورٌ وظلمة، عدلٌ وظلم، صلاحٌ وطهارة مقابل فسقٍ وفجور.
– حبكة الرواية:
حَبَكَتْ المؤلفة رَوايَتَها كقطعة من الذهب المنقوشة أجزائها بهدوء ورويَّة؛ فتخرج على هيئة سبيكة أدبية رائعة.. جمعت المتفرِّق من أحداثها، تدرَّجت في تسخين صراعها، سارتْ بشخصياتها حتى النضوج، ثم عملتْ على تجميع المتفرِّق من أجزاء الرواية حتى الاندماج؛ فصار الزمانان وكأنهما زمان واحد، وباتت الأمكنة وكأنها مكان واحد.

لذا -وبسبب شدة الانفصال في مجتمعي الرواية: القديم والحديث، ثم لسلاسة التجميع بينهما، رغم وجود بطلين في المجتمعين- فيهما من المشتركات صفات عديدة، وإن كان أحدهما مُنبهراً بالآخر، ورغم ذلك، ربما يظن المتلقي -لوهلة ما- أنهما ليسا شخصين، وإنما شخص واحد، بينما في الواقع هما شخصان عاشا في زمنين الفاصل بينهما مقداره ثمانمائة عام؛ الأول “شمس التبريزي” المتوفَّى في القرن الثاني عشر الميلادي، والثاني “عزيز” المتوفَّى في السنوات الحاضرة. وما جعل الحبكة في الرواية سلسة وناعمة في (الافتراق-التجميع) مَتَانة المشتركات التي تتَّصف بها شخصيتاهما (شمس وعزيز) التصوف منهجهما، التجوال حياتهما، بساطة العيش ديدنهما، الحبُّ دينهما، عشقُ الله عقيدتهما.

تقُوْم حبكة الرواية على مساريْن متصاعديْن يُمثِّلان أحداثَ الرواية وإيقاع سيناريوهاتها، هما مساران من العشق، بل هما نَوْعَان من الحبِّ. مَسَار غايته البناء والتدرُّج في التجلِّي، والعروج في العشق الإلهي. وآخر يَجْرِي ويصبُّ في دُرُوْب الحبِّ البشري الصرف، لكنهما يلتقيان ويتنافران في تشكيل ورسم لوحة سيمفونية رائعة الجمال، من خلال قواعد العشق الأربعين. وتتخلل هذين المساريْن مسارات الحبِّ بأنواعه المختلفة، ومستوياته المتعددة بين ذوي القربى وذوي الغربى، بين الإنسان والإنسان، بين الإنسان والجماد، بين الجمادات ذاتها، بين الطبيعة ومكوناتها.. الحبُّ الروحيُّ، العشقُ النفسيُّ، الهيامُ الوجدانيُّ، ذوبانُ الذات، تعلُّق القلب، شغفُ الحَوَاس، وَلَه المُحبِّين، حبُّ النفس، هَيَامُ العاشقين.

رُبَّما تكون نقطة ضَعْف حبكة الرواية هي عنصر النهاية. ليس المقصود هنا فكرة أو صياغة نص الفكرة، بل المقصود هو طريقة حبكة النهاية التي جاءت في الفصل الأول من الرواية، واتضاح صورتها في الفصل الأخير. لا تحتاج حبكة الرواية إلى هذا الأسلوب من التشويق؛ فالتشويق مُتَوافر عبر العناصر الأخرى بشكل قوي، وهي ليست من الروايات التي تعتمد ملاحقة حدث النهاية “مقتل شمس” من صفحاتها الأولى.

أمَّا عنصرُ الصراع في حبكة الرواية، فهو متتالٍ ومتراكم في شخصيات الرواية، وفي أحداثها. تجد ذلك في الشخصيات الرئيسية للرواية ووجدانها؛ فعند التبريزي وابن الرومي وعزيز وإيلا هُنَاك صراعٌ مُتصاعد داخل كل شخصية حول الاستمرار والاستسلام للواقع أو القبول بالتغيير والتغير، صراعٌ نفسيٌّ يتعرَّض لهزات وضربات لا تتوقف. صراعٌ بين ابن الرومي ومجتمعه حول قبول المجتمع لابن الرومي المتجدِّد والمتغير، أم رفضه وعدم الاقتناع بمنهجه المستحدث؛ مما أدَّى إلى مقتل شمس التبريزي شعلة الرواية وبطلها.

شخوص الرواية
تحتوي الرواية على أكثر من ثلاثين شخصية؛ منها: أربع شخصيات أساسية، والبقية مُكمِّلة لجسد الرواية، وهيكلها، وأحداثها. ينقسمُ بعضهم تحت المظلة العائلية لثلاث شخصيات وأسرهم، يُوْحِي غلافُ الرواية وعنوانها “قواعد العشق الأربعون رواية عن جلال الدين الرومي”، وكأنَّ الرواية بطلها الحقيقي جلال الدين الرومي نفسه. بينما -من الناحية الأدبية، والناحية الحياتية وأحداثها وفصولها- البطلُ الفعليُّ هو شمس الدين التبريزي. ومصدرُ الالتباس نفسه باللغة العربية؛ حيث صَدَرت من دار طوى بالعنوان الفرعي، ولم تَضَع دار الآداب العنوانَ الفرعيَّ أيضاً.

شمس الدين التبريزي هو الحاضر في كلِّ جزء من فصول الرواية، هو الدمُ الذي يجري في عروقها، هو الصانعُ لجلال الدين الرومي الجديد، هو المغيِّر لاتجاه نبضات القلب عند الرومي، عند زوجة الرومي رغم امتعاضها منه، عند ولد الرومي رغم رفضه لطريقة شمس في معالجة ومواجهة الآخرين، عند السكران، عند المؤمن، عند كلَّ شخصيات الرواية.. أغلبهم أحبُّوه، بينما كَرِهَه البعضُ منهم حتى أردُوْه قتيلاً. لذا؛ هو بطل الرواية بلا مُنازع، هو الظاهر والخفي في آنٍ واحد. هذا البطل هو صوفيٌّ متجولٌ باحثٌ عن الحقيقة، باحثٌ عن الله من أجل الكمال والتكامل في صقل نفسه وتغيير محيطه. ومن صفات هذا البطل المتجول بَيْن بلاد الله الواسعة، والمخالط لجميع أنواع الناس المتفرقة، من صفاته الثابتة: التأمُّل العرفاني الدائم، والصمت الوجودي حتى وهو باسم، والحبُّ لكل شيء حتى الإنسان الذي هو له ناقم، بينما هو له شافق وراحم.

لغة الرواية:
هُنَا، نتحدَّث وفق نص الرواية باللغة العربية وليس نص الرواية الأصلي باللغة الإنجليزية، وأيضاً نتناول نصًّا عربيًّا مُترجمًا ومُحدَّدا، الذي صَدَر عن دار طوى للمترجم خالد الجبيلي، لا عن نسخة دار الآداب للمترجم د. مُحمَّد درويش، والجميع يعرف مدى تأثير طبيعة الترجمة، وقوتها أو ضعفها، للنصوص المكتوبة بلغة أخرى.

لُغة الرواية في أغلبها، لغة وضمير المتكلم؛ بحيث نجد في كلِّ جزء من كلِّ فصل أنَّ المؤلفة جعلتْ شخوصَ الرواية يتحدثون عن أنفسهم بشكل مباشر؛ مما أعطى المتلقي إحساساً فعليًّا مُتواصلاً بأنه يستمع إلى كل شخص ويتفاعل معه ويعيش تجربته، ويتفكَّر في الاحتمالات المتوقعة من قراراته ومواقفه؛ لذا لم يكُن الحوار بين شخصيات الرواية هو العمود الفقري للغة الرواية، وإنَّما هو مُكمِّل للغة الرواية وهو ضمير المتكلم. الحوار هُنَا مُجرَّد عنصر كيميائي تتفاعل من خلاله شخصيات الرواية التي تتحدَّث عن نفسها؛ فالحوار في هذه الرواية بمثابة أداة للتفاعل، وخادم لعملية السرد التفصيلي المطلوب.

لقد استفادتْ الكاتبة من ضمير المتكلم في لغة الرواية لحقنها ببعض المعارف والمعلومات على لسان الشخصيات، وكأنها ليست هي التي تعبِّر عنها؛ مما جعلها مقبولة وسهلة الهضم عند المتلقي؛ بحيث لا يشعر أنَّ وجود هذه المعلومة أو تلك هو إقحامٌ أو إسقاطٌ ليسا في مكانهما.

ومن الملاحظ في عُنصر لغة الرواية وجود المباشرة في “القواعد الأربعين” نفسها؛ إذْ جاءتْ بضمير المخاطب؛ بحيث يتلقاها القارئ وكأنَّه هو المعنيُّ بالتوجيه والإرشاد الموجوديْن في كلِّ نص من نصوص القواعد؛ مثال: “إنك إذا…”، و”عليك كذا…”، و”لا يمكنك…”، و”يمكنك…”، و”تستطيع…”، و”اجعل قلبك…”، و”احذر كذا…”، و”لا تكترث لكذا…” إلخ.

وَقَدْ وَرَدَت القواعدُ على لسان شمس الدين التبريزي، خمسا وثلاثين مرة من أصل أربعين، ووردت مرة واحدة على لسان شخصية “السيد” الذي استضافَ شمسًا في بغداد، ومرة على لسان “سلطان” ابن الرومي خلال حواره مع أخيه علاء، ووردت ثلاث مرات بعد مقتله؛ إحداهما على لسان “إيلا” ولكنها عبَّرت عنها على لسان شمس، ومرة على لسان الرومي، وأخيراً على لسان “إيلا” بعد موت حبيبها “عزيز”.

الملاحظة الأخيرة في عُنصر لغة الرواية هي عجزها -كما جاء في نص الرواية تصريحاً وتلميحاً- عن وصف موضوعها وهو “الحبُّ”، ووَرَد ذلك على لسان بطلها شمس الدين التبريزي في موارد متكرِّرة. وعندما تَعْجَز الحروفُ والكلمات عن وَصْف حالة الحبِّ؛ حيث إنَّها صعبة الوصف كما ذكر شمس، فلا شك أنها ستكون أكثر عجزاً عن وَصْف حالة العشقِ التي يعدُّ الحبُّ أمامها مُجرَّد درجة من درجاتها. لذا؛ تلجأ اللغة، وكذلك اللغويون، للقيام بمحاولة تقريب الحالة عبر وصفها أو وصف أعراضها وآثارها، محاولة قد تُصِيب وقد تخيب؛ لأنَّ الحبَّ حالة مسارها قاسٍ ومؤلم، ولكن مخاضها ناعمٌ ولطيف.

176 total views, 2 views today