كاظم الشبيب

وَضَعَتْ الكاتبة -الرَّاوية- أربعين قاعدة للحب (العشق)، حاولتْ تبيانَ ماهية الحبِّ، وأعراضه، وثماره، وصفات المُحبِّين ومواقفهم وسلوكهم في طريق الحبِّ. نجحتْ ولم تنحج، أجادتْ وأخفقت، أعطت المتلقي مساحة للوصول للإجابات، لكنها قادته للطريق. اعترفَ النصُّ في زوايا متفرقة بعجزه عن وَصْف الحبِّ؛ لذا من المثير جدًّا البحثُ عن أصول ومنابع هذه القواعد، وكيفية التعامُل معها عند تلقيها. هنا، عَلَيْنا تجنُّب ما نتمنَّى للآخرين تجنبه، وهو تجنب تأويل نصوص القواعد، وعدم ليِّ مدلولاتها، وهي واضحة لا رمزيات غامضة فيها؛ وبالتالي لا نحتاج تفكيكَ شيفرة النص الخاص بكل قاعدة.

تُبْحِرُ نصوصُ القواعد في الفضاءات الثلاثة لموضوعها (المحب، المحبوب، الحب)؛ فيجد المتلقي أحياناً انفصالاً بين الفضاءات الثلاثة، وأحياناً يَرَى اتحاداً بينهما، وهو أمرٌ طبيعيٌّ من حيث حقيقة الحبِّ بَيْن المحبِّ ومحبوبه. إنَّ طرفيْ الحبِّ عندما يذوبان في بعضهما يمسي كلُّ واحد منهما عبارة عن اثنين في واحد. فكلُّ واحدٍ منهما مُحبٌّ ومحبوب في آنٍ واحد. هما غير منفصليْن لشدة اتحادهما، وهما مُتحدَان رغم انفصالهما، وطبيعة العلاقة بينهما هو ما يُسمَّى بـ”الحبِّ”.
تكمُن رَوْعَة الرواية في أنَّها كعملٍ أدبيٍّ لم تفرض “القواعد الأربعين” على المتلقي في هيئة نظام تشغيل، أو كتالوج إيضاح للاستعمال. بل جاءت في سياقها الإنساني المتداخل. بَيْد أنَّ هذه الطريقة من الطرح العام جعلها مليئة بالثنائيات والزوجيات التي تحتاج تفكيكًا وإعادة تركيب، خاصة وأنَّ القواعد كلها ارتبطتْ إمَّا بنوعيات مختلفة من البشر كالمؤمن والفاسق، المنافق والصادق، المصلي والسكران، البغي والعالم، الحبِّ والقذارة، الحبِّ والعقل، أو ارتبطت القواعد بطبقات الناس كالملك والفقيه، والغني والفقير، الشحاذ والأمير، الفلاح والمدرس…إلخ، هي ثُنائيات مُتكاملة تارة ما، ومُتنافرة أخرى، مُتداخلة، مُتلائمة ومتناقضة.

القواعد بين الراوية والبطل:
فِي البَدْء، لا بُدَّ من التأكيد والتوضيح: تأكيد صوفية القواعد، وتوضيح شموليتها للناس أجمع.. فالأصلُ في القواعد الصوفية والتصوُّف -كما جاء على لسان بطل الرواية وتصريحات الراوية- وأصل صُوفية القواعد لا يخل بقوتها وقدرها؛ فمن حيث “الحبِّ” هي حاجة إنسانية، وضرورة حياتية، وسُنة كونية.

يقول شمس الدين التبريزي عن قواعد الأربعين -كما جاء في صفحة 61/62 من الرواية- “هي المبادئ الأساسية للصوفيين الجوالين في الإسلام، هي قوانين ثابتة كما هي قوانين الطبيعة، هي قواعد دين العشق التي لا تتحقق إلا بالعشق فقط…”.
وتقول الراوية إليف شافاق في مقال لها بعنوان “الإسلام وشبح زليخة”: “إنَّ الصوفي المسلم يتبع دين الحب تماماً مثلما قال ابن عربي: لا يوجد دين أرقى من دين الحب”. وابن عربي هو من أشهر المتصوِّفين، وقد لقَّبه أتباعُه وغيرهم بـ”الشيخ الأكبر”، ويُنسَب إليه الطريقة الأكبرية الصوفية، ومن ألقابه: “البحر الزاخر”، و”بحر الحقائق”، و”إمام المحققين”.

وتقول في مقابلة معها على قناة “بي.بي.سي” العربية -في 4 نوفمبر 2014م- في حديثها عن رواية ” قواعد العشق الأربعون”: “أنا مهتمة بالصوفية في كل الأديان، المسيحية واليهودية وكذلك في الإسلام؛ لأنها جميعاً مُتصلة مع بعضها البعض، ومصدرها واحد”. وهنا، أودُّ الإشارة إلى أنَّ الرواية عند صدورها باللغة الفرنسية كان عنوانها “حُبِّي الصوفي”. ثم تأتي نصوص القواعد لتؤكد مصدرية الصوفية للقواعد. فعلى سبيل المثال: نجدُ القاعدة الثانية تَشْرح كيف يَحْمِد الصوفي الله سبحانه وتعالى، وكيف يَحْكُم الصوفي على الآخرين في القاعدة الثانية والعشرين، وماهية الصبر عند الصوفي في القاعدة رقم ثلاثين. أمَّا القاعدة التاسعة والثلاثين، فتنصُّ على ولادة صوفي جديد بموت الصوفي.
ومن جهة أخرى، فإنَّ هذه القواعد هي خُلاصة تجربة إنسانية مبنيَّة على فلسفة دينية وحياتية طويلة.. هي قواعد عَجَنها بطل الرواية شمس الدين التبريزي، وسبكها خلال عمره وتنقلاته بين المدن الإسلامية والعربية، وتجواله بين تلك المجتمعات ومعاشرته لأصناف الناس وطبقاتهم وأجناسهم. تمنَّى دائماً أنْ يلتقي رفيقًا يحملُ تلك القواعد من بعده، ويقوم بتبليغها للناس، حتى التقى مَنْ آمن بها وحملها من بعده وهو العالم الفذ “جلال الدين الرومي”.. هي قواعد “للحبِّ”، حبِّ النفس، حبِّ الآخر، حبِّ الطبيعة، حبِّ الله، حبِّ الكون، حبِّ من لا يتفق معك كما هو حبُّ من يلتقي معك.

هذا الحبُّ، عند الراوية والبطل -المؤمنين بفلسفة الحب عند إمام المحققين ابن عربي- هو ما جعلهما يعتبران الحبَّ ديناً خالصاً فسمَّياه “دين الحبِّ”. تقول الراوية في مقال لها بعنوان “دين الحب”: “لقد اعتاد مُحيي الدين بن عربي أنْ يقول: سأبحث عن دين الحب أينما كان، حتى لو كان عند اليهود أو النصارى، أو المسلمين، إنَّ الأصوليين يتبعون دين الخوف فتكون سياستهم التخويف…”. والكاتبة تأخُذ الحبَّ وتتناوله من باب روحاني أكثر من كونه بابًا للتدين. فتقول في مقابلة معها: “أنا أفرِّق بين الروحانية والتديُّن؛ لأنَّ الروحانية رحلة إلى سبر غور الذات..”.

القواعد والمتلقي:
الحبُّ من حيث كونه سُنَّة طبيعية في الخلق بحاجة لترسيخ في النفس الفردية. والقواعد من حيث كَوْنِها نصائح للمحبِّين وتوضيحات عن الحبِّ ودروبه للسالكين، لاسيما الحبِّ العرفاني، فإنَّها بحاجة لوقفات للتساؤل والتأمُّل حول كلِّ قاعدة من قواعد العشق الأربعين.

نعم، تتَّفق أغلب قواعد الرواية مع الحبِّ كمفهوم عام، وكروح شاملة، وكعنصر من عناصر الحياة والكون، بل تصبُّ في مَجْرَاه وتستنطق مدلولاته. أمَّا بَيْن المحبِّين والعلاقة التي تسود الحبَّ البشري؛ فالقواعد أكبر من سَجْنِها في طرق ودروب الحبِّ المادي الضيقة.
فالحبُّ في هذه القواعد يقُوم بعملية غسيل شاملة للمتلقِّي، أشبه بالغسيل الذاتي للنفس. الحبُّ هنا مُطهِّر للقلب، مُنظِّف للحواس، مُفلتِر للمدخلات الواردة للعقل والقلب عبر الحواس، مُجمِّل للبشرة فيجعل المُحيَّا مشرقاً… فلا يختلف اثنان على أنَّ الهدفَ الإنسانيَّ الكبير لهذه القواعد كان ولا يزال هو هَدَف الرسالات السماوية والحضارات البشرية كحبٍّ نقيٍّ وجميل.

البابُ الذي يستطيع أن يَلِج المتلقِّي منه إلى القواعد الأربعين -كما تنص عليه القواعد ذاتها- هو القلب لا العقل؛ إذ يقول شمس التبريزي في القاعدة الثانية مُفسِّراً طريقة الولوج هذه: “إنَّ الطريقَ إلى الحقيقة يمرُّ من القلب، لا من الرأس. فاجعل قلبك، لا عقلك، دليلك الرئيسي…”. فالقلبُ في هذه القواعد هو القلب فـ”ابحث عن الله في قلبك؛ لأنه مكان عرشه” كما في القاعدة الرابعة؛ لأنَّ مركز العاشق الحقيقي هو القلب. والقلبُ الكَسِير يُخبِئ كنوزاً كما جاء في القاعدة الخامسة. والقلبُ هو عَيْن المحبِّ، وبوصلته التي منها يَرَى ويتوجه، القاعدة الثانية والعشرون. ولكلِّ قلب من البشر إيقاعُه الخاص به، القاعدة الواحدة والعشرون. والقلبُ الليِّن الخفيف كالريشة يتَّسع لحبِّ كل البشر، القاعدة الواحدة والثلاثون. القلب المتَّصل بالله لا يُحطِّم قلوب الآخرين، القاعدة الثانية والثلاثون. ودِيْنُ العشقِ يجعل البشرَ مرتبطين بسلسلة من القلوب، القاعدة التاسعة والثلاثون.

تتوزَّع القواعدُ الأربعون على مَدَارَاتٍ أربعة: تعريف الحب في ستة من القواعد (5-6-11-17-39-40)، وصف المحب وصفاته في (8-9-15-22-29-31-34)، وعلاقة المرء بربه وحبه له وصفات المحبوب في (1-2-3-4-13-16-24-25-28-32-36-37)، السلوك في طريق الحب في (7-10-12-14-18-19-20-21-23-26-27-30-33-35-38)، مع الأخذ بالاعتبار إمكانية التداخل بين المدارات في هذه القاعدة أو تلك.

يُذكر أنَّه وكما ينبغي للقارئ الإقبال على قواعد الرواية بقلب منفتح من أجل التحول والتغيير الإيجابيين، كذلك ينبغي التفكير المَرِن لقبول أو رَفْض أو التكيُّف مع كلِّ قاعدة من قواعد العشق الأربعين. المطلوبُ انفتاحٌ قلبيٌّ يُنير دروبَ المتلقي، والمطلوب أيضاً التفكرُ العقليُّ الذي يَجْعَله ثابتَ الخطى عند قبول أو رفض القناعات المطروحة.. لا عنادًا يَمْنَع تجدُّد الإنسان، ولا استسلامًا يصنع الانقياد.
لذا؛ من المثير والمفيد التوقُّف عند بعض القواعد على نحو التأمل، والوقوف عند بعض مواقف وأحداث الرواية للتفكُّر والتساؤل. هي كالإيثارات التي يُرَاد منها شحذ الهمة لمزيد من إعادة التفكير مرة بعد أخرى: تارة تأتي على شكل ومضة فكرية، أو على هيئة إنارة روحية، أو في صورة نفس إيماني، أو في مَوْقِف إنساني، أو في حالة عاطفية.. هي محطَّات، رُبما، رُبما يتقبلها المتلقِّي بقبول حسن، رُبما يرفضها المتلقِّي برفض قاطع. فالحاكمية هنا مركزها طبيعة المتلقي: مُؤمن، مُلحد، رُوحاني، دِيني، فَاسق، نَاجح، فَاشل…إلخ؛ مما يَجْعَل المتلقِّي يتراوح بين التسليم وعدم التسليم بصحة مُجمل فكرة كلِّ قاعدة أو تفاصيلها، كفكرة ضرورة الموت قبل الموت عند من أراد التجديد في حياته كما في القاعدة الثامنة والثلاثين.. ومن تلك المحطات ما يلي:

وردت ثلاثة نصوص في القواعد 25 و28 و38، يتمحور موضوعها حول “اللحظة”. لحظة الحاضر، اللحظة المعاشة، وكأنها هي محور النظر والتأمُّل والقرار والماضي والمستقبل. ففي قاعدة 25 -وباختزال- نجد اللحظة في “لحظة تأنيب الضمير، أو لحظة السعادة، هي لحظة الجنة أو النار..”. وفي قاعدة 28 تقول: “لحظة المحب هي كل ما كان وكل ما سيكون؛ فالماضي تفسير والمستقبل وهم”. وفي قاعدة 38، نجدها في قول “المحب في كل لحظة يصنع التجديد والتجدد في حياته”.

الأصلُ الفلسفيُّ للرواية قيامها على قاعدة وِحْدَة جميع الأديان والشعوب. فهل تتوافق هذه الرُّؤية أو تصطدم مع القناعات الإيمانية عند أهل كلِّ دين؟ أو عند أهل كلِّ فكر إنساني قديم أم حديث؟

ومن الأفكار المثيرة: فكرة “الوعي بالعدم”؛ بحيث أنَّ سلوكَ الإنسان دَرْب التكامل، وعند صياغة رؤيته لنفسه والحياة والناس، يُصبح هدفه كمحبٍّ هو بلوغ مرحلة العدم كالرقم صفر والذوبان في الكون (قاعدة 33). الشعور بالعدم عبر التخفُّف من كل شيء، أي فاقد للوزن؛ إذ لا يستهدف المحبُّ الشهرةَ أو السلطةَ أو المالَ أو الجاهَ، ولكن قلبه كبير، كبير جدًّا بعلاقته بالمحبوب الأول الذي جَعَل من حبِّه طَيْفًا رقيقًا ولطيفًا على محيط المرء كله.. هو صفر العدم.. الوعي بالعدم وابتغاؤه. محطات لأحداث يحتاج المتلقِّي إلى التثبت من صحتها تاريخيًّا، كما هو مطلوب التأكُّد من سلامة أو صحة نقل نصوص القواعد، وعدم تأثرها بلغة الأدب وشاعريته.

هُنَاك مواقف قد يختلف المتلقُّون في قبولها، وكذلك في الحكم عليها، كلٌّ من زاويته ووفق مرتكزاته الفكرية والعقدية؛ منها تحديداً: مواقف لبطل الرواية شمس الدين التبريزي كمحبٍّ صوفيٍّ تجعله محلاً للمعاتبة أو التساؤل؛ منها: موقفه من زوجته “كيميا” التي رغم ذوبانها فيه لم يتمكن من تجاوز حُبِّه الصوفي وذوبانه العرفاني من إعطاء زوجته العلاقة الحميمية التي تنشدها. وموقفه من كتب جلال الدين الرومي ومكتبته؛ حيث كان الأخير لا يسمح لأحد حتى لمسها أو تنظيفها، ولكنه يستسلم ويقبل قيام شمس الدين بإتلافها. موقفه -حيثُ حبه لكل الناس ورغبته في إصلاحهم- فيقوم بالذهاب إلى المبغى ومحادثة من فيه، أو الذهاب إلى الخمَّارة ومجالسة الخمَّارين، بل تجرعه كأسًا من الخمر في لحظة من الهيام في الصحراء بحضور الرومي ذاته.

198 total views, 8 views today