السيد قصي الخباز


التقاليد القديمة
إن مصطلح التقاليد له مرتكز عرفي لدى أبناء المجتمعات، وهذا الارتكاز عادة ما يركز على المصاديق والجزئيات دون أن يلتفت الفرد منا إلى التحديد المفهومي لهذا المصطلح.

ولكي يتضح معنى هذا اللفظ سوف أقدم لك عزيزي القارئ تعريف لغوي مع تعريف أصحاب الاختصاص من علم الاجتماع ثم نتحدث حول ما أورده الدكتور الوردي في كتابه بشأن هذا المفهوم.

التعريف اللغوي
تقاليد ومفردها تقليد ومصدرها قلد وهو ما نقله الخلف عن السلف: “ما يتوارثه الانسان من عادات وعقائد وممارسات أساليب السلوك ومظاهره العامة” [1]

أما علماء الاجتماع الذي ينتمي لهم الدكتور الوردي يعرفون التقاليد بأنها : ” مجموعة من قواعد السلوك التي تنتج عن اتفاق مجموعة من الأشخاص وتستمد قوتها من المجتمع، وتدلّ على الأفعال الماضية القديمة الممتدة عبر الزمن، والحِكم المتراكمة التي مرّ بها المجتمع ويتناقلها الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل، وهي عادات اجتماعية استمرت فترات طويلة حتى أصبحت تقليداً، ويتم اقتباسها من الماضي إلى الحاضر ثمّ إلى المستقبل، فهي بمثابة نظام داخلي لمجتمع معين” [2]

إن الدكتور الوردي يوجه خطابه نحو التحرر من التقليد والتدين بالمنهج العلمي في شتى الحقول ليدفع عجلة التطور ويخرجنا من جمود الجهل.

ولنا ان نطرح هذا التساؤل أين تحديد المصطلحات في كتاب الدكتور الوردي؟ وبما أن الدكتور الوردي يرفض المنطق القديم كما يسميه، لن أدخل معه في بحث الألفاظ التي منها المشترك والمختص، إنما أريد أن أبين ولعل القارئ يتفق معي في أن غياب معاني المصطلحات يترك المجال فضفاضا لإسقاط الفهم الذاتي لكل قارئ.

إليك نص ما جاء في كتاب الدكتور:
يخيل الى بعض المغفًّلين من المفكرين أن المجتمع البشري قادر على ان يكون مطمئناً مؤمناً متمسكاً بالتقاليد القديمة من جهة، وان يكون متطوراً يسير في سبيل الحضارة النامية من الجهة الاخرى. وهذا خيال غريب لا ينبعث إلا في أذهان اصحاب البرج العاجي الذين يغفلون عن حقيقة المجتمع الذي يعيشون فيه[3]

لاحظ أيها العزيز كيف بدأ النقد الساخر بكلمة “المغفلين” التي تكررت هي وشبيهاتها في الكتاب عشرات المرات وكأنما كشف عن سعادته الغطاء.

ثم إن اشكال الدكتور على التقاليد هو نفس إشكاله على التماسك الاجتماعي الذي مر علينا في الحلقة الماضية وسوف يتكرر في الحلقات القادمة وهو أنه لا يمكن أن يجتمع التطور والمحافظة على التقاليد، وبصياغة منطقية (كلما حافظنا على التقاليد امتنع التطور)

هذه القضية تصنف في علم المنطق الذي لا يؤمن به سعادته بقضية مانعة الجمع أي لا يمكن أن يجتمع طرفي القضية ولكيلا نطيل على القارئ بالشرح المنطقي نطرح هذا السؤال: ما هو المانع من اجتماع بقاء التقاليد ودفع عجلة التطور؟
سوف أورد نيابة عن الدكتور بعض الاحتمالات المانعة على شكل نقاط مع مناقشتها بإذن الله.

المانع الأول: التضاد ذاتي بين التطور والتقاليد.
بمعنى أنه ذات التطور تطرد التقاليد وذات التقاليد تطرد التطور ولا قائل به أحد لسبب أن التطور والتقاليد مفاهيم انتزاعية وليست ذوات وجودية خارجية

المانع الثاني: التضاد استقرائي.
أي أنه عندما تتبعنا تاريخ الأمم السابقة وجدنا أنه متى ما تطورت أمة انحلت من تقاليدها وهذا فيه الملاحظات التالية:
أولا: لا يستطيع أحد أن يجزم بأنه تتبع كل أمة وقبيلة وعرق منذ تاريخ البشرية حتى يومنا هذا كي يكون الاستقراء تاماً يفيد اليقين وليس استقراءً ناقصا معللا كذلك.
حتى ويل ديورانت [4] الذي يستشهد بكتابه الدكتور لم يصرح بذلك
ثانيا: سوف أورد لك نموذج واحد وتقليد واحد استطاعت إحدى الأمم المتطورة المحافظة عليه.
الفرد الياباني ما زال للآن يقدم التحية مع إيماء بالرأس للشخص الآخر.
ولقد تعمدت أن آتي بهذا النموذج وليس لأحد أن يعترض عليّ بقوله: ليس هذا ما يعنيه الدكتور؛ لأن الدكتور لم يحدد ما يعنيه.

ليس لكاتب أن يرمي اتهاماته للعلماء والفقهاء والمفكرين والمثقفين يمنة ويسرى دون أن يقدم أدلة أو نماذج تدعم اتهاماته، كما أني أرفع سعادته عن الاستعمال المتكرر لأسلوب السخرية والتهكم .
والحمد لله رب العالمين ،،،


[1]  جامع المعاني، باب قَلَدَ

[2] إسعد فايزة، “العادات الاجتماعية والتقاليد في الوسط الحضري بين التقليد والحداثة، رسالة دكتوراه،2012م

[3]  علي الوردي، مهزلة العقل البشري، ص22

[4]  ويليام جيمس ديورانت، (من 1885 – إلى 1981) فيلسوف، مؤرخ وكاتب أمريكي من أشهر مؤلفاته كتاب قصة الحضارة والذي شاركته زوجته أريل ديورانت في تأليفه.

Hits: 37