السيد قصي الخباز


الأدلة والمنهج العلمي

لما كان الدليل مطلب الباحث عن الحقيقة ليتيقن من معارفه وقوة بنيانه المعرفي في شتى حقول المعرفة والتخصصات، إذ أن الدليل لدى أهل الاختصاص هو حجر الأساس الذي تقوم عليه التجربة أو النظرية؛ لذا نتناول في هذه الحلقة مناقشة حول الأدلة والمنهج العلمي في كتاب مهزلة العقل البشري.

سبق أن أشرنا في الحلقة الماضية بأن الدكتور لا يقبل القواعد والقوانين المنطقية ولكيلا أكون صاحب دعوة بدون دليل أنقل لك نص عبارته لتكون أحد الشواهد للمنهج العلمي الذي هو محل حديثنا.

إن الذين يمارسون المنطق القديم في هذا العصر يشبهون أولئك الأبطال، من طراز عنترة العبسي، الذين يهجمون بالسيف على جندي حيَّ يحمل بيده رشاشاً سريع الطلقات، فهم مهما تفننوا في إبداء ضروب البسالة والشجاعة فإن الرشاش يحصدهم في أرجح الظن، حيث لا ينفعهم آنذاك بسالة ولا حماسة.”[1]

ولنا وقفة مع هذا النص تتمثل في تبيان مقصوده من المنطق القديم الذي عنى به المنطق الأرسطي ولكي يتضح للقارئ ما هو المنطق أورد التالي:

علم المنطق: (الفلسفة والتصوُّف) فرع من الفلسفة يدرس صور التَّفكير وطرق الاستدلال الصحيح التي تعصم مراعاتها الذِّهنَ من الخطأ في الفكر ويُسمَّى علم الميزان، إذ توزن به الحجج والبراهين[2]

ولست أدري لما هذا الرفض لهذا العلم الذي يدعو لاستخدام القوانين التي تعصم الذهن عن الوقوع في الخطأ في التفكير إلا إذا قلنا بأنا الدكتور يريدنا أن نقع في الخطأ والعياذ بالله.

ثم ماذا تنفع التشابيه القديمة الرنانة بعنتر والسيف وقد رفض القديم سلفا فها هو يعود للاستعانة به في نصوصه ألا يعد ذلك تناقضا، ومرادي أن التشابيه البلاغية المؤثرة في النفوس لا تقدم دليلا مقنعا لدعوى مقدمة.

النص الآخر الذي أقدمه لك أيها العزيز حول الدليل في نظر مؤلف الكتاب، يقول ما نصه:

الدليل القائم على البديهيات لا فائدة منه فالبديهيات ذاتها نسبية تتبدل بتبدل الزمان والمكان”[3]

دعني أقدم لك أيها القارئ المعنى المقصود بالبديهيات حتى يتضح لك مراد الكاتب من هذا المقطع

  1. المعنى اللغوي: البَديهة المعرفة يجدها الإنسان في نفسه من غير إعْمَال للفكر، ولا عِلْمٍ بسببها [4]
  2. المعنى الاصطلاحي: ” البديهي “ما لا يحتاج في حصوله إلى اكتساب ونظر، كتصور مفهوم الوجود والشيء والوحدة، والتصديق بأن الكل أعظم من جزئه، وأن الأربعة زوج. [5]

بعد أن عرفت معنى البديهيات الآن نسأل الدكتور كيف يمكن أن تتبدل قضية مثل (الكل أعظم من جزؤه) بتبدل الزمان مثلا، وأريد أن أقول: له الحق في إثبات بداهة قضية معينة أو أخارجها عن البداهة، ولكن كون القضية البديهية تتبدل بعد إثبات بداهتها أمر عجيب، بل يجب إعادة النظر في كثير من العلوم التي قامت براهينها على مثل هذه البديهيات التي هي في نفسها لا تحتاج للبرهنة عليها.

ثم أنت أن أصحاب القياس المنطقي مثلا جاؤوا بقواعد ومقدمات ليبنوا براهين ولك أن تناقشها، ولكن كيف ناقشها الدكتور؟

قال: (أن القياس المنطقي يجب أن تكون كبراه معتمده على البديهيات، وبما أن العلماء لا يسلمون تسليما نهائيا ولو أجمع على صحتها الناس أجمع)[6]

أقول: هذا مما يزيد في عجب الناظر لمقالة الدكتور التي تتضمن تناقض صريح (العلماء لا يسلمون، الناس يجمعون على الصحة، العلماء جزء من الناس) تكون النتيجة (العلماء لا يسلمون بالصحة والعلماء يجمعون على الصحة)

لعلي أود أن أختم هذه السلسلة من الكتابة مع الدكتور الوردي كي لا أسقط في هاوية الإساءة وتتبع العثرات، لكني أحببت أن أقدم للقارئ فكرة عما يمكن أن يضعه العلماء في ميزان العلم ليستخرجوا غثه من سمينه، وما أشد حاجة المثقف في هذا اليوم لعرض ما يُخرج له من كتابات على من يستطيع وزنه، لغايتين حسب وجهة نظري.

 أن يصرف عمره في قراءة ما يستحق القراءة أولا وكي لا يفتتن بما لا يقدر على تمييزه إلا بمشقة ثانيا.

أرجو أن أكون وفقت في هذه الحلقات وفهم القارئ العزيز غايتي من كتابة هذه الكلمات.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] مهزلة العقل البشري، علي الوردي، ص38

[2] قاموس المعجم الوسيط، باب نطق

[3] مهزلة العقل البشري، علي الوردي، ص144

[4]  جامع المعاني، باب بده

[5] نهاية الحكمة، العلامة الطباطبائي، ص310

[6] ينظر بتصرف: مهزلة العقل البشري، علي الوردي، ص146

Hits: 25