السيد قصي الخباز


سطع وهج قوي أمام عينيّ وأنا أحاول أن استلقي للنوم فرحت أبحث عن مصدره، حيث كان الوقت مساءً والظلام حالك في غرفتي وهذا ما جعلني متعجبا! ما هي إلا لحظات حتى تبين لي انه وهج فالفكرة لا وهج الضوء.

هذه مقدمة بسيطة خارجة عن موضوعي محل الكتابة أود أن أجلب انتباه القارئ فيها لما أود أن أكتبه في هذه المقالة.

مضى الدكتور الوردي ليلاقي ربه وبقي لنا ما تركه من إرث فكري نحاول النظر فيه بعين البصيرة لنستلهم منه النافع ونتعلم منه الأسلوب وننقل للأجيال محاولات رجال الفكر والأدب.

قبل عدة سنوات قرأت كتاب الدكتور بعنوان “مهزلة العقل البشري” والصدق يقال أني كنت و ما زلت معجبا بما حاوله سعادته من طرح تجديديا للفكر المعاصر، وحيث أنه كتب كتابه هذا في عدة فصول متفرقه كما ذكر في مقدمته إذ يكون لكل فصل موضوع مستقل يمكن قراءته ومحاكمته دون الحاجه للربط بين فصول الكتاب وأنا أود أن أطرح النصوص مجردا عن أي أيدولوجية كما أحب أن يتجرد القارئ عنها كذلك لتكون على طاولة الرأي والرأي الاخر ولكي نبتعد عن استخدام المصطلحات الإيحائية التي تؤثر في نفس المتلقي فينفعل بها.

يقول الدكتور علي الوردي في مقدمة كتابه ما نصه:

” يحاول بعض المتحذلقين من رجال الدين ادعاء التجديد فيما يكتبون ويخطبون وتراهم لذلك يحفظون بعض الألفاظ والمصطلحات الحديثة يتلقفونها من المجلات والجرائد المحلية ثم يكررونها في كلامهم إذ يحسبون انهم قد صاروا «مجددين» ويحلو لبعضهم ان يُقال عنه انه جمع بين القديم والحديث ثم يرفع انفه مغرورا بهذا العلم العجيب الذي وعاه في صدره. ومثله كمثل ذلك القروي الساذج الذي أراد أن يتمدن في كلامه فضيّع المشيتين مع الاسف الشديد”[1]

بعد أن طالعت عزيزي القارئ هذا النص، أقول: لنا الحق أن نتفق معه في الكبرى ونفترق عنه في الصغرى وأما موطن الاتفاق فهو (كل شخص تلقف مصطلحات وكررها ويحسب أنه مجدد ليغتر أو ليرفع أنفه باستعمالها فهو متحذلق)

وأما موطن الافتراق فهو التخصيص في قوله: (بعض المتحذلقين من رجال الدين) ألا تتفق معي عزيزي القارئ أن هذا العنوان(متحذلق) يمكن أن ينطبق على بعض رجال الجامعات، وبعض رجال الهندسة، وبعض رجال الاعلام، وبعض…

إذا لماذا قيد كلامه برجال الدين؟

يقولون إن التخصيص لابد له من غرض فلو سالت ما هو غرض الدكتور من هذا التخصيص؟

هل هو إسكات الطرف المخصص؟ أم إسقاطه؟ أم تشويه صورته؟ أم ماذا؟

 إن سعادة الدكتور وهو عالم اجتماع له وزنه العلمي ترك بيان الغرض من هذا التخصيص وأرجو أن تسال نفسك ايها العزيز ما هو الاثر النفسي الذي تركه عند قراءه هذه العبارة؟

إن محاولة التأثير النفسي في استعمال اللفظ دون تبيان مراد المتكلم احدى الاسقاطات التي نستطيع ان نرمي بها نصوص الدكتور، وهو ما كان يحذر منه سابقا.

وكي لا يقول القارئ أني متحيز وقد اقتبست النص الذي يخدم الفكرة أنقل لك أيها العزيز نص آخر جاء في نهاية المقدمة:

“كنا ننتظر من المفكرين من رجال الدين وغيرهم أن يساعدوا قومهم في أزمة اليوم، ولكنا وجدناهم على العكس من ذلك، يحاولون أن يقفوا في طريق الإصلاح”[2]

كلي إيمان بأن هذه المقالات والمحاولات تصب في صالح خدمة الفكر والتي يؤمن بها سعادته ولعل من سيأتي في المستقبل من يضع هذه الكلمات تحت ميزان الراي والراي الاخر كذلك.

هذه إحدى الاقتباسات من كتابه ولعلي أوفق للوقوف على اقتباسات أخرى في حلقات قادمة

والحمد لله رب العالمين


[1] الدكتور علي الوردي، مهزلة العقل البشري، ص9

[2]  المصدر السابق، ص18

Hits: 153