زينب بنت محمد الغريبيَّة

الأصلُ في الطفولة أنها مرحلة من العُمر، يكونُ فيها الإنسان ضعيفا، قاصرا، بحاجة للعناية والاهتمام؛ كي يشب سويا؛ فهي مرحلة الضعف والاعتماد على الكبير؛ وبالتالي فهي مرحلة تشكيل لإنسان كي يُصبح رجلاً في المستقبل؛ ففيها يتم غرس المفاهيم والمبادئ والثقافات الأساسية؛ فالطفولة مرحلة البناء الأساسية. وعليه، أصبح لابد من الاعتناء بهذه المرحلة؛ فهي تعني صياغة المستقبل لأي أمة؛ وبالتالي علينا تأطير احتياجات نمو كلِّ طفل بشكل سوي وإيجابي؛ ليكون مواطنا فاعلا في المستقبل.

ومن هنا، أصبح لكلِّ طفل الحق في طفولة آمنة ومستقرة، والحق في أن يذهب إلى المدرسة، وأن يلعب ويشارك، ولكل طفل الحق في الحماية والرعاية، ويُعتبر الوالدان أو أولياء الأمر هُم المسؤولين الأساسيين عن رعاية الطفل وتربيته، إلا أنَّهم لديهم الحق في الحصول على المساعدة من مؤسسات المجتمع في تأدية هذه المهمة؛ باعتبار المجتمع وعاءً واحدًا يحتوي جميع فئاته؛ فتؤثر وتتأثر ببعضها بعضًا؛ عندئذ يكون من واجب المجتمع تقديم العون لهؤلاء الأطفال على اختلاف انتماءاتهم القبلية ومستوياتهم الاقتصادية والمجتمعية. وفي هذه الحالة، يكون الهدف هو حماية الطفل، وضمان الصحة البدنية والنفسية له.

وبذا بات على جميع المجتمعات أن تهتم بتنشئة أطفالها تنشئة سوية، فهم رصيد المجتمع ورمز المستقبل؛ ففي دار حضانة الأطفال ينشأ الحكَّام والمسؤولون والموظفون ورجال الأعمال والموهوبون، الذين يبذلون ما يستطيعون من أجل صناعة المجتمع والرقي به. وتتطلب تلك التنشئة الاهتمام بالجوانب التربوية والاجتماعية والسياسية والنفسية والعلمية والدينية…وغيرها.

الإسلام وحقوق الطفل

حقوق الطفل ليست بالشيء الجديد أو الحديث على حياتنا؛ فقد كفلها الدين الإسلامي للطفل منذ بداية التشريع في القرآن والسنة؛ فقد اهتم الإسلام بالطفل وحقوقه قبل أن يُولد حتى؛ فحثَّ على السعي لتكوين أسرة طيِّبة له تتكوَّن من والدٍ صالح ووالدة تقية، فحثَّ رسول الله -صلَّى الله عليْه وسلَّم- الزَّوجة وأهلَها بقوله: “إذَا خَطَبَ إلَيْكُم مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ، فزَوِّجُوه” (رواه الإمام الترمذي، في السنن). وحثَّ الزَّوج بقوله -صلَّى الله عليْه وسلَّم- كما جاء في الصَّحيحَين: “فاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يداك”؛ وذلك من أجل تنشئة الطفل من قبل أبوين يطبِّقان شرع الله، الذي به تعتدل الحياة.

فإذا تكوَّن الطفل جنينا في رحم أمه أعدَّ الله له فائقَ الرِّعاية والعناية، وحرَّم الاعتِداء عليه؛ يقول الله تعالى: “وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ” (الإسراء: 31)، وأباح للأمِّ أن تفطر في رمضان؛ رحمةً بها وتمكينًا له من أحسن ظروف النُّمو وتمام الخلق، ومن ثم جعل له حق الرضاعة من حليب أمِّه؛ لقول الله عز وجل: “وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ” (البقرة: 233)، وقد ثبتتْ علميا فيما بعد قيمة هذه الرَّضاعة وأثرُها على الطفل صحِّيًّا ونفسيًّا.

وعند بدء نموه كطفل، كفل له الدين حقَّ الملاعبة والملاطفة؛ أوْرد الإمام البخاري في صحيحه: قبَّل رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التَّميمي جالسًا، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- ثمَّ قال: “مَن لا يَرحم لا يُرحم”. وعندما يبدأ في الفهم والاستيعاب، حقٌّ له الأدب والمصاحبة، وفي ذلك قال رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أخرجه العسكري وابن البخاري عن عبدالله بن عمر: “ما ورث والد ولده أفضل من أدب”، ومعناه أن أفضل مل يعطي الوالد ابنه تعليمه الأدب الحسن، وتأديبه على فعل الطيب من العمل وتجنب الأفعال المشينة، وهذه أحد أهم حقوق الطفل ليكون إنسانا سويا فعّالا في المجتمع. هذه بعض حقوق الطفل في الإسلام. أما الحديث عنها مُكتملة فلا يتسع لها المقال، إلا أن جُلَّ اتفاقيات وحقوق الطفل وحقوقه الحالية لا تخرج عما جاء به الإسلام للعالمين، والصالح لكل زمان ومكان.

المؤسسات المسؤولة عن تقديم الحقوق للطفل

تعدُّ المؤسسات التربوية في المجتمع -من أسرة ومدرسة وإعلام ومسجد- هم المسؤولين الأساسيين عن تقديم الحقوق للطفل؛ بحكم دورهم الأساسي في الاعتناء بالطفل ومسؤوليتهم تجاهه، إلا أن الأمر يتعدَّى تلك المؤسسات في حالة التقصير في دورها ليصل إلى الالتزام بالقانون والشرع وفقا لحقوق الطفل المطبق في الدولة.

– الأسرة:

انسجام الأبويْن داخل الأسرة، وتعاملهما بما أمر الله ورسوله في كل شأن من شؤون الحياة، هو الطَّريق الذي يسلكه الطِّفْل تيمنا بأبويْه، وهذا حقُّه على والديه؛ فمن حقِّه أن يجد المودَّة والرَّحمة قائمتَين في البيت، ومن حقِّه أيضًا أن يجد توجيهَه نحو الخير والصَّلاح، ومن حقِّه كذلك أن يرى حمايتَه من المؤثرات الخارجية السلبية؛ لأنَّنا نعيش في زمن كثُرت فيه وسائل الإعلام الفاسدة والمفسدة، المخرِّبة للأخلاق بشاشاتِها الواردة من كل حدب وصوب.

وهنا؛ تلعب ثقافة الوالدين وتربيتهما المسبقة وخبرتهما في الحياة دورا رئيسيا في توجيه الطفل؛ فالكثير من العادات والأخلاق والمفاهيم والأفكار يكتسبها الطفل من والديه. بالطبع؛ هناك عوامل أخرى ذات صلة في نوعية الثقافة التي يتلقاها الطفل من والديه؛ مثل: حجم الأسرة، والوقت الذي يقضيه الوالدان مع الطفل، ومدى المتابعة والرقابة لأنشطته. وإضافة إلى الوالدين، فإن الأخوة وباقي أفراد العائلة -إن وُجدوا- لهم تأثير أيضا في الطفل. وكلما كبر الطفل واحتك بالمجتمع حوله، فإن تأثير الأسرة يقل إلى درجة الاضمحلال عندما يتجاوز مرحلة المراهقة، ورغم أن عملية التلقين للطفل والتأثير فيه من الوالدين عادة ما تكون سلسلة مباشرة، ومن خلال التقليد أحيانا، إلا أنه أحيانا قد يواجه صعوبة بحكم تفاعل الطفل مع المجتمع الخارجي واكتسابه سلوكيات دخيلة، إلا أنَّ الموضوع يحتاج إلى حنكة في التعامل مع الطفل، والدخول إليه من حيث نقاط ضعفه، ومناقشته ومحاورته حتى يصل لمرحلة الاستسلام والقناعة وهي ليست صعبة.

ويرى علماء النفس والتربية أنَّ مرحلة الطفولة المبكرة من أهم مراحل حياة الإنسان؛ إذ تعتمد عليها مراحل النمو التالية في حياته، بل إن بعض المربِّين يرى أن أثر الأسرة ترجح كفته عن أثر عوامل التربية الأخرى في المجتمع، وأن آثارها تتوقف على الأسرة؛ فبصلاح الأسرة تصلح آثار العوامل والوسائط التربوية الأخرى، وبفسادها وانحرافها تذهب جهود المؤسسات الأخرى هباء منثورا.

– المدرسة:

تطوَّر مفهوم المدرسة من التعليم إلى التربية والتعليم؛ أي بأن تكون المدرسة مصدر مفاهيم وقيم وثقافة، إضافة إلى دَوْرها التعليمي المتعارف عليه، لكن هذا المفهوم لم يتحقق بصورة جيدة، بل كان متعثرا في كثير من الأحيان؛ إما لأسباب تتعلق بالرؤية الثقافية والتربوية المفترضة للمدرسة، أو لأسباب مادية كقلة الإمكانيات أو ضعفها، أو لأسباب فنية وإدارية كنوعية المدرس ومستواها والأدوات التعليمية، أو المناهج المعتمدة في المدارس.

ويرتبط تأثير المدرسة بشكل كبير بالمدرِّس وشخصيته وثقافته، ومدى تفاعله مع الصغار وانقيادهم له. وبالطبع؛ للمنهج دور في تربية الطفل، لكنه غالبا ما يرتبط ببيئة المدرسة والمدرسين بشكل خاص؛ لأن العملية قد تقتصر على حفظ المعارف وترديدها دون استيعاب حقيقي، وتقبل ذاتي وممارسة واقعية، ويمكن تصنيف تأثير المدرسة على الطفل بأنه يتفاوت بين المتدني والمتوسط على الأقل من وجهة نظري.

فتوفير التعليم للأطفال من أهم الحقوق لهم، لكنَّ أساليب التعليم المختلفة وأدواته مفقودة، ومعلموه غير مهتمين بقدر كبير في غالب الأحيان. وشأن الطفولة في المدرسة ليس قاصرا على التعليم -رغم أهميته- بل يشمل رعاية شاملة عقلية ونفسية واجتماعية وثقافية وصحية وتربوية؛ بحيث ينشأ الطفل سويًّا واعيًا لدوره متحملاً مسؤولية نفسه، سيما وأن دور المدرسة مكملٌ لدور الأسرة إن لم مساويًا له؛ بسبب قوَّة تأثر الطفل بمعلمه وما يدور في المدرسة من سلوكيات وقيم، وربما تقوم المدرسة بالدور التوجيهي لأخطاء بعض الأسر أو تجميع الأطفال على فكر سوي متزن يلائم كونه مواطنا صالحا ينتمي لدولة متعددة الأطياف السياسية والفكرية في كثير من الأحيان.

– الإعلام:

لا يقل دور الإعلام في قوَّته على التأثير عن دور المدرسة، إن لم يفُقْهَا؛ كونه محببًا أكثر لرغبات الأطفال -من تلفاز وإنترنت وألعاب إلكترونية غزت الأجيال الحالية- وإعلام الوسائط الاجتماعية الذي وصل تأثيره للأطفال؛ بسبب امتلاك الكثيرين هواتف ذكية بالفعل. ومقدار الوقت الذي يقضيه الطفل في هذا العصر برفقة وسائل الإعلام هذه.

ومن هنا، تظهر أهمية الجهود المفترض بذلها من قبل وسائل الإعلام في إعداد المواد الإعلامية الموجَّهة للأطفال التي يجب أن تنبع من قيمنا وتراثنا الإسلامي، ولا بد من إسهام جميع الجهات في المجتمع؛ سواء كانت مؤسسات تعليمية أو أكاديمية أو مؤسسات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى المثقفين ورجال الفكر؛ من أجل أن تكون صياغة هذه الحقوق حصيلة للجهود النابعة من مجتمعنا، والتي تجعل الطفل أكثر انتماءً لدينه ووطنه ومجتمعه. وعليه الحفاظ على حقوق الأطفال في تلقي المناسب من المعرفة والقيم، وعدم تعريضهم لما يخدش طفولتهم أو فكرهم، أو يظهر لهم العنف.

وعلينا ألا ننسى ضرورة الاهتمام بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، والذين يعانون من التفرقة والتباين في المعاملة. وهي حقوق تجعل الطفل ينمو بشكل طبيعي ليقوم بواجباته ومسؤولياته بشكل أكثر إنسانية وأكثر فاعلية لمستقبله ومستقبل دينه وأمته ووطنه والإنسانية جمعاء.

هل للطفل الحق في تحديد حقوقه؟

قد يكون تحديد مصلحة الطفل أمراً صعباً؛ بحكم مُدخلات ومُتغيرات العصر الحالي، وإنَّ من يضع تلك الحقوق هم أناس مُختلِفون في وجهات نظرهم، حول ما هو الأفضل للطفل. ومصلحة الطفل لا تعني بالضرورة، أن يتم إصدار قرارات وحلول متوافقة دائماً مع رغبة الطفل نفسه أو مع رغبة أهله. فقد يكون الأفضل بحكم قانون الدولة هو ما يمثل مصلحة المواطنين ومنهم الأطفال، ولكن يبقى رأي الطفل مهمًّا دائماً، عندما يتم تقدير مصالحه، إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون رأيه متوافقًا مع مصلحته. إلا أنني أرى مشاركته من باب تعويده على تحمل مسؤولية نفسه، وتربيته على القدرة على اتخاذ قراراته المصيرية في الحياة.

فمن المبادئ المهمة لمصلحة الطفل: أنْ يستطيع المشاركة في دراسة الأمور المتعلقة به والتخطيط لها. كما يجب الشرح للطفل بشكل كافٍ: ما الذي سيتم تقريره؟ ولماذا؟ لكي يتمكن من تشكيل وجهة نظره حول أموره والتعبير عنها. ولكل طفل أيضاً الحق دائماً في المشاركة في دراسة أموره الخاصة. ولا يوجد في هذا الأمر حدٌّ للعمر؛ فيجب الاستماع لرأي الطفل وأمنياته، مع الأخذ بعين الاعتبار عمره ومستوى تطوره.

وبالتالي؛ له الحق في التعرُّف على الوثائق التي تتعلق به، ويجب الاستماع إلى رأيه بشكل رسمي عندما يتم إجراء القرارات. وهو يستطيع طلب المساعدة، والمطالبة بالخدمات والاعتراض على القرارات المتعلقة به. ويجب إعطاؤه معلومات حول القرار الذي سيتم إجراؤه، وحول إمكانية الاعتراض عليه؛ بمعنى أن يُشارك الطفل في دراسة الأمور المتعلقة به شخصياً، وهذا لا يعني أن بإمكانه أن يقرر وينتهي الأمر، بل إشراكه ومناقشته وتفهيمه، ويبقى إصدار القرارات وتحمل مسؤوليتها هي مهمة الكبار بموافقة الصغار وحبهم.

 

الطفولة العربية

يُواجه الطفل العربي -مع الأسف الشديد- كثيراً من التحديات؛ مثل: ظاهرة تشغيل الأطفال في سن مبكرة، والتسرب من المدارس، والتعرض لظاهرة العنف والإساءة في المعاملة والاستغلال؛ سواء من الأهل أو من المجتمع. وتزداد معاناة الطفل عندما يكون مصاباً بإعاقة عقلية أو بدنية. وقد يكون الطفل العربي ضحية لسياسة غير صائبة نتيجة لتجاهل البُعد الاجتماعي وإعادة الهيكلة الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن جرائم الحروب التي تُرتكب حاليا ضد الأطفال من تهجير وقتل ودمار وتغريب وحرمان من الأهل والوطن والحياة الكريمة، يدفع الطفل ثمنهاً باهظاً.

فالطفل العربي لا يزال في بعض المناطق يعاني من الأمية ونقص التغذية والعمل في سن مبكرة والاستغلال. وتعالج اتفاقيات العمل الدولية مسائل الحد الأدنى لسن العمل؛ حيث يتوجَّب على جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تقرِّر هذا الحد طبقاً للظروف الاجتماعية والاقتصادية الوطنية، وفي جميع الأحوال لا يكون هذا الحد دون سن استكمال مرحلة التعليم الإلزامي (15 عاماً) كما تحظر الاتفاقية رقم 183 تشغيل الأطفال في صور بعينها من الأعمال؛ مثل: العمل الذي يؤديه بعض الأطفال استضعافاً مثل الرق والتشغيل لأغراض الدعارة والأنشطة غير المشروعة أو الضارة بالصحة والسلامة البدنية والسلوك الأخلاقي. وطبقاً لهذه الاتفاقية، فإنَّ الطفل هو كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من العمر، ومن أجل الدفاع عن حقوق الطفل لا بد من إنشاء وحدات ومراكز للتدريب والتأهيل في مجال الإعلام للتوعية بحقوق الطفل، ووضع البرامج التربوية الملائمة للأطفال، وتوعية وتثقيف المعلمين وأولياء الأمور بدورهم في تربية أبنائهم.

الطفل العماني

الطفل العماني هو -بطبيعة الحال- طفل مسلم، له من الحقوق في الإسلام ما لكل أطفال المسلمين من حقوق، وهو يتمتَّع بها بلا جدال، وإن صارت اختراقات هنا وهناك بسبب ضعف في التمسك بالقيم والمعايير والأسس الإسلامية في التربية، وفي أسلوب الحياة بشكل عام، إلا أنه لا يمكن تعميمها كظاهرة في مجتمعنا، وإن وجود مثل تلك الممارسات -وإن كانت على نطاق ضيق- هو ما استدعى وجوب وجود قانون لحقوق الطفل العماني، إلا أن تأخره إلى وقت كهذا -مقارنة بدول العالم- لا أعتبره قصورا، بحكم أن أطفالنا يتمتعون بحقوق تلقائية كفلها لهم الدين والمجتمع المسلم بعاداته وقيمه الأصلية، وكذلك الدولة.

فعلى مستوى الخدمات المقدَّمة من الدولة كحقوق أساسية؛ فهي مكفولة بشكل تلقائي منذ قيام الدولة الحديثة؛ فالطفل العماني يحصل على حقوقه من تعليم وخدمات صحية، ورعاية اجتماعية كالضمانات الاجتماعية من قبل الدولة للمعاقين والأيتام والأسر المعسرة لتستطيع تأدية واجباتها تجاه أبنائها.

وعلى صعيد الحضانات ورياض الأطفال؛ فهي موجودة كخدمات مقدَّمة من القطاع الخاص، ولكنها تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية، ولا تعطى تصريحَ تقديم خدماتها إلا وفق شروط ومعايير محدَّدة، كما تقوِّم أركان الأطفال، وهي مؤسسة اجتماعية تعليمية تطوعية تتبع جمعيات المرأة العُمانية، تقوم بتقديم الخدمات الاجتماعية والترفيهية لمرحلة ما قبل المدرسة، وتستقبل الأطفال من ثلاث سنوات ونصف إلى خمس سنوات مقابل مبالغ رمزية. وفي إطار برنامج التعاون المشترك مع منظمة اليونيسيف، تم إصدار منهاج لدور الرعاية النهارية بالسلطنة.

ويُعتبر مشروع قانون الطفل من المشاريع الطموحة الضامنة لحقوق الطفل في شتَّى المجالات، والذي يعكس الجهود في تعديل القوانين، ويتضمَّن مشروع قانون الطفل الحقوق المدنية والصحية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والإعلامية للطفل.

فبذا جاء شاملاً لكل ما يحتاجه الطفل من حقوقه الطبيعية؛ ليعيش مواطنا مسلما عمانيا عزيزا في بلاده، مكفولا له حق الحياة، وحق التسمية والنسب، وحسن الرعاية والجنسية، وحق التعبير عن رأيه، وحقه في المعرفة والابتكار والمشاركة المجتمعية، وحقه في الخدمات والرعاية الصحية المجانية، والتعليم المجاني، وأن يعيش في كنف أسرة وبمستوى معيشي لائق، وله الحق في الضمان الاجتماعي الذي تتكفله الدولة إن كان من ذوي الإعاقات أو الأيتام، أو مجهول النسب، أو لا عائل له، وله الحق في اللعب والترفيه، ولا يجوز تشغيله تحت سن الخامسة عشرة، ولا أن يُستغل في الأعمال غير اللائقة كالتسول، ومن حقه المطالبة بالتعويضات المدنية المالية إذا ما تعرض للإساءة أو العنف أو الاستغلال.

إن هذه الحقوق -وإن كانت في معظمها مطبَّقة على أرض الواقع- إلا أنه تم تأصيلها في قانون؛ لتظل مرجعا لكل الجهات التشريعية في الدولة؛ لتجعل الطفل العماني ينعم بالحياة الكريمة في ظل دولة تهتم لشأنه، مُحتكمة لشرع الله في تأدية واجبها تجاه فئة قاصرة عاجزة عن أخذ حقوقها من المجتمع والحياة، إن لم تجد المساعدة والعون والدعم.

5,703 total views, 2 views today