أحمد بن سالم الفلاحي

يتشكَّل الوعي العام في كلِّ المجتمعات الإنسانية في الأفراد الذين يُمثلون هذا المجتمع أو ذاك؛ وبالتالي فأي مُجتمع في تكوينه المؤسَّسي إن لم يحرص على إنماء رُوح هذا الوعي في أفراده، فسوف تتشكل عليه علامة استفهام كبيرة، وتوضع تحت برامجه الإنمائية خطوط حمراء؛ حيث يحتاج إلى إعادة النظر في هيكلة برامجه؛ لذلك تحرص المجتمعات الحديثة على تغذية أفرادها بكلِّ ما من شأنه أن يساهم في تغذية هذا الوعي الجَمْعي، ويحرص على أن تكون هذه التغذية شاملة جامعة؛ شاملة لجميع أبناء المجتمع، وجامعة لنوعية الوسائل التي تغذيهم. وهذا الحرص -يقيناً- لن يتحقق إلا من خلال رؤية استشرافية لما يسعى هذا المجتمع أو ذاك للوصول إليه في مرحلة متقدِّمة من عمره؛ متَّكئاً في ذلك على الوسائل التي تعينه على تحقيق هذه الهدف.

جميعنا يُقر بأن الطفل حالة إنسانية شديدة الحساسية في مختلف المناخات الاجتماعية التي يتعاطى بها المجتمع مع مَا حوله، وهو وإن كان جزءاً من النسيج الاجتماعي الذي يُشكله الأفراد؛ فحاجياته لا تختلف كثيراً عن حاجيات الكبار الذين يتقاسم معهم العيش؛ إلا أنه يمتاز بخصوصية معيَّنة من حيث خطورة مجموع المواد التي يصدِّرها المجتمع إليه بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، وقدرته هو في المقابل على استيعابها. ومن هذه النقطة بالذات، يحتاج إلى جدولة مسألة توعيته، والوقوف على حاجياته في كل مرحلة عمرية، مُستحضرًا في ذلك مجموع المؤثرات الضاغطة عليه؛ سواء من بيئته الأم، أو من البيئات الأخرى البعيدة، ومدى اتساقها أو تصادمها مع رؤية المجتمع في تغذيته لأبنائه.

وفي مجتمعات كثيرة -وأغلبها النامية- لا تأخذ الطفولة منحًى متميزا عن بقية أفراد المجتمع في جانب الاهتمام بها؛ وبالتالي يتم التعامل معه وفق السياق العام السائد في المجتمع؛ حيث ليست له برامج خاصة، ولا تشريعات خاصة، ولا نظرة ترتقي به معرفيا، وسلوكيا، ولا مناخ تربوي خاص، وإنما تظل حاله كمثل حال أي فرد يتقاسم مع الآخرين ما تجود به هبات المجتمع المحلي والمجتمعات الأخرى من السلوكيات المختلفة. ومن هُنا، تنضوي تلك الفئة تحت مختلف الأنشطة التي يقوم بها الكبار، وينخرطون في هذه الأنشطة في صُورة من الترهُّل الخانق لحاجيات الأطفال على وجه الخصوص؛ حيث يعيشون طفولة بائسة؛ صُورتها العامة عبارة عن جروح وتشققات في التكوين النفسي، والجسدي؛ وبالتالي الخروج إلى المجتمع في مجموعة صُور إنسانية مشوَّهة بمختلف هذه الممارسات التي صدَّرها المجتمع إلى هذه الفئة المغلوبة على أمرها، والمحصِّلة العامة بعد ذلك وُجود مجتمع مشوَّه في فكره، وفي طموحاته، وفي رؤاه؛ وبالتالي يسهل افتراسه بأسلحة مادية، أو معنوية، وهذه ضربة قاسية لعمر الوعي الذي وصل إليه المجتمع أيًّا كان موقعه ومكانته.

وقد يتساءل المرء أحياناً عن السر من انضمام الدول إلى الاتفاقيات الدولية في المواضيع الإنسانية المختلفة؛ ومنها: الاتفاقيات المعنية بالطفولة -كاتفاقية الطفل العالمية- هل لإضافة تشريع معزِّز لهذه الفئة، وتحفيز المواطنين في الوطن الواحد على ضرورة التقيد بها، أم لتسليط الضوء عليها وإعطائها أهمية أكبر تعكس مدى الصدق في التعامل معها أمام المجتمع الخارجي، وتصدير هذا الاهتمام إلى المستوى الدولي، أم أنه لكفِّ المراقبة والتدقيق من قبل هذا المراقب لأوضاع المجتمعات لعدم الزج بها في التقارير الدولية للتنكيل بالمجتمعات؟! كل هذه المبرِّرات واردة عند النظر إلى الاتفاقيات الدولية التي تلزم كل المجتمعات الإنسانية بالانضمام تحت لوائها.

سلطنة عُمان -ومنذ قيام نهضتها المباركة- سارعتْ باتخاذ كافة الوسائل التي من شأنها أن تعزز ثقافة الطفل، وكانت أول خطوة في هذا الاتجاه هي توفير التعليم لكافة المراحل العمرية، ونشر مظلة التعليم في كل ربوع السلطنة، وعلى الرغم من تحديات الجغرافيا، وقلة الموارد البشرية والمادية في بداية المرحلة التنموية في السلطنة، إلا أن برامج التعليم كانت وفق ما خُطِّط لها، وانخرط الأبناء في كل محافظات السلطنة وقراها في سِلْك التعليم، وكان الدافع قويًّا تفرضه مُتطلبات التنمية في السلطنة؛ لذلك نجد اليوم أن مَنْ يُدير عجلة التقدم فيها هم أبناؤها الأوفياء الذين تخرَّجوا في مدارسها، وفي جامعاتها فيما بعد؛ حيث استقبلتْ جامعة السلطان قابوس أول دفعاتها في بداية العام الدراسي (86/87)، ويُعد هذا إنجازاً في حد ذاته، فلم يكن من اليسير أن تنقل أمَّة بأكملها من براثن الجهل والتخلف إلى مَرَاتب المعرفة المتعدِّدة؛ لتسند بها نهضة جبارة لكل مقومات الحياة، وهذا -يقينا- انعكاس للرؤية الصائبة التي ينظر بها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى الإنسان العُماني، وأنه المعنيُّ بنهضة بلده، وأن هذه النهضة لن تقوم إلا على المعرفة، ولن يُخلص في تعزيز بنائها إلا الفئة المتعلِّمة الواعية بكافة فنون المعرفة. والحمد لله، كانت -ولا تزال- النتائج طيبة. وكم تبتهج النفس، وتقر العين عندما ترى القوى العاملة الوطنية تتوزَّع في كل مواقع العمل والإنتاج في السلطنة!

ولعلَّه من التحديات الفعلية في شأن ثقافة الطفل في السلطنة -خاصة في هذه المرحلة المتقدمة من عمر التنمية- أنه لم يعد يستقي ثقافة محلية، حيث تتوارد إليه منابع هذه الثقافة من كل حدب وصوب، في ظاهرة كونية للتأثير على الثقافات، وقد ساهمت السماوات المفتوحة -عبر خدمة الشبكة العنكبوتية- في إضفاء الكثرة الكاثرة لمفرزات هذه الثقافة المغرِّبة للأفراد في أوطانها، وهذا أمر مُتوقَّع في هذا العصر الذي يشهد ثورة اتصالية غير معهودة؛ لذلك كان هناك حرصٌ من قبل المعنيين في السلطنة على عدم التسرع في التوقيع على اتفاقية حقوق الطفل لاعتبارات معينة أعيد النظر فيها فيما بعد، وحظيت بالموافقة؛ ومنها: المادة (30) -كما جاء في أحد المصادر- والتي تنص على: “من حق الطفل الذي ينتمي إلى أقلية دينية معينة تقيم في الدولة الطرف أن يجهر بدينه وحقه في ممارسة شعائره”، وقد تولَّدت قناعة لدى السلطنة برفع التحفظ الوارد على هذه المادة؛ على اعتبار أنَّ هناك الكثير من المقيمين في السلطنة ينتمون إلى ديانات مختلفة، ولأطفالهم الحق في الجَهْر بدينهم وممارسة شعائره وفق الضوابط والأنظمة المحددة. والتحفظ الوحيد الذي لا يزال لم يحظ بالموافقة هو -حسبما جاء في الفقرة الأولى من المادة (14) لنفس المصدر- بشأن حرية الطفل في اختيار دينه؛ فلا يزال قائماً على اعتبار أنَّ ذلك يتعارض مع ديننا الإسلامي الحنيف”.

وما يستوقفنا كمتابعين في شأن ثقافة الطفل بصورة أكبر هو مستوى التغريب عن ثقافته المحلية التي يتعرَّض لها الطفل العُماني على وجه الخصوص؛ وذلك انعكاسا لما يتلقاه من الوسائل الإعلامية المختلفة -كما أشرت سابقا- وأكثرها أثراً: القنوات الفضائية التي تصدِّر الثقافات المختلفة، وهناك الكثير مما يتعارض من هذه الثقافة مع خصوصية الثقافة العُمانية؛ سواء في جانبها العقدي، أو القيمي المتَّسع دلالة وقناعة؛ لأنه في المقابل لم تستطع الوسيلة الإعلامية في السلطنة أن تقابل هذا الآتي إلينا من بعيد؛ فحتى اليوم لا توجد قناة فضائية عُمانية -على سبيل المثال- تحمل خصوصية المادة الثقافية من التي كان يجب أن تبثها إلى الطفل العُماني؛ فمخيَّلة أبنائنا مشحونة بمسميات القنوات الفضائية البعيدة عنا مسمًّى ومعنًى، ولا توجد كذلك مجلة للطفل العُماني؛ وكذلك لا تزال هناك علامة استفهام كبيرة عن عدم بزوغ بارقة أمل من قبل الإعلام العُماني في هذا الاتجاه بالذات، وإن كان الأمل يكبر كلما قطعنا شوطا متقدِّما في عمر النهضة، مع تجدُّد الدماء في وسائل الإعلام العُمانية، وهمتها في تبنِّي تعزيز ثقافة الطفل العُماني انطلاقاً من محليَّته، وعندما نقول خصوصية المجتمع العُماني، فإننا نعني بالذات مجموع القيم، والعادات والموروثات الخاصة بهذا المجتمع وهي كثيرة وعديدة، ولها من الوزن القيمي ما لها، والطفل العُماني لا غنى له عنها مهما تعمَّق أكثر وأكثر في المستوى الحضري الذي يعيشه مع غيره من أطفال العالم؛ فهذا لا يغنيه أبدا عن التزوُّد بمجموع المعارف الناتجة عن مختلف الممارسات المجتمعية المختلفة، وهي كثيرة وخصبة.

وما تجبُ الإشارة إليه في هذه المناقشة أنه حتى متحف الطفل الذي افتتح في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، والذي يُنظر إليه على أنه أحد المرجعيات لتأصيل ثقافة الطفل في السلطنة؛ هو متحف علمي بحت لا يحوي في أحد أركانه شيئاً من هذا الموروث القيمي الذي نتحدَّث عنه. وعلى الرغم من ذلك، فمن يزر اليوم هذا المتحف يرَ فيه أنه مؤسسة عفا عليها الزمن، ولا تعبِّر عن واقع حتى في مجموع المعارف العملية التي تقدمها للزائر الطفل.

وقد استطاعتْ المناهج التربوية أن تلملم شتات ما أخفقتْ فيه بعض الجهات المعنية؛ وذلك من خلال مجموعة الدروس؛ سواء النظرية، أو العملية؛ حيث تمَّ ربط الواقع المعاش بما تشير إليه الدروس النظرية من معانٍ في مُختلف الحياة العُمانية من قيم وتقاليد، وموروثات، ساعدت -إلى حد كبير- على تعزيز الانتماء الثقافي على وجه الخصوص لدى الطفل من ناحية، والتزود بمجموعة من القناعات التي عملت على الحد من تأثير الرسالة الآتية من الآخر، والتي كانت تنقر في هذا الجانب بالذات؛ حيث ظلَّ مبدأ العودة دائما لما ما هو متوغَّل في داخل هذه النفوس من قناعات، وقد عزَّز ذلك أكثر مجموعة الممارسات التي يقوم به المجتمع، والمتمثَّلة في مُختلف السلوكيات اليومية؛ سواء في المناسبات بأنواعها المختلفة: في القناعات التي يحرص عليها كبار السن، ويعمدون إلى غرسها في نفوس الناشئة، هذه كانت بمثابة الجُدر الواقية لتجذير الثقافة العُمانية لدى الناشئة.

وقد كانت -ولا تزال- للرحلات المدرسية التي تقيمها المدارس للطلاب أثرها الكبير في غَرْس مجموعة من القيم الثقافية، والمعلومات التاريخية، خاصة تلك الرحلات التي تسيَّر إلى الأماكن التراثية والتاريخية، والمتمثلة في القلاع والحصون، والمتاحف الوطنية؛ حيث يقف الطالب -الذي للتو في طَوْر التشكل المعرفي- على مختلف الممارسات الاجتماعية التي تبينها المجسَّمات والصور عبر هذه المشاهد، ومن خلال ذلك -بلا شك- تتولَّد قناعات كثيرة عنده بأهمية هذه الكنوز التاريخية التي ولدت على يد الإنسان العُماني في بيئته المحلية، وكانت -ولا تزال- لها أثرها الكبير في ترسيخ القناعات بأهميتها والمحافظة عليها، والاعتزاز بها.

ومما يجب التأكيد عليه في شأن الوثيقة المدرسية التي تقرِّها الوزارة كمنهاج عمل تربوي جميل؛ من شأنه أن يغرس الكثير من القيم المعرفية والسلوكية، أنَّ الحرص من قبل إدارة المدرسة على غرس مجموع القيم الثقافية التي تتضمَّنها تلك الوثيقة مهم جدًّا في الحفاظ عليها، والأقرب هنا إلى هَضْمها هم هذه الفئة من الطلاب في الأعمار الصغيرة؛ لأنه بعد أن يكبر الطالب ويصل إلى المراحل الجامعية تتشعَّب لديه موارد الثقافة، وتتداخل عنده الكثير من القناعات الذاتية؛ حيث تكون هناك إعادة لتشكيل ثقافة جديدة قد تقوِّض بعض القناعات، ولكن عندما تنغرس مجموعة هذه القيم عبر المراحل الدراسية لا شك أنَّ بقاءها سوف يكون أكبر، ويعمِّر طويلا؛ حيث سيضيف إليه الفرد نفسه مجموعة من الخبرات التي يكتسبها من بيئته المحلية، ومن تجاربه الذاتية.

وما يقلقنا أكثر أنه حتى الآن لم نسمع من قبل الجهات المعنية عن تبنِّي إستراتيجية لثقافة الطفل العُماني محدَّدة بزمن معيَّن، وبرؤية واضحة، وبخطط وبرامج معروفة. نعم؛ هُناك بعض الاجتهادات التي تقوم بها بعض المؤسسات المعنية كوزارة التنمية الاجتماعية، إلا أنها اجتهادات لن تؤسِّس ثقافة منهجية مُقنَّنة للطفل العُماني، وإن كانت تعالج مواقف معيَّنة في حينها؛ لذا سيظل هذا الطفل مغرَّباً عن واقعه في كثير من جوانب هذه الثقافة، ومجموع الممارسات السلوكية على أرض الواقع لن تغنيه -حقا- عن وجود خطط وبرامج، وآلية عمل واقعية لمنهج ثقافي واضح، تتكاتف على تفعيله مجموعة من الجهات المعنية في الحكومة، ويحظى باهتمام صادق، ويقوم عليه من ذوي الخبرات والمؤهِّلات الدراسية؛ فكلُّ ذلك من شأنه أن يبلور هذه الشخصية فتظل يُشار إليها بالبنان؛ انطلاقا من واقعها المحلي، وليست تراكم مجموع ثقافات من هنا وهناك؛ حيث تظل ثقافة مشوَّهة تحتاج دائما إلى إعادة ترميم.

3,579 total views, 2 views today