حمد بن مبارك الرشيدي

“لقد كنا جميعا أطفالا في يوم ما. ونحن نتقاسم جميعا الرغبة في تحقيق رفاه أطفالنا، ذلك الرفاه الذي لم ينفك أبدا، وسيظل يشكل الطموح الذي تتعلق به البشرية قاطبة أكثر من أي طموح آخر”

في العشرين من نوفمبر /تشرين الثاني من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي لحقوق الطفل، وهذا الاحتفال يشي بأهمية الإنسان ككل ،وأهمية هذه المرحلة من عمره خاصة ،حيث تتشكل التصورات وتتكون الملكات وتتربى الأجسام والأنفس ،في وقت تشهد فيه البشرية ردة في جانب حقوق الإنسان ،وابتعادا عن المفاهيم الأصيلة التي تتعلق بالإنسانية ،والتي لم يسلم منها حتى الأطفال الذين يتعرضون لانتهاكات جسدية ونفسية وعنف أسري ومجتمعي في كثير من الحالات ،بل ويستخدمون كوقود للحروب وعمال بالسخرة دون مقابل ، ذلك الطفل الذي تعرفه اتفاقية حقوق الطفل بأنه”كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة أو ما لم يبلغ سن الرشد” بينما يرى كثير من فقهاء المسلمين أن الطفل :من لم يصل لمرحلة البلوغ.

وإذا كانت اتفاقية حقوق الطفل قد جاءت لترسخ لحقوق أساسية تدور حولها تلكم الاتفاقية وهي (حق الطفل في البقاء والتطور والنمو إلى أقصى حد،وحقه في الحماية من التأثيرات المضرة وسوء المعاملة والاستغلال،والمشاركة الكاملة في الأسرة وفي الحياة الثقافية والاجتماعية) فإن الإسلام جاء سباقا في ذلك كله ولعل أول ما عالجه الإسلام هو مسألة التصورات المغلوطة لدى الناس في ذلك الزمن وهو كراهية الأطفال من الإناث ووأدهن خشية العار قال تعالى مبينا حالة العرب في الجاهلية(وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب )فالآية تصور حالة الأب وهو يبشر بالأنثى وكيف تظهر الكآبة على وجهه ويحتار فيما يفعل فإما أن يبقيها على قيد الحياة ولكن مع شعوره بالعار وإما أن يقتلها ،أين هذا من إظهار البشارة بزيادة المولود التي جاءت في أكثر من آية في كتاب الله (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى) (وبشروه بغلام حليم) .

وقد حرص الإسلام على تبيان حق الطفل في الحياة، مهما كان جنسه بل ونهى عن قتلهم ذكورا وإناثا، بسبب الفقر أو خشية الوقوع فيه قال تعالى (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) وفي آية أخرى (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) وهذا التشديد على حق الحياة يمتد من لحظة اللقاء الذي ينشأ عنه الجنين، حيث جعل الإسلام دية للجنين في حال تعمد إسقاطه.

إن هذا الاهتمام بحق الحياة واعتباره حقا أصيلا لا يصح المساس به أمر يؤكد على التكريم الذي جعله الله سبحانه للجنس البشري (ولقد كرمنا بني آدم) وليس هناك مخافة أكبر وانتهاك أعظم لهذا التكريم من محاولة تقويض حياة هذا الإنسان ومصادرة حقه في البقاء.

ومن ضمن هذه الحقوق التي عني بها الإسلام: حق الطفل في اسم يُسمى به، وينبغي أن يختار أبويه له اسما جميلا، لأن للمرء نصيبا من اسمه وتؤكد الدراسات أن الاسم له دور في بلورة شخصية الطفل، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء التي يراها غير مناسبة وفيها افتئات على الشخص وتوحي بمعان سلبية، فقد غير اسم امرأة من (عاصية) إلى (جميلة) وغير اسم رجل من (ظالم) إلى (راشد).

وهناك حق الطفل في الرضاعة وقد حدد الله للوالدات حولين كاملين للرضاعة ،وبين أن على الأب نفقة الأم المرضعة وإن كانت مطلقة ،لأن النفقة عليها نفقة على وليدها(فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) ولأهمية الرضاعة وكون إيقافها (وهو ما يسمى بالفطام والفصال)أمرا يتعلق بمصلحة الطفل كان لابد من المشاورة بين الأبوين فيه وإن كانا طليقين ،حتى لا يكون هناك ضرر على الطفل(فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) يقول ابن كثير: “فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشورة الآخر وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده”.

ومن الحقوق الأصيلة حق الحضانة وهي تعني الالتزام بتربية الطفل والقيام بحفظه وإصلاح شأنه في المدة التي لا يستغني فيها عن النساء ، ممن لهن حق تربيته شرعا ،وقد بين قانون الأحوال الشخصية العماني أنه في حالة الطلاق تكون الحضانة من حق الأم ابتداء ما دامت تخلو من موانع الحضانة وفي المادة (129) من ذات القانون :}تستمر الحضانة حتى يتم المحضون الذكر السابعة من عمره ،وتستمر حضانة البنت حتى البلوغ إلا إذا قدر القاضي خلاف ذلك لمصلحة المحضون، {وهذا يشي بأهمية هذه المرحلة حيث اهتم المشرع بكون الحاضن امرأة لأنها الأقدر على الاهتمام والعناية بالطفل ورعايته ،بما أوتيت من حنان وصبر واشترط في حال كون الحاضن رجلا أن يكون عنده من يصلح للحضانة من النساء.

ومن الحقوق التي راعها الإسلام حق التربية الصالحة وهي تشمل تنمية مهاراته ورعايته و تفكيره وغرس القيم فيه ولذلك جاءت الآية الكريمة منادية الناس ليقوا أهليهم النار وذلك بحسن تعهدهم وإصلاحهم(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) وفي هذا الإطار سمى الإسلام الزوج راعيا والزوجة راعية والعائلة رعية إشارة إلى كون الراعي يهتم بما لديه ويحفظهم ويصلح أحوالهم ولذلك جاء الإسلام ليصلح المفهوم الذي قد يشيع عند بعض الآباء حيث يكون موضوع التربية قاصرا على العناية بجسم الطفل فقط دون أن يكون للنفس والعقل والروح نصيب منها، وفي هذا الإطار كانت الترغيب في تعليم الأطفال (تعليم الصغار يطفئ غضب الرب)وها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يجعل تعليم عشرة من أبناء الصحابة القراءة والكتابة سببا في فداء من يقوم بذلك من أسرى معركة بدر.

إن الحقوق التي كفلها الإسلام للطفل تتعدى إلى احترامه وتقديره ومشاورته وهو ما يتيح صقل شخصية الطفل ويدفع نحو نضجها فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بشراب وعن يمينه غلام صغير وعن يساره أشياخ الصحابة فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟، فقال الغلام: لا، والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا، قال: فوضعه في يده.

وفي هذا الإطار يندرج ما جاء في اتفاقية حقوق الطفل: من أن له حق التعبير قولا ،وكتابة وحق الفكر والوجدان والدين ،حيث كان الإسلام سباقا إلى ذلك، عندما جعل الإيمان على التخيير ،ونفى الإكراه عليه ونهى عنه (لا إكراه في الدين) نعم على الآباء أن ينصحوا لأبنائهم لكن ليس عليهم جبرهم على معتقد ما لأن الإكراه يولد النفاق فيعيش المرء مزدوجا في شخصيته ،يظهر وجها ويبطن وجها آخر، وهو ما لا يريده الإسلام بل يريد أن ينشأ المرء سويا عنده ملكة الاختيار والإرادة الكاملة ليمارس حياته وفق حرية منضبطة تراعي الواقع وتحمي الكينونة ولا تصادر الفكر.

وأخيرا لا بد من الإشارة إلى أن التراكم المعرفي والتطور الحضاري ساهم في تعزيز مكانة الطفل وترسيخ حقوقه، ولا يعني عدم وجود نصوص قرآنية أو آثار نبوية في شيء من حقوق الأطفال الواردة في اتفاقية حقوق الطفل أن الإسلام يمنع منها ويصادرها، لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والنظرة للإنسان أن له كرامة وحرية، فكل ما يصب في هاتين الخانتين هو من صميم الدين وهدي النبي الأمين.