مُوْسَى بيدج شاعرٌ وباحثٌ ومُترجِم إيراني، رئيس تحرير مجلة “شيراز” الفصلية -نافذة باللغة العربية على الأدب الإيراني- تُعنى بترجمة الأدب الإيراني إلى العربية، له أربعة دواوين شعرية، وثلاث مجموعات قصصية في مسيرته الإبداعية.

ويُعتَبر الشاعرُ الإيرانيُّ مُوْسَى بيدج هو سفير الأدب بين العالم العربي وإيران؛ فالجهود التي بَذَلها في نقل الأدب الإيراني إلى العالم العربي، والأدب العربي إلى إيران، لم تقُم بها مُؤسَّسات بأكملها؛ فقد تَرْجَم بيدج إلى الفارسية نحو ثلاثين كتابا من الأدب العربي الحديث، كما تَرْجَم ثمانية أعمال من الأدب الفارسي إلى العربية.

مجلة “شرق غرب” استغلَّتْ الزيارة التي قام بها الشاعر مُوْسَى بيدج، مؤخرا، إلى مسقط من أجل إلقاء محاضرة في النادي الثقافي -بالتعاون مع مركز تعليم اللغة الفارسية، بعنوان “الشعر الملمع والتراث العربي”- من أجل إجراء حوار معه عن الأدب الإيراني والأدب العربي، وجهوده في الترجمة.

————————————-

أجرى الحوار:

فايزة بنت محمد البلوشية

————————————-

ماذا عن بداياتك مع اللغة العربية؟
سُؤالك يُذكِّرني بكتاب “تذكرة الأولياء” لفريد الدين العطار، حين يستعرض حياة الصوفي حبيب العجمي؛ فيقول: “كان عندما يُقرأ عنده القرآن يشرع بالبكاء، سألوه: يا حبيب، أنت أعجمي، ولا تفقه معنى القرآن، فلِمَ البكاء؟! قال: لساني أعجمي لكن قلبي عربي”!
أنَّا لستُ صوفيًّا كما كان حبيب، ولكن بيني وبين لسان العرب صلة قرابة أزلية تخرج عن نطاق دراستي الجامعية، وتتوغَّل في بيئتي ونشأتي، وتوقي وشوقي للشعر والأدب الإيراني منه والعربي؛ ففي بلادنا كلُّ من يرْغَب بقراءة الأدب الفارسي القديم عليه أن يكون على معرفة بلغة العرب؛ فعلاوة على عشرات الشعراء والأدباء والمفكرين والعلماء الإيرانيين، الذين كتبوا أسفارهم بالعربية مُباشرة، هناك من طعَّموا كتاباتهم الفارسية بالأفكار والبلاغات والبيانات المقتبسة من الكتاب العرب القدماء. إذن؛ البدايات هي بدايات تاريخية لكلِّ مُواطن يرغب في التعرف على أدب وثقافة جاره في العالم العربي.
وأنا من هؤلاء المواطنين، وأحمل في زادي منذ عقود ثلاثة قاموس اللغة والأدب العربي والفارسي. وعندما أحلُم تشعُّ من سطور أحلامي كلمات بثلاث لغات أتنفسها؛ هي: الكردية (لغة الأم)، والفارسية، والعربية. ولكن إذا عُدت إلى سؤالك، سأقول لا أدري متى بدأت مسيرتي مع اللغة أصلاً، والعربية فصلاً.

قُمت بترجمة العديد من نصوص الأدب الإيراني إلى العربية، فكيف كان تقبُّل القراء العرب لها؟
نعم، ترجمتُ لعشرات الشعراء والأدباء الإيرانيين نماذجَ من أعمالهم إلى العربية، تفترش مساحة تتعدى عشرة كتب نُشِرت في الكويت وبيروت والجزائر. وفي المقابل، ترجمتُ لعشرات المبدعين العرب إلى الفارسية؛ تزيد ضعفي كتبي العربية؛ أي ثلاثين كتاباً.
ومع هذا، لا أستطيع أن أجزم كيف تقبل القارئ العربي مُنجزي عن الأدب الفارسي، ولكن يتسنَّى لي أن أقول إنني التقيت الكثيرَ من المبدعين العرب طيلة السنوات هذه وكانت انطباعاتهم عن أعمالي مُقترنة بالترحيب والتشجيع، وهذا الانطباع الإيجابي هو الذي صار لي وقوداً كي أستمر. وفي ظني أنَّ الخطوة الأهم في هذا المضمار هي الوصول للقارئ. وإيصال هذه التجربة وهذا المنجز إليه يتطلب دَعْمًا مؤسساتيًّا من الطرفين. وفي كل الأحوال، الحمد لله الذي كنتُ محظوظاً كي أعمل على التقريب بين الأدبين.

هل قرأتَ الأدبَ العُماني من شعر ورواية وقصة قصيرة؟ وما رأيك فيها في حال قراءتك لها؟
نعم، قرأتُ بعض الأعمال، وإن لم تكن كثيرة، إلا أنها شكَّلت لي صورة جانبية مُختصرة عن معين إذا تفحَّصناه بدقة سنجد فيه الكثيرَ مما يليق من نتاج أدب وفكر. أول من تعرَّفت على أعماله هو الشاعر العُماني سيف الرحبي، الذي ترجمت له قصيدتيْن أو ثلاث، نُشِرت ضمن “أنطولوجيا الشعر العربي” في بيت الشعر الإيراني قبل حوالي عقدين من الزمن. لكنَّ قراءاتي أكثر بالطبع. فقد قرأتُ للكاتب والباحث الدكتور إحسان بن صادق اللواتي. كذلك قرأتُ للشاعر عبد يغوث، والشاعرة فاطمة الشيدية، وقرأت رواية “موشكا” لمُحمَّد الشحري، وأيضاً قرأتُ واستمعتُ للشاعر مصطفى اللواتي، وأحمد العبري، وتعرفت على شخصيات إعلامية مثقفة؛ مثل: الدكتورة عائشة الدرمكية، وصالح البلوشي، وسليمان المعمري، وعاصم الشيدي، وإبراهيم سعيد، وأكيد هناك أسماء أخرى لا تسعفني الذاكرة بها. وقبل كل هذا، هُناك كتاب صدر ليوسف الشاروني عنوانه “في الأدب العُماني الحديث”. هذا الكتاب الذي صدر في العام 1990م ، كان لي الدليل للتعرُّف على نتاج الأدب العُماني الحديث.
ولكن مع كلِّ هذا، لا أظن أنَّه يحقُّ لي أن أقيِّم أدبَ بلد ما من خلال قراءة نماذج منه كي لا نظلمه. ومع هذا، أقول بصريح العبارة إنَّني استمتعتُ بقراءة هذه الفقرات من الأدب العُماني، وأتمنَّى أن يُحالفني الحظ كي أقرأ أكثر.

هل لديك نية بترجمة الأدب العُماني إلى اللغة الفارسية؟
نعم، ولِمَ لا؟ فقد ترجمتُ الكثيرَ من الأدب العربي ببلدانه المختلفة، والأدب العُماني لم يأخذ حقَّه في الترجمة إلى الفارسية. ولكن، هل نكتفي بكتاب أو كتابين؟ لا! في ظنِّي سيحتاج التعريف بالأدب العُماني إلى الفارسية والعديد من الكتب، وهذا العمل سيكون على شكل مشروع، والمشروع سيحتاج لطاقم عمل، ولدعم من قبل المعنيين.

وما رأيك في ضَعْف التواصل الثقافي بين العرب وإيران؟ وهل تعتقد أنَّ هناك أسباباً سياسية تقف وراء ذلك؟
صحيح، هُناك ضَعْف في التواصل، إنْ لم نقل هناك قطيعة. فلو أعَدْنا النظر في التاريخ، لرأينا أنَّ الثقافة التي ارتادت آفاق العالم في العصور الإسلامية الأولى كانت من صُنع ضفتين، وليست ضفة واحدة، اشترك في تأسيسها العلماء والأدباء وأصحاب الفكر والكلمة من العرب والإيرانيين.
ولا نَنْسَى أنَّ التعاون الثقافي المشترك في العصور القديمة، أوْصَلنا اليوم إلى هذا الاشتراك اللغوي، وهذا الكم الهائل من الأدب والفكر الذي كُتِب باللغتين؛ فتاريخ الأدب الفارسي مُكتظ بقصائد باللغة العربية من إنشاد الشعراء الإيرانيين، ولغة الفرس زاخرة بالمفردات العربية. وفي المقابل، هناك ألف وستمائة مفردة فارسية يستعملها العرب في كتاباتهم وحواراتهم اليومية دون التنبُّه إليها من أنها فارسية. وطبعاً، لا يَخْفَى على أحد أنَّ أعمدة الشعر العربي منهم من أصول فارسية؛ مثل: بشار بن برد، وأبو نواس، ومهيار الديلمي، والطغرائي، وابن المقفع… إلى آخر تلك الأسماء.
نعم، كان هذا قديماً، لكن اليوم -ولأسباب ليست سياسية بحتة، وإنما لأسباب دعائية وإعلامية من جانب أولئك الذين لا يرغبون بالتقارب بين العرب والإيرانيين- وصلت بنا الحال إلى هذا الفتور الثقافي فيما بيننا. طبعاً الثقافة هي التي تبني العلاقات وتعمِّقها وهي التي تجتاز الحدود دون تأشيرة أو مُوافقة من الجهات السياسية. وبناءً على هذا، يرنو المثقفون من الضفتين العربية والإيرانية إلى أنْ تتَّسع حدودَ هذه الثقافة لتصبح كما كانت عليه سابقا.

لمن يَقْرأ الشاعر موسى بيدج؟
أقرأ لمن يكتب جيداً ويضيف بإبداعه إلى المكتبة الأدبية نتاجا إنسانيا. نحن الآن نعيش مرحلة صعبة عالميًّا ومحليًّا، وفي ظنِّي أنَّ مسؤولية الأدب تعمَّقتْ وتجذَّرتْ أكثر من ذي قبل؛ فالأديب والمبدع عليه أن يُكرِّس جهوداً لتبيين الحالات غير الإنسانية التي أحدثتها الأزمات والاضطرابات والحروب، خاصة في القرن العشرين.
وأنا أقرأ ما تيسَّر لي من كتابات، دون الاعتناء بالأسماء، ودون النظر إلى البهرجة.. فأنا مع مقولة “انظر إلى ما قيل، ولا تنظر إلى من قال”.
وبالنسبة لقراءاتي في الأدب العربي، قرأتُ للكثير من روَّاد الشعر والأدب القصصي والروائي، وكُتَّاب نقد وفكر. وطبعاً طريقتي في القراءة هي أنني عندما أبدأ رواية وأصل إلى الصفحة العاشرة، أو في هذا الحدود، ولم تأخذني معها إلى أجوائها أتركها، حتى وإنْ كانت لأحد أصحاب جائزة نوبل. وفي الشعر أيضاً، عادة يضع الشعراء قصائدهم الأهم في أول المجموعة؛ فإذا لم تُخاطب القصائد الأولى رُوْحِي، ولم أنسجم معها، لا أتواصل معها.

وما أسباب عدم انتشار الكتاب الأدبي الإيراني في معارض الكتاب؛ حيث إننا كثيراً ما نجد أنَّ المشاركات الإيرانية باللغة العربية في المعارض تقتصرُ على الكُتب الدينية والسياسية فقط، بينما نجد غياباً واضحاً للرواية والشعر والنقد الأدبي والفكر…وغيرها؟
هذا السؤال يجب أن يُطرح على المعنيين في شؤون المعارض. كلامك صحيح، وأنا قد حضرتُ الكثيرَ من مَعَارض الكتاب في البلدان العربية، وكان الكثيرُ من الناس يسألونني عن ذلك، وأنا لا إجابة لديَّ سوى أنَّني أحزن لهذا الوضع. نعم، هناك غياب كبير للكتب الأدبية الإيرانية في معارض الكتاب الدولية في العالم العربي. وأنا أضمُّ صَوْتِي إليكم، وأقول: يجب علينا ترجمة الأدب أولاً.

وما تأثير الثورة الإيرانية التي وقعتْ سنة 1979 في الأدب الإيراني؛ سواء بالسلب أو الإيجاب؟
كلُّ ثورة، وكل حركة تغيير تطرأ في مجتمع ما، تأتي معها بقيم وقوانين وتوجُّهات جديدة، شأنها أن تأخذ بناصية الناس إلى يَوْمٍ أفضل. والذي حَدَث من تأثير في المجتمع الإيراني بعد الثورة أنَّه جاءت أجيال جديدة بتطلعات وآمال وأحلام جديدة. وبما أنَّ المجتمع يتكوَّن من شرائح مُختلفة، تحلم كل طائفة بأحلامها وأنغامها. والأدب مرآة تعكسُ هذه التطلعات. فنرى في القصة والرواية والشعر مُقتضيات وحاجات تتطلبها الشروط الزمنية الجديدة.
والذي نتلمُّسه بعد الثورة، أنَّه ظهرتْ هناك مَوْجة جديدة في الشعر الإيراني تكرِّس جهودها لإعادة الأوزان والقوالب الكلاسيكية في الشعر الحديث، بعد أن استفلحتْ حالة قصيدة النثر على الساحة الشعرية. وفي القصة والرواية، هُناك اتجاه يُحبِّذ استلهام التراث. طبعاً لكلِّ عملٍ سلبياته وإيجابياته، والأمور لا تُقيَّم ككل، وإنما يجب النظر إليها بتفصيل وليس بإجمال.
والذي نراه الآن على الساحة الثقافية في إيران هو ظهور الكثير من الشعراء والكُتَّاب من الجنسين؛ فلدينا على الأقل عشرون روائية جادة تعمل بانتظام، إلى جانب الروائيين، ولدينا من الشاعرات المجيدات العشرات، إن لم نقل المئات. وطبعاً رصد وتقييم كل هذا يحتاج لمجال آخر.

هل تمَّ أدلجة الأدب في إيران بعد الثورة؟
الأدب الجاد والأصيل، والذي ينتمي للشعور الإنساني، ويحاول أن يبني جسوراً من العلاقات الطيبة لمصلحة البشر والبشرية، هو ذلك الأدب الذي يحذف من فكره الانتماء الأيديولوجي؛ لأنَّ الأيديولوجية تفرضُ أصولَها وتطلعاتها على المنتمي إليها.
وفي إيران، لا تُوْجَد هذه الحالة، وحتى في العالم لقد أثبتتْ فشلها، وإنْ كانت مُسيطرة لفترة من الزمن.. هُنا الكاتب يكتب ما يمليه عليه فكره، ويتبع وصايا القلب، ولكن إذا اشتركت أفكاره مع أيديولوجية ما، وكتب عنها، مؤمنا بها، فهي من صُلب فكره وروحه. طبعاً هذه هي القاعدة، ولكن مُمكن أن يكون هناك استثناء لكُتَّاب يتَّبعون مَصَالحهم الشخصية قبل المصلحة الإنسانية. ولا ضَيْر في ذلك؛ لأنَّ المجتمعات لا تُبنى من الموزاييك وليس هناك زيٌّ مُوحَّد.

1,539 total views, 8 views today