الحوار مع الأديب أحمد الفلاحي له نكهة خاصة، فالرجل يُعتبر من رواد العمل الثقافي في السلطنة ولا تزال المجلة الشهيرة التي كان يصدرها (الغدير) حديث الشارع الثقافي في البلاد، فقد أسهمت هذه المجلة في تخريج جيل من الكتاب والشعراء احتضنت المجلة كتاباتهم المبكرة بكل رحابة صدر، عندما كانت المنابر الثقافية محدودة جدا في السلطنة، بل كانت لا تكاد تذكر، حتى أن كثيرا من الأدباء العمانيين كان يضطر للكتابة في المجلات والصحف التي كانت تصدر في الخارج. ويُعتبر الفلاحي صاحب ثقافة موسوعية؛ فهو يحدثك عن السياسة وأعلامها ومذاهبها ولقاءاته مع كبار المسؤولين فيها بداخل السلطنة وخارجها كأنه أحد أبرز رجالاتها، وتعج مكتبته الخاصة في بيته بالخوير بمئات العناوين السياسية، وخاصة للكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل، وأما في الفكر فهو صاحب رأي مُعتبر وله اهتمامات كبيرة بمطالعة الكتب والمجلات الفكرية والالتقاء بأهل الفكر، وأما في الشعر والأدب فلا يمكن الاستغناء عن رأيه، ولذلك فله حضور بارز في المسابقات والأنشطة الأدبية التي تقام في السلطنة كالمنتدى الأدبي والمسابقات الشعرية وغيرها. وقد وصفه الشاعر السوري نزار قباني في 5 ديسمبر/كانون الأول 1993 في رسالة شخصية بينه وبين الأديب والشاعر العماني سيف الرحبي بأنه “كتيبة شعر” معبراً فيها عن إعجابه بلحظة جمعته بالفلاحي والرحبي في زيارة له إلى مسقط قائلا “أما أحمد الفلاحي فكان كتيبة من الشعر، والظرف، والرواية، والثقافة بطحتنا جميعاً على الأرض. إنه واحد من الظرفاء العرب الذين سلموا من هذا العصر الثقافي الحديث الذي لا مثيل لغلاظته”. صدر للفلاحي العديد من المؤلفات وتضم المقالات التي كان يكتبها خلال طوال السنوات الماضية منها كتاب “حول الثقافة ” عام 2007، وكتاب “متابعات” الذي صدر عام 2009، و”من الحياة ” سنة 2011، وكتاب “مع الأدب العماني” عام 2011 وهو دراسة نقدية عن الأدب العماني المعاصر، وكتاب ” تأملات ” سنة 2013، بالإضافة إلى كتاب ” بطين ” سنة 2013 ويتحدث فيه عن مسقط رأسه بلدة” بطين “.

————————————-

أجرى الحوار:

فايزة بنت محمد البلوشية

————————————-

باتَ بالإمكان اليَوْم الحديثُ -في أيِّ دولة- عن إيجاد أو تفعيل إستراتيجيَّات (إستراتيجيَّة الأمن الوطني، إستراتيجيَّة الدفاع الوطني، الإستراتيجيَّة الوطنية للصحة، والإستراتيجيَّة الاقتصادية…إلخ)، ووِفْق المنظورُ الذي يَرَى أنَّ الثقافة ليست مُجرَّد أمسية، أو ندوة، أو طباعة كتاب، أو مهرجان، بل هي إستراتيجيات تستهدفُ تغييرَ الواقع الإنساني والمجتمعي نحو الأفضل .. ما هي قراءتكم للمشهد الثقافي العُماني؟ وما الذي تريدونه للمشهد الثقافي العُماني خلال السنوات العشر المقبلة؟

– لستُ أدْرِي كيف تقوم الثقافة بتغيير الواقع نحو الأفضل إنْ لم يكن عن طريق المهرجانات والمحاضرات ونشر الكتب وتكثيف المادة الفكرية والثقافية في وسائل الإعلام بكل الصُّور الممكنة والمتاحة؛ فهذه هي السُّبل التي تتحرَّك فيها الثقافة لتصل إلى الناس، وتؤثر فيهم، إضافة إلى المتاحف والمعارض والمسرح والسينما. نعم بالتأكيد نحن في أمسِّ الحاجة إلى إستراتيجيَّة للثقافة، كما هي حاجتنا لإستراتيجيات الأمن والصحة والاقتصاد والتعليم؛ فأهمية الثقافة للمجتمعات ليست بأقل من مُتطلباتها الأخرى. وكُلَّما أشعلنا مصابيح الثقافة، وأعلينا من أنوارها، أوجدنا الإنسانَ الواعي المدرك الذي لا تستطيع الدعايات المضللة والمضادة التغلغل فيه وجذبه لأهدافها. إنَّنا بالثقافة نُحصِّن عقول أبنائنا من الاختراق، ونجعل منهم أسوارًا قوية تصدُّ الرياح العاتية ليس عن الوطن فحسب، بل عن الأمة كلها. فبالثقافة نجعل من إنساننا نَجْمًا مُضيئا تلتمعُ أنواره في كلِّ السماوات والجهات، مُبشِّرا بالخير والأمن، وداعيًا للسلام والمحبَّة بين البشر وتعزيز التقارب فيما بينهم؛ فهذا هو فعل الثقافة منذ مِئات القرون. ونعني بالثقافة: الكتاب، والبحوث، والمقالات، والشعر، والإبداع النثري، والفن التشكيلي بمختلف صنوفه، والموسيقى، والمسرح، والسينما، إضافة إلى الندوات والمحاضرات، وإتقان اللغات، والتنقيب عن كنوز الآثار المطمورة والتعريف بها وإقامة المعارض لها، وإنشاء المراكز الثقافية أولا في محافظاتنا ومدننا، ثم في مدن العالم شرقه وغربه وفق الإمكانات المتاحة، والتركيز كذلك على إحياء ميراثنا الحضاري في شتَّى أنواعها؛ بما فيها: الملبس، والمأكل، والعادات، بعد الأشياء الأكثر أهمية كالتاريخ وسِيَر الأعلام؛ نكتبها في مناهج الدراسة ونلقِّنها أبناءنا منذ نُعومة أظفارهم في المدارس، ثم في الجامعات، ونروِّج لها في جميع عواصم العالم وأقاليمه المختلفة، وقبل ذلك حضارتنا العربية العامة ومنجزاتها الكبرى القائمة على حُبِّ الإنسان للإنسان، وبثِّ قيم الخير لكل الناس، بل ولكل كائن حي. أمَّا المشهد الثقافي في عُمان كما هو اليوم، فهو أفضل بعشرات المرات ممَّا كان عليه قبل عقد ونصف العقد من السنين، ولكنه لا يزال في تقديري أقل من طموحاتنا، وما زلنا ننتظر الأكثر الذي يُعبِّر عن حضارة عُمان المنبثقة من الحقب البعيدة، الضاربة في أعماق الزمن لما قبل آلاف السنين.

أيُّ صورة تجدونها للمثقف العربي؟ الصورة التي ينبغي أن يكون عليها؟

– أنا مع المثقف الواقعي؛ الذي ينطلق من أرضه ومجتمعه، ولا يجنح للخيال ويحلِّق بعيدا في الأعالي.. مثقف تعكس ثقافته حال أناسه ووطنه. نعم نريد المثقف الحالم بما هو أفضل، والساعي لغد أجمل ولارتياد مناطق لم تكن معروفة من قبل واكتشاف مجهول؛ بما يجعل الناس أكثر سعادة ورقيا. لكننا في الوقت ذاته نريد المثقف المستوعب لعصره والمدرك لرسالته، والجاد في صُنع الجمال لقومه وأهله بعيدا عن التعصُّب والغلو والتعالي. المثقف الذي يقبل الآخر المختلف ولا يضيق به.. المثقف الذي يحمل الروح الإنسانية العالية ويتعامل بها مع الكل، المثقف المختلط مع الناس والمشارك في همومهم وأفراحهم وأحزانهم الذي لا ينعزل في صَوْمعته الخاصة، ويعيش لذات نفسه، ولا يبالي بأي شي من حوله. نريد المثقف الذي يحمل همَّ الوطن ويجتهد في خدمته وصيانته وإعلاء شأنه وإبعاده عن المزالق والمنعطفات برؤية مُدركة للمخاطر، وواعية للظروف؛ هدفها الأول والأخير تلاحُم الوطن واستقراره وأمنه.. ذاك هو المثقف الذي نبتغيه بغضِّ النظر عن الأيديولوجيات التي يعتنقها والأفكار المنضوي تحتها.

هناك من يَرَى أنَّ أحمد الفلاحي تراجع عن مشروع التنوير واكتفى بالأدب؟ فما رأيكم في ذلك؟

– ما هو ذلك التنوير الذي تراجع أحمد الفلاحي عنه؟ إنَّني ما زلت مع مفهوم التنوير منذ البواكير الأولى لوعيي، وسأظل مُتمسكا به حتى نهاية حياتي، والتنوير الذي أفهمه وأسعى لنشره وأدافع عنه هو تبصير الناس وإرشادهم ودفعهم لاستيعاب حضارة العصر والتخلي عن الجمود والتقوقع، والأخذ بأفكار التمدُّن والرُّقي، والانطلاق نحو غد أكثر إشراقا يذهب بنا نحو التطور والتقدم. ذاك هو التنوير كما عرفناه من أعلامه الكبار، وما أظنني تراجعت عنه. أما الصخب وتلميع الذوات وركوب الموجة، والادعاء بالوهم والثرثرة الفارغة، فذلك لم يكن من شأني في الماضي، ولن أذهب في سبيله غدًا، وفي الوقت نفسه أتشرَّف بأنْ أكون مع الأدب وفي خدمته، ولا أرى مُطلقًا تناقضًا بين الإخلاص للأدب والعيش تحت رسالة التنوير؛ فهما عندي وجهان لعملة واحدة، والأدب في تصوُّري أحد الأعمدة الراسخة التي يستند بناء التنوير إليها.

كيف تنظرُ إلى مسألة التنوير في ظلِّ هيمنة اللا مشروع على العقل العربي؟

– ما زلت مُؤمنا بمشروع التنوير، مُقتنعا به أشد الاقتناع، وأراه الطريقَ الأمثل الوحيد للخلاص مما نحن فيه اليوم من مِحَن ومعضلات تتوالد من بعضها. إنَّ هذه التخبُّطات والارتباكات والانقسامات المرعبة لا مَخْرج منها سوى بالاستنارة والوعي بالاختلاف الصحي المؤدِّي لأن نقبل بعضنا بعضا، مهما اختلفت أفكارنا ونظرتنا للأمور؛ فالاختلاف سمة أساسية في البشر، ولا يُمكن أبدا أن يكونوا في منهج واحد مُحدَّد، وإلا فلماذا تباينت تعليلات الفلاسفة وتباعدتْ الديانات وتعدَّدت المذاهب في الدين الواحد، وبرزتْ الأحزاب السياسية المتنافرة الرؤى، وظهرت النظريات الاقتصادية والفكرية والاجتماعية القائمة على أسس تتناقص فيما بينها. ولهذا؛ أدركتْ الأمم الحيَّة المستنيرة أنْ لا سبيل لها سوى التعايش بين الاختلافات وسيادة احترام كل فريق لمخالفه، وبهذا نهضتْ وتقدَّمت وعلتْ منزلتها كما نرى في الهند واليابان وأوروبا وأمريكا؛ حيث يوجد البوذي والنصراني والمسلم والمجوسي والملحد واليهودي ومن لا دين له، ولا صراع بينهم ولا قتال.. وكما قال تعالى في مُحكم كتابه: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، وكلُّ هذا الخليط مُنتمٍ إلى هذا الحزب أو إلى ذاك المعارض له، ولكلٍّ منهم حقوقه الكاملة في إقامة شعائر دينه وإنشاء معابده وكنائسه ومساجده إن شاء دُوْن ضَيْم على هذا أو محاباة لذاك، وجميعهم يقوم بأداء خدمة الوطن في أي موقع هو فيه. والسبيل الوحيد الذي أؤمن به وأراه لوطننا العربي وأمتنا العربية هو هذا فقط ولا سواه؛ فهو المُنجِّي من التمزُّق، وهو المُوْصِل للتقدم والنجاح والتفوق، وهذا هو الذي نادى به أئمة التنوير في أمتنا من: مُحمَّد عبده، وشبلي شميل، وطه حسين، والكواكبي، وخير الدين التونسي…وأمثالهم كثير.

هل هناك بذور أولى للتنوير في عُمان؟

– مع بدايات ظهور دعوات التنوير في الوطن العربي في القرن التاسع عشر، وصلتْ إرهاصات تلك الدعوات إلى عُمان، ولو بصورة خافتة، وكان هناك من يُتابع هذه الأفكار الحديثة عبر ما يصلهم من زنجبار أو من العراق ومصر أو الهند. وفي بدايات القرن العشرين تزايد الاهتمام، وبادر قوم بالاشتراك في جريدة “الفلق” التي أنشأها نفرٌ من العُمانيين في زنجبار في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، إضافة إلى متابعتهم للصحف والمجلات العربية؛ أمثال: “الأهرام”، و”الهلال”، و”المقتطف”، و”المنار”، و”المؤيد”، وثمة حتى محاولات للكتابة الداعية للإصلاح والاقتراب من العصر هنا أو هناك. ولا شكَّ أنَّ مقالات وكتابات التنويريين العرب أحدثت شيئا من الاهتمام لدى بعض الطلائع العُمانية المتابعة؛ لعلَّ من أشهرهم: الشيخ القاضي عيسى بن صالح الطائي، والسيد محمد بن تركي شقيق السلطان فيصل، والشيخ سليمان بن ناصر اللمكي، والشيخ أبو مسلم البهلاني، والشيخ “الشيبة” محمد بن عبد الله السالمي…وأسماء أخرى كانت تتردَّد على الهند سمعت بها وغابت أسماؤها عني هذه اللحظة. وقد أثارتْ هذه العيِّنة من خلال وعيها المحدود ورؤيتها البسيطة نقاشات ومجادلات حيال ما كانوا يقرؤونه ويصلهم من الأشياء المستجدة الغريبة -وربما المستنكرة- من الجمهور، خاصة من العلماء وطلابهم وملازميهم، وظهرت إشارات لتلك المفاهيم الجديدة في أشعار بعضهم، ولكن تأثير ذلك على ما أظن كان قليلا لغلبة الفكر القديم المحافظ السائد وقتها، وصعوبة تقبُّل الجديد المجهول المريب عندهم، وقد حدث مثل هذا في القاهرة ومثيلاتها من عواصم العرب، التي لها احتكاك واسع مع بلدان الحضارة الحديثة؛ فكيف بعُمان التي كانت بعيدة مُنعزلة. وهذه المخاضات كانت خلال فترة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أما بعد ذلك -ومع نهاية الثلث الأول من القرن ذاته، أعقاب الحرب العالمية الثانية- فقد تغيَّر الوضع، وأصبح التنوير أكثر انتشارا ومتابعة، وعلت نبرة الداعين له والمبشرين به، واكتسبت أفكار الحداثة والتجديد مساحة أوسع، وظهر المزيد من الأسماء المنادية باعتناق الجديد.

وما هي الإشكاليات التي يُواجهها التنوير اليوم؟

– لعلَّ الإشكاليات اليوم أكبر وأخطر وأشد وأعتى من تلك التي كانت مع بدايات التنوير؛ حيث لم تكن يومئذ أفكار التطرف والعنف كما هي موجودة اليوم؛ حيث كان الرفض حينها يجيء بالقول الشفهي لتلك الأفكار غير المقبولة، والتجادل مع أصحابها بالخطب وكتابة الرسائل، وكلٌّ يُدلي بدلوه، ويوضِّح آراءه ومستنداته وأدلته عبر حوار راق رفيع التهذيب، ليس فيه مكان للتكفير والتحقير والإلغاء والشتم، بل كل فريق يبدي الاحترام للآخر كما رأينا بين الإمام محمد عبده وشبلي شميل الملحد والمنكر للدين، وكما حصل بين الكاتب المصري د.إسماعيل أدهم الذي كتب في صفحات مجلة “الرسالة” مقالًا -نُشر على حلقات- يدعو فيه إلى الإلحاد علانية تحت عنوان لافت “لماذا أنا ملحد؟!”، مبينا حججه ومبرراته، وبعد اكتمال حلقات مقاله كان الرد عليه في المجلة ذاتها من حلقات بعنوان “لماذا أنا مسلم؟!” بقلم أحد شباب الأزهر، الذي صار فيما بعد أحد كبار العلماء وهو الشيخ الباقوري، ولم يقم أحد باغتيال ذلك الكاتب المجاهر بالإلحاد أو الحكم بقتله، بل ظل إلى أن وافاه أجله يغشى المنتديات ويحضر الندوات؛ مُدافعا أمام الجميع عن آرائه ونظرياته التي أخرجها بعد ذلك في كُتب صدرت عن “دار المعارف” المعروفة برصانتها. واستدلالنا هنا بهذه القصص لا يعني إقرارنا للإلحاد، واعتباره من التنوير، ولكن لندلِّل كيف كان تبادُل الأفكار يومها، وكيف يكون الجدل وأدب الحوار بين المتحاورين مختلفي الآراء، فالكل يطرح حجته وبراهينه كما يراها، وعلى المتلقين أن يقبلوا أو يرفضوا، وهذه النقطة هي أكبر وأهم نقاط التنوير. وخلاصة القول أنَّ التنوير اليوم معضلاته كبيرة ومعقدة جدًّا.

لكم تجربة رائدة في المجلَّات الثقافية التي تمثَّلت في مجلة “الغدير” التي كان لها دور كبير في ظهور عدد من الأدباء والشعراء في عُمان قبل توقفها.. فما رأيكم في المجلات والملاحق الثقافية التي تصدُر اليوم في عُمان؟

– أنا سعيد جدًّا بما أراه اليوم في عُمان في مجال النشر الثقافي والأدبي، وأرى الملاحق الثقافية التي تُصدرها الجرائد اليومية قد أحرزتْ تطورًا مُهمًّا، وأصبحت في مرتبة مُتقدِّمة لا تقل عن نظيراتها في العواصم العربية.. تستقطب الكتاب، وتوافي القراء بنتاجات المبدعين المحليين وغير المحليين، وتواكب الحراك الثقافي في شتى صوره في الوطن، وعلى امتداد الساحة العربية، إضافة إلى المترجم من فكر وأدب اللغات الأخرى، كما نرى في: “شرفات”، و”أشرعة”، وقبل ذلك مجلة “نزوى” الفصلية التي أعتبرها من مفاخر عُمان في الثقافة، إضافة إلى منشورات أخرى تحظى الثقافة فيها بنصيب وافر، ومنها مجلتكم هذه شرَّفتني لأكون ضيفًا على صفحاتها.

لكم اهتمام كبير بما يصدُر في العالم العربي من كُتب في مُختلف الحقول المعرفية -سواء: أدبية، أو سياسية، أو فكرية- فلمن يقرأ أحمد الفلاحي؟

– واحد مثلي ليس له كبير تجربة أو إلمام بما يمضي فيه معظم الناس أوقاتهم وما يسعون إليه من أنشطة كثيرة علمية وتقنية وتجارية ورياضية وترفيهية وهوايات مُتعدِّدة يحسنها هذا أو ذاك تبقى القراءة هي المجال الوحيد المتاح أمامه ليلوذ به ويبحر فيه ساعة الفراغ والقراءة عندي تمثل شيئا أساسيا لا أستطيع الاستغناء عنه، وقد تعوَّدت ذلك منذ نشأتي الأولى وقراءاتي متنوعة في مختلف الموضوعات من كتب الدين والتاريخ والسير والمذكرات والروايات والشعر. ومن أبرز من قرأت لهم، يُمكن ذكر: المتنبي، والجاحظ، وإخوان الصفاء، والعوتبي، والأصفهاني، وابن عبد ربه، والمعري، والتوحيدي، وابن خلدون، وابن بركة، والطبري، وابن كثير، والأزكوي صاحب كشف الغمة، والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، والإمام محمد عبده، وأحمد أمين، والشيخ السالمي، ود.طه حسين، وعزت دروزة، وميخائيل نعيمة، ومحمد حسين هيكل، ود. جواد علي، ود. إحسان عباس، ود. عبد الوهاب المسيري، ود. زكي نجيب محمود ود.أحمد زكي، وغسان كنفاني، وحسين مروة، وشوقي، وأبو مسلم، والجواهري، وجبران خليل جبران، وعبد الرحمن منيف، والأخطل الصغير، ورجاء النقاش، ومحمد عابد الجابري، ونجيب محفوظ، ومي زيادة، وفدوى طوقان، والطيب صالح، ونزار قباني، ومحمود درويش، وجمال الغيطاني، وأمين معلوف، وواسيني الأعرج، وربيع جابر، والأستاذ عبدالله الطائي، والشيخ عبدالله الخليلي، والشيخ أحمد الخليلي، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ القرضاوي، وفهمي هويدي، وفهمي جدعان، والشيخ خليل عبد الكريم، ود. نصر أبوزيد، ود.جلال أمين، وجبرا إبراهيم جبرا، والشيخ هلال السيابي، وسيف الرحبي ومجايليه ومن جاء بعده من مبدعي عُمان، والشباب من كتابنا العُمانيين، وقد أصْبَح عدد كبير اليوم في مجالات متنوعة عديدة وعشرات غير هؤلاء، إضافة إلى كثير من الكتب المترجمة من لغات أخرى إلى العربية، وكذلك المجلات الشهرية والأسبوعية والدورية كمثل: “الآداب”، و”العربي”، و”الهلال”، و”المستقبل العربي”، و”أخبار الأدب”، و”نزوى”، و”التكوين”…وغيرها.

كيف يرى أحمد الفلاحي المشهد الثقافي العُماني اليوم؟

– أراه يتقدَّم ويتجدَّد وينشط، وأرى الكتب العُمانية يتوالى صدورها بنسبة كبيرة في مختلف العواصم العربية وفي عُمان، في كلِّ مجالات المعرفة، وكان إنشاء دار الغشام دفعة قوية للكتاب العُماني، وثمة أنشطة ملحوظة في: وزارة الثقافة، ووزارة الإعلام، ووزارة الأوقاف، والنادي الثقافي، والمنتدى الأدبي، والإذاعة والتليفزيون، والصحافة، والأوبرا، والجمعيات الأهلية -وفي مقدمتها: جمعية الكتاب- خطوات متسارعة بارزة في مجالات الثقافة على اختلافها -من الفن التشكيلي بأنواعه، إلى الموسيقى، والمسرح، والسينما، إلى المحاضرات والندوات والمعارض والمتاحف- وإن كنا ما زلنا نطمح للمزيد الموازي لثقافتنا العريقة وموروثنا الضخم، وأتفاءل بأن الأكثر والأجمل قادم إلينا في الأزمنة المقبلة مع انتشار الوعي وازدياد الأجيال المتعلمة المثقفة واتساع الاستنارة.

بعد ثورة الاتصالات الحديثة وانتشار الكتب الإلكترونية.. هل ترون أنَّ هناك خطرًا على مستقبل الكتب والمجلات الورقية، خاصة بعد أن تحوَّلت بعض المجلات العربية والعالمية فعلا إلى عالم النشر الإلكتروني؟

– لا شكَّ أنَّ ثورة الاتصالات والمستجد فيها قد غيَّرت الكثيرَ، وأحدثتْ التأثيرات الضخمة التي فاجأتْ البشر في كلِّ مكان من هذا العالم، ولا تزال، ولكنِّي أنا الأمي في الإلكترونيات ما زلت أُراهن على أنَّ الكتاب الورقي سيبقى رفيقا دائما للإنسان مَهْما تطوَّرت البشرية، وأظهرتْ من الاختراعات، ولستُ أظنُّ أنَّ المكتبات العظمى في لندن وموسكو وبكين وواشنطن وباريس وأمستردام وطوكيو سوف نجدها يوما وقد أغلقت أبوابها وسرَّحت موظفيها، ولستُ أتخيَّل كذلك أنَّ المطابع في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية ستوقف نشاطها بالمطلق، ومعارض الكتب الورقية ستظل في نظري كما هي اليوم تنتقل من لندن إلى نيودلهي إلى واشنطن إلى باريس إلى موسكو إلى برلين التي يُعتبر معرضها السنوي أعظم وأكبر معرض للكتاب في العالم، وتبلغ مبيعاته المليارات من اليورو كل عام، ومثلها المعارض العربية المتحركة طوال السنة من عاصمة عربية إلى أخرى، وفيها الكثير من جديد الكتب المترجمة، أو من مؤلفات العرب أنفسهم، هذا هو رأيي وتصوُّري مع يقيني التام بقوة التكنولوجيا الموجودة الآن والآتية في الغد، بما هو أغرب من المتخيل، وقد أكون مخطئا في تقديري.

متى بدأتْ تُباشر الكتابة الأدبية؟

– كانت مُحاولاتي الأولى في الثلث الأخير من الستينيات، لعلَّها في العام 1967م، أو بعدها بقليل، على شكل خواطر ومقالات قصيرة، كنتُ أبعث بها إلى مجلات وصحف ذلك الوقت في بيروت والقاهرة ودمشق والكويت، وبعض منها كان يُنشر في ركن بريد القراء، وبعضه لا يُنشر، وكنت كذلك أراسل إذاعة صوت العرب في القاهرة والإذاعة الموجَّهة إلى آسيا من القاهرة كذلك، وإذاعة لندن، وإذاعة صوت الساحل في إمارة الشارقة، وقد بثت هذه الإذاعات أحيانا شيئا من تلك المقطوعات البسيطة، ثم بعد العام 1970 حينما عُدت إلى عُمان بدأتُ النشر في جريدة “الوطن”، وصار أسلوبي يتطوَّر مرة بعد أخرى، ثم في جريدة “عُمان” وفي المجلات التي كانت تصدر وقتها في مسقط.

وما هو طموحك ومشاريعك للمستقبل؟

– طموحاتي كبيرة وواسعة على المستوى الشخصي والكتابي، ولكنَّ السؤال: هل سأتمكن من إنجاز بعضها إن لم تتيسَّر كلها؟! ذلك ما لا أستطيع الجزم به، لتبقى مجرد أمنيات يرومها المرء ويحلم بها، فإنْ تحققت كلها أو شيء منها فذاك هو المبتغى والمراد، وإن تعذَّرت فمن المؤكد أن العالم لن يخسر كثيراً. منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى… وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا

بعيدا عن الثقافة والأدب، كيف ترى ما يُطلق عليه في الإعلام اسم “الربيع العربي”؟ وهل تجده ربيعا فعلا؟

– كلا، والله ما أراه إلا دمارا عاصفا مُهلكا لا صلة له بربيع الزمان المبهج المنعش الذي تورق فيه الأشجار وتتفتح الورود وتنتعش الحياة بكل أطيافها وكائناتها. إنَّ هذا الاضطراب المؤلم الذي أصاب أمتنا العربية لا يعدو كونه مدًّا كاسحا، أطلقته مؤامرة كبرى مُدبَّرة ومُخطَّط لها بدقة منذ وقت طويل في مخابئ الاستخبارات العالمية السرية، ولها هدف واحد أكبر وهو تمكين إسرائيل وصيانتها وتأمينها، إضافة لأهداف عدة أخرى مُرعبة يُراد منها إغراق العرب في الظلمات المخيفة المتلاطمة التي لا ضوء فيها وتدمير مستقبلهم، وجعلهم يعيشون البؤس واليأس والفرقة والحروب العبثية، وتغذية الأجيال بالكراهية والحقد والبغضاء تجاه بعضهم.. إنها نُذر الانهيار والإفلاس والضياع وتحطيم الإرادة. وقد اندفع إليها للأسف الشديد شباب العرب، وحتى الكثير من شيوخهم، في فوضى عارمة غاب عنها الرُّشد والاستبانة والوعي والتوجيه الحكيم، تحت وهم الأحلام الوردية بالديمقراطية والحرية والعدالة والرخاء الشامل وزوال الفقر وانهمار الأموال على كل فرد؛ ليصبح في مصاف كبار الأغنياء، وها نحن نرى اليوم النتائج المدمرة لذلك “الربيع” الناري المحرق في العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن، وأقطار أخرى، لعلها قادمة في ذات الطريق، وليجادلني من شاء إن كانت حياة المواطنين السوريين والليبيين واليمنيين والمصريين قد تحسنت بعد ذلك “الربيع” المشؤوم!! ألم يكونوا قبله في ظل أنظمتهم السابقة أفضل بمئات المرات حياتيا واقتصاديا وأمنيا؟ أليست حالة تلك الأوطان اليوم هي ذاتها “الفوضى” التي بشَّرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس قبل سنوات، وكلمة “الربيع” نفسها مصطلح أظهرته “السي.آي.إيه” أيام الحرب الباردة بين الأمريكان والروس في ستينيات القرن العشرين، حين تم تحريك الاضطرابات في “براغ” وأطلق عليها “ربيع براغ”، ثم تجدَّد نفس الاسم في أواخر ثمانينيات ذلك القرن في جمهوريات الاتحاد السوفيتي قبيل تفككه، وتجدَّد إطلاقه مرة أخرى في العقد الماضي من هذا القرن، إبان بداية أزمة أوكرانيا التي أطلق عليها “ربيع أوكرانيا”، وأولئك الأمريكيون الذين تم القبض عليهم في مصر مع بوادر الاضطرابات في العام 2011 بتهمة التحريض، وتم تحويلهم للمحاكمة، وفجأة تم إطلاقهم بضغط شديد من أمريكا، وجاءت طائرة عسكرية خاصة حملتهم إلى بلادهم، وصرَّح يومها مدير مطار القاهرة بأنهم خرجوا بدون ختم الخروج في جوازاتهم وبدون علم سلطات المطار المختصة. والشباب الذين بدأوا تحريك المظاهرات في مصر، ألم يثبت الآن أنهم كانوا يتدربون في قبرص وفي أمريكا نفسها!! وفي باريس ظهرت كتب وبحوث تؤكد أن اضطرابات تونس كانت صناعة أمريكية تم الاشتغال عليها في باريس، وكذلك اضطرابات ليبيا على نفس ذلك المنوال. هذا ما ظهر الآن علانية عند القوم، وما زال الأخطر والأعظم مخفيا ليظهر ذات يوم عندما يحين أوان إظهاره. وهذا الربيع المشؤوم المزعوم لماذا يا ترى لم يمر على فلسطين؛ حيث إسرائيل تنسف البيوت وتطرد أهلها منها، ويعربد جنودها ومن يسمون بالمستوطنين قتلا وإذلالا في الفلسطينيين منذ أن أنشئت إسرائيل قبل أكثر من نصف قرن؟!! لماذا يا ترى لم تهب نسمات هذا الربيع هناك حيث الظلم والمعاناة أكثر أضعاف المرات عما كان سائدا في مصر وسوريا وليبيا والأقطار العربية الأخرى؟! ألم ينتج عن هذا الربيع إضعاف الجيوش العربية وإشغالها بالتوتر الداخلي لتظل إسرائيل مطمئنة هانئة؟!! إنه الحريق المدمر يا سيدي.

لماذا ترك أحمد الفلاحي الشعر لصالح الكتابة النثرية مع أنه بدأ حياته بكتابة الشعر ونبغ فيه؟

– ليتني نبغت فيه، ولو كان كذلك لوجدتني اليوم من الشعراء المعدودين، ولكنِّي للأسف لم أستطع الاقتراب من تياره الزاخر، وظللت أحوم حول الشاطئ بعيدا عن الجواهر الثمينة التي لا يُمكن الوصول لها إلا لمن كان قادرا على الغوص في الأعماق. لقد نشأت منذ تفتَّح وعيي مُحبًّا للشعر، عاشقا له، مغرما ومفتونا به، وما زلت وقد حفظت في شبابي الأول الكثير من قصائد أعلامه الكبار، وكنت مُدمنا قراءة دواوينه، وقد حاولت تقليد الشعراء واقتفاء طريقهم ولكني أدركت عندما كبرت قليلا أن ما أكتبه بعيد جدًّا عن مستوى الشعر الجيد الذي يُرضيني؛ لذلك بادرت إلى تمزيق ما كتبت والتخلص منه، وإن ظلت الرغبة في قوله مستمرة في دواخل ذاتي حتى هذه اللحظة، وتظهر أحيانا على السطح محاولات، بعضها تُولَد ميِّتة فتختفي في الحال، وقليل منها أُبقيه لتصوُّري أنه يشي به الشعر في بعض جوانبه، وإن كان لا يرقى لمستوياته. وما زالت قراءة الشعر الجيد تتقدَّم عندي على كل القراءات، وما زلت هائما على الدوام في أودية الشعراء البعيدة عن الأرض في السماوات العليا، محدقا بكل قوة إبصار عيني نحو الأعالي للاستمتاع بإشراقات أنوار الشعر المشعَّة الساطعة، التي أشعر بلذة ملامستها لوجداني ومشاعري.

2,736 total views, 2 views today