الدكتورة زينب إبراهيم كاتبة وأديبة سعودية، من مواليد مدينة الرياض، بدأت الكتابة في سن الثامنة عشرة في صحف متعدِّدة؛ منها: جريدة “الجزيرة” -وهي أول جريدة كتبت فيها- والمجلة العربية، ومجلة الملتقى الصحي، ورسالة الجامعة الصادرة عن جامعة الملك سعود، وفي العام 2008م أنشأت مدونة إلكترونية أسمتها “باندورا”، وهي كلمة تعني “المرأة التي منحت كل شيء”. وصدر لها أول كتاب بعنوان “توقيع سيدة محترمة” في العام 2008م، ثمَّ انتقلت للكتابة في جريدة “اليوم”؛ حيث لها زاوية أسبوعية تكتبها كل يوم جُمعة من 2010-2013م. وفي أكتوبر من العام 2013م، انتقلتْ للكتابة في جريدة “الرياض”؛ حيث تكتب مقالا أسبوعيًّا كل سبت، تحت زاوية “ضلع أعوج”.. وهي عُضو لجنة السرد في النادي الأدبي في الرياض، ولها العديد من المشاركات في التليفزيون والإذاعة، والعديد من اللقاءات الصحفية في الصحف السعودية والخليجية والعربية.. ولها أربعة كتب؛ هي: “توقيع سيدة محترمة” ويضم مجموعة مقالات، و”لا شرقي ولا غربي” وهو عبارة عن مجموعة قصصية وصدر عن النادي الأدبي بالرياض سنة 2014، و”خاصرة ضوء” (قصص قصيرة)، و”حكاية بنت اسمها ثرثرة” صدر في العام 2011 عن دار المفردات بالرياض، ويضم مجموعة مقالات فلسفية واجتماعية.

وحول رحلتها مع الكتابة، وتجربتها في المقال الصحفي والقصة القصيرة، وموضوعات ثقافية أخرى، كان لـ”شرق غرب” هذا الحوار مع الكاتبة والأكاديمية الدكتورة زينب إبراهيم.

————————————-

أجرى الحوار:

فايزة بنت محمد البلوشية

————————————-

كيف كانت بدايتك مع الكتابة؟

بدايتي في الكتابة كانت منذ الصغر -ومنذ المرحلة الابتدائية- في قراءة قصص الأطفال وكتابة النصوص الأدبية ومراسلة المجلات المتخصصة بالأطفال، كُنت أجمع القصص وأقرأها، وأكتب يومياتي على شكل قصص، فتنامى لديَّ حسُّ القراءة والكتابة، وكلما كبرت ازداد حُبِّي وتعلقي بالكتب والكتابة، حتى انطلاقتي في جريدة “الجزيرة”، وكنت في الثامنة عشرة من عمري. وبعدها، توالى حضوري في الصحف، وكذلك لعبتْ معي صحيفة “رسالة الجامعة” أثناء دراستي دوراً كبيراً في إشباع موهبتي في الكتابة، ثمَّ تنقلتُ بعدها حتى استكتبتني جريدة “اليوم” السعودية، وكتبتُ بها لمدة 3 سنوات، وبعدها انتقلتُ إلى جريدة “الرياض”، وحاليا لديَّ عمود أسبوعي كل سبت تحت اسم “ضلع أعوج”، وقد أسهمتْ “الإنترنت” في انتشاري وتحفيزي على الكتابة؛ لأنَّ التفاعل مُباشر، وأُجزم بأنَّ المواقع والمنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي خدمتْ المبدع في كلِّ المجالات حتى في غير الإبداع الأدبي. وفي العام 2008م، دشنتُ مدونتي تحت اسم “باندورا” بمعنى المرأة المانحة لكل شيء، ومنذ ست أشهر انتقلتُ بمدونتي إلى موقعي الشخصي الذي يجمع كل أعمالي وكتاباتي وإنتاجي الأدبي.

وهل واجهتِ أيَّة صعوبات في بداية مشوارك في الكتابة؛ سواءً من الأسرة أو المجتمع؟

لم أواجِه أيَّة صعوبات في بداية مشواري وحتى الآن، إلا في قضايا الشللية والتحزُّبات التي يُعاني منها أي مُثقف حُر.

وما هي قراءتكِ للمشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية اليوم؟

يقول ألبير كامو: “الثقافة هي صرخة البشر في وجه مصيرهم”. في هذه الفترة الأكثر انفتاحاً في تاريخ المملكة العربية السعودية كل ما نحتاج إليه هو جَهْد المثقف والمفكر لصياغة رؤى جديدة من أجل البدء بعمل مشروع ثقافي نهضوي، والذي عادةً ما يتزامن مع التغيُّرات والتوجهات السياسية؛ فالمشروع الثقافي غالباً ما يُحدث توازناً ويرفع منسوب إحساس الناس تجاه مبادئ الإنسانية، والمتتبِّع للمشهد الثقافي السعودي يُلاحظ أننا ما زلنا بحاجة إلى جُهود مُشتركة من أجل النهوض بالثقافة. وعلى صعيد الأسئلة الإنسانية، أي الحقائق نعيش؟ ففعل الأسئلة يقف مُعتصماً أمام ديناميكية الثقافات العالمية، إننا نعيش في أحادية ثقافية، وهذه الأحادية لم تكن وليدة اليوم، ولكن جاء التحرُّر من التشدُّد والتصلُّب وأحادية الرأي بالاعتراف بخطورتها على الواقع الثقافي والإنساني، وكلما تعدَّدت الأسئلة تعدَّدت وجهات النظر، وهنا أتساءل: أين هي التيارات الثقافية؟ وما هي مُنجزاتها؟ حيث إنَّها تستطيع أن تُولِّد شلالاً يكفي لأن نقيِّم الحالة الثقافية السائدة في السعودية وفي العالم العربي، كذلك الانحدار المتسارع للغة المثقف، ولا أعرف سبباً حقيقيًّا يتملَّك المثقف العربي يمنعه من تجاوز مرحلة النقاش الأبدي والوصول بأي ثمن إلى قرار لصناعة مشهد ثقافي نتكئ عليه للحكم على مرحلتنا الراهنة.

إنَّ السيرَ باتجاهٍ واحدٍ يُخلخل العمل الثقافي مثل ضرس فاسد، هذا التخلخل الثقافي لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج فوضى الإنتاج غير المدروس وفوضى الناقد الذي يعيش في بُرجه العاجي، وأغلب ما نراه وما نسمعه وما نقرأه اليوم ليس تحليلاً أو أدباً بل شيء آخر: كلمات سحرية، خدع، تزييفات، تجميع كلمات، كتابات جاءتْ من خبرات وليست نظريات. وفي خضم هذا: كيف يُمكن السيطرة على عالم الثقافة؟ وما هي الحيلة التي يُمكن من خلالها إحلال رأي ثقافي محل رأي سياسي أو ديني بصورته الأوسع؟ وكيف يُمكن أن نصل إلى تقييم إستراتيجي للمرحلة الثقافية التي وصلنا إليها؟ هذا يستوجب عمل نهضة ثقافية تقوم على أساس عمل مؤسسي له أهداف طويلة المدى تنهض بكلٍّ من المثقف، والمتلقي، والناقد، والنص المكتوب، نحتاج إلى فانتازيا فائقة السخونة لتنشيط الثقافة وضمان انفتاحها.

يُقال إنَّ سبب الاهتمام بالرواية السعودية في السنوات الأخيرة هو بسبب تطرقها إلى القضايا المسكوت عنها، خاصة التي تتعلق بالمرأة.. فما رأيكِ في ذلك؟

السعودية في السنوات الأخيرة يجري عليها ما يجري على أي مجتمع عاش سنوات طويلة منغلقاً على نفسه بسبب العادات والتقاليد التي ألغت جميع أشكال الحياة الطبيعية، وبدأ يعي أهمية أن يعيش ويتخذ قراره بنفسه بعيداً عن نظرية القطيع التي اعتاد عليها، كذلك وجود المرأة بعد أن كانت مُهمَّشة لسنوات طويلة وقضاياها مُغيَّبة، ومن المحظور التحدُّث عنها. وبعد ثورة الإنترنت، بدأ المجتمع يَرَى شكلاً آخر من المرأة لم يتعوَّدوا عليه، ولا يزال الجدل دائرا حول المرأة وقضاياها وحقوقها، وكتبتُ كثيراً حول هذا الخصوص، فلن ينهض مجتمعٌ ونصفه الفاعل مُعطَّل، هُناك من يُتاجر بقضايا المرأة في المجتمع لينال شهرة أو ليُرضي أطرافا مُعيَّنة، ولكن ما زلنا نحتاج إلى الحزم في مسألة حقوق المرأة وقضاياها وأهليتها كإنسان مؤثر، ولا تتحقَّق نهضة أي أمة إلا بنسائها، والروايات كأي وسيلة أخرى تعبِّر عن صَوْت المجتمع، وطبيعي أن تُوظَّف لخدمة القضايا وتحوُّلاتها في أي مجتمع.

إنَّ أهمية دور الروائي ومسؤوليته تكمُن في استقلاليته الفكرية، وفي التطرُّق للقضايا وللظروف التي يمرُّ بها؛ لذلك كان من الطبيعي التوجُّه في الرواية السعودية للقضايا المسكوت عنها.

شهدتْ الساحة السعودية في السنوات الأخيرة أسماء برزتْ في الرواية، ونالت اهتمامًا عالميًّا؛ من خلال ترجمة أعمالها إلى لغات عالمية كثيرة؛ مثل: رجاء الصانع في روايتها “بنات الرياض”، وسمر المقرن في روايتها “نساء المنكر”، وصبا الخرز في روايتها “الآخرون”…وغيرها، ولكنها اختفتْ فجأة ولم تظهر أية رواية ثانية لهن، فما سبب ذلك برأيكِ؟

هذه الروايات أحدثتْ ضجيجًا؛ لأنَّها كسرتْ تابوهات يخاف الناس الاقتراب منها؛ سواء الحديث عنها في المجتمع، أو الكتابة، وقد انقسمَ عندها القراء إلى قسميْن: قسم رافض وقسم مؤيد. ومن وجهة نظري، أنَّنا في الساحة السعودية لا نزال نحتاج إلى مزيدٍ من الروايات المتنوعة في الطرح والتي تلقِي بظلالها على المجتمع وقضاياه. أمَّا بالنسبة لاختفاء الروائيات بعد إصدارهن الأول، على حدِّ علمي أنَّ سمر المقرن لديها إصدار جديد، أما البقية فليست لديَّ فكرة.

لمن تقرأ الدكتورة زينب إبراهيم؟

أقرأ كلَّ شيء، وللكلِّ، فأنا أحب أن أشرع نافذة فكري ليزورني عبق التنوع، فلا أزال كالأطفال أكرِّر مُحاولاتي في التجريب، أنتشي عند فتح كتاب، فأنا وعقلي نؤثِّث لحضور الأفكار المحتشدة بغير رأفة من كل ما حولي.

هل اطَّلعتِ على الرواية والقصة القصيرة في عُمان؟ وإذا كان الجواب بنعم فما رأيكِ فيها؟ وما أبرز الأسماء التي لفتت نظركِ؟

بالتأكيد اطَّلعتُ عليها؛ فالقصة هي الضمير للمجتمع تحيي الربيع فينا، فتتحول الكتابة إلى مسؤولية صعبة الحمل، وكذلك الرواية التي تعكس وجه المجتمع وأحواله السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، والتعرف على ثقافة الشعوب يأتي عبر سردياتها المتنوعة، والمشهد الثقافي في السلطنة لا يختلف عن المشهد الثقافي في الخليج والعالم العربي، وأجواؤه بالتأكيد تتأثر بالوضع السياسي والحروب المحيطة بنا، إلا أنه وحسب اطلاعي فإنَّ الساحة الأدبية في عُمان نشطة جدًّا، وتحوي مُبدعين وأقلاماً جميلة، وقد كان لي شرف الاطلاع على بعض الأسماء التي قرأتُ لها على سبيل الذكر لا الحصر، فمثلاً قرأت للقاص والروائي ورائد القصة العُمانية عبد الله الطائي رواية “الشراع الكبير”، و”رجال من جبال الحجر” لسعود المظفر، و”همس الجسور” لعلي المعمري، و”السفر آخر الليل” ليعقوب الخنبشي، و”الطواف حول الجمر” لبدريَّة الشحيَّة، و”سيدات القمر” و”منامات” لجوخة الحارثيَّة.

وما رأيكِ في الرواية العربية؟ وهل تعتقدين أنها وصلت إلى العالمية؟

حُب الإنسان للمغامرة والمجد هما ما يقوده نحو أماكن جديدة، وأصدقاء جدد، وحياة مختلفة، ومسالك قد تقود للفرح، وقد تقود للشقاء، إنها أملٌ من نوع آخر، قد يكون أملًا بائسًا عندما يتعلَّق به صاحبه حدَّ العبادة، وهذا ما تفعله الرواية بالكاتب؛ فهي تستفزُّ الأنا بداخل الكاتب وتحرِّضه على مزيدٍ من الكتابة والأفكار؛ فأسلوب الرواية عندما يكون سلسًا ومشوقًا والوصف دقيقًا حتى ليُخيَّل إليك أنك تشاهد فيلماً سينمائيًّا، تُمتع حتى كاتبها، وقد خلصتُ إلى نتيجة أنه مع إبراهيم الكوني وواسيني الأعرج لا تزال الرواية بخير؛ فلقد كنت لا أقرأ إلا الرواية الأجنبية من لاتينية وفرنسية وألمانية وإنجليزية وروسية، وتشبعتُ بها، وكان في ذهني صورة عن الروائيين العرب لا أحسب أنَّها على درجة كافية من الوضوح، وأحسب أنَّ من واجبي أن أقرأ كثيراً عن هذا الأدب المخلوط بزعفران الحكايات الرقيقة والصحراوية، لأصل إلى فَهْم أوضح وحُكم أدق، وخط ينتهي عنده التفسير المعقول؛ لأنَّ الرواية في نظري تشكِّل وثيقة مُهمة من وثائق فكر الأديب، فلو أقبلنا على القراءة دون تحيُّز مسبق لوجدنا أن الرواية قد تكون موقفاً، أو حالة ذهنية، أو سيرة ذاتية، أو تناقش الماورائيات والخيال العلمي، وهذا يُحدث انطباعاً في ذهن القارئ يخرجه من دائرة اليقين إلى دائرة الشك، والعكس صحيح، وهذا مطلبٌ لتحريك ذهن القارئ للتفكير بالمغزى دون محاكاة ما يحدث داخل السياق الروائي.

والحقيقة، أجدُني مُضطرة للقول بأنَّني قرأتُ الكثيرَ لأدباء عرب وخليجيين، وأصبحت لديَّ رؤية أوضح. والرواية العربية تحتاج عملًا مُؤسسيًّا لتصل أكثر للعالم الخارجي؛ فجهود الروائي الفردية لا تكفي، هذا عمل حكومات من أجل تصدير الصورة الذهنية عن البلد من خلال تبني كُتَّابها ورُوَائييها.

باعتباركِ صاحبة عمود أسبوعي في جريدة، فهل يُساعدكِ ذلك على إيجاد أفكار وشخصيات لقصصكِ، أم هي تجربة مُغايرة وتختلف عن القصة؟

غِنَى التجربة الحياتية والملاحظة هما ما يُساعد الكاتب ويدله نحو ما يجب عليه أن يكتبه، الإنسان يمتلك قوتيْن إبداعيتيْن؛ هما: الوعي والتخيُّل، والوعي (هو الصورة الفنية)، أما التخيُّل فقد صَنَع لنا شخصيات؛ مثل: فرانكشتاين، ودون كيشوت، ونموذج فاوست.. هذه الشخصيات مهما كان اختلافنا معها بالسلب أو الإيجاب، إلا أنَّ الذي صَنَعها في النهاية خيال كاتب وضع نموذجًا لنا؛ لذلك فكتابة العمود الأسبوعي تختلف عن القصة، فهو مُوجَّه للجميع، وقراء الصحف ينتظرون كاتبًا يحسُّ بمعاناتهم ويقدِّم دعمًا وأحياناً حلول لمشكلاتهم، يتعايش مع همومهم، ويتعاطى مع الأحداث المهمة في المجتمع والعالم؛ لذلك فإن كتابة العمود الصحفي مُرهقة نوعاً ما بالنسبة لي؛ لأنها تتطلَّب المتابعة الدائمة التي قد تتحول إلى رُوتين.

كيف توفِّقين بين وظيفتكِ الأكاديمية وعملكِ الإبداعي؟

أعشقُ العلم، وما زلتُ أتعلم، وعلى مقاعد دراسة الحياة نشاهد عجائب وغرائب تلدها لنا الحياة، محطَّاتي التعليمية أثَّرت في تكويني العقلي، وفي انتقائيتي للقراءة، وطريقة بحثي وتوثيقي في الكتابة، تعلَّمت النظامَ والتسلسلَ بالأفكار، وكوني أكاديمية وأدرِّس في الجامعة كان هذا محورًا ثريًّا بالنسبة لي من ناحية الصور الحياتية اليومية التي التقطها واختزلتها في مُخيلتي، وكوني أتعامل مع جُمهور -وهُنَّ طالباتي- يزيد من رصيدي في الخبرة الإنسانية؛ وبالتالي ينعكس على ما أكتب. أيضاً عملي كمدربة في تخصُّصي؛ فأنا باستمرار ألتقي جمهورًا من الناضجين الذين لديهم رُؤى وأحلام وخبرة في الحياة، وهذا المناخ يحضر معي دائمًا في الكتابة، ويهبني حصيلة مُتراكمة تصنع شيئا بداخلي.

أين تجد المبدعة زينب إبراهيم نفسها أكثر: في القصة القصيرة، أم المقال الأسبوعي؟

القصة مثل الضمير للمجتمع تُحيي الربيع فينا؛ لذلك تتحول الكتابة إلى مسؤولية صعبة الحمل؛ فهي وسيلة من خلالها نصل للآخرين، فيقرأون مُباشرة ما نفكر ونحلم به، نطرح أمنياتنا، وأفكارنا، وغضبنا، ومشاعرنا الفرِحَة، وانكساراتنا.

إنَّ أهمية دور القاص ومسؤوليته تكمُن في استقلاليته الفكرية، وفي الظروف التي يمرُّ بها العالم العربي من فتن دموية، ودمار، وتهميش من العالم الأول، كان لابد لنا أن نقف بحزم مع ما نكتب، ونصبح من كتَّابَ الأفكار الذين يسعون للتغيير، ونتحرَّر من خلال الكلمات؛ فالكاتب بشكل عام والقاص والروائي يستطيعون أن يحيون المجتمع بالأفكار المتوازنة، والمتدفقة، وكأنهم يُعالجون المواضيع كما لو لم يعالجها أحد قبلهم. أمَّا بالنسبة للمقال الأسبوعي، فهو يُلقِي الضوءَ على مشكلات اجتماعية تهمُّ الجميع، وكاتب المقال مُضطر لأن يتعامل مع قضايا اجتماعية أكثر منها فكرية أدبية، وأحياناً أجد نفسي مع القصة، وأحايين أخرى مع المقال؛ فهي تعتمد على الموضوع الذي أطرحة.

وما هي أبرز المعوِّقات التي تواجه الكتابة الإبداعية اليوم، خاصة في ظل الانشغال بهموم الحياة اليومية؟

أبرز المعوِّقات هو عدم التفرُّغ؛ فنحن في العالم العربي الكتابة شيء ثانوي في حياة المبدع يكافح من أجل عشقه الكتابة والأدب، وفي الوقت ذاته يُكافح من أجل أن يعيش حياة كريمة، فلا توجد مُؤسَّسات لصناعة النجم الأديب والكاتب، فكل ما نفعله هو مُحاولات جادة يتيمة ينقصها الفريق، والعالم الآن يعمل بنظام المؤسساتية، وأطمح أن يأتي يوم يكون هناك دعم للمبدعين وتقديمهم للعالم الخارجي من خلال تكاتف الجهود من المؤسسات الرسمية الثقافية بالدولة بشكل رسمي يضمن تواجدهم عالميًّا.

وهل هناك كتبٌ معيَّنة أَسَرَتكِ أكثر من غيرها، خاصة في المجال الأدبي؟

في الواقع، لم تُشبعني المكتبة العربية، فتوجهت مُباشرة إلى الأدب العالمي؛ بدأت بالأدب الروسي وتعلقت كثيراً بالعظيم ليو توليستوي؛ فقد كان مفكراً أخلاقيًّا ومُصلحًا اجتماعيًّا وداعيًا للسلام، ثم جوجول، وديستوفيسكي، ثم اتجهتُ للأدب الألماني الذي أثَّر بشكل كبير على تطور الأدب العالمي، وكان جوته أحد أبطالي، ثم هيرمن هيسه، وجونتر جراس. أما الأدب الفرنسي، فقد توقَّفتُ عنده كثيراً؛ حيث تنقَّلتُ ما بين أناتول فرانس، ولوكليزو، ثم هوجو، وزولا، وفولتير وبلزاك، كلُّ هذا على سبيل الذكر لا الحصر، ثم انتقلتُ للأدب الياباني واللاتيني والأدب الإفريقي والأمريكي، لم تأسرني الكتب فقط بل حياة هؤلاء العباقرة التي ما زلتُ استمدُّ منها قوتي للكتابة في زمن شح فيه حب الكتابة الحقيقي.

وما موقفكِ من النقد في المشهد الثقافي؟ وهل تتقبلين النقد؟

النقد هو الصديق الأمين للأديب، وهو رفيقٌ قاسٍ وصعب، ولكنه صادق. وعندما أكتب مُستقلة عن كَوْني امرأة أو رجلا؛ فهذا يتطلب أيضاً نقدي بكل تجرُّد، الكاتب يكون أحيانا ناقدًا سياسيًّا، ومحللًا اجتماعيًّا أو ناقدًا ثقافيًّا؛ فهو يعبر عن صوت الآخر؛ لذلك لابد أن يتبنَّى النُّقاد عملهم بكل جدية، وتكون لهم مواقف ثقافية ثابتة بعيداً عن الشللية. ومن وجهة نظري، أنَّ النقدَ حتى الآن لم يرتقِ لمستوى الجدية في المشهد الثقافي.

وبالنسبة لي، أعتبر النقد لغة انفتاح عالية جدًّا تدفعني للأمام، وتضع لي معايير اتكئ عليها في الكتابة وطرح الأفكار والعمل الإبداعي.

4,435 total views, 2 views today