خالد‭ ‬محمد‭ ‬عبده‭ ‬

باحث‭ ‬في‭ ‬الإسلاميات‭ ‬والتصوف،‭ ‬ومسؤول‭ ‬مركز‭ “‬طواسين‭”‬،‭ ‬صدر‭ ‬له‭ ‬حديثًا‭ ‬في‭ ‬الدرس‭ ‬الصوفي‭ ‬كتاب‭ (‬معنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صوفيًّا‭)‬،‭ ‬و‭(‬الرومي‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬صدر‭ ‬له‭ ‬بالاشتراك‭ ‬مع‭ ‬سبيستيان‭ ‬غونتر‭ ‬كتاب‭ ‬بعنوان‭ “‬أميّة‭ ‬النبي‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭”‬،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إعداده‭ ‬وتحقيقه‭ ‬عدة‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬أدب‭ ‬الجدل‭ ‬والدفاع‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والمسيحية،‭ ‬نُشرت‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2003‭-‬2006‭. ‬كما‭ ‬حقق‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الكلامي‭ ‬والصوفي‭ ‬رسالة‭ ‬الإيمان‭ ‬للإمام‭ ‬الأشعري،‭ ‬ومهمات‭ ‬الواصلين‭ ‬من‭ ‬الصوفية‭ ‬البالغين،‭ ‬واللوامع‭ ‬للخركوشي،‭ ‬ومن‭ ‬الجدل‭ ‬والحوار‭ ‬الإسلامي‭ ‬المسيحي‭ ‬ركز‭ ‬الباحث‭ ‬المصري‭ ‬اهتمامه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬بالتصوف‭ ‬الإسلامي‭ ‬ونشر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والبحوث‭ ‬بالدوريات‭ ‬العربية‭ ‬والمراكز‭ ‬البحثية‭. ‬وشارك‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المؤتمرات‭ ‬وألقى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المحاضرات‭ ‬عن‭ ‬التصوف‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬مصر،‭ ‬والمغرب،‭ ‬والسنغال،‭ ‬وسلطنة‭ ‬عُمان،‭ ‬والبحرين،‭ ‬ولبنان،‭ ‬وتركيا‭.‬

—————————————————-

أجرى‭ ‬الحوار‭ :‬أمامة‭ ‬مصطفى‭ ‬اللواتي

—————————————————-

كيف‭ ‬جاء‭ ‬اهتمامك‭ ‬بموضوع‭ ‬الإسلاميات‭ ‬والتصوف؟

نشهد‭ ‬كلنا‭ ‬صراعا‭ ‬وعنفا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأحقية،‭ ‬فكل‭ ‬فرقة‭ ‬ترى‭ ‬أنها‭ ‬تمتلك‭ ‬الحقيقة؛‭ ‬لذلك‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الجدل‭ ‬الإسلامي‭ ‬المسيحي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬الهجري‭ ‬موضوعا‭ ‬لدراستي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الماجستير،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قادني‭ ‬لاحقا‭ ‬للاهتمام‭ ‬أكثر‭ ‬بالتصوف‭. ‬والملف‭ ‬الإسلامي‭ ‬المسيحي‭ ‬للأسف،‭ ‬ملفٌ‭ ‬يتم‭ ‬تحريكه‭ ‬سياسيا،‭ ‬ونجد‭ ‬أن‭ ‬الأسئلة‭ ‬والجدالات‭ ‬القديمة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬إعادة‭ ‬طرحها،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاجها؛‭ ‬كقضية‭ ‬صَلْب‭ ‬المسيح‭ ‬مثلا‭.‬

نجدُ‭ ‬أنَّ‭ ‬الكثيرَ‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الديانات‭ ‬الأخرى‭ ‬مُوحِّدون،‭ ‬بل‭ ‬ويؤمنون‭ ‬بالوحي‭ ‬أيضا،‭ ‬ولكن‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭. ‬فالمسلم‭ ‬قد‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الإنجيل‭ ‬كتاب‭ ‬قد‭ ‬مسَّه‭ ‬التحريف،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يرى‭ ‬المسيحي‭ ‬أنه‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬بشارات،‭ ‬وكلٌ‭ ‬من‭ ‬كُتَّاب‭ ‬الإنجيل‭ ‬قد‭ ‬دون‭ ‬هذه‭ ‬البشارات‭ ‬عن‭ ‬المسيح،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يتفهم‭ ‬بعض‭ ‬المسلمين‭ ‬ذلك‭ ‬الاختلاف،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتفهمه‭ ‬الصوفي‭. ‬فمثلا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الشوشتري‭ ‬الذي‭ ‬رحل‭ ‬من‭ ‬الأندلس‭ ‬الى‭ ‬طرابلس‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مصر؛‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬طرده‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أتباع‭ ‬ابن‭ ‬تيمية،‭ ‬كان‭ ‬حين‭ ‬يمر‭ ‬بالأديرة‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬لمصر،‭ ‬يسمع‭ ‬الناس‭ ‬وهم‭ ‬يرددون‭ ‬مصطلحات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالديانة‭ ‬المسيحية؛‭ ‬مثل‭: ‬الثالوث،‭ ‬والكأس،‭ ‬فلم‭ ‬يجد‭ ‬حرجا‭ ‬في‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المفردات،‭ ‬وتوظيفها‭ ‬في‭ ‬أشعاره،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إكسابها‭ ‬دلالات‭ ‬صوفية‭.‬

يُكّيف‭ ‬الصوفي‭ ‬المصطلحات‭ ‬والحالات‭ ‬التي‭ ‬يعيشها،‭ ‬ويحول‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬جديدة‭. ‬الحزن‭ ‬الذي‭ ‬عاشه‭ ‬الرومي‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬أحب‭ ‬انسان‭ ‬إليه‭ -‬وهو‭ ‬شمس‭ ‬التبريزي‭- ‬قاده‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬المثنوي،‭ ‬صانعا‭ ‬منه‭ ‬هذا‭ ‬المتصوف‭ ‬المعروف‭. ‬وفي‭ ‬كتاب‭ “‬الصوفية‭ ‬بين‭ ‬الأمس‭ ‬واليوم‭” ‬للسيد‭ ‬حسين‭ ‬نصر،‭ ‬يعود‭ ‬الكاتب‭ ‬للتاريخ‭ ‬الإسلامي؛‭ ‬حيث‭ ‬يتطرق‭ ‬بالذكر‭ ‬إلى‭ ‬عرفاء‭ ‬فارس؛‭ ‬فالصوفية‭ ‬الفارسية‭ ‬مثلا‭ ‬أُفقها‭ ‬واسع‭ ‬وبيئتها‭ ‬غنية،‭ ‬والفارسي‭ ‬وريث‭ ‬ديانة‭ ‬وحضارة‭ ‬عريقة‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام؛‭ ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يتنكر‭ ‬الفارسي‭ ‬للزرداشتية‭ ‬بل‭ ‬استفاد‭ ‬منها،‭ ‬ونجد‭ ‬في‭ ‬أشعار‭ ‬سعدي‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ (‬الكلستان‭) ‬مفردات‭ ‬من‭ ‬أدبيات‭ ‬الزرداشتية‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬صوفي‭ ‬كتسميته‭ ‬للشيخ‭ ‬الصوفي‭ ‬بشيخ‭ ‬المجوس‭.‬

الصوفية‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬مع‭ ‬الأديان‭ ‬السابقة‭ ‬تتبع‭ ‬علاقة‭ ‬إسلامية‭ ‬حقيقية؛‭ ‬فالإسلام‭ ‬يصدق‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬أيديهم‭ ‬ومهيمن‭ ‬عليهم،‭ ‬والهيمنة‭ ‬هنا‭ ‬كما‭ ‬أفهمها‭ ‬هي‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬الشخص،‭ ‬وليس‭ ‬إزالته‭ ‬أو‭ ‬محوه،‭ ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬النبي‭ -‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭- “‬إنَّ‮ ‬مَثَلِي‭ ‬وَمَثَلَ‭ ‬الأَنْبِيَاءِ‭ ‬مِنْ‭ ‬قَبْلِي‭ ‬كَمَثَلِ‭ ‬رَجُلٍ‭ ‬بَنَى‭ ‬بَيْتًا‭ ‬فَأَحْسَنَهُ‭ ‬وَأَكْمَلَهُ،‭ ‬إِلا‭ ‬مَوْضِعَ‭ ‬لَبِنَةٍ‭ ‬مِنْ‭ ‬زَاوِيَةٍ‭ ‬مِنْ‭ ‬زَوَايَاهُ‭ ‬فَجَعَلَ‭ ‬النَّاسُ‭ ‬يَطُوفُونَ‭ ‬وَيَعْجَبُونَ‭ ‬لَهُ‭ ‬وَيَقُولُونَ‭: ‬هَلا‭ ‬وُضِعَتْ‭ ‬هَذِهِ‭ ‬اللَّبِنَةُ؟‭ ‬قَالَ‭: ‬فَأَنَا‭ ‬اللَّبِنَةُ،‭ ‬وَأَنَا‭ ‬خَاتَمُ‭ ‬النَّبِيِّينَ‭”. ‬ويحمل‭ ‬الإسلام‭ ‬رؤية‭ ‬توحيدية‭ ‬جامعة‭ ‬للأديان‭ ‬كلها،‭ ‬وخاتمية‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬إلغاء‭ ‬الأديان‭ ‬السابقة،‭ ‬وقد‭ ‬استفاد‭ ‬الصوفي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البناء‭ ‬المكتمل‭.‬

وكما‭ ‬يرى‭ ‬الكاتب‭ ‬الإيراني‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬سروش،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬الصراطات‭ ‬المستقيمة‭”‬،‭ ‬أن‭ ‬متابعة‭ ‬النبي‭ ‬هي‭ ‬تكرار‭ ‬التجربة‭ ‬النبوية‭. ‬والحاصل‭ ‬أن‭ ‬الفِرق‭ ‬والتيارات‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬تصارعت‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬العقيدة‭ ‬ومن‭ ‬على‭ ‬حق،‭ ‬ومن‭ ‬على‭ ‬باطل؟‭! ‬عدا‭ ‬الصوفية‭ ‬التي‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬الجميع‭. ‬فمثلا‭ ‬يرى‭ ‬أحد‭ ‬المتصوفة‭ -‬واسمه‭ ‬العلاوي‭- ‬أن‭ ‬على‭ ‬أهل‭ ‬الأديان‭ ‬التوحيدية‭ ‬ان‭ ‬يتكاتفوا‭ ‬معا‭ ‬لأنهم‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬يمثلون‭ ‬معا‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وهذه‭ ‬الرؤية‭ ‬تمكننا‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭ ‬حاليا‭.‬

كتاباتك‭ ‬المختلفة‭ ‬حول‭ ‬التصوف‭ ‬والإسلام‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬طواسين،‭ ‬وعلى‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬نجدها‭ ‬مُوقَّعة‭ ‬باسم‭ ‬خالد‭ ‬الحلاج؟‭ ‬فما‭ ‬سبب‭ ‬اختيارك‭ ‬لاسم‭ ‬الحلاج‭ ‬ليكون‭ ‬لقبا‭ ‬لاسمك؟

أول‭ ‬أبواب‭ ‬معرفتي‭ ‬بالفكر‭ ‬الصوفي‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬شخصية‭ ‬الحلاج،‭ ‬ومن‭ ‬يرد‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬سيرة‭ ‬صوفي‭ ‬حقيقي‭ ‬لديه‭ ‬تجربة‭ ‬مختلفة‭ ‬وأصيلة،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬مجال‭ ‬الوعظ‭ ‬أو‭ ‬التصوف‭ ‬بالوراثة،‭ ‬أو‭ ‬مجال‭ ‬التنظير‭ ‬والكتابة‭ ‬فيه،‭ ‬فينبغي‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬الحلاج؛‭ ‬فهو‭ ‬يكتب‭ ‬نفسه‭ ‬ويجسد‭ ‬ما‭ ‬يؤمن‭ ‬به،‭ ‬ورغم‭ ‬أنه‭ ‬تلقى‭ ‬علومه‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬مشايخ‭ ‬الصوفية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬تجاوزهم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭. ‬بعض‭ ‬المتصوفة‭ ‬رفض‭ ‬تجربته‭ ‬مثل‭ ‬ابن‭ ‬جنيد،‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬يقال،‭ ‬خاصة‭ ‬ذلك‭ ‬السر‭ ‬بين‭ ‬العبد‭ ‬وربه،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬نجد‭ ‬صوفيا‭ ‬آخر‭ ‬كالشبلي‭ ‬يتفق‭ ‬مع‭ ‬الحلاج‭ ‬فيما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭.‬

‭ ‬

ذكرت‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬مقالاتك‭ ‬أطروحة‭ ‬دكتوراه‭ ‬أُنْجِزَت‭ ‬في‭ ‬السبعينات‭ ‬بعنوان‭ “‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭ ‬بين‭ ‬الصوفية‭ ‬وعلماء‭ ‬الكلام‭”‬،‭ ‬وقد‭ ‬أعيد‭ ‬طبعها‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تلقى‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭.. ‬فهل‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تحدثنا‭ ‬عنها؟

كتب‭ ‬هذه‭ ‬الأطروحة‭ ‬عنايت‭ ‬الله‭ ‬إبلاغ،‭ ‬وهذه‭ ‬الدراسة‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬رسائل‭ ‬الدكتوراه‭ ‬في‭ ‬الأزهر‭ ‬عن‭ ‬الرومي،‭ ‬ثم‭ ‬ظهرت‭ ‬بعدها‭ ‬أطروحات‭ ‬أكاديمية‭ ‬أحدث‭ ‬منها‭ ‬وبمنهاج‭ ‬مختلف،‭ ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬الرومي‭ ‬لابد‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬فريد‭ ‬الدين‭ ‬العطار‭ ‬وسنائي‭ ‬الغزنوي،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مهم‭ ‬القراءة‭ ‬للجامي‭ ‬مثلا‭ ‬لفهم‭ ‬ابن‭ ‬عربي،‭ ‬وعنايت‭ ‬الله‭ ‬إبلاغ‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬كبيرة‭ ‬بالسابقين‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬العلماء‭. ‬فالشغف‭ ‬للكتابة‭ ‬عن‭ ‬الرومي‭ ‬كان‭ ‬موجودا‭ ‬لدى‭ ‬الباحثين‭ ‬العرب،‭ ‬ولكن‭ ‬الجمهور‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديه‭ ‬هذا‭ ‬الشغف‭ ‬سابقا‭.‬

هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحدثني‭ ‬عن‭ ‬تجربتك‭ ‬في‭ ‬التأليف‭ ‬مع‭ ‬الكاتبة‭ ‬المغربية‭ ‬عايشة‭ ‬موماد،‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بترجمة‭ ‬أشعار‭ ‬مولانا‭ ‬الرومي‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬الفرنسية‭ ‬إلى‭ ‬العربية؟

تستحقُّ‭ ‬هذه‭ ‬الكاتبة‭ ‬كل‭ ‬التقدير،‭ ‬وقد‭ ‬قمنا‭ ‬بتأليف‭ ‬كتاب‭ ‬مشترك‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ “‬الرومي‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭”‬،‭ ‬والهدف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نظهر‭ ‬للمهتمين‭ ‬مَنْ‭ ‬هو‭ ‬الرومي،‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬وجوده‭ ‬وتأثيره‭ ‬ليس‭ ‬طارئا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬معروفا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬في‭ ‬دول؛‭ ‬مثل‭: ‬مصر‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬والبحرين‭…‬مثلا،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬وكان‭ ‬دور‭ ‬عايشة‭ ‬موماد‭ ‬أن‭ ‬تنقل‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬التي‭ ‬كُتبت‭ ‬بالفرنسية‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭.‬

ومِنَ‭ ‬الذين‭ ‬تَرْجَمت‭ ‬لهم‭ ‬وكتبت‭ ‬عنهم‭ ‬عائشة‭ ‬موماد،‭ ‬الكاتبة‭ ‬الفرنسية‭ ‬إيفا‭ ‬دوفيتريميروفيتش،‭ ‬التي‭ ‬أسلمتْ،‭ ‬وطلبت‭ ‬أن‭ ‬تُدفن‭ ‬إلى‭ ‬جوار‭ ‬الرومي‭. ‬وقد‭ ‬زارت‭ ‬هذه‭ ‬الكاتبة‭ ‬الفرنسية‭ ‬مصرَ،‭ ‬ودرست‭ ‬فيها،‭ ‬وترجمت‭ ‬مختارات‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬باللغة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وبدأت‭ ‬تكتب‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭ ‬وليس‭ ‬عن‭ ‬التصوف‭ ‬فقط،‭ ‬ولها‭ ‬كتاب‭ “‬الإسلام‭ ‬وجها‭ ‬لوجه‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬عايشة‭ ‬موماد‭ ‬بعرضه،‭ ‬كما‭ ‬ترجمت‭ ‬من‭ ‬الفرنسية‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬كتاب‭ “‬رباعيات‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭” ‬لايفاميروفيتش‭. ‬وتعملُ‭ ‬حاليًا‭ ‬على‭ ‬كتاب‭ ‬بعنوان‭ “‬رواية‭ ‬الروح‭”‬،‭ ‬وهي‭ ‬مختارات‭ ‬من‭ ‬كتابات‭ ‬لايفاميروفيتش‭. ‬وفي‭ ‬كتاب‭ “‬المولوية‭”‬،‭ ‬شاركتْ‭ ‬عايشة‭ ‬بترجمة‭ ‬بحثٍ‭ ‬من‭ ‬الفرنسية‭ ‬لألبرتو‭ ‬فابيو،‭ ‬وهو‭ ‬راهب‭ ‬إيطالي‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬ومتخصص‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي؛‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭: ‬كتاب‭ ‬عن‭ ‬شروحات‭ ‬المثنوي‭. ‬كما‭ ‬ترجمت‭ ‬أيضا‭ ‬للعربية‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬لباحثين‭ ‬فرس‭ ‬يكتبون‭ ‬باللغة‭ ‬الفرنسية‭. ‬

وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬موقع‭ “‬طواسين‭” ‬الإلكتروني‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬الإسلاميات‭ ‬والتصوف؟

أسستُ‭ ‬موقع‭ ‬طواسين‭ ‬الإلكتروني‭ ‬منذ‭ ‬سنتين؛‭ ‬بهدف‭ ‬توفير‭ ‬معارف‭ ‬حقيقية‭ ‬عن‭ ‬التصوف‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬وزيادة‭ ‬المحتوى‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬التصوف‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬لاحظتُ‭ ‬انتشار‭ ‬معلومات‭ ‬خاطئة‭ ‬عن‭ ‬التصوف،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الطرق‭ ‬الصوفية‭ ‬الحالية‭ ‬أصبحت‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬شيئا‭ ‬جديدا‭. ‬استكتبتُ‭ ‬في‭ ‬الموقع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الكتّاب،‭ ‬قام‭ ‬بعضهم‭ ‬بالترجمة‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬عن‭ ‬لغات‭ ‬أخرى‭ -‬كالإسبانية‭ ‬والألمانية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والإيطالية‭- ‬ويوفر‭ ‬الموقع‭ ‬مقالات‭ ‬وترجمات‭ ‬أو‭ ‬معارف‭ ‬وعلوما‭ ‬خادمة‭ ‬للإسلام‭. ‬هدفتُ‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الكم‭ ‬والكيف‭ ‬والتعددية؛‭ ‬مما‭ ‬يمكننا‭ ‬بعدها‭ ‬من‭ ‬إصدار‭ ‬مادة‭ ‬مطبوعة‭ ‬تحمل‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬نشرها‭ ‬إلكترونيا،‭ ‬وخلال‭ ‬سنتين‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الموقع،‭ ‬تم‭ ‬إصدار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬كتب‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬حديثا‭ ‬كتاب‭ ‬عن‭ ‬المولوية،‭ ‬والذي‭ ‬يضم‭ ‬ثلاث‭ ‬مخطوطات‭ ‬عربية‭ ‬نادرة‭ ‬تساعد‭ ‬بالتعريف‭ ‬بجلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭ ‬وشمس‭ ‬التبريزي،‭ ‬وفيها‭ ‬تعريف‭ ‬بالمولوية‭ ‬عربيا،‭ ‬كما‭ ‬يوفر‭ ‬الكتاب‭ ‬شرحا‭ ‬لأجزاء‭ ‬من‭ ‬مقالات‭ ‬شمس‭ ‬التبريزي‭ ‬تقدم‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭.‬

نجد‭ ‬أن‭ ‬حياة‭ ‬الرومي‭ ‬حياة‭ ‬ثرية‭ ‬بالتنقل‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬مدن‭ ‬وحضارات،‭ ‬فإلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬المنعطفات‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬الصوفي‭ ‬والمعرفي‭ ‬لجلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي،‭ ‬وأيهما‭ ‬برأيك‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬في‭ ‬شخصيته؟

ينتمي‭ ‬الرومي‭ ‬الى‭ ‬بيئة‭ ‬إسلامية‭ ‬صوفية،‭ ‬انتقل‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬بلخ‭ ‬الى‭ ‬قونيا‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معلوم،‭ ‬والسفر‭ ‬عند‭ ‬الصوفية‭ ‬له‭ ‬أبعاد‭ ‬روحية‭ ‬كثيرة؛‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬سفره‭ ‬بسبب‭ ‬الغزو‭ ‬المغولي،‭ ‬أو‭ ‬المحنة‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬بين‭ ‬والده‭ ‬وفخر‭ ‬الرازي،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الرازي‭ ‬يمثل‭ ‬مدرسة‭ ‬المعقول‭ ‬والمنقول،‭ ‬مقابل‭ ‬والد‭ ‬مولانا‭ ‬الرومي‭ ‬بهاء‭ ‬ولد،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬لقبه‭ ‬سلطان‭ ‬العلماء،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمثل‭ ‬مدرسة‭ ‬الروح‭. ‬وهذه‭ ‬المدرسة‭ ‬كان‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬متصوف‭ ‬وزاهد‭ ‬شهير‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬إبراهيم‭ ‬أدهم،‭ ‬ومن‭ ‬باب‭ ‬التناص‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬السابق،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬سيرة‭ ‬ابن‭ ‬أدهم‭ ‬تروى‭ ‬بشكل‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬بوذا؛‭ ‬فمنطقة‭ ‬بلخ‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬فيها‭ ‬حتى‭ ‬عهد‭ ‬قريب‭ ‬تماثيل‭ ‬بوذا،‭ ‬حتى‭ ‬يقال‭ ‬إن‭ ‬الجماعات‭ ‬المتطرفة‭ ‬الإسلامية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بهدم‭ ‬هذه‭ ‬التماثيل،‭ ‬وبلخ‭ ‬كانت‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬التنوع‭ ‬والتعددية‭ ‬الدينية‭ ‬بالفعل،‭ ‬من‭ ‬بوذيين‭ ‬ومسيحيين‭ ‬وصوفيين‭ ‬وفقهاء‭.‬

والرومي‭ ‬أتى‭ ‬عبر‭ ‬حركة‭ ‬صوفية؛‭ ‬فوالده‭ ‬بهاء‭ ‬ولد،‭ ‬تلقى‭ ‬التصوف‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬نجم‭ ‬الدين‭ ‬كُبرى‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬المسماة‭ ‬الُكبروية،‭ ‬والتقى‭ ‬بفريد‭ ‬الدين‭ ‬العطار‭ ‬وهو‭ ‬المشهور‭ ‬بكتاباته‭ ‬الصوفية؛‭ ‬مثل‭: ‬إلهي‭ ‬نامة‭ ‬ومصيبت‭ ‬نامة،‭ ‬والتقى‭ ‬كما‭ ‬يفترض‭ ‬بسنائي‭ ‬صاحب‭ ‬حديقة‭ ‬الحقيقة‭. ‬ونماذج‭ ‬مثل‭ ‬الرومي‭ ‬تعيدنا‭ ‬لحاضرة‭ ‬الإسلام‭ ‬والنموذج‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬يحضر‭ ‬فيه‭ ‬القرآن،‭ ‬وقصص‭ ‬السابقين،‭ ‬كما‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬المثنوي‭ ‬مثلا‭ ‬حيث‭ ‬إشارات‭ ‬إلى‭ ‬اليونان،‭ ‬وكتاب‭ ‬كليلة‭ ‬ودمنة،‭ ‬فهو‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬تراثات‭ ‬عدة،‭ ‬وهو‭ ‬أكبر‭ ‬ديوان‭ ‬شعري‭ ‬عن‭ ‬التصوف‭ ‬بلغة‭ ‬شعرية‭ ‬منظمة‭ ‬ويفوق‭ ‬مثلا‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭.‬

لو‭ ‬جئنا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المتشابكة‭ ‬والمتداخلة‭ ‬لعلاقة‭ ‬الرومي‭ ‬بالتصوف،‭ ‬لوجدنا‭ ‬ان‭ ‬الرومي‭ ‬تخلص‭ ‬من‭ ‬عباءة‭ ‬الفقيه‭ ‬الصارمة‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬وجدناه‭ ‬يغني‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬ويبتكر‭ ‬رقصته‭ ‬المولوية‭ ‬المشهورة‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إنه‭ ‬اختلف‭ ‬عن‭ ‬المتصوفين‭ ‬المعاصرين‭ ‬له‭ ‬فأوجد‭ ‬لنفسه‭ ‬رؤية‭ ‬او‭ ‬نظرية‭ ‬صوفية‭ ‬عرفانية‭ ‬خاصة‭ ‬به؟

هناك‭ ‬نمطان‭ ‬إن‭ ‬صحَّ‭ ‬التعبير‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬التصوف،‭ ‬فهناك‭ ‬التصوف‭ ‬المشهور‭ ‬عالميا‭ ‬أو‭ ‬عربيا‭ ‬وهو‭ ‬تصوف‭ ‬الطرق،‭ ‬وينتسب‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الطريقة‭ ‬الملايين‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬ولهذا‭ ‬النمط‭ ‬نظام‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬معين،‭ ‬كتب‭ ‬عنه‭ ‬مثلا‭ ‬أبو‭ ‬حامد‭ ‬الغزالي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ “‬إحياء‭ ‬علوم‭ ‬الدين‭” ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬منه‭ ‬للتوفيق‭ ‬بين‭ ‬الفقه‭ ‬والتصوف،‭ ‬وتقريب‭ ‬الشريعة‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬كما‭ ‬يقال‭. ‬أما‭ ‬الرومي،‭ ‬فينتمي‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬صوفية‭ ‬تابعة‭ ‬لطريقة‭ ‬ولنظام‭ ‬معين،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بالصورة‭ ‬الموجودة‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬عصرنا؛‭ ‬ففي‭ ‬عصرنا‭ ‬المعارف‭ ‬الصوفية‭ ‬لا‭ ‬تتقدم‭ ‬ولا‭ ‬تتطور،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الطرق‭ ‬الصوفية‭ ‬تتدهور‭. ‬ومن‭ ‬الملفت‭ ‬أننا‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬كتبه‭ ‬‭”‬بهاء‭ ‬ولد‭”‬،‭ ‬والد‭ ‬مولانا‭ ‬الرومي‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬واوائل‭ ‬السادس‭ ‬الهجري؛‭ ‬رفضا‭ ‬لفكرة‭ ‬التقليد‭ ‬والوراثة‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬الصوفية؛‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭: “‬محوت‭ ‬الصور‭ ‬من‭ ‬نفسي‭ ‬لكي‭ ‬أرى‭ ‬الله،‭ ‬قلت‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬أمحو‭ ‬هذه‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬لكي‭ ‬أراه‭ ‬وأتصل‭ ‬بمنافعه‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أسرع،‭ ‬ذكرت‭ ‬اسم‭ ‬الله‭ ‬فاتصل‭ ‬ضميري‭ ‬بالله،‭ ‬ورأيت‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬الربوبية‭ ‬وصفات‭ ‬الكمال،‭ ‬رأيت‭ ‬أن‭ ‬الكيف‭ ‬والكيفية‭ ‬ليست‭ ‬لائقة‭ ‬لذاته‭ ‬وصفاته،‭ ‬فقلت‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬إن‭ ‬عالم‭ ‬الله‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬انتمى‭ ‬الرومي‭ ‬بداية‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التصوف‭ ‬النظامي؛‭ ‬فقد‭ ‬أوكل‭ ‬به‭ ‬والده‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أصدقائه،‭ ‬وهو‭ ‬برهانُ‭ ‬الدين‭ ‬محقق‭ ‬ترمذي،‭ ‬وهو‭ ‬حلقة‭ ‬من‭ ‬حلقات‭ ‬شيوخ‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يكثُر‭ ‬الحديث‭ ‬عنهم‭. ‬وهكذا‭ ‬تلقَّى‭ ‬الرومي‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية‭ ‬والصوفية‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬في‭ ‬الشام،‭ ‬وحين‭ ‬استقرَّ‭ ‬في‭ ‬قونيا،‭ ‬وجلس‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬الوعظ‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬والده،‭ ‬مارس‭ ‬الوعظ‭ ‬وإرشاد‭ ‬المريدين،‭ ‬وأدى‭ ‬لقاؤه‭ ‬بالتبريزي‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬نقلة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التصوف‭ ‬النظامي‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الرومي‭ ‬قد‭ ‬نظم‭ ‬شعرا‭ ‬قبل‭ ‬لقائه‭ ‬بشمس‭ ‬التبريزي،‭ ‬وهنا‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬الانكشاف‭. ‬ومثل‭ ‬شخصية‭ ‬شمس‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬متصوفين‭ ‬آخرين؛‭ ‬فالإمام‭ ‬الشعراني‭ ‬مثلا‭ -‬الذي‭ ‬ألف‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكتب‭- ‬رافق‭ ‬شيخا‭ ‬اسمه‭ ‬سيدي‭ ‬علي‭ ‬الخواص،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬رجلا‭ ‬بسيطا‭ ‬من‭ ‬العامة،‭ ‬وحين‭ ‬التحق‭ ‬به‭ ‬الشعراني‭ ‬أمره‭ ‬الخواص‭ ‬أن‭ ‬يحرق‭ ‬كتبه،‭ ‬ليتسنى‭ ‬له‭ ‬تلقي‭ ‬العلم‭ ‬الجديد‭.‬

أبو‭ ‬منصور‭ ‬الحلاج‭ ‬صاحب‭ ‬كتاب‭ “‬الطواسين‭”‬،‭ ‬مثالٌ‭ ‬آخر‭ ‬للصوفي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تكفيه‭ ‬الطرق‭ ‬الصوفية،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬أيضا‭ ‬طريقة‭ ‬ومشايخ‭ ‬يتبعهم،‭ ‬وكان‭ ‬أحد‭ ‬مشايخه‭ ‬ابن‭ ‬جنيد،‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬عليه‭ ‬التصوف‭ ‬السُّني‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬لكنَّ‭ ‬الحلاج‭ ‬لم‭ ‬يكفيه‭ ‬ما‭ ‬عند‭ ‬الجنيد،‭ ‬فانتقل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سائرا‭ ‬صوفيا‭.‬

كَوْننا‭ ‬نتناقش‭ ‬علاقة‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭ ‬بشمس‭ ‬التبريزي،‭ ‬هل‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬التبريزي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بالمتصوف‭ ‬العادي،‭ ‬لذلك‭ ‬خلق‭ ‬بدوره‭ ‬من‭ ‬الرومي‭ ‬متصوفا‭ ‬غير‭ ‬عادي،‭ ‬ومختلفا‭ ‬عن‭ ‬المتصوفين‭ ‬الآخرين‭ ‬ممن‭ ‬عاصرهم؟

ألَّف‭ ‬الرومي‭ ‬كتابَ‭ “‬غزليات‭ ‬شمس‭ ‬تبريزي‭” ‬أو‭ “‬الديوان‭ ‬الكبير‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬النسخة‭ ‬التركية‭ ‬عشر‭ ‬مجلدات‭ ‬لم‭ ‬يُترجم‭ ‬منه‭ ‬سِوى‭ ‬مُختارات‭. ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬التبريزي‭ ‬ليس‭ ‬شخصا‭ ‬عاديا،‭ ‬بل‭ ‬مختلف،‭ ‬لهذا‭ ‬اختلف‭ ‬الناس‭ ‬حوله،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬بعضهم‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬شمس‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬وجود،‭ ‬وأنه‭ ‬شخصية‭ ‬خلقها‭ ‬الرومي،‭ ‬وبعضهم‭ ‬رأى‭ ‬أنها‭ ‬شخصية‭ ‬غامضة‭ ‬تتدثر‭ ‬بلباس‭ ‬أسود‭ ‬خشن،‭ ‬والبعض‭ ‬يرى‭ ‬أنه‭ ‬شخصية‭ ‬قلقة‭ ‬مثل‭ ‬شخصية‭ ‬أرسطو‭ ‬وافلاطون‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬فسر‭ ‬البعض‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرومي‭ ‬وشمس‭ ‬بالعلاقة‭ ‬الجسدية‭ ‬والحسية،‭ ‬وأحد‭ ‬أسباب‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬مثلا‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬فهم‭ ‬الناس‭ ‬للتصوف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أدبيات‭ ‬التصوف‭ ‬نفسها‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بمعنى‭ ‬الغزل‭ ‬بين‭ ‬المذكر‭ ‬والمذكر‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الفارسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نألفه‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭. ‬ومن‭ ‬الجدير‭ ‬بالملاحظة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬مستشرق‭ ‬من‭ ‬المستشرقين‭ ‬القديرين،‭ ‬ومن‭ ‬الذين‭ ‬كتبوا‭ ‬عن‭ ‬الرومي‭ ‬مثل‭ ‬نيكلسون‭ ‬الذي‭ ‬اهتمَّ‭ ‬بالرومي،‭ ‬والمثنوي‭ ‬وغزليات‭ ‬شمس‭ ‬تبريز‭ ‬بحثا‭ ‬وكتابة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬سنة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لدى‭ ‬هؤلاء‭ ‬تلك‭ ‬التفسيرات،‭ ‬ولكن‭ ‬ربما‭ ‬مع‭ ‬المستشرقين‭ ‬حديثا،‭ ‬تلوثت‭ ‬معارفنا‭ ‬بهذا‭ ‬الفهم‭.‬

في‭ ‬بحث‭ ‬المستشرقين‭ ‬في‭ ‬التصوف،‭ ‬هدف‭ ‬البعض‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الجماليات‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الإسلام،‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬التصوف‭ ‬هو‭ ‬قلب‭ ‬الإسلام؟

لو‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬المستشرقين‭ ‬سنجد‭ ‬أنهم‭ ‬فئات؛‭ ‬حيث‭ ‬يوجد‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬الباحث‭ ‬الضعيف‭ ‬والباحث‭ ‬القوي،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬المستشرقين‭ ‬من‭ ‬يلبي‭ ‬رغبات‭ ‬بلده،‭ ‬وله‭ ‬أهداف‭ ‬محددة‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬وهادي‭ ‬العلوي‭ ‬وسالم‭ ‬بنحميش،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الاستعمار‭ ‬الظاهري‭ ‬انتهى،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المستشرقين‭ ‬موجودا‭. ‬أما‭ ‬الفئة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬المستشرقين،‭ ‬فهم‭ ‬من‭ ‬المهتمين‭ ‬بفنون‭ ‬الإسلام‭ ‬المختلفة،‭ ‬ولهم‭ ‬اهتمامات‭ ‬متخصصة‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬أو‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬التصوف،‭ ‬وهناك‭ ‬النوع‭ ‬الثالث‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬جماليات‭ ‬الإسلام،‭ ‬وتلك‭ ‬النقاط‭ ‬المضيئة‭ ‬المختلفة‭ ‬عن‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭ ‬السلبية‭ ‬السائدة‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭ ‬كنحو‭ ‬ربطه‭ ‬بالإرهاب،‭ ‬وبعضهم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالإسلام،‭ ‬اهتم‭ ‬بالأديان‭ ‬الأخرى‭ ‬أيضا‭. ‬

وفي‭ ‬مجال‭ ‬التصوف،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هؤلاء‭ ‬المستشرقين‭ ‬قد‭ ‬تحول‭ ‬للإسلام،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬محبة‭ ‬الإسلام،‭ ‬بعد‭ ‬رحلته‭ ‬مع‭ ‬التصوف،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يقطع‭ ‬مع‭ ‬دينه‭ ‬ومعتقداته‭ ‬السابقة،‭ ‬ولكنه‭ ‬أضاف‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬الرؤى‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬اكتسبها‭ “‬الله‭ ‬جميل،‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نلغي‭ ‬نحن‭ ‬نضيف‭”.. ‬وهكذا‭ ‬أصبح‭ ‬التصوف‭ ‬أحد‭ ‬الأبواب‭ ‬الممتازة‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬الإسلام‭. ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬التصوف‭ ‬يعتبر‭ ‬ان‭ ‬الإسلام‭ ‬جسد‭ ‬وقلبه‭ ‬أو‭ ‬روحه‭ ‬في‭ ‬التصوف؛‭ ‬فالمساحة‭ ‬الوحيدة‭ ‬الرحبة‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬أدبياتنا‭ ‬الفكريةلنتحدث‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬أنفسنا‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬ونحبب‭ ‬الآخرين‭ ‬فينا،‭ ‬لن‭ ‬نجدها‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬التصوف؛‭ ‬فالتصوف‭ ‬يتعالى‭ ‬على‭ ‬المذهبية‭ ‬التي‭ ‬تحوي‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬تلك‭ ‬الإشكاليات،‭ ‬فتصوف‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭ ‬مثلا‭ ‬يتعالى‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬الدينية؛‭ ‬لذلك‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬كل‭ ‬الأديان‭. ‬الباحث‭ ‬الإنجليزي‭ ‬فرانلكين‭ ‬لويس‭ -‬مثلا‭- ‬ألَّف‭ ‬كتابا‭ ‬عن‭ ‬الرومي‭ ‬بعنوان‭ “‬الرومي‭ ‬شرقا‭ ‬وغربا‭ ‬حاضرا‭ ‬وماضيا‭”‬،‭ ‬ركز‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬الرومي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله،‭ ‬وربما‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬الأقل‭ ‬استفادة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭.‬

تقرب‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭ ‬من‭ ‬البسطاء،‭ ‬وأحبِّ‭ ‬مصاحبتهم‭ ‬ومجالستهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬النخبة‭ ‬من‭ ‬القوم‭ ‬في‭ ‬زمانه؛‭ ‬لذلك‭ ‬يفخر‭ ‬الدراويش‭ ‬بالرومي،‭ ‬ويفخر‭ ‬به‭ ‬شيوخ‭ ‬المتصوفة،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتمي‭ ‬الكل‭ ‬بتوجهاتهم‭ ‬المختلفة‭ ‬الى‭ ‬الرومي؟‭!‬

الدرويش‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يُغني‭ ‬ويرقص‭ ‬فحسب،‭ ‬وقد‭ ‬نجد‭ ‬الدرويش‭ ‬هو‭ ‬الواقف‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭ ‬والشيخ‭ ‬هو‭ ‬الجالس،‭ ‬لكن‭ ‬الدرويش‭ ‬هو‭ ‬النموذج‭ ‬الحقيقي‭ ‬للتصوف،‭ ‬وأحيانا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الشيخ‭ ‬الوارث‭ ‬للتصوف‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يذوق‭ ‬ما‭ ‬يتذوقه‭ ‬الدرويش‭ ‬من‭ ‬ثمار؛‭ ‬لأن‭ ‬تسلمه‭ ‬للمشيخة‭ ‬والتصوف‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬بالوراثة،‭ ‬ولم‭ ‬يسبق‭ ‬لهذا‭ ‬الشيخ‭ ‬أن‭ ‬مر‭ ‬بتجربة‭ ‬صوفية‭ ‬أساسا‭. ‬لذلك؛‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬شمس‭ ‬التبريزي‭ ‬التفاتا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الجانب،‭  ‬فقد‭ ‬علم‭ ‬الرومي‭ ‬ألا‭ ‬يتصدر‭ ‬المجلس،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المجلس،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬التصرف‭ ‬نوعٌ‭ ‬من‭ ‬الرفض‭ ‬لفكرة‭ ‬التصدر‭ ‬والزعامة،‭ ‬وكسرٌ‭ ‬للقواعد‭ ‬والعادات‭ ‬البالية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يهدف‭ ‬إليه‭ ‬شمس‭ ‬أن‭ ‬يكسر‭ ‬القواعد‭ ‬البالية‭ ‬لا‭ ‬القواعد‭ ‬المفيدة،‭ ‬وبالقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬امتلكها‭ ‬الرومي‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬بجميع‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬للسعي‭ ‬للانتساب‭ ‬إليه‭.‬

وأود‭ ‬أن‭ ‬نُخصِّص‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬الحوار‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬المستشرقة‭ ‬الألمانية‭ ‬آنا‭ ‬ماري‭ ‬شيمل،‭ ‬التي‭ ‬بذلت‭ ‬جهودا‭ ‬نوعية‭ ‬ومثابرة‭ ‬وشديدة‭ ‬الإخلاص‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البحث‭ ‬والكتابة،‭ ‬والتعريف‭ ‬بالتصوف‭ ‬الإسلامي‭ ‬وجلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭.‬

آنا‭ ‬ماري‭ ‬شيمل‭ ‬مستشرقة‭ ‬ألمانية‭ ‬مسيحية‭.. ‬ذهبت‭ ‬لتكتشف‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬المسلمون‭ ‬الآخرون‭ ‬من‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬الأخرى‭ ‬عنها‭ ‬الكثير،‭ ‬فتحدثت‭ ‬مثلا‭ ‬عن‭ ‬الاحتفالات‭ ‬بالمولد‭ ‬النبوي‭ ‬والمرأة‭ ‬الصوفية‭ ‬في‭ ‬الهند،‭ ‬وخالطت‭ ‬آنا‭ ‬ماري‭ ‬شيمل‭ ‬الناس‭ ‬العاديين‭ ‬والبسطاء،‭ ‬وفي‭ ‬كتابها‭ “‬روحي‭ ‬أنثى‭”‬،‭ ‬قصص‭ ‬ترويها‭ ‬عن‭ ‬النساء‭ ‬اللائي‭ ‬التقت‭ ‬بهن‭. ‬وبلغ‭ ‬من‭ ‬شغفها‭ ‬بعملها‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تترجم‭ ‬وحتى‭ ‬هي‭ ‬تتنقل‭ ‬في‭ ‬رحلاتها‭ ‬بالطائرة،‭ ‬تقوم‭ ‬بترجمة‭ ‬نص‭ ‬ثم‭ ‬تكتبه‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬لغة،‭ ‬وهكذا‭ ‬ترجمت‭ ‬كتابات‭ ‬محُمد‭ ‬إقبال‭ ‬من‭ ‬الأوردية‭ ‬الى‭ ‬عدة‭ ‬لغات‭ ‬أخرى‭ ‬كالألمانية‭ ‬والتركية‭ ‬مثلا‭. ‬وأثناء‭ ‬تدريسها‭ ‬لمدة‭ ‬12‭ ‬سنة‭ ‬للطلاب‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬هارفارد،‭ ‬كونت‭ ‬جيلا‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الممتازين‭ ‬الذين‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يكتبون‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭ ‬بشكل‭ ‬معتدل،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬بشكل‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬التصوف،‭ ‬والبعض‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والبعض‭ ‬على‭ ‬التفسير‭ ‬والحديث‭…‬إلخ‭.‬

أجادت‭ ‬شيمل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬اللغات،‭ ‬بلغت‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬12‭ ‬لغة؛‭ ‬منها‭: ‬لغات‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬فيها،‭ ‬من‭ ‬مفارقات‭ ‬اللغات‭ ‬التي‭ ‬أجادتها‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬زيارة‭ ‬لها‭ ‬للهند،‭ ‬ومع‭ ‬أحد‭ ‬المسئولين‭ ‬السنديين،‭ ‬قال‭ ‬لها‭ ‬إنك‭ ‬لن‭ ‬تتمكني‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مكتوب‭ ‬على‭ ‬شاهد‭ ‬القبر؛‭ ‬لأنه‭ ‬مكتوب‭ ‬باللغة‭ ‬السندية،‭ ‬فتروي‭ ‬شيمل‭ ‬في‭ ‬سيرتها،‭ ‬أنها‭ ‬بعد‭ ‬6‭ ‬أشهر‭ ‬أرسلت‭ ‬إليه‭ ‬خطابا‭ ‬باللغة‭ ‬السندية‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬يعيق‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬المثابرة‭ ‬والمحبة‭ ‬للتصوف‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬واكتشاف‭ ‬الجمال‭ ‬من‭ ‬حولها،‭ ‬فرغم‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬مسيحية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬ملمة‭ ‬بالإسلام،‭ ‬بل‭ ‬وتصحح‭ ‬للباحثين‭ ‬الآخرين‭ ‬كتاباتهم‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭.. ‬ومن‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬ألفتها‭ ‬كتاب‭ ‬بعنوان‭ “‬وإن‭ ‬محمدا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭”‬،‭ ‬ترجمه‭ ‬الدكتور‭ ‬عيسى‭ ‬العاكوب،‭ ‬تحدثت‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬تبجيل‭ ‬النبي‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬الصوفية‭.‬

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرا‭ ‬على‭ ‬ذهن‭ ‬الكثيرين‭ ‬هو‭ ‬عن‭ ‬التصوف‭ ‬اليوم،‭ ‬والتصوف‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬أرواحنا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬هُويتها‭ ‬الروحية‭ ‬والإنسانية،‭ ‬فإلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬بإمكان‭ ‬التصوف‭ ‬أن‭ ‬يوفر‭ ‬للمهتمين‭ ‬بمختلف‭ ‬مستوياتهم‭ ‬الأجواء‭ ‬الثقافية‭ ‬والمعرفية‭ ‬كقوة‭ ‬جاذبة‭ ‬تدفعه‭ ‬إلى‭ ‬التفاؤل‭ ‬والجمال،‭ ‬وما‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صوفيا‭ ‬اليوم؟

نشهد‭ ‬اليوم‭ ‬عطشا‭ ‬لمعرفة‭ ‬التصوف‭ ‬والروحانيات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدَّى‭ ‬مثلا‭ ‬الى‭ ‬انتشار‭ ‬رواية‭ “‬قواعد‭ ‬العشق‭ ‬الأربعون‭”‬،‭ ‬لأليف‭ ‬شفق،‭ ‬ذلك‭ ‬الانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الجوانب‭ ‬الفنية‭ ‬للرواية،‭ ‬وكون‭ ‬الكاتبة‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬صوفية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يخطر‭ ‬في‭ ‬ذهنها‭ ‬أن‭ ‬تروج‭ ‬مثلا‭ ‬للتصوف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬روايتها‭ ‬عن‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي،‭ ‬ولكنها‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬فكرة‭ ‬صوفية‭ ‬وإسلامية‭ ‬بشكل‭ ‬متمكن،‭ ‬دفعت‭ ‬الناس‭ ‬للاهتمام‭ ‬بالرواية‭ ‬والإجماع‭ ‬على‭ ‬جمالها؛‭ ‬وذلك‭ ‬لأنها‭ ‬نشرت‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬والقيم‭ ‬الجميلة‭.‬

أعتقد‭ ‬أن‭ ‬التصوف‭ ‬جامع‭ ‬لكل‭ ‬الفرقاء،‭ ‬فلو‭ ‬قرأنا‭ ‬كلمات‭ ‬الرومي،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬المتصوفة،‭ ‬لوجدنا‭ ‬فيها‭ ‬صبغة‭ ‬إنسانية‭ ‬يتفق‭ ‬أصحاب‭ ‬كافة‭ ‬الديانات‭ ‬على‭ ‬رقيها‭. ‬القصد‭ ‬أن‭ ‬التصوف‭ ‬أدبيات‭ ‬وأفكار‭ ‬وقيم‭ ‬جامعة‭ ‬لكل‭ ‬الناس،‭ ‬والتصوف‭ ‬هو‭ ‬الباب‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬الآخر‭ ‬فينا‭ ‬بكل‭ ‬مساحاته‭ ‬الثرية،‭ ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الطرق‭ ‬الصوفية‭ ‬وحدها؛‭ ‬فالتصوف‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬وهو‭ ‬أطياف‭ ‬وأفكار‭ ‬شتى‭.‬

1,235 total views, 2 views today