لَمْ نَشَأ أنْ يبتعدَ حِوَارُنا لهذا العَدَد عَنْ استطلاعِنَا حَوْل الاستثمارِ فِي الثقافة، لِذَا كانَ التفكيرُ في تقديمِ كلمةٍ للمفكِّر الرَّاحل مُحمَّد عابد الجابري، تتعلَّق بالتنميةِ الثقافيةِ، والتنميةِ الاقتصاديةِ، وأيُّهما تتقدَّم عن الأخرى.. إذ يقول: “إنَّ التنميةَ الثقافيةَ هي شرطٌ للتنمية الاقتصادية بقَدْر ما هِي مشروطة بها؛ وبالتالي فلا يُمْكِن تحقيق تنمية اقتصادية دون أنْ تُوَاكِبها مُنذ البداية تنميةٌ ثقافيةٌ. بل إنَّ اتجاهَ التفكيرِ السَّائد اليوم في موضوع “التنمية” وقضاياها، يميلُ بوضُوْح إلى إِعْطَاء نَوْع من الأولوية للتنمية الثقافية؛ باعتبار أنَّ الاقتصاد نفسه أصْبَح الآن يعتمدُ أكثرَ فأكثر على الفِكر والعملِ الفكريِّ، ويستغني أكثر فأكثر عن العملِ اليدويِّ؛ مما يَجْعَل من حصول الشخص على مُستوى مُعيَّن من “النمو الثقافي” شرطاً ضروريًّا لإمكانية مُساهمته في التنمية الاقتصادية نفسها”.

وِفْق مَا مرَّ، تأتِي التنمية الثقافية قبل الاقتصادية؛ وذلك لأنَّ “النمو الثقافي” أضْحَى شرطاً للمساهمة في التنمية الاقتصادية.. إلا أنَّ أغلب مُؤسَّسات القطاع الخاص لا تبدو، وكأنَّها لافتة لذلك، وربما ينطبقُ هذا بنحوٍ ما على الجهات الرَّسمية المسؤولة عن تطوُّر الحالة الثقافية في السلطنة.

وَلَكنْ ثمَّة مَنْ تَجَاوز تِلك الحواجز من رجال عالم التنمية الاقتصادية، وتواجَد في قلب الحَدَث الثقافي راعيًا وداعمًا.. إنَّه الفاضل علي بن مال الله حبيب اللواتي الرئيس التنفيذي لمؤسسة “الحبيب العقارية” ورئيس مجلس إدارة “الحبيب وشركاه”؛ أحد الذين لهم حُضُور مُميَّز في مَيْدان الاستثمار في الثقافة؛ من خلال دَعْم مجموعة متنوعة من الأنشطة المعرفية؛ بما فيها تلك التي تتعلق بتنمية الطفل ثقافيًّا ومعرفيًّا. فَوَرْشَة “أكتب قصصًا” للأطفال، التي نفَّذَتها د. فاطمة بنت أنور اللواتيَّة بتاريخ 9 ديسمبر 2015، كانت برعاية “الحبيب العقارية”، وديوان شعر “بهم نقتدي” و”أنشودتي” المُخصَّص للأطفال، ألفته د. سعيدة بنت خاطر الفارسية بتاريخ 11 يناير 2016 أيضَّا برعاية “الحبيب العقارية”، وبَرْنامج “ورشة عمل الصحفي الصغير” الذي أعدَّه الصحفي الأستاذ حمود الطوقي في العام 2010، أيضًا كان برعاية “الحبيب العقارية”، إضافة لدعمها “مكتبة السندباد المتنقلة للأطفال” -إحدى مبادرات جريدة “الرُّؤية”- بتزويدها بحافلة كمكتبة مُتجوِّلة تجوب أرجاء السلطنة، ودعمها مشروع “نداء السلام” -عبارة عن لوحة سلام بمشاركة 80 طفلا من 60 جنسية مُختلفة- ونشيد السلام -الذي أشرف عليه د. صالح الفهدي بتاريخ 5 يناير 2016، وحضر افتتاحه مَعَالي وزير الخارجية، وحظي باهتمام واسع من أجهزة الإعلام والتواصل الاجتماعي على الصعيد العربي- ودعم مجلة “مُرشد” للأطفال، ودعم ورعاية مجموعة “أحب وطني” للكاتبة زينب الغريبية، التي كانت تركِّز على قيم المواطنة والوئام الوطني.
وَمَجْمُوْعة “حبيب العقارية” ترعى اليوم مشروع فيديوهات تربوية قيمية للأطفال، تُشرف على تنفيذها الكاتبة فاطمة شعبان اللواتية، المقِيْمة في دولة الكويت، وستنتج لشهر رمضان المقبل، فضلاً عن حِزمة من البرامج الثقافية القيِّمة والمتنوِّعة التي تستهدف الأطفال، وتعمل على تطوير عالم أفكارهم. الأَمْر الذِي حَدَانا لطرح التساؤل التالي عليه

————————————-

أجرى الحوار:

محمد بن رضا اللواتي

————————————-

إِلَى اليَوْم، لا تجد أغلب مُؤسَّسات القطاع الخاص جدوى في الاستثمار الثقافي، في حِيْن نجد أنكم تجاوزتم “النقطة العمياء” هذه ببراعة، فهل بالإمكان تغيير هذه الرؤية؟
إنَّ الجَدْوَى هي المنظور إليها في كلِّ الأعمال التي تقوم بها مُؤسَّسات القطاع الخاص؛ فمعايير الجدوى في القطاع الخاص تتمثَّل في مُعدَّل الفائدة على الاستثمار وفترة الاسترداد، وهذه عِنْدَما نريدُ إسقاطها على الاستثمار في الثقافة، لا بد أنْ نأخذ بعين الاعتبار أنَّ فترات الاسترداد تكون طويلة بعض الشيء؛ فالعوائد من صناعة الثقافة تتطلب طولَ انتظار، إلا أنَّه في آخر المطاف انتظارٌ حميدٌ؛ لأنَّ المستثمرَ في الثقافة ينبغي أنْ يكون قد أَدْرَك تمامًا أنَّه يستثمر في تنمية الفكر والذوق والسلوك والمعرفة.
وَهَذِه التَّنْمِية ضرورية لتطور المجتمع وترقِّيه، وتنمية الفرد لاختيار أفضل السلوك؛ سواء الذي يعيش به مع أسرته، أو الذي يُمارسه خارج منزله: في السوق، وفي بيئة العمل، في المسجد، ومع من يختلف معه. كلُّ ذلك تؤثِّر فيه الثقافة، وهذه كلها “ثقافة”. ومن هنا، فالاستثمار فيها هو استثمارٌ في تنمية المجتمع، إلا أنَّ الدُّفعات المالية والعوائد المادية تُستبدل هنا بالفوائد المعنوية، ونحسب أنَّ هذا البُعد ضروري جدًّا ويستحق الاستثمار فيه.

لنُلْقِ مزيدًا من الضوء على هذه النقطة تحديدا، ما هي العوائد التي تنتظرونها بإسهاماتكم في التنمية الثقافية؟ وَجَدنا أنَّ مؤسستكم تقف وراء مجموعة من الأنشطة الثقافية غير التي تتعلَّق بالأطفال؛ فرعاية مجلة “شرق غرب” ودعم نشاطها الثقافي، ودعم ورعاية برنامج مواهب الموسيقى والمسرح بإشراف د. صالح الفهدي، وأيضا دعم ورعاية مسلسل “قيم” الذي يشرف عليه كذلك د. صالح الفهدي، والذي تمَّ تنفيذه في مايو 2016، ودعم الفانين التشكيليين على مَدَى عامين متتالين 2015 و2016، ودعم ورعاية برنامج “رتِّل وارتقِ” على مدى خمسة أعوام متتالية، ودعم ورعاية برنامج “نساء مطرح” مارس 2016.. كيف تعُوْد عليكم هذه الأنشطة بعائد؟
قَدْ تتَّفق مَعِي في أنَّ الاحتياجات تتنوَّع من تلك التي تتعلَّق بالجوانب المادية والجسدية، إلى التي تتعلق بالأبعاد النفسية والروحية.. لقد عَدَّتْ الأديانُ بأنواعها والثقافات المختلفة أنَّ الأبعاد الكمالية لا تكمُن في الأجساد، وإنما في الأرواح، وعندما نتوسَّع في فَهْم المنظومة الثقافية نَرَى أنَّها لا تترك مجالاً حياتيًّا إلا وتتعلق به.
السُّلوك الحَضَاري والذوق الرفيع ثقافة؛ فطريقة اختيارك لطعامك، وطريقة قياديتك لسيارتك ومدى احترامك لقانون المرور وحقوق الغير في الشارع، وعدم رَمْي أعقاب السجائر في الشارع، وإزاحة الحجر عن الطريق حتى لا يُؤذي أحداً، وبذل المعونة، والتعاطِي مع الآخر باحترام فكره ومحاولة تفهُّم وجهات نظره وحُسن الاستماع إليه.. كلُّ ذلك ثقافة.. ألسنا في حاجة لإنماء هذا البُعد في حياتنا والارتقاء بسلوكنا إلى الأفق، بما يعكس رسالتنا الحضارية في الحياة؟
نَجِد أنَّ لُغة الدفعات المالية كعائدٍ غير مُنفصلة عن الجُرْعَات المعنويَّة للمجتمع، وهذا الذي تقوم به الثقافة. لَقَد اشتغلنا طويلاً -لمدى نَيْف وأربعين عامًا- على البنية الأساسية، وحان لنا أنْ نُفكِّر ونُستثمر في البنى الأساسية الثقافية.

مُقترح نتَّفق على أهميته جميعًا، هل مِن مُقترحات حول تطوير البُنى الأساسية الثقافية؟ يتكدَّس في المدارس حوالي 700 ألف طالب وطالبة، كلها أفواه فاغِرة تَبْحث عن لقمة ثقافية تهذب الرُّوح وتقيِّم السلوك وتطوِّر المعرفة.. أليست هذه المدارس؟ أليسوا هؤلاء الطلاب في مسيس الحاجة لمكتبات عامة، وبرامج ثقافية حوارية، وزيارات لدول مُتقدمة، ومُسابقة وطنية ثقافية طلابية تغذِّي أرواح أولئك الطلاب الصِّغار؟
يُذكِّرني هذا بمقترح بناءِ مكتبة عامَّة بجوار كلِّ مركزٍ صحيٍّ في كلِّ منطقة في السَّلطنة؛ هذا لصحة الأبدان، وذاك لصحة الأفكار.
تُوْجَد حالياً مَشاريع قَيْد الدراسة من قِبَل بعض مُؤسَّسات القطاع الخاص لأجل تزويد نُخبة من المدارس بنادٍ رياضيٍّ يُمارس فيه الأطفال البدينون الرياضة، عِوَضا عن الطابور الصباحي.
حَتمًا إنَّ وجود مكتبة ولو صغيرة، ولكن حديثة ومُتجددة بالكتب المناسبة، سيعمل على خَلْق حالة من الإبداع الفكريِّ لدى أطفال المدارس. ومن هُنا، وَجدنا أنَّ مسؤوليتنا في التنمية الثقافية ضروريَّة مَهْمَا صغر حجمها.
وَلَكنْ يَنْبَغي أنْ نؤكِّد أنَّ مُبادرة التطوير من المحبَّذ بمكان أنْ تأتي من قِبَل الجِهَات الرَّسمية. إنَّ مزيداً من المسارح والصَّالونات الثقافية والمكتبات العامة حتمًا سيعمل على نُشُوْء تنشيط الحالة الثقافية وازديادها.
لَدَيْنَا فِي مَسْقط الأوبرا السلطانية، وهي اليوم تُقدِّم أعمالًا ثقافية عالية المستوى. لا مانع إطلاقاً من أنْ تُقدِّم حزمةً أكبر من الأعمال الثقافية التي تُلَامس الواقعَ الثقافيَّ المحلي.
مَسْرَح المدينة، ومسارح التربية..وغيرها من المسارح أيضًا، بإمكانها أن تُعلن عن برامِجها المسرحية خلال العام، على أنْ تتناول الحالة الثقافية المحلية لأجل تطويرها؛ فمثلا: إحدى الظواهر التي نواجهها، وينبغي التفكير مليًّا في إيجاد الحلول لها، هي المبالغ في احتفالية الزواج، وتنامي ظاهرة الطلاق في مجتمعنا، إنَّ البرامج الثقافية التي تُعالج ذلك ضرورية. الثقافة وَحْدها كفيلة بتغيير رُؤية الرَّجل إلى المرأة وإلى الأسرة وإلى دَوْرِه فيها، كما أنَّ الثقافة هي المسؤولة عن تغيير نظرة المرأة إلى الواقع الذي تطمح إليه من خلال الزواج.
المَهْرَجَانات التي تُقام سنويًّا، والأنشطة الثقافية التي تكون مُلحقة بها، بإمكانها أنْ تكون أفضل مِمَّا هي عليه الآن.. التليفزيون أيضًا بإمكانه المساهمة في ذلك، ولستُ أدري لماذا إلى اليوم لا تُوجَد برامج حوارية بها حُضور جماهيري في الأستوديو يتفاعل مع المحاور، ويناقشه مُباشرة كالذي نُشاهده في مُختلف القنوات.. إنَّ هذا سيحدث عاجلا أو آجلا، والسؤال هو: لماذا التخوُّف والانتظار؟
بِالطَّبْع، كلُ هذا يندرج تحت: “ما الذي نُريده لمجتمعاتنا ثقافيًّا؟ وأَيْن نُريد لها أن تصل؟”.
تَحْدِيْد معالم هذه الرُّؤية يُساعدنا على استشراف الواقع الذي نودُّ بلوغه؛ وبالتالي يسهل اختيار الأنشطة الثقافية التي نَسْعَى من خلالها لبلوغ أهدافنا المعرفية.
أَتَّفِق أنَّ زِمَام المبادرة يَنْبَغِي أنْ يكون بِيَد وزارة التراث والثقافة بالدرجة الأولى، ويا حبَّذا لو تمَّ استثمار البؤر الثقافية المحلية لتحديد الأهداف المعرفية، كالنادي الثقافي والجمعية العُمانية للكتاب والأدباء…وغيرها.
وَقَدْ سَبَق وقمنا برِعَاية ودَعْم حفل الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء المنعقِد بتاريخ 10 فبراير 2016، ومن المؤسف أنْ نَسْمع أن الإمكانات المالية لبعض الجمعيات والمؤسسات الثقافية محدودة جدًّا، لا تُعينها على بَذْل المزيد لتنظيم الأنشطة، ودعم أكبر عدد مُمكن من الكُتَّاب والمفكرين العُمانيين والأنشطة الثقافية المختلفة؛ لأنَّ هؤلاء يُعانون كثيرا من توفير التمويل اللازم لطباعة كتبهم ومؤلفاتهم.

هَل مِنْ أعمالٍ ثقافيةٍ ونوعيةٍ أُخرى تعمل “الحبيب” على دَعْمِها ورعايتها؟
لَقَد تَعَاقدنا مَع جهةٍ مُتخصصةٍ لإنتاج حلقات تليفزيونية عن “أسماء الله الحُسنى” بأسلوب عصري وحديث، بعنوان مُبْتَكر وهو “إنني أنا الله”، نتوقع له قَبُوْلا واسعًا، كما قُمنا برعاية كِتاب عن المفكِّر “مالك بن نبي”، وآخر “حوارات مع مُفكِّري الغرب”، وكتاب “الإسلام الحضاري” الذي يضمُّ مُحَاورات جَرَت مع علماء الغرب، ولدينا بعض الأعمال التي نتدارس دَعْمَها ورعايتها، ونرحِّب بالأعمال الإبداعية التي تتماشى مع رؤيتنا في تطوير الحالة الثقافية للمجتمع العُماني.

1,704 total views, 2 views today