مُحمد عبده الزغير خبير عربي معنيٌّ بحقوق الطفل، اهتمَّ بحقوق الطفل منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، عَمِل خبيرا في إدارة الطفولة بجامعة الدول العربية مُنذ العام 1996 وحتى 1999، ومن ثم منسقاً لتنمية الطفولة، ولاحقاٌ مديراً للبرامج بالمجلس العربي للطفولة والتنمية من 1999 وحتى 2004. وخلال تلك الفترة أدار تحرير مجلة “الطفولة والتنمية” الصادرة عن المجلس. ثم عمل خبيرا لإدارة الأسرة والطفولة بجامعة الدول العربية من 2005 وحتى 2010. يعمل حالياً خبير شؤون الطفولة بوزارة التنمية الاجتماعية في سلطنة عُمان.

لدى الباحث مُحمد العديد من الإصدارات المعنية بحقوق الطفل؛ منها: كتابه “قضايا وإشكاليات حقوق الطفل في العالم العربي”، وأبحاث مُشتركة قدَّمها خلال عمله في جامعة الدول العربية والمجلس العربي للطفولة والتنمية، إضافة إلى عديد من الأبحاث وأوراق العمل التي قدَّمها في سلسلة المؤتمرات والندوات وحلقات العمل التي شارك فيها؛ على المستوى: الدولي، والعربي، والخليجي. والآراء الواردة في هذا الحوار لا تعبِّر عن رأي الوزارة، وإنما رأيه كباحث عربي.

 ما أهمية أن يكون للطفل قانون؟

– بداية؛ يُسعدني الإشارة إلى أنَّ حقوق الطفل لا تتلخص بإصدار قانون، وإنما هي جُملة من السياسات والتدابير والإجراءات والآليات المعنية بحماية الطفل.

وبقراءة تطوُّر مفهوم حقوق الطفل في العالم، نجد أنه لم يأتِ فجأة، أو أنه تشكل مع الإرهاصات التي شهدتها الثورة الصناعية وما رافقها من تغيُّرات، أو أنها تأسَّست مع الجهود المنظمة للمنظمات الدولية كعصبة الأمم، وبعدها الأمم المتحدة، وإنما أتى ثمرة لجهود عديدة ومتفرقة شهدتها العديد من الدول، والمناطق، والأديان، والثقافات، والحضارات الإنسانية المختلفة.

وفي العصر الحديث، واعتماداً على التجارب والجهود الفنية والأدبية والحصائل، خرج الإنسان بأن هُناك حقوقاً للأطفال، وقد أقرَّ المجتمع الدولي تلك الحقوق عبر وثائق دولية منذ فترة مُبكرة من تاريخ قيام المنظمات الدولية، منذ العشرينيات من القرن الماضي.

وقد حرصتْ أكثر تلك الوثائق على ألا تظل مجرد أدبيات فكرية، بل أن تشكل -إضافة إلى ذلك- أساليب تنفيذ؛ أي أن تكون “ثقافة” مادامت الثقافة أسلوبَ حياة يستند إلى أساس فكري، كما أشار إلى ذلك الدكتور هادي نعُمان الهيتي.

وأرى أنَّ مضمون ثقافة حقوق الطفل لا ينحصر بالأساس القانوني؛ حيث ساد اعتقاد بأن إجراء تعديلات في القوانين يُمكنه أن يكفل حقوق الطفل، ولا ينطوي على نصوص الوثائق والاتفاقيات الدولية، أو الإقليمية، أو الوطنية بشأن حقوق الطفل، في حد ذاتها، ذلك أن ما يُشكل ثقافة في هذا المجال يتركَّز فيما ينجم عن استحياء دلالات تلك النصوص من القيم والأفكار والاتجاهات وأساليب التنفيذ؛ لأن الثقافة سلوك يستند إلى أساسيات فكرية. غير أن النصوص القانونية الدولية وغيرها تظل قواماً عاما لمضمون هذه الثقافة، إذا لم تتضافر معها العناصر الثقافية وطرائق الأخذ بها سلوكيًّا.

ولكي يأخذ المجتمع بحقوق الطفل، يترتب أن يكون لتلك الحقوق ثقافة بدلاً من أن تظل مجرد نصوص تشريعية.

ومن جانب آخر، فإنَّ الاقتصار على الوثائق والاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل، والنظر إليها وكأنها وحدها قوام ثقافة حقوق الطفل، يتناقض مع طبيعة الثقافة نفسها، تلك الطبيعة التي تتميَّز بصفة أساسية هي محليتها -أو وطنيتها- أي خصائصها الذاتية.

ومن هُنا؛ أمكن النظر إلى تداعيات الوثائق والاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل باعتبارها جزءًا أساسيًّا من عموميات ثقافات الأطفال في البيئات المختلفة.

ويرى د. الهيتي أنَّ هذا يعني أن ثقافات حقوق الطفل تستمد كثيراً من عناصرها العامة من مُنطلقات الوثائق والإعلانات والاتفاقيات الدولية، إلى جانب منطلقات أخرى يكسبها وجودها الواقعي في الصعيد الداخلي. ومن هُنا؛ فانَّ ثقافة حقوق الأطفال تشتمل في مضمونها على جوانب قانونية وصحية واقتصادية مُرتبطة بالطفولة وحقوقها ومشكلاتها وآمالها، ومجمل أساليب الكبار في التعامل مع الأطفال في الظروف المختلفة.

وشكَّلت اتفاقية حقوق الطفل التي أقرَّتها الأمم المتحدة في 20 نوفمبر 1989، بداية مرحلة تاريخية جديدة بالنسبة للعلاقة بين الهيئات الحكومية والمجتمع والأطفال حول العالم؛ فقد قدَّمت الاتفاقية عقدًا اجتماعيًّا جديدًا يُبنى على فكرتين أساسيتين: الاعتراف بالطفل كصاحب حقوق فعال، والاعتراف بالدول الأعضاء كمكلفة بمسؤولية الوفاء لتهيئة الظروف الضرورية لممارسة الحقوق بشكل كامل.

وهذا العقد الاجتماعي الجديد لحقوق الطفل لم يكتفِ بما جاء في اتفاقية حقوق الطفل، وإنما تطوَّر ليشمل المجالات التي فرضتها التغيرات والتحديات العالمية الجديدة؛ من أجل حماية الطفل.. وتم التعبير عنها بمحتويات البروتوكولات الاختيارية المعنية بحماية الأطفال؛ وهي:

– البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة.

– البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية.

– البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل من أجل إتاحة إجراء تقديم البلاغات.

فعقب صدور اتفاقية حقوق الطفل في العام 1989، ساد اعتقاد بأن تطبيق الاتفاقية يُعنى في المقام الأول بتعديل التشريعات الوطنية، وتضمينها مبادئ وأحكام الاتفاقية، وأنه باستكمال هذا التعديل التشريعي تكون الاتفاقية قد طبِّقت على المستوى الوطني. وقد بادرتْ دول عربية عديدة إلى الأخذ بهذا الرأي؛ فأصدر بعضها قانونا خاصًّا بالطفل أو يعمل على تحقيق ذلك، بينما اكتفت دول أخرى بتعديل قوانينها القائمة.

علمًا بأن القانون هو مجرَّد أداة لتقرير وتنفيذ السياسات. وأن التطبيق السليم لأحكام الاتفاقية يقتضي البَدْء بترجمة أحكامها إلى سياسات متكاملة، يساهم في وضعها خبراء في تخصُّصات متعددة، ثم يأتي بعد ذلك دور القانون -باعتباره أداة تشريعية وتنظيمية- لتقرير ومساندة السياسات المستحدثة، ولضمان تطبيقها في إطار الواقع الاجتماعي. ومن هنا تأتي أهمية القانون.

 ولماذا تأخر صدوره كل تلك السنوات؟

– كما سبق وأشرت، فإن القانون هو واحد من آليات سياسات حماية الطفل، والسلطنة عملت منذ انضمامها إلى اتفاقية حقوق الطفل في 9 ديسمبر 1996 بموجب المرسوم السلطاني رقم 54/96، على اتخاذ سلسلة من التدابير والإجراءات لحماية الطفل.

وفي الحقيقة، حرصتْ السلطنة على إعمال حقوق الطفل بوقت مبكر حتى قبل إقرار اتفاقية حقوق الطفل في 1989، أو الانضمام إليها في 1996، ومعروف أنَّ السلطنة أولت اهتماماً خاصًّا بحقوق الطفل منذ الاحتفال بالسنة الدولية للطفل في العام 1979؛ حيث تم تشكيل لجنة للاحتفال بالسنة الدولية للطفل بناءً على القرار الوزاري رقم 6/78  لتحقيق عدد من البرامج والفعاليات، وتشكَّلت لاحقًا اللجنة الوطنية لرعاية الطفولة بموجب المرسوم السلطاني (92/85) في 6 أبريل 1985، برئاسة وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، ثم أعيد تشكيلها لتتبع وزارة التنمية الاجتماعية، برئاسة معالي وزير التنمية الاجتماعية. ونظراً لوجود مستجدات تتصل بالرؤية الشمولية لقضايا الأسرة -ومنها الطفل- أنشئت اللجنة الوطنية لشؤون الأسرة برئاسة وزير التنمية الاجتماعية، وعضوية الوكلاء في معظم المؤسسات الحكومية التي تُعنى بقضايا الأسرة والمرأة والطفل.

كما تشكلت أيضاً لجنة متابعة تنفيذ اتفاقية حقوق الطفل في وزارة التنمية الاجتماعية؛ بناءً على القرار الوزاري رقم 9/2001، والمعدَّل بالقرار الوزاري رقم 56/2009، وهدف تشكيلها إلى العمل على تفعيل مبادئ اتفاقية حقوق الطفل، ووضع الآليات والبرامج اللازمة لضمان حقوق الطفل في السلطنة.

وفي هذا الإطار، انطلقتْ فكرة إعداد قانون الطفل أثناء مناقشات اللجنة الوطنية لشؤون الأسرة، وبناءً على التوصية الصادرة عن اجتماعها الأول في مايو 2007، بدأ العمل لإعداد القانون بهدف دمج مبادئ وأحكام اتفاقية حقوق الطفل في القانون الوطني، وتم تشكيل فريق عمل لإعداد مشروع قانون الطفل ضَمَّ في عضويته ممثلين من الجهات ذات العلاقة. وبدأت الجهود بعقد حلقة حوارية للمختصين والعاملين في مجال الطفولة في نوفمبر 2007؛ تم خلالها الاطلاع على التشريعات القانونية ذات الصلة بالطفل، مع تحديد أهم المشكلات التي تواجه الطفل تمهيدا لإعداد مسودة قانون الطفل.

وعلى إثر ذلك، تم تشكيل فريق عمل من القانونيين والاختصاصيين من الوزارات المختلفة لإعداد مشروع القانون. وبعدها؛ عقدت ورشة عمل في سبتمبر 2008 لمناقشة مشروع القانون الذي تم إعداده من قبل اللجنة المشكلة.

وفي مارس 2010، تمَّ عرض مسودة القانون على اجتماع اللجنة الوطنية لشؤون الأسرة، وتم الاتفاق على إبداء الملاحظات والمقترحات النهائية، ومن ثم قامت وزارة التنمية الاجتماعية بإدخال الملاحظات والمقترحات المقدَّمة من الوزارات والجهات الأخرى، وعرضها على وزارة الشؤون القانونية التي تولَّت مُراجعته في الصيغة النهائية. وبعد ذلك؛ تمَّ عرضه على مجلس الوزراء، ومجلسي الشورى والدولة؛ للإقرار النهائي. وبهذا يكون القانون قد حَظِي بمراجعة المؤسسات المعنية كافة.

علمًا بأن قانون الطفل في عُمان استند إلى العديد من الأنظمة والقوانين والتشريعات المحلية ذات الصلة، وفي الأساس النظام الأساسي للدولة، وعدد واسع من القوانين، كقانون الجزاء العُماني، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون الأحوال المدنية، وقانون مساءلة الأحداث، وقانون رعاية وتأهيل المعاقين، واللائحة التنظيمية لدور الحضانة…وغيرها من القوانين واللوائح.

وارتباطاً بما سبق عرضه في سؤالكم الأول، يأتي الرد على السؤال الثاني؛ وهو: أن التأخير ارتبط بعديد من السياسات والإجراءات والتدابير التي حرصتْ السلطنة على تحقيقها لحماية الطفل قبل إصدار القانون، على أن يأتي إصدار قانون الطفل استكمالاً ومسانداً للسياسات التي اتخذتها السلطنة ولضمان تطبيقها في إطار الواقع الاجتماعي.

 وما هي الآليات التي ترونها (تتبعها الوزارة) لضمان توفير هذه الحقوق للطفل العُماني؟

– إن كفالة حقوق الطفل في المجالات المختلفة ترتبط عادة بعدد من الوزارات والهيئات الحكومية والأهلية المعنية، ويأتي دور وزارة التنمية الاجتماعية في الأساس إشرافي وتنسيقي، وكذلك في متابعة مستوى تنفيذ هذه الحقوق.

وبعد صدور قانون الطفل، يجري العمل حالياً في وزارة التنمية الاجتماعية -وبالتنسيق مع الوزارات والهيئات المختصة- على إعداد لائحة تنفيذية للقانون، يتم من خلالها تفصيل وتوضيح بعض المواد وآليات تنفيذها، إضافة إلى مُراجعة القوانين السابقة وإدخال التعديلات عليها وفقاً لقانون الطفل.

ولكفالة الحقوق التي أوردها القانون تتابع وزارة التنمية الاجتماعية -من خلال لجنة متابعة تنفيذ اتفاقية حقوق الطفل؛ باعتبارها الإطار الذي يضم ممثلي الوزارات والهيئات الحكومية والأهلية، وكذلك الإدارات المتخصصة فيها- مُستوى تنفيذ الخطط والبرامج الموجَّهة للأطفال من قبل الجهات المعنية بإنفاذ حقوق الطفل كافة.

وهناك إجراءات قادمة ستشهدها أنشطة وزارة التنمية الاجتماعية -وغيرها من الوزارات- على صعيد ضمان حماية الطفل؛ منها على سبيل المثال: الارتقاء بأوضاع فرق عمل دراسة ومتابعة حالات الأطفال الذين يتعرَّضون لسوء المعاملة والإهمال بالمحافظات والمناطق، التي أنشئت بناءً على قرار اللجنة الوطنية لشؤون الأسرة -القرار الوزاري رقم 78/2008- لتكون (لجان حماية الطفل) بعد أن ضمن لها القانون صفة الضبطية القضائية…وغيرها من التدابير بإذن الله.

ويبقى التحدي الأساسي لضمان توفير هذه الحقوق للطفل العُماني في إيجاد آلية مؤسسية متكاملة أو إطار متخصِّص لتعزيز الإشراف والتنسيق والمتابعة، ومن ثم التنفيذ للوفاء بحقوق الطفل العُماني.

 وما هي أبرز التحديات التي تتوقعون أن تعمل على الحيلولة دون حصول الطفل على حقوقه في السلطنة؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟

– في أي مجال يرتبط بالبُعد الحقوقي والاجتماعي، يتوقع المخططون وصناع القرار والمسؤولون التنفيذيون، عدداً من التحديات المرتبطة بالثقافة المجتمعية والعلاقات الاجتماعية. ويرى عديد من الخبراء في العلوم الاجتماعية ومجالات حقوق الإنسان والتنمية أن ثمَّة تحديًا يرتبط بحقوق الطفل ونماء شخصيته، تعاني منه المجتمعات الخليجية، وهو ما يسمى بـ”التربية بالوكالة”؛ أي اعتماد أغلب الأسر الخليجية في تربية الأبناء وتدبير أمورهم على الشغالات (المربيات) والعمال الأجانب (سائقين…وغيرهم)؛ وبالتالي تعزيز قيم الاتكالية لدى الأطفال وغيرها من القيم التي فرضتها متغيرات الطفرة النفطية؛ بما فيها اختلال البيئة السكانية، والعولمة.

وبالعودة إلى بعض الدراسات بشأن تأثير الخادمة أو الشغالة/المربية على تنشئة الطفل، وجد أنَّ هناك سلبيات أخرى. وتبلغ هذه السلبيات أحيانا حدًّا تهدد معه النمو السليم والتوافق ومتانة الهوية الوطنية؛ حيث يتعرَّض الطفل إلى حالة من التضارب في القيم والعادات والدوافع وأنماط السلوك ما بين الخادم/المربية والأهل. فتتضارب القيم والتوجهات والنظرة إلى الكَوْن ما بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الأصلية للخادم، ويضاف إلى هذا التضارب بدائية القيم والتوجُّهات والمستوى الثقافي للخادم؛ نتيجة لشيوع الأمية والعادات المستمدَّة من واقعه. ويُنتج عن هذا الواقع حالتين: تشويه الهوية الثقافية؛ مما ينعكس سلبا على الانتماء العربي الإسلامي؛ وبالتالي الانتماء الوطني. ونمو ثقافة تطغى عليها عادات مختلفة (ومتخلفة أحيانا)؛ مما يُعيق نمو القيم الضرورية لمواجهة الحياة المعاصرة وتحدياتها، والانفتاح على المستقبل بتحولاته المتسارعة، والقائمة على العقلانية والعلم.

أما بشأن التحديات التي قد تواجه تنفيذ قانون الطفل في السلطنة، فأنا أرى أنها محدودة ويتعلق أغلبها بالموروث الثقافي والمتجسِّد في بعض العادات؛ فمثلاً: إجراء الكشف الطبي قبل إبرام عقد الزواج، وإلزام ولي الأمر بإجراء الفحوصات الطبية اللازمة للطفل، وإدخاله المؤسسات الصحية لتلقي العلاج، وعدم إخراجه منها ما لم تكن حالته الصحية تسمح بذلك، وكذلك فيما يتعلق باختصاص لجان حماية الطفل في تلقي الشكاوى والبلاغات عن أي انتهاكات لحقوق الطفل، وحق كل شخص في الإبلاغ عن أية واقعة تشكل عنفاً ضد الطفل أو إساءة إليه، قد تكون من أبرز التحديات التي يُتوقع أن تلاقي صعوبات في التنفيذ، إلا أنه بالتوعية وتكثيف البرامج التثقيفية، وبالمشاركة المجتمعية يمكن التغلب التدريجي على مثل هذه تلك التحديات.

 في ظل غياب مكتبات عامة توفر الثقافة، فضلا عن غياب مكتبات متخصصة في شأن الطفولة، كيف يمكن تصوُّر نيل الطفل العُماني حقوقه الثقافية؟

– بداية؛ أرى أنه من المهم الإشارة في مجلتكم الغراء المعنية بالشأن الثقافي، إلى تعريف “ثقافة الطفل”؛ كون هذا المكوِّن لم يحظَ بالاهتمام في العديد من خطط التنمية في الدول العربية؛ فثقافة الطفل هي: جُملة من الأفكار والمعايير واللغات والمهارات، وأنماط السلوك الأخرى التي يشترك فيها الأطفال في جماعة أو مجتمع. ويخضع الأطفال في بناء ثقافتهم من خلال أفكار ومؤسسات الكبار؛ ابتداءً بالأسرة، ومرورا بمؤسسات التعليم ومؤسسات الإعلام. ومن هنا؛ يأخذ الكبار بمفاهيم ثقافة الأطفال، وعلى أساس ذلك يعملون من خلال المؤسسات المختلفة على إيجاد تنظيمات يخضع لها الأطفال، بقصد إنماء وتوجيه هذه الثقافة.

فثقافة الطفل ونيل حقوقه الثقافية، هي واحدة من التحديات التي تواجه الأطفال في العالم العربي، ويرتبط مستوى الارتقاء بها من دولة عربية إلى أخرى بوجود اختلافات في بعض المجتمعات التي شهدتْ بناها الثقافية والتعليمية تطوراً في بعض المراحل.

وتعدُّ المكتبات العامة والمكتبات المتخصصة بالأطفال من أبرز التحديات المرتبطة بالشأن الثقافي في المنطقة العربية، إضافة إلى غياب أو قلة الكتب الموجَّهة للأطفال والمجلات الخاصة بهم…وغيرها من المجالات الثقافية ذات الصلة بالطفل (مسرح الطفل، سينما الطفل…وغيرها).

وبالقراءة العامة لمؤسسات ثقافة الطفل، والجهود المبذولة على هذا الصعيد في السلطنة، تجدر الإشارة إلى أنَّ هناك جهوداً مقدَّرة بُذلت لإرساء ونشر ثقافة حقوق الطفل، تتمثل في متحف الطفل التابع لوزارة التراث والثقافة، والمسرح المدرسي والأنشطة الثقافية والمسابقات العلمية والفكرية التي ترعاها وزارة التربية والتعليم، ومسرح الطفل الذي تقام مهرجاناته سنويًّا، وملتقى الطفل العُماني الذي تنظمه وزارة التنمية الاجتماعية، وإقامة العديد من المسابقات الثقافية والفنية…وغيرها من المعارض والملتقيات الفنية والرياضية والترويحية التي تنفذها كلٌّ من وزارات التراث والثقافة، والرياضة، والبلديات في المحافظات والمناطق…وغيرها من المبادرات والأنشطة المتفرقة التي تنظمها بعض الجهات الحكومية والجمعيات الأهلية والقطاع الخاص، إضافة إلى مشاريع مجلات الطفل (الشرطي الصغير)، أو المتعثرة منها؛ مثل: قناديل (توقفت).

ومع أنه تحققت عديد من المكتسبات الثقافية لصالح الطفل في السلطنة، إلا أنه لا يزال هناك احتياج للعمل المؤسسي لإرساء ثقافة الطفل في خطط الوزارات ذات الشأن؛ وعلى رأسها: وزارات الثقافة والتراث، والإعلام، والشباب، والبلديات وتقنية الاتصالات.

إنَّ الارتقاء بأوضاع مؤسسات ثقافة الأطفال واليافعين، ستساعد في تكوين شخصية الطفل، وتنمية قدراته العلمية والإبداعية، وصقل مواهبه المختلفة، وتعزيز قيم الانتماء والولاء والسلام والتسامح والحوار…وغيرها من القيم الإنسانية النبيلة؛ وهو الأمر الذي يتطلب اعتماد سياسة مشتركة لعدة أطراف (ثقافية، وتربوية، واجتماعية، وصحية، وإعلامية، وإرشادية، وفنية، ورياضية وترفيهية…وغيرها)؛ من أجل التوسُّع في إنشاء وتجهيز مراكز ثقافة الطفل، وتأهيل الكوادر العاملة فيها.

ولعله من المفيد الإشارة إليه أن قانون الطفل تضمَّن فصلا متكاملا لتعزيز حقوق الطفل الثقافية؛ حيث تطرقت مواده الأربعة إلى ضرورة أن تكفل الدولة -بكل السبل المتاحة- إشباع حاجات الطفل الثقافية في شتى مجالاتها من: أدب، وفنون، ومعرفة، وتراث إنساني، وتقدم علمي حديث، وربطها بقيم المجتمع، وعلى أن تنشئ الدولة في سبيل ذلك مكتبات وأندية خاصة للطفل في كلِّ محافظات السلطنة؛ بهدف تنمية قدرات الطفل: الفكرية، والاجتماعية، والنفسية، والثقافية.

ولتحقيق هذه المواد، أقترح أن تعمل المؤسسات المعنية بثقافة الطفل كافة، على نشر ثقافة حقوق الطفل، وجعلها هدفا في سياسات وخطط التنمية للحكومة والوزارات المعنية. كما أقترح البَدْء بإعداد دراسة ميدانية عن واقع ثقافة الطفل وآفاقها؛ وبالتالي وضع تصوُّر متكامل لثقافة الطفل (خطة ثقافة الطفل)؛ بحيث تتضمَّن آليات تنفيذية لمراكز ثقافة الطفل، أو البرامج الثقافية المطلوب تنفيذها لنشر ثقافة حقوق الطفل، بالاستفادة من التجارب الخليجية والعربية.

مِنَ المتوقع أنْ يزداد الفاصل بين التعليم العام -نظرا لعدم مواكبته للتطورات- وبين التعليم المتاح في المدارس الخاصة؛ مما يُسفر عن ضعف كبير في مستوى التحصيل العلمي.. كيف يُمكن أن يضمن القانون حقَّ الطفل في التعليم اللائق بمسيرة الحضارة؟ أم أن القانون سيظل يطالب بأدنى مستوى لتعليم الطفل؟

– تُشير الدراسة التحليلية التي أعدها المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية، حول “دور الأسرة في مجتمع متغير”، إلى أنه رغم التحسُّن الكمي في التعليم في المجتمع العربي الخليجي، إلا أنه لا يزال هناك من العوامل في العملية التعليمية وتنظيمها ومحتوياتها ما يُشكل سببا للتساؤل حول مدى متانة التنشئة الاجتماعية في هذه المؤسسة.

كما أشارتْ الدراسة إلى التقارير التي تبيِّن أنَّ المدارس في المجتمع العربي الخليجي -خصوصا في المراحل الابتدائية والمتوسطة- تضم أعداداً من المعلمين والعاملين من جنسيات متعددة: عربية، وأجنبية، وآسيوية؛ سواءً في المدارس الحكومية أو الأهلية أو الأجنبية. وتستعين معظم أقطار المجتمع العربي الخليجي بعمالة تعليمية وافدة كثيفة العدد ومتنوعة الانتماء؛ نتيجة لقلة جاذبية مهنة التعليم بمتاعبها وأعبائها المعروفة مقارنة بمردودها، بالنسبة لأبناء الخليج.

وتكمُن خطورة هذا الواقع في كونه لا يدخل في تقويم العملية التعليمية ومردودها على صعيد التربية والتنشئة الاجتماعية؛ فحين يتعرَّض الطفل خلال سنوات التأسيس في دراسته الابتدائية والمتوسطة؛ حيث تُرسَى مقومات الهوية والتوجه والانتماء وأساليب التفكير ومقاربة الحياة وقضاياها والنظرة إلى الذات والكون، إلى هذا التنوع في المرجعيات التعليمية، فإنه من المتوقع أن تكون نتائجها ليست هينة. فكل معلم من كل جنسية لا يقوم فقط بتغطية منهاج موضوع رسميًّا، بل هو فوق ذلك -وقبله- يقوم بتربية من نوع ما. إنه يُلوِّن العملية التعليمية بطابعه، ويصبغها بمرجعيته الوطنية وأساليب تنشئته المعرفية والاجتماعية والقيمية والعلائقية، وأسلوب نظرته إلى الحياة. وحين تتعدَّد المرجعيات وتتنوع، وتتفاوت إلى حد التضارب؛ فإنَّ البلبلة الفكرية والتشويش القيمي واضطراب الأطر المرجعية تزداد درجته؛ مما يحول دون تكوين هوية متماسكة وذهنية منسجمة وموحَّدة.

ولا يقتصر الأمر على هذا التنوع في المرجعيات، بل يُضاف إليه التباينات الشديدة في أغلب الدول العربية -وبشكل خاص دول الخليج العربية- بين المؤسسات التعليمية، التي أفرزتْ عدة أنماط فارقة ومميزة من التعليم؛ فهناك التعليم الحكومي الذي لا يتسم بنوعية مرتفعة (في أغلب الحالات)، والتعليم الخاص، والتعليم الأجنبي (الذي تضخَّمت مؤسساته إلى حد كبير؛ سواء في مرحلة ما قبل التعليم الأساسي أو مراحل التعليم الأساسي وقبل الجامعي والجامعي)، وهذه الأنماط المختلفة التي اخترقتْ النسيج العربي الثقافي، لم تؤثر في تعميق الهوَّة بين الفقراء والأغنياء، وإنما أثرت في اللغة والثقافة والقيم، وأنماط الاستهلاك وقيمة الوطن، والمواطن، والنموذج والقدوة؛ وهو ما فجَّر عشرات القضايا والإشكاليات التي تتعلق بالطفل العربي والخليجي بشكل أكبر.

ويُضاف إلى ذلك -بالطبع- تقليدية المناهج، وطرائق التدريس والتساهل في معايير التحصيل، وشيوع النظرة غير الجادة للمدرسة.

إنَّ هناك منظومة قيمية ينبغي أن نعمل على تنشئة الطفل العربي والخليجي وفقا لها في مختلف المجالات؛ إذ ينبغي أن نغرس في الطفل اعتزازه بهويته الوطنية، وانتمائه إلى الثقافة العربية، واعتزازه بها والافتخار بأمجادها، كذلك الاعتزاز بتراثه العربي والإسلامي، ودوره في الحضارة الإنسانية، يُضاف إلى ذلك اعتزازه بلغته والسعي لإتقانها. وفى مجال العلاقة بالآخر، من الضروري التأكيد على الديمقراطية، واحترام القيم الإنسانية المؤكِّدة على حقوق الإنسان، وتمجيد الحرية وثقافة الحوار والانفتاح على الآخر وقبوله؛ ما دام ينتمي إلى العالم والثقافة العربية.  والتآخي والتسامح ونبذ المذهبية والتعصب، والاستبداد بالرأي، ورفض جميع أشكال السيطرة؛ بما في ذلك: الاحتلال والاستيطان. وفى مجال الحرية الشخصية، من الضروري التأكيد على حق الطفل في التعبير عن رأيه، وإفساح المجال أمامه لممارسة هذا الحق.

وتشير الأدبيات والمراجع الإحصائية إلى أنَّ الجهود الموجَّهة للأطفال بشأن التعليم في السلطنة متميِّزة، وتدل المؤشرات على تحقيق مستويات متقدِّمة لنماء الطفل العُماني، إلا أنه لا تزال هناك بعض الصعوبات قائمة، وتحديدا في التعليم قبل المدرسي (الحضانات ورياض الأطفال)، والتي يُسيطر عليها القطاع الخاص؛ مما يَحْرم قطاعا واسعا من الأطفال من الالتحاق بهذه الدُّور، التي يُؤمل أن ترتقي بتنشئة الطفل العُماني تنشئة وطنية، متى ما تم تطويرها (بنيويا ومؤسسيا)، كما أنَّ هذا التطوير سيؤدي حتمًا إلى التقليل من الاعتماد على الشغالات الأجنبيات والعمالة الأجنبية (الخدم والسائقين…وغيرهم) عند التوسع بفتح هذه الدُّور في كل محافظات ومناطق السلطنة.

كما أنَّ مُخرجات التعليم الأساسي النوعية (أسوة بأغلب الدول العربية) بحاجة إلى مراجعة وتطوير وإعادة النظر؛ باعتبار التعليم هو أساس التنمية؛ فتطوير قطاع التربية والتعليم بشقيه (قبل المدرسي، والأساسي) سيوفِّر عمالة وطنية متعدِّدة الاختصاصات (مربيات ومعلمات ومعلمين، حراس إنشاءات، سائقين…وغيرهم من العُمانيات والعُمانيين)، وعلى المستوى الآخر سيُقلل من ظواهر الاعتماد على الشغالات والمربيات الأجنبيات…وغيرها من المهن غير الضرورية التي يُؤديها وافدون أجانب، تختلف ثقافتهم عن ثقافة المجتمع العُماني. كما أن للموضوع أهمية خاصة في الحد من بعض الظواهر السلبية التي ظهرتْ مُؤخرا، مع انتشار القيم الوافدة على المجتمع. وسيعزِّز هذا البُعد قيم الانتماء والولاء للوطن.

ولهذا؛ حرص قانون الطفل في عُمان على ضمان الحقوق التعليمية في مبدأي: الإلزام والمجانية؛ حيث كفل القانون الحق في التعليم المجاني في المدارس الحكومية حتى إتمام مرحلة التعليم ما بعد الأساسي.

كما ألزم تعليم الطفل حتى إتمام مرحلة التعليم الأساسي، كما أوجب القانون على ولي الأمر مسؤولية تسجيل الطفل، وانتظامه في المدرسة، والحيلولة دون تسربه منها.

ولضمان التعليم اللائق بمسيرة التقدم الحضاري، حدَّد القانون أهدافاً لتعليم الطفل في مُختلف المراحل؛ من أجل تحقيق الآتي:

أ- تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها، مع مراعاة اتفاق برامج التعليم مع كرامة الطفل وتعزيز شعوره بقيمته الشخصية وتهيئته للمشاركة وتحمل المسؤولية.

ب- تنمية احترام الحقوق والحريات العامة لدى الطفل.

ج- تنمية احترام الطفل لذويه ولهويته الثقافية ولغته وللقيم الدينية والوطنية.

د- تنشئة الطفل على الانتماء لوطنه والوفاء له، وعلى الإخاء والتسامح بين البشر، وعلى احترام الآخر.

هـ- ترسيخ قيم المساواة بين الأفراد وعدم التمييز بينهم بسبب الدين أو الجنس أو العرق أو العنصر أو الأصل الاجتماعي أو الإعاقة، أو أي سبب آخر من أسباب التمييز.

و- تنمية احترام البيئة الطبيعية والمحافظة عليها.

ز- إعداد الطفل لحياة مسؤولة في مجتمع مدني مُتضامن قائم على التلازم بين التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات.

وأرى أنه متى اضَّلعت المؤسسات التعليمية المعنية لدَوْرها من أجل تحقيق الأهداف أعلاه، فإنه يمكن بناء جيل عُماني مجيد تعليميًّا وتربويًّا، ومنتمٍ لثقافة مجتمعه وهويته الوطنية والعربية والإسلامية، وعنصرا فاعلاَ في الثقافة الإنسانية.

3,299 total views, 8 views today