Majid AlBusafi

د. ماجد البوصافي

مساعد عميد كلية التربية للدراسات الجامعية، جامعة السلطان قابوس.

يُعدُّ المعلم الركيزة الأساسية في النظام التعليمي. وبالرغم من أنَّ المعلم يُعتبر متغيرًا واحدًا من بَيْن عدَّة متغيرات في العملية التربوية، إلا أنَّ هذا المتغير ذو أثر كبير في تحقيق أهداف النظام التربوي وفي تفكير وسلوك التلاميذ. ولأهمية دور المعلم، تبذل المؤسسات التعليمية جهود للاهتمام ببرامج إعداد المعلم والارتقاء بمهنته؛ وذلك لما لها من أهمية بالغة في تطوير الأداء التدريسي في المدرسة.

وبشكل عام، ينقسمُ التدريب من حيث التنفيذ إلى قسمين؛ هما: التدريب قبل الخدمة، وهو إعداد المعلم أثناء دراسته الجامعية لأداء مهمات معينة. والتدريب أثناء الخدمة، وفيه يتم تدريب المعلمين الذين تم تعيينهم؛ وذلك لتنمية معارفهم وتزويدهم بالمهارات الفنية العملية اللازمة لأداء العمل بإتقان. سأركِّز في هذا المقال على الأجزاء الأربعة التي -في اعتقادي- تمرُّ بها سلسلة إعداد المعلم؛ وهي: عمليات قبول المعلم في المؤسسات التي تقوم بإعداده، وإعداد المعلم قبل الخدمة، والتأكد من جودة المعلم (الرخصة قبل الخدمة)، وأخيرا: إعداد وتدريب المعلم أثناء الخدمة.

إعداد المعلم قبل الخدمة يبدأ في عمليات القبول؛ حيث يتوقَّف نجاح نظم الجودة الشاملة لإعداد المعلم على جودة العناصر البشرية المرشحة للالتحاق بالمهنة؛ الأمر الذي يتطلب وجود معايير واضحة لانتقاء وقبول الطلاب المرشحين. ومن أهم معايير اختيار المعلمين: السمات الشخصية والمتطلبات المهنية. فلابد من التأكُّد من الاتجاهات الإيجابية نحو مهنة التعليم، والتأكد من مهارات الاتصال والحوار ومهارات القيادة وحل المشكلات…وغيرها من المعايير التخصصية والثقافية والأخلاقية. إنَّ الحاجة إلى زيادة أعداد المعلمين لا يفترض أن تجعل هذه المؤسسات تقلل من معايير الدخول لمهنة التعليم، بل يجب أن تبحث عن طرق لتشجيع وجذب الطلاب المتميزين ومن ذوي المعدَّلات العليا للالتحاق بها. كما أن أعداد الطلاب المقبولين سنويًّا يجب أن يتم وفق الحاجات الفعلية (المستقبلية) لسوق العمل، والتي يتم تحديدها من قبل وزارة التربية والتعليم عن طريق توفير بيانات كمية مُتمثلة في الأعداد، ونوعية متمثلة في التخصصات المطلوبة؛ لتحقيق التوازن بين العرض والطلب في إعداد المعلمين.

وهُناك علاقة قوية بين تأمين المستقبل الوظيفي للمعلم ورفع مستواه الاجتماعي وبين إجراءات القبول؛ فإذا تمَّ تحسين مكانة المعلم في المجتمع خلق ذلك نوعاً من الجذب نحو المهنة؛ مما يُؤدِّي إلى تطوير آليات الانتقاء للمتقدمين لتتم في ضوء معايير جودة عالية، وإخضاعهم لاختبارات عالية المستوى ومقننة، ومقابلات شخصية جادة تسمح بانتقاء أفضلهم، وتحدِّد مدى صلاحيتهم لمهنة التدريس.

وبعد عمليات القبول، تأتي مرحلة إعداد المعلم أثناء الدراسة؛ حيث يستخدم في مجال إعداد المعلم مجموعة من الأنظمة أهمها النظام التكاملي، وفيه يدرس الطالب المواد الأكاديمية التخصصية والمقرَّرات الثقافية ومواد الإعداد التربوي في سنوات محددة؛ سواء بنظام الفصول الدراسية أو نظام الساعات المعتمدة. والنظام التتابعي؛ وفيه يدرس الطالب المواد الأكاديمية التخصصية في كليات مختلفة (مثل: كليات الآداب أو العلوم). وبعد الانتهاء من الدراسة والحصول على الدرجة الجامعية، يتم إعداد من يرغب في التدريس بإلحاقه ببرامج الدبلوم التربوي. ولا شكَّ أنَّ كلا من النظامين له أجابياته وسلبياته، ولكن يبقى النظام التكاملي هو النظام الأساسي لإعداد المعلم.

وللاهتمام بجودة برامج إعداد المعلم قبل الخدمة، على المؤسسات المعدة أن تتأكَّد من أنَّ جهودها مُنصبَّة في ذلك الاتجاه. فلا تتشتت جهودها وتنحاز لبرامج أخرى على حساب برامج الدراسات الجامعية في ظل الحاجة الماسة للمعلمين. كما يجب أن تتأكد أنَّ هناك اهتماما بالأنشطة اللاصفية الضرورية للعملية التربوية، والتي أثبتت أن لها دورا كبيرا في إعداد المعلم وزيادة عطائه وإنتاجيته أثناء الخدمة. كما أنَّ مُعدِّي المعلم يجب أن يحملوا المؤهلات التربوية والعلمية الكافية، ويستخدموا طرقًا تدريسية مُتطورة غير تقليدية، ولا تعتمد فقط على التلقين. وقد يُلاحظ أنَّ هناك تعددًا في الجهات المسؤولة عن إعداد وتدريب المعلمين. وبالرغم من أنَّ هذا التعدُّد يخلق تنافسا إيجابيًّا في عملية الإعداد، إلا أنه قد يُؤدي إلى تفاوت مستوي الإعداد -من حيث مدته الزمنية، ومحتوى البرامج، ونوع الشهادات- ومن ثم التفاوت في جودة الخريج (المعلم). وهنا؛ يُفضَّل أنْ يتم تحديد جهة مسؤولة للتنسيق بين هذه المؤسسات وضع معايير موحَّدة لبرامج الإعداد.

وبعد اكتمال عملية إعداد المعلم قبل الخدمة، لابد من التأكد من جودة المعلم؛ وذلك بتطبيق اختبارات تُثبت صلاحيته لمهنة المعلم. وهذا يدعونا للحديث عن فكرة تطبيق سياسة الترخيص لمزاولة مهنة التدريس، والتي قد تُعتبر أحد أهم المتطلبات الأساسية لضمان جودة أداء المعلم قبل تعيينه بشكل دائم، والحرص على ألا يلتحق بهذه المهنة إلا مُعلمون قادرون على الممارسة المهنية الفاعلة. وقد تكون الرخصة بطُرق مختلفة منها: أن يتم تعيين المعلم بصورة مؤقتة لمدة عام، ويُشرف عليه خلال هذا العام معلم المادة الأساسي؛ لكي يستفيد من خبراته، واعتبار السنة الأولى لعمل المعلم بعد الحصول على البكالوريوس بمثابة سنة تدريبية يُمارس فيها المعلم عمله بأجر كامل تحت إشراف الكلية التي تخرج فيها. وبعدها، عليه أن يجتاز اختبار في نهاية العام للحصول على الترخيص للعمل في التدريس. وقد يتمُّ تجديد هذه الرخصة بعد اجتياز اختبارات دورية، خاصة في ظلِّ النمو المعرفي والتقدم التقني السريع. كما أنَّه يفضل أن تصدر هذه الرخصة من المؤسسة المعدة للمعلم. على أن تكون هناك زيارات لهيئة التدريس من المؤسسات التي أعدت المعلم كزيارات إشرافية له.

… إنَّ المعلمَ يحتاج إلى التدريب أثناء الخدمة؛ وذلك لأنَّ التعليم ممارسة مستمرة متغيرة حسب مواقف التعلُّم والتعليم ومتغيرات معرفية ومهنية وعلوم وتقنيات جديدة تستجد باستمرار. لذلك، فمن المهم تجديد خبرات المعلمين وزيادة فاعليتهم. والمقصود بالتدريب أثناء الخدمة هو تلك البرامج الدورية المنتظمة التي قد تكون على شكل دورات وورش عمل…وغيرها من الأنشطة التي ينضمُّ إليها المعلم بتخطيط مسبق، ويشرف عليها مجموعة من المشرفين المختصين في مجالات تربوية وتعليمية مختلفة؛ مما يُسهم في رفع مستوى أداء المعلمين بصورة مستمرة. كما أنَّ نوعية التدريب تختلف حسب حاجة المعلم؛ فالتدريب الذي يحتاجه المعلم المبتدئ يختلف عن التدريب الذي قد يحتاجه المعلم الأقدم والمتمرس. وبشكل عام، تهدفُ عملية تدريب المعلمين أثناء الخدمة إلى علاج نواحي القصور أو النقص في برامج الإعداد، وإتاحة الفرصة للمعلمين للحصول على مهارات وخبرات جديدة، وتحديث معلومات المعلم في مجال تخصصه وفي مجال تقنيات التعليم وتحسين طرق التدريس.

وهنا.. تجدر الإشارة إلى أنَّ التدريب أثناء الخدمة لا يعتمد فقط على الأسلوب التقليدي وهو الدورات التدريبية، بل يجب أن يأخذ مسارات ووسائل أخرى كالمدرس الزائر والمدرس التدريبي المشترك والمدرس التدريبي النموذجي. ومن التوجهات الجديدة أيضا: أن يتم تفريد التعليم في هذه البرامج؛ ليتدرب كل معلم بمفرده بحسب استعداداته وقدراته ومهاراته، وأن يتقدَّم في البرنامج التدريبي وفق سرعته وقدراته، وبما يتناسب مع ظروفه الخاصة. كما أنَّ تنمية المعلمين مهنيًّا أثناء الخدمة داخل المدرسة يعتبر أيضا من الاتجاهات الجيدة في تدريب المعلمين أثناء الخدمة؛ فبعد أنْ كانت القاعدة أن يتدرَّب المعلمون في مؤسسات خارج المدارس، قد ينتقلُ التدريب إلى داخل المدرسة؛ بهدف رفع كفاءة المعلم فيما يتعلق بالممارسات التربوية داخل الصف المدرسي، وتطوير أداء المدرسة ككل في عمليات التعليم والتعلم.

وتعد مراكز المعلمين أحد التوجهات المفيدة لتقديم برامج لتدريب المعلمين أثناء الخدمة، وهي عبارة عن مركز يجمع عددًا من المتخصصين في مهنة التعليم؛ هدفه تزويد المعلمين بكل ما هو جديد في مجالات؛ منها: المناهج والوسائل التعليمية وطرق التدريس وأساليب التقويم. وتوفر مراكز المعلمين مساعدة استشارية من خلال خبراء في المجالات التعليمية.

وختاما.. هُناك حاجة لتطوير البحث العلمي في مجال إعداد وتدريب المعلم وتشجيعه، وأن تعتمد مؤسسات إعداد وتدريب المعلم على نتائج البحوث كأساس لتطوير وتحسين برامجها. كما أنَّ هناك حاجة لوضع خطة إعلامية لتحسين صورة المعلم في المجتمعات النامية، وتغيير النظرة الاجتماعية لمهنة التعليم لتصبح مهنة جاذبة.

15,485 total views, 5 views today